المحــــارب **
16-11-07, 09:33 PM
كل يوم يخرج علينا فكر مشوه جديد (نحن نتحدث عن فكر وليس اشخاص )
... ويلاقي بكل اسف دعما لا محدود من بعض الفئات التي حملت على عاتقها
دعم كل ماهو ضد التيار الديني والنسق المحافظ للشعب السعودي ...
والعجيب والاعجب انه عندما يحاول المصلحون اسكات هؤلاء المشوهون
ينطلق الدعم المسعور والمدفوع مسبقا ليجعل المجتمع جانيا والجاني
هو الضحيه
دعوة لقراءة هذا الفكر الذي يستطيع تفنيده -طالب في المتوسطه -
واعلم انكم لن تكملوه لانه للحق اقل من ان يقرأ ...
الى الموضوع المنقول من الساحات 8
8
* أصدر مجلس جامعة القصيم قرارا يقضي بطي قيد المعيد محمد بن علي المحمود من قسم الدراسات العليا وإلغاء رسالته المسجله للماجستير والطلب من عميد كليته أن يتم تحويله إلى موظف اداري أويبحث له عن موقع خارج الجامعه..
وبرر المجلس ذلك بعدم جديته واستخفافه بأنظمة الجامعه وانقطاعه عن مشرفه ..
الجدير بالذكر أن المعيد المحمود هو أحد معيدي قسم الأدب والبلاغة والنقد في كلية اللغة العربية بجامعة القصيم وقد
سجل الماجستير في عام 1421 وكان من المفترض أن يناقش رسالته في نهاية عام 1424 لكن تساهله في ذلك واستخفافه بأنظمة الجامعة الجامعة بالإضافة إلى مشاغباته ومناقشاته العقيمة مع طلاب الجامعة دعت المجلس لاتخاذ هذا القرار..
ويعتبر المحمود أحد أهم كتاب جريدة ( الرياض) وذلك لم يمنع جامعة القصيم من تطبيق اللوائح والأنظمة بحقه
عن ثقافة الموت والإنتحاروتوظيف الدين لذلك .
الموت كثقافة ... قراءة في التوظيف الإيديولوجي
محمد بن علي المحمود
مجالات توظيف ثقافة الموت كثيرة . لكنها تكون على درجة من البشاعة والظهور العلني في هذين المجالين :
مجال الوعظ ، ومجال تحضير عناصر الانتحار / الاستشهاد.
يحتل الموت كنهاية ، وكبداية أيضا موقعا محوريا في منظومة الأديان كافة . فالدين أي دين ليس مجرد خطاب في الدنيوي ، وإنما هو في الأساس ، وقبل الدنيوية خطاب في الماورائي ، وماورائية الموت على نحو خاص . واهتمامه بالدنيوي مهما اتخذ موقعا متميزا ؛ يبقى تميزه محصورا في المستوى الوسائلي ؛ لأن الحياة لا ترقى أن تكون موضوعا بذاتها ، فهي وفق هذا التصور تبدأ حقيقتها في لحظة النهاية . هكذا يزعمون ! .
من خلال رحلة الفكر المعاق في تهميش الحياة ، يظهر ما يسمى بتمجيد الموت ؛ كما في ترميز الاستشهاد عند بعض الإيديولوجيات النضالية ، أو باستحضار الموت كواقعة عدم وتلاشٍ ، أو كبداية عالم مليء بالرعب إلى درجة تتضاءل فيها غريزة الحياة ، وتصبح الحياة بعد تعزيز هذا التصور العدمي مجرد محطة انتظار للموت المتوقع بين لحظة وأخرى .
تهميش الحياة لحساب الموت ، ليس شجاعة في مواجهة الموت ، بل هو رعب غير طبيعي من الموت ، يصل بالإنسان إلى درجة الوسواس المرضي ؛ فتهيمن عليه رؤى الموت ، حتى في أبهج لحظاته ، وأشدها في مضمار الحياة ألقا . استحضار الموت هربا من الموت ، ليس إلا سلوكا مرضيا ، يظهر نتيجة منح الموت أكبر من حجمه الطبيعي ، فينتقل من كونه لحظة عابرة في حياة الكائن الحي ، إلى كونه العالم الحاضر ، الذي يملأ الأسماع والأبصار، والوجود الماثل ، الذي يلتهم عالم الحياة والأحياء .
يتعذر الوجود الحي ، دونما ثقافة تعزز هذا الوجود . بناء الحياة كنسق وجود ، يقود إلى كل ما يعزز هذا النسق ، من مشاريع تنموية وفكرية ، تسد قدر استطاعتها المسامّ التي يمكن أن يتسلل الموت من خلالها . صناعة الحياة ، لا تتم في سياق ثقافي طافح برؤى الموت . عندما تكون الحياة هامشية في الوعي العام ، فليس هناك ما يبرر الجهد الهائل المبذول للارتقاء بها . ومن ثم ، فلا وجود لعمل مشروع ، إلا لمشاريع : بناء محطات انتظار الموت .
واضح أن الحياة لا تنتهي . حياة الكائن الحي من حيث هو فرد هو الذي ينتهي بالموت . ومعنى هذا أن الثقافة التي تعزز ثقافة الموت ، يقوم بها أناس في غاية الأنانية ؛ لأنهم شعروا أ م لم يشعروا ربطوا الحياة بوجودهم الفردي . الحياة في وعي الأناني ، هي حياته ، ولا معنى لأية حياة غيرها . وبما أن حياة الفرد هشة ، ومعرضة للتلاشي بين لحظة وأخرى ، فإن هذا الأناني لا يرى معنى للاحتفاء بالحياة ، التي تصبح هنا : حياة الآخرين . ومن ثم ، يرى هامشية الفعل الإنساني الذي يمتد لأكثر من حياة فرد ، وربما المتوقع من حياة ، وهو ضئيل في نظر منتجي ثقافة الموت .
