الشاعر الرجيم
14-11-07, 04:42 AM
اليوم يبدأ في السابعة , النوم ثمنه مرتفع ’ ليس في مقدورنا أن ندفع ثمنه , سريعاً ينزل الماء على الوجه , تلعب الفرشاة في الأسنان , والشاي والقهوة على النار في نفس الوقت , وقطعة خبز مع قطعة جبن , لاطعم لشيء , لا اسم لشيء , سريعاً سريعاً القهوة هي الوحيدة التي لها لون , لون النهاية .
محشور في زحام الرياض , مليء بكل التوتر , أناس كثيرون . العيون تمر سريعاً ... جندي المرور يظهر عليه النوم , الزحام شديد . لاصوت , ولا كلمة , سوى أصوات أبواق السيارات , العقل نصفه مات , الأنفاس ماتت .
العيون لاترى شيئاً جميلاً , سريعاً يأتي الصداع ليأخذ نصف العقل الذي بقي
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ** وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي
الأحشاء تمغص ثم تستمر في المغص حتى لا تشعر بتغيير الحالة المعدية والنفسية إلا إذا أضاءت الأشارة الخضراء لنا بأن نزحف زحفاً على أربع , ثم السير على الشارع ولا شيء سوى الشارع . يدٌ بطيئة تعدل شماغاً لم أر لونه في الصباح المبكر , كان يجب أن يُترك للغسيل هذا اليوم , نسينا أن نأخذ الجوال , ونسينا علبة السجائر . المكان متسخ . الأرض عليها بقايا قصاصات ورق من الأمس . لا أستطيع الغضب أو الثورة إنه مثلي . . سار على نفس الأرض المتسخة . واستيقظ قبلي بنصف ساعة .
أسناني لا تتحرك . قلبي لايطن . الأطفال الصغار في الجريدة مقتولون من الصدمة والدمار . النساء مشوهات في حجراتهن بالمنازل التي أضحت أطلالاً بعد الغارة الأخيرة على بغداد . طفل رضيع مقتول قبل أن يفيق للحياة وتستطعمه بنعيمها الزائل
الخراب والدمار لونهما أبيض . والرجال لونهم أسود .
زوجة من نجوم هوليود تتحدث عن حياتها السعيدة مع زوجها النجم المتألق . إعلان يأخذ جميع الصفحات عن شركة الاتصالات السعودية .
المدير يطلبني . صعود السلم لا يثير فيّ شيئاً سوى القرف إذا كان المصعد لايعمل .
المدير يضحك . فمه كبير . ضحكاته العالية تثير اشمئزازي . يطلب أشياء طلبها أمس . يعنّف , يثور . ينتقل للحديث مع رجل يجلس أمامه . يثور مرةً أخرى لكي أترك الحجرة . الدرجات في النزول أسهل . زميلي في الحجرة يعمل بجد , يناقش ويقرأ الصفحة الرياضية في نفس الوقت , يتحدث في الجوال مع زميله , يقول بأنه سيسحق زميلاً آخر لأنه شكاه عند المدير . عيوني تستمر في النظر إلى الأوراق التي أمامي . كثيرون يدخلون الحجرة يكلمني بعضهم كلمات سريعة , أرد على بعضهم , أغضب من بعض الكلمات في صمت .
الساعة حانت . وقت انتهاء العمل . سريعاً أتناول غدائي . ألتهمه بدون فهم , بدون قصد . لماذا ندفع الريالات في غداء ما دمنا لانعرف الطعم جيداً , ونأكله في عشر دقائق . الزحام كثير والمال قليل , خطيبتي التي عقدت عليها القران مؤخراً تريد أن نخرج الليلة إلى مطعم البلورة في برج الفيصلية , وأريد أن أذهب إلى العمل الليلي الذي أذهب إليه كل يوم في مكتب تجاري صغير , آخذ منه راتباً أدفع به أجرة الشقة الصغيرة .
أريد أن استحم . سيأخذ الحمام خمس عشرة دقيقة . وارتداء ملابسي بعناية تأخذ خمس عشرة دقيقة أخرى . وموعد تمام الخامسة للذهاب إلى المكتب . لن أستطيع أن أتناول القهوة التي أتمنى أن أشربها في هدوء .. ونزلت بدون روية . كادت رجلي تنكسر , وقمت ألعن حياتي والصوت الذي يغني من شقة الجيران طوال اليوم , أغاني تشيعني حتى وصولي إلى المكتب . أمامي كثير من العمل , ولابد أن أتمه حتى أستطيع أن أطلب سلفة أدفع منها سهرة الليلة مع حرمي المصون . فنجان القهوة لم يكن له طعم , سيجارة المارلبورو