طبيعي في مثل هذه الحال التي يهيمن عليها الوجود الفردي من جهة ، ويهيمن على هذا الوجود الفردي حضور الموت في كل لحظة ، أن ينعدم الحماس لأي شيء يقع في هذا السياق الهامشي : الحياة . وهذا ما يفسر حقيقة أن النهضة لم تقم في ظل الثقافة الكنسية التي كانت تهمش الحياة ، وتعزز من شعائرية طقوس الموت ، وأن النهضة لم تبدأ ، إلا عندما بدأت هذه الثقافة المميتة تتوارى ، وعندما بدأ التفاؤل بمستقبل الإنسان كجنس وليس كفرد يصل درجة الإيمان الديني .
سيكولوجياً ، الإنسان لا يستطيع بذل جهده إلا في سبيل هدف يوازي هذا الجهد المبذول . وبما أن الحياة كلها في ظل ثقافة الموت ليست هدفا ، ولا قيمة لها ، وهي كحياة فرد محكوم عليها بالموت سلفا ، فلا شيء وفق هذه الرؤية السالبة يبرر بذل أي جهد ؛ لأن أي جهد ، سيصبح عبثا في هذا الفضاء المحكوم بالفناء .
الموت كثقافة ، تحاول كثير من الإيديولوجيات توظيفه لصالحها . وما يهمنا هنا هو ما يجري في ثقافتنا العربية اليوم ، من عملية استحضار لثقافة الموت ، وتهميش لثقافة الحياة . وهذه الثقافة تظهر في أكثر من ميدان . لكن ، ظهورها الجلي يمكن رؤيته في مجالين :
الأول : الثقافة الجنائزية / القبورية الوعظية ، التي نعاني من انتشارها السرطاني في السياق التعليمي ، وفي أشرطة وكتيبات دعاة وداعيات القبور ، بحيث يجري استحضار عالم الموت بكل تفاصيله ؛ لغرسه في وجدان الجيل الناشئ الذي للتو بدأ رحلة الحياة . وبهذا يجري قمع الحياة منذ البداية ، بل قمعها وهي في أرقى صورها امتلاء بغريزة الحياة . وهذا مجال أصبحت فيه هذه الظاهرة كارثة . وقد كتب عنها كثيرون ، وخاصة الصديق الدكتور : حمزة المزيني ، في مقالين له في جريدة الوطن .
الثاني : ظاهرة المتاجرة بالموتى ، الذي تقوم به الحركات القوموية أو الإسلاموية ، التي تدعي ممارسة النضال المقاوم للأعداء . وهذا ظاهر في سلوكيات حركتي : حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين ، وإلى حد ما ، لدى : حزب الله ، في لبنان . وتصل المتاجرة بالموتى ، لدى حماس والجهاد الإسلامي ، إلى درجة انتهاك حرمات الموتى ، بعرض أجساد القتلى مكشوفة لوسائل الإعلام في المستشفيات ، أو بالتشييع الجنائزي الكرنفالي ! ، الذي يمارس جريمة : عرض جسد القتيل ؛ بغية إحراز أكبر قدر من التجييش الإيديولوجي لعواطف الجماهير . طبعا ، مجالات توظيف ثقافة الموت كثيرة . لكنها تكون على درجة من البشاعة والظهور العلني في هذين المجالين : مجال الوعظ ، ومجال تحضير عناصر الانتحار / الاستشهاد . قد يبدو أن هذين المجالين منفصلان ، وأن نقاط الالتقاء ضعيفة ، إلا أنهما يلتقيان في العمق ، فكلاهما يستحضر ظاهرة كسلعة إيديولوجية ، يجني من ورائها كثيرا من الأرباح . تلك الأرباح التي قد تكون مباشرة وسريعة ، كما في المجال الثاني ، وقد تكون غير مباشرة ، وبطيئة ، كما في المجال الأول .
هناك أثر نفسي مدمر ، وخاصة في المجال الأول . لكن ، ليس هذا في السياق المباشر لهذه القراءة . المهم هنا ، كيف يحدث التوظيف الإيديولوجي لظاهرة الموت ، إلى درجة تصبح هذه الثقافة في مجاليها من لوازم الحراك الأصولي المتطرف ؟ . في ضوء ممارسات بهذا الحجم الحركي ، وعلى هذا النحو من الخطورة ؛ لا شيء يأتي بتلقائية ، فضلا عن براءة تتلبس حسن النوايا .
في مجتمع كمجتمعنا ، تتميز الجماهير فيه بطيبة فطرية ، ورغبة صادقة في التدين ، يجري تمرير مثل هذه الثقافة ، وأحيانا تصل حد اختراق المناشط التعليمية والدعوية . لا أحد من هذه الجماهير جراء طيبة تصل حد السذاجة يتنبه إلى الخطر القاتل من عدة نواحٍ في هذه الثقافة الرهيبة ، التي تنقل عالم القبور والأموات ، إلى حيث يجب أن يتعلم الناس فن الحياة .
أحدهم ، لما طرحت عليه هذا الموضوع ، اعترف بالأثر النفسي المدمر ، ولكنه استبعد التوظيف الإيديولوجي ؛ لأنه كما يزعم يعرف كثيرا ممن مارس هذه الثقافة في مدارسنا ، من معلمين ومعلمات . وهو يؤكد أن ممارسي هذه الثقافة يتميزون بالضحالة العلمية في مجال اختصاصهم ، والتشوهات الفكرية ، والاكتئاب الدائم ، وأنهم يقومون بهذا ، لسهولته فهو لا يكلف غير استحضار بعض الأشرطة والمطويات ولأنه يعوضهم عن الفشل في الحياة والعمل . ومن ثم ، فهو يؤكد أن أناسا على هذه الدرجة من السذاجة والعاطفية ، لا يمكن توقع أنهم يخططون استراتيجيا لما يقومون به من ترويج ثقافة الموت .
في اعتقادي أن هذا التأكيد ليس أكثر من قراءة الظواهر مجردة من علائقها ، ومن خلفياتها التي تحركها من خلف ستار ، أو من خلف أستار . صحيح أن الممارسين المباشرين لهذه الثقافة يتصفون بهذه الصفات : الضحالة العلمية التي تجعلهم فاشلين في اختصاصاتهم ، والبحث عن دور يغطي على هذا الفشل ، والتشوهات الفكرية نتيجة إدمان ( كاسيتات ) مروجي ثقافة الموت ، والمعاناة من أزمات نفسية خاصة ، تجعلهم يهربون من عالم الحياة إلى عالم الأموات ، لكن ، كون كل هذا حقيقة ، لا يعني أن المهندسين لهذه الثقافة ، والرابحين إيديولوجيا منها ، على هذه الدرجة من العفوية / البراءة التي تتصف بها الكوادر الحركية العاملة في الميدان ، تلك التي ربما لا تعي أنها تعمل في إطار حركي منظم ، يتوسل بثقافة الموت أو يتسول بها عواطف الجماهير ، تلك الجماهير التي لا يرعبها المصير بحد ذاته ، وإنما يرعبها المصير المتخيل ، المصير الذي تجري صناعته لها ؛ كجزء من احتوائها عن طريق نشر الرعب الأبدي ، في حال الخروج على إيديولوجيا الرعب .
إن ثقافة الموت لا تكتفي بالإرهاب بالموت كحدث ؛ لأن واقعة الموت كحدث عابر يتم تجاوزها ، بل وربما يتم تقبلها في بعض الأحيان . ومن ثم ، فهي لا تثير الرعب الذي يريد الإيديولوجي استثماره لإخضاع الجماهير لإرادته ، عن طريق إخضاعهم لثقافته . لهذا ، يبدأ الإرهاب بما بعد الموت ، ليس بوصفه إحساسا متصلا بالعدم ، إذ لا يؤمن الكثير بوجود هذا الإحساس ، وإنما بعالم ما بعد الموت . وهنا يصبح الموت ليس كافيا ، فيتم استحضار عالم مرعب ، يصل ببعض المتماهين مع هذا الخطاب إلى درجة الخوف من هذا العالم المتخيل ، أشد من الخوف الذي تبعثه واقعة الموت ، كوجود متعين .
يدل هذا على أن هذا الخطاب يتعمد استثارة حالة رعب ، أن الإرعاب يجري بالموت ، عبر تمثيل طقوسه وشعائره ، ولكن ، وفي اللحظة ذاتها ، يتم تصوير هذا الموت المرعب ، على أنه لا شيء ، قياسا بالرعب المنتظر . ولأن الموت لأكثر من سبب ، قد يصبح أمرا مألوفا ، أي لا يثير الرعب ، بل قد يتحول نتيجة معاناة ما ، إلى راحة مطلوبة ، فمعنى ذلك أن هذا المتحرر من الخوف من الموت ، قد يفلت من الحصار الإيديولوجي . لهذا ، تجري هذه الإجرائية الاستباقية ، التي تجعل من الموت بداية الرعب ، وليس نهايته .
هكذا تنجح ثقافة الموت في محاصرة الوعي الجماهيري المشدود إلى عالم الوعظ العاطفي . إن هذه الجماهير تصبح فريسة هذه الثقافة ، التي لا تدع لها مجالا للهرب منها . لسان حالها يقول : إلى أين ؟ ، حتى لو هربتم منا إلى الموت ، وهو أقصى مدى إنساني ، يمكن للإنسان أن يهرب إليه ، فإنكم أيضا ستقعون بأيدينا ، وتحت سيطرتنا . إنه حصار لا يكتفي بحدود الموت ، وإنما يأخذ على الإنسان كل منفذ ، حتى ولو كان منفذا متخيلا في الما وراء .
على هذا النحو ، يصبح الإنسان لا يملك من مستقبله إلا هذه السنوات ، بينما المستقبل كله في قبضة هذه الإيديولوجيا ، وعليه أن يهب هذه السنوات قربانا لهؤلاء ، وإلا فإن مستقبله كله ، سيكون بالصورة المرعبة التي يجري وضعها في الأشرطة ، وعلى أغلفة المطويات ؛ ليتم تثبيتها في الخيال . إنه ليس حرمانا من الحياة فحسب ، وإنما وهذا الأقسى حرمانا من الحلم الخاص بالانعتاق أيضا . حتى الأحلام ، المستقبل كما يتراءى في المخيال ، يتكفل هؤلاء بصنعه ، وتحديد معالمه ، وتفصيل وقائعه ، على مقتضيات الحاجة الإيديولجية الآنية ، لهذا الحركي أو ذاك .إن التوظيف الإيديولوجي لثقافة الموت ، وكما هو مطبق في الثقافة العربية اليوم ، يسير في اتجاهين :
الاتجاه الأول : يعمد إلى زرع الاستهانة بالحياة ، واعتبراها تافهة ، في مقابل تمجيد الموت ، للحصول على عالم ما بعد الموت ، في شقه الإيجابي كما يتم صنعه في المخيال . وهذه الممارسة ، تمارس التوظيف الإيديولوجي على نحو مباشر ، إذ هي تصرح للمتماهي مع ثقافتها ، أنها تعده للاستشهاد ، وأنه ليس أكثر من مشروع موت . وهذا ما تفعله حماس ، والجهاد الإسلامي ، وحزب الله ، والجماعات المتطرفة لدينا ، حيث الشباب الغض يقاد إلى الموت طوعا ، ولكن بإكراه ثقافة الموت التي غذي بها .
يلاحظ على هذا الاتجاه ، وخاصة عند دعاته المحليين لدينا ، أنهم يعدون شبابنا للموت ، بينما هم كدعاة وقادة يعدون أنفسهم وأسرهم في مجال حياتهم الشخصية للحياة . والذين عهدناهم لعشر سنوات أو أكثر ، يروجون للجهاد كما يزعمون ، أو ل( صناعة الموت ) ، لم نجد أحدا منهم قدّم نفسه ، أو أحد أبنائه للموت في هذا المضمار ! . إنهم يسكنون أوسع المساكن ، ويركبون أفخم المراكب ، ويلبسون أغلى الملابس ، بينما هم يرفعون أصواتهم لدعم حركات (الجهاد ) ، ونصرة ( المقاومة ) ! . هل هم يؤثرون مريديهم ب( الجنة ) على أنفسهم ؟ ! . ربما ! ، فتفاصيل سلوكياتهم تشهد بوجود هذا الإيثار ! .
الاتجاه الثاني : استثمار الواقع النفسي الذي تصنعه ثقافة الموت . وهذا في اعتقادي أخطر من الاتجاه السابق ؛ لأنه يخفي الأهداف المباشرة ، ويظهر بمظهر الفاعل الوعظي الخالص . الاتجاه السابق فيه درجة من التغرير والخداع ، ولكن ، فيه أيضا درجة من الوضوح والمباشرة ، مما يجعل المخدوع يتحمل درجة كبيرة من مسؤولية انخداعه .
إن هذا الاتجاه الثاني ، وهو الذي تجري بواسطته اللعبة الكبرى ، يستحضر ثقافة الموت ، حتى يعتقد المستمع أو المشاهد ، أن المطلوب منه ليس أكثر من الرجوع عن الأخطاء السلوكية = ( المعاصي )، بينما ذلك لم يكن إلا الخطوة الأولى ..! . وبقية الخطوات سوف تأتي تباعا ، وعلى نحو تلقائي ؛ لأن هذه المتغيرات السلوكية ، ترافقها بالضرورة قناعات فكرية ، لا تتوقف في حدود الأخلاقي ، وإنما تتجاوزه إلى التوظيف الإيديولوجي .
تخيّل الجمهور الذي جلس يتلقى ثقافة الموت على يد أحد صانعي هذه الثقافة . هذا الجمهور الذي يدخل في مرحلة عاطفية رهيبة ، يكون فيها على استعداد لنبذ الكثير من قناعاته في سبيل تجاوز لحظات الرعب التي يمر بها عاطفيا ، أو التي يتخيل وجودها قاب قوسين أو أدنى منه ، أي بمجرد وفاته ، سيتلقى في هذا السياق توجيها مباشرا أو غير مباشر ليكون من جماعة ( الناجين ) من هذا الرعب . ولن تكون النجاة إلا بالانخراط في هذا التيار ، متعاونا وداعما ، إن لم يحالفه الحظ ! ، فيكون عضوا عاملا في السياق الحركي .
لهذا ، لم يكن من المستغرب أن هذه الثقافة التي تستحضر عوالم الموت والقبور وما وراء القبور ، يكون في خاتمة كل فعالية من فعالياتها ، وفي كل جلسة من جلسات تحضير الأموات فيها ، دعاء طويل ، يتضمن في بدايته الأبعاد الإيمانية ، وطلب العفو والمغفرة ، بينما تكون في أخرياته أدعية من لهب ، تصب لعناتها على هذا الفريق أو ذاك ، وتشير إلى تكفير هذه الطائفة أو تلك ، وترجم طائفة من مواطني هذا البلد ، بتهم ( تكفيرية ) ، تصل حد الاتهام بمحاربة الدين .
كل هذا يؤكد أن ثقافة الموت ، لا يقف ضررها عند حدود الدمار النفسي الذي يؤدي إلى ظهور أجيال لا تعرف للحياة معنى ، وإنما يتعدى ذلك إلى التجييش الذي يتعمد الاصطفاف الديني أو المذهبي أو الطائفي . وإذا كان هذا التجييش يمثل ظاهرة في ثقافة الموت ، فإنه لا يقتصر على هذه الثقافة وحدها ، بل يقوم باستثمار حتى أرقى المشاعر الإنسانية لبث روح العداء والكراهية .
لا غرابة في هذا ولا استحالة ، فعند هؤلاء كل شيء يمكن توظيفه لصالح الإيديولوجيا ، ولو كانت عاطفة الأمومة أو الأبوة أو الزوجية ، فهم قادرون بتنازلهم عن الحد الأدنى من الضمير الإنساني على جعل الموضوع أيا كان مجرد مقدمة عاطفية ، تهيئ وجدان المتلقي لأدعية الموت والدمار .
لا زلت أذكر أن أحدهم ألقى محاضرة عن البر بالوالدين ، ولا تزال تباع وتبث عبر بعض القنوات المتطرفة . هذا موضوع إنساني بامتياز . وقد تناول هذا الموضوع بأقصى درجات العاطفة الإنسانية ، حتى لقد ظننت أن هذا المتكلم الذي كنت أعرفه ( نازيا ) في خطاباته السابقة ، وطائفيا تكفيريا بامتياز ، قد تحول عن ماضيه ، أو أنه بهذا يمارس التكفير غير الواعي عن نشره لثقافة الكراهية والبغضاء طوال عقدين أو أكثر .
لا أنكر أنه جذبني بتلك اللغة العاطفية ، فتناسيت أن تسعة وتسعين بالمئة من نتاجه ، يمارس فيه التصنيف والتكفير والتحريض . لقد تخيلت أنه ليس هو ذاك النازي . لكن ، لم تطل رحلة الخيال ، فسرعان ما أفقت على الدعاء الختامي لمحاضرته ، فإذا هو مشحون بلغة العداء والتكفير ، بالموت والدمار . لقد أدركت أن موضوع البر بالوالدين ، الزاخر بكل ما هو إنساني ، لم يكن إلا طُعما لاصطياد مشاعر الجمهور الذي يجري تخديره بهذا الطعم ، ليحق بكل هذا العداء . المشكلة أن الأغلبية الساحقة من الجماهير لا تتنبه لهذه الخديعة ، ولا تتساءل عن الرابط بين موضوع المحاضرة ، ومضمون الدعاء .إن هذه المظاهر أو الظواهر اللا أخلاقية ، تمثل انتهاكا لحرمة الدين والأخلاق ، فضلا عن كونها انتهاكا لحرمة الإنسان المرتبطة بعدم امتهان جسده حيا وميتا . يجب أن يحفظ للدين حرمته ، بكافة مفرداته ، ولا يكون ميدانا للمتاجرة به ، أو بشيء من معانيه السامية . كما يجب أن تصان حرمة الموت كظاهرة عن العبث بها ، وتصان أجساد الموتى عن أن تكون لافتات إعلانية ، أو مادة أولية لتحضير قلوب الجماهير ؛ بغية بيعها في سوق النخاسة الأصولي.
... ويلاقي بكل اسف دعما لا محدود من بعض الفئات التي حملت على عاتقها
دعم كل ماهو ضد التيار الديني والنسق المحافظ للشعب السعودي ...
والعجيب والاعجب انه عندما يحاول المصلحون اسكات هؤلاء المشوهون
ينطلق الدعم المسعور والمدفوع مسبقا ليجعل المجتمع جانيا والجاني
هو الضحيه
دعوة لقراءة هذا الفكر الذي يستطيع تفنيده -طالب في المتوسطه -
واعلم انكم لن تكملوه لانه للحق اقل من ان يقرأ ...
الى الموضوع المنقول من الساحات 8
8
* أصدر مجلس جامعة القصيم قرارا يقضي بطي قيد المعيد محمد بن علي المحمود من قسم الدراسات العليا وإلغاء رسالته المسجله للماجستير والطلب من عميد كليته أن يتم تحويله إلى موظف اداري أويبحث له عن موقع خارج الجامعه..
وبرر المجلس ذلك بعدم جديته واستخفافه بأنظمة الجامعه وانقطاعه عن مشرفه ..
الجدير بالذكر أن المعيد المحمود هو أحد معيدي قسم الأدب والبلاغة والنقد في كلية اللغة العربية بجامعة القصيم وقد
سجل الماجستير في عام 1421 وكان من المفترض أن يناقش رسالته في نهاية عام 1424 لكن تساهله في ذلك واستخفافه بأنظمة الجامعة الجامعة بالإضافة إلى مشاغباته ومناقشاته العقيمة مع طلاب الجامعة دعت المجلس لاتخاذ هذا القرار..
ويعتبر المحمود أحد أهم كتاب جريدة ( الرياض) وذلك لم يمنع جامعة القصيم من تطبيق اللوائح والأنظمة بحقه
عن ثقافة الموت والإنتحاروتوظيف الدين لذلك .
الموت كثقافة ... قراءة في التوظيف الإيديولوجي
محمد بن علي المحمود
مجالات توظيف ثقافة الموت كثيرة . لكنها تكون على درجة من البشاعة والظهور العلني في هذين المجالين :
مجال الوعظ ، ومجال تحضير عناصر الانتحار / الاستشهاد.
يحتل الموت كنهاية ، وكبداية أيضا موقعا محوريا في منظومة الأديان كافة . فالدين أي دين ليس مجرد خطاب في الدنيوي ، وإنما هو في الأساس ، وقبل الدنيوية خطاب في الماورائي ، وماورائية الموت على نحو خاص . واهتمامه بالدنيوي مهما اتخذ موقعا متميزا ؛ يبقى تميزه محصورا في المستوى الوسائلي ؛ لأن الحياة لا ترقى أن تكون موضوعا بذاتها ، فهي وفق هذا التصور تبدأ حقيقتها في لحظة النهاية . هكذا يزعمون ! .
من خلال رحلة الفكر المعاق في تهميش الحياة ، يظهر ما يسمى بتمجيد الموت ؛ كما في ترميز الاستشهاد عند بعض الإيديولوجيات النضالية ، أو باستحضار الموت كواقعة عدم وتلاشٍ ، أو كبداية عالم مليء بالرعب إلى درجة تتضاءل فيها غريزة الحياة ، وتصبح الحياة بعد تعزيز هذا التصور العدمي مجرد محطة انتظار للموت المتوقع بين لحظة وأخرى .
تهميش الحياة لحساب الموت ، ليس شجاعة في مواجهة الموت ، بل هو رعب غير طبيعي من الموت ، يصل بالإنسان إلى درجة الوسواس المرضي ؛ فتهيمن عليه رؤى الموت ، حتى في أبهج لحظاته ، وأشدها في مضمار الحياة ألقا . استحضار الموت هربا من الموت ، ليس إلا سلوكا مرضيا ، يظهر نتيجة منح الموت أكبر من حجمه الطبيعي ، فينتقل من كونه لحظة عابرة في حياة الكائن الحي ، إلى كونه العالم الحاضر ، الذي يملأ الأسماع والأبصار، والوجود الماثل ، الذي يلتهم عالم الحياة والأحياء .
يتعذر الوجود الحي ، دونما ثقافة تعزز هذا الوجود . بناء الحياة كنسق وجود ، يقود إلى كل ما يعزز هذا النسق ، من مشاريع تنموية وفكرية ، تسد قدر استطاعتها المسامّ التي يمكن أن يتسلل الموت من خلالها . صناعة الحياة ، لا تتم في سياق ثقافي طافح برؤى الموت . عندما تكون الحياة هامشية في الوعي العام ، فليس هناك ما يبرر الجهد الهائل المبذول للارتقاء بها . ومن ثم ، فلا وجود لعمل مشروع ، إلا لمشاريع : بناء محطات انتظار الموت .
واضح أن الحياة لا تنتهي . حياة الكائن الحي من حيث هو فرد هو الذي ينتهي بالموت . ومعنى هذا أن الثقافة التي تعزز ثقافة الموت ، يقوم بها أناس في غاية الأنانية ؛ لأنهم شعروا أ م لم يشعروا ربطوا الحياة بوجودهم الفردي . الحياة في وعي الأناني ، هي حياته ، ولا معنى لأية حياة غيرها . وبما أن حياة الفرد هشة ، ومعرضة للتلاشي بين لحظة وأخرى ، فإن هذا الأناني لا يرى معنى للاحتفاء بالحياة ، التي تصبح هنا : حياة الآخرين . ومن ثم ، يرى هامشية الفعل الإنساني الذي يمتد لأكثر من حياة فرد ، وربما المتوقع من حياة ، وهو ضئيل في نظر منتجي ثقافة الموت .
طبيعي في مثل هذه الحال التي يهيمن عليها الوجود الفردي من جهة ، ويهيمن على هذا الوجود الفردي حضور الموت في كل لحظة ، أن ينعدم الحماس لأي شيء يقع في هذا السياق الهامشي : الحياة . وهذا ما يفسر حقيقة أن النهضة لم تقم في ظل الثقافة الكنسية التي كانت تهمش الحياة ، وتعزز من شعائرية طقوس الموت ، وأن النهضة لم تبدأ ، إلا عندما بدأت هذه الثقافة المميتة تتوارى ، وعندما بدأ التفاؤل بمستقبل الإنسان كجنس وليس كفرد يصل درجة الإيمان الديني .
سيكولوجياً ، الإنسان لا يستطيع بذل جهده إلا في سبيل هدف يوازي هذا الجهد المبذول . وبما أن الحياة كلها في ظل ثقافة الموت ليست هدفا ، ولا قيمة لها ، وهي كحياة فرد محكوم عليها بالموت سلفا ، فلا شيء وفق هذه الرؤية السالبة يبرر بذل أي جهد ؛ لأن أي جهد ، سيصبح عبثا في هذا الفضاء المحكوم بالفناء .
الموت كثقافة ، تحاول كثير من الإيديولوجيات توظيفه لصالحها . وما يهمنا هنا هو ما يجري في ثقافتنا العربية اليوم ، من عملية استحضار لثقافة الموت ، وتهميش لثقافة الحياة . وهذه الثقافة تظهر في أكثر من ميدان . لكن ، ظهورها الجلي يمكن رؤيته في مجالين :
الأول : الثقافة الجنائزية / القبورية الوعظية ، التي نعاني من انتشارها السرطاني في السياق التعليمي ، وفي أشرطة وكتيبات دعاة وداعيات القبور ، بحيث يجري استحضار عالم الموت بكل تفاصيله ؛ لغرسه في وجدان الجيل الناشئ الذي للتو بدأ رحلة الحياة . وبهذا يجري قمع الحياة منذ البداية ، بل قمعها وهي في أرقى صورها امتلاء بغريزة الحياة . وهذا مجال أصبحت فيه هذه الظاهرة كارثة . وقد كتب عنها كثيرون ، وخاصة الصديق الدكتور : حمزة المزيني ، في مقالين له في جريدة الوطن .
الثاني : ظاهرة المتاجرة بالموتى ، الذي تقوم به الحركات القوموية أو الإسلاموية ، التي تدعي ممارسة النضال المقاوم للأعداء . وهذا ظاهر في سلوكيات حركتي : حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين ، وإلى حد ما ، لدى : حزب الله ، في لبنان . وتصل المتاجرة بالموتى ، لدى حماس والجهاد الإسلامي ، إلى درجة انتهاك حرمات الموتى ، بعرض أجساد القتلى مكشوفة لوسائل الإعلام في المستشفيات ، أو بالتشييع الجنائزي الكرنفالي ! ، الذي يمارس جريمة : عرض جسد القتيل ؛ بغية إحراز أكبر قدر من التجييش الإيديولوجي لعواطف الجماهير . طبعا ، مجالات توظيف ثقافة الموت كثيرة . لكنها تكون على درجة من البشاعة والظهور العلني في هذين المجالين : مجال الوعظ ، ومجال تحضير عناصر الانتحار / الاستشهاد . قد يبدو أن هذين المجالين منفصلان ، وأن نقاط الالتقاء ضعيفة ، إلا أنهما يلتقيان في العمق ، فكلاهما يستحضر ظاهرة كسلعة إيديولوجية ، يجني من ورائها كثيرا من الأرباح . تلك الأرباح التي قد تكون مباشرة وسريعة ، كما في المجال الثاني ، وقد تكون غير مباشرة ، وبطيئة ، كما في المجال الأول .
هناك أثر نفسي مدمر ، وخاصة في المجال الأول . لكن ، ليس هذا في السياق المباشر لهذه القراءة . المهم هنا ، كيف يحدث التوظيف الإيديولوجي لظاهرة الموت ، إلى درجة تصبح هذه الثقافة في مجاليها من لوازم الحراك الأصولي المتطرف ؟ . في ضوء ممارسات بهذا الحجم الحركي ، وعلى هذا النحو من الخطورة ؛ لا شيء يأتي بتلقائية ، فضلا عن براءة تتلبس حسن النوايا .
في مجتمع كمجتمعنا ، تتميز الجماهير فيه بطيبة فطرية ، ورغبة صادقة في التدين ، يجري تمرير مثل هذه الثقافة ، وأحيانا تصل حد اختراق المناشط التعليمية والدعوية . لا أحد من هذه الجماهير جراء طيبة تصل حد السذاجة يتنبه إلى الخطر القاتل من عدة نواحٍ في هذه الثقافة الرهيبة ، التي تنقل عالم القبور والأموات ، إلى حيث يجب أن يتعلم الناس فن الحياة .
أحدهم ، لما طرحت عليه هذا الموضوع ، اعترف بالأثر النفسي المدمر ، ولكنه استبعد التوظيف الإيديولوجي ؛ لأنه كما يزعم يعرف كثيرا ممن مارس هذه الثقافة في مدارسنا ، من معلمين ومعلمات . وهو يؤكد أن ممارسي هذه الثقافة يتميزون بالضحالة العلمية في مجال اختصاصهم ، والتشوهات الفكرية ، والاكتئاب الدائم ، وأنهم يقومون بهذا ، لسهولته فهو لا يكلف غير استحضار بعض الأشرطة والمطويات ولأنه يعوضهم عن الفشل في الحياة والعمل . ومن ثم ، فهو يؤكد أن أناسا على هذه الدرجة من السذاجة والعاطفية ، لا يمكن توقع أنهم يخططون استراتيجيا لما يقومون به من ترويج ثقافة الموت .
في اعتقادي أن هذا التأكيد ليس أكثر من قراءة الظواهر مجردة من علائقها ، ومن خلفياتها التي تحركها من خلف ستار ، أو من خلف أستار . صحيح أن الممارسين المباشرين لهذه الثقافة يتصفون بهذه الصفات : الضحالة العلمية التي تجعلهم فاشلين في اختصاصاتهم ، والبحث عن دور يغطي على هذا الفشل ، والتشوهات الفكرية نتيجة إدمان ( كاسيتات ) مروجي ثقافة الموت ، والمعاناة من أزمات نفسية خاصة ، تجعلهم يهربون من عالم الحياة إلى عالم الأموات ، لكن ، كون كل هذا حقيقة ، لا يعني أن المهندسين لهذه الثقافة ، والرابحين إيديولوجيا منها ، على هذه الدرجة من العفوية / البراءة التي تتصف بها الكوادر الحركية العاملة في الميدان ، تلك التي ربما لا تعي أنها تعمل في إطار حركي منظم ، يتوسل بثقافة الموت أو يتسول بها عواطف الجماهير ، تلك الجماهير التي لا يرعبها المصير بحد ذاته ، وإنما يرعبها المصير المتخيل ، المصير الذي تجري صناعته لها ؛ كجزء من احتوائها عن طريق نشر الرعب الأبدي ، في حال الخروج على إيديولوجيا الرعب .
إن ثقافة الموت لا تكتفي بالإرهاب بالموت كحدث ؛ لأن واقعة الموت كحدث عابر يتم تجاوزها ، بل وربما يتم تقبلها في بعض الأحيان . ومن ثم ، فهي لا تثير الرعب الذي يريد الإيديولوجي استثماره لإخضاع الجماهير لإرادته ، عن طريق إخضاعهم لثقافته . لهذا ، يبدأ الإرهاب بما بعد الموت ، ليس بوصفه إحساسا متصلا بالعدم ، إذ لا يؤمن الكثير بوجود هذا الإحساس ، وإنما بعالم ما بعد الموت . وهنا يصبح الموت ليس كافيا ، فيتم استحضار عالم مرعب ، يصل ببعض المتماهين مع هذا الخطاب إلى درجة الخوف من هذا العالم المتخيل ، أشد من الخوف الذي تبعثه واقعة الموت ، كوجود متعين .
يدل هذا على أن هذا الخطاب يتعمد استثارة حالة رعب ، أن الإرعاب يجري بالموت ، عبر تمثيل طقوسه وشعائره ، ولكن ، وفي اللحظة ذاتها ، يتم تصوير هذا الموت المرعب ، على أنه لا شيء ، قياسا بالرعب المنتظر . ولأن الموت لأكثر من سبب ، قد يصبح أمرا مألوفا ، أي لا يثير الرعب ، بل قد يتحول نتيجة معاناة ما ، إلى راحة مطلوبة ، فمعنى ذلك أن هذا المتحرر من الخوف من الموت ، قد يفلت من الحصار الإيديولوجي . لهذا ، تجري هذه الإجرائية الاستباقية ، التي تجعل من الموت بداية الرعب ، وليس نهايته .
هكذا تنجح ثقافة الموت في محاصرة الوعي الجماهيري المشدود إلى عالم الوعظ العاطفي . إن هذه الجماهير تصبح فريسة هذه الثقافة ، التي لا تدع لها مجالا للهرب منها . لسان حالها يقول : إلى أين ؟ ، حتى لو هربتم منا إلى الموت ، وهو أقصى مدى إنساني ، يمكن للإنسان أن يهرب إليه ، فإنكم أيضا ستقعون بأيدينا ، وتحت سيطرتنا . إنه حصار لا يكتفي بحدود الموت ، وإنما يأخذ على الإنسان كل منفذ ، حتى ولو كان منفذا متخيلا في الما وراء .
على هذا النحو ، يصبح الإنسان لا يملك من مستقبله إلا هذه السنوات ، بينما المستقبل كله في قبضة هذه الإيديولوجيا ، وعليه أن يهب هذه السنوات قربانا لهؤلاء ، وإلا فإن مستقبله كله ، سيكون بالصورة المرعبة التي يجري وضعها في الأشرطة ، وعلى أغلفة المطويات ؛ ليتم تثبيتها في الخيال . إنه ليس حرمانا من الحياة فحسب ، وإنما وهذا الأقسى حرمانا من الحلم الخاص بالانعتاق أيضا . حتى الأحلام ، المستقبل كما يتراءى في المخيال ، يتكفل هؤلاء بصنعه ، وتحديد معالمه ، وتفصيل وقائعه ، على مقتضيات الحاجة الإيديولجية الآنية ، لهذا الحركي أو ذاك .إن التوظيف الإيديولوجي لثقافة الموت ، وكما هو مطبق في الثقافة العربية اليوم ، يسير في اتجاهين :
الاتجاه الأول : يعمد إلى زرع الاستهانة بالحياة ، واعتبراها تافهة ، في مقابل تمجيد الموت ، للحصول على عالم ما بعد الموت ، في شقه الإيجابي كما يتم صنعه في المخيال . وهذه الممارسة ، تمارس التوظيف الإيديولوجي على نحو مباشر ، إذ هي تصرح للمتماهي مع ثقافتها ، أنها تعده للاستشهاد ، وأنه ليس أكثر من مشروع موت . وهذا ما تفعله حماس ، والجهاد الإسلامي ، وحزب الله ، والجماعات المتطرفة لدينا ، حيث الشباب الغض يقاد إلى الموت طوعا ، ولكن بإكراه ثقافة الموت التي غذي بها .
يلاحظ على هذا الاتجاه ، وخاصة عند دعاته المحليين لدينا ، أنهم يعدون شبابنا للموت ، بينما هم كدعاة وقادة يعدون أنفسهم وأسرهم في مجال حياتهم الشخصية للحياة . والذين عهدناهم لعشر سنوات أو أكثر ، يروجون للجهاد كما يزعمون ، أو ل( صناعة الموت ) ، لم نجد أحدا منهم قدّم نفسه ، أو أحد أبنائه للموت في هذا المضمار ! . إنهم يسكنون أوسع المساكن ، ويركبون أفخم المراكب ، ويلبسون أغلى الملابس ، بينما هم يرفعون أصواتهم لدعم حركات (الجهاد ) ، ونصرة ( المقاومة ) ! . هل هم يؤثرون مريديهم ب( الجنة ) على أنفسهم ؟ ! . ربما ! ، فتفاصيل سلوكياتهم تشهد بوجود هذا الإيثار ! .
الاتجاه الثاني : استثمار الواقع النفسي الذي تصنعه ثقافة الموت . وهذا في اعتقادي أخطر من الاتجاه السابق ؛ لأنه يخفي الأهداف المباشرة ، ويظهر بمظهر الفاعل الوعظي الخالص . الاتجاه السابق فيه درجة من التغرير والخداع ، ولكن ، فيه أيضا درجة من الوضوح والمباشرة ، مما يجعل المخدوع يتحمل درجة كبيرة من مسؤولية انخداعه .
إن هذا الاتجاه الثاني ، وهو الذي تجري بواسطته اللعبة الكبرى ، يستحضر ثقافة الموت ، حتى يعتقد المستمع أو المشاهد ، أن المطلوب منه ليس أكثر من الرجوع عن الأخطاء السلوكية = ( المعاصي )، بينما ذلك لم يكن إلا الخطوة الأولى ..! . وبقية الخطوات سوف تأتي تباعا ، وعلى نحو تلقائي ؛ لأن هذه المتغيرات السلوكية ، ترافقها بالضرورة قناعات فكرية ، لا تتوقف في حدود الأخلاقي ، وإنما تتجاوزه إلى التوظيف الإيديولوجي .
تخيّل الجمهور الذي جلس يتلقى ثقافة الموت على يد أحد صانعي هذه الثقافة . هذا الجمهور الذي يدخل في مرحلة عاطفية رهيبة ، يكون فيها على استعداد لنبذ الكثير من قناعاته في سبيل تجاوز لحظات الرعب التي يمر بها عاطفيا ، أو التي يتخيل وجودها قاب قوسين أو أدنى منه ، أي بمجرد وفاته ، سيتلقى في هذا السياق توجيها مباشرا أو غير مباشر ليكون من جماعة ( الناجين ) من هذا الرعب . ولن تكون النجاة إلا بالانخراط في هذا التيار ، متعاونا وداعما ، إن لم يحالفه الحظ ! ، فيكون عضوا عاملا في السياق الحركي .
لهذا ، لم يكن من المستغرب أن هذه الثقافة التي تستحضر عوالم الموت والقبور وما وراء القبور ، يكون في خاتمة كل فعالية من فعالياتها ، وفي كل جلسة من جلسات تحضير الأموات فيها ، دعاء طويل ، يتضمن في بدايته الأبعاد الإيمانية ، وطلب العفو والمغفرة ، بينما تكون في أخرياته أدعية من لهب ، تصب لعناتها على هذا الفريق أو ذاك ، وتشير إلى تكفير هذه الطائفة أو تلك ، وترجم طائفة من مواطني هذا البلد ، بتهم ( تكفيرية ) ، تصل حد الاتهام بمحاربة الدين .
كل هذا يؤكد أن ثقافة الموت ، لا يقف ضررها عند حدود الدمار النفسي الذي يؤدي إلى ظهور أجيال لا تعرف للحياة معنى ، وإنما يتعدى ذلك إلى التجييش الذي يتعمد الاصطفاف الديني أو المذهبي أو الطائفي . وإذا كان هذا التجييش يمثل ظاهرة في ثقافة الموت ، فإنه لا يقتصر على هذه الثقافة وحدها ، بل يقوم باستثمار حتى أرقى المشاعر الإنسانية لبث روح العداء والكراهية .
لا غرابة في هذا ولا استحالة ، فعند هؤلاء كل شيء يمكن توظيفه لصالح الإيديولوجيا ، ولو كانت عاطفة الأمومة أو الأبوة أو الزوجية ، فهم قادرون بتنازلهم عن الحد الأدنى من الضمير الإنساني على جعل الموضوع أيا كان مجرد مقدمة عاطفية ، تهيئ وجدان المتلقي لأدعية الموت والدمار .
لا زلت أذكر أن أحدهم ألقى محاضرة عن البر بالوالدين ، ولا تزال تباع وتبث عبر بعض القنوات المتطرفة . هذا موضوع إنساني بامتياز . وقد تناول هذا الموضوع بأقصى درجات العاطفة الإنسانية ، حتى لقد ظننت أن هذا المتكلم الذي كنت أعرفه ( نازيا ) في خطاباته السابقة ، وطائفيا تكفيريا بامتياز ، قد تحول عن ماضيه ، أو أنه بهذا يمارس التكفير غير الواعي عن نشره لثقافة الكراهية والبغضاء طوال عقدين أو أكثر .
لا أنكر أنه جذبني بتلك اللغة العاطفية ، فتناسيت أن تسعة وتسعين بالمئة من نتاجه ، يمارس فيه التصنيف والتكفير والتحريض . لقد تخيلت أنه ليس هو ذاك النازي . لكن ، لم تطل رحلة الخيال ، فسرعان ما أفقت على الدعاء الختامي لمحاضرته ، فإذا هو مشحون بلغة العداء والتكفير ، بالموت والدمار . لقد أدركت أن موضوع البر بالوالدين ، الزاخر بكل ما هو إنساني ، لم يكن إلا طُعما لاصطياد مشاعر الجمهور الذي يجري تخديره بهذا الطعم ، ليحق بكل هذا العداء . المشكلة أن الأغلبية الساحقة من الجماهير لا تتنبه لهذه الخديعة ، ولا تتساءل عن الرابط بين موضوع المحاضرة ، ومضمون الدعاء .إن هذه المظاهر أو الظواهر اللا أخلاقية ، تمثل انتهاكا لحرمة الدين والأخلاق ، فضلا عن كونها انتهاكا لحرمة الإنسان المرتبطة بعدم امتهان جسده حيا وميتا . يجب أن يحفظ للدين حرمته ، بكافة مفرداته ، ولا يكون ميدانا للمتاجرة به ، أو بشيء من معانيه السامية . كما يجب أن تصان حرمة الموت كظاهرة عن العبث بها ، وتصان أجساد الموتى عن أن تكون لافتات إعلانية ، أو مادة أولية لتحضير قلوب الجماهير ؛ بغية بيعها في سوق النخاسة الأصولي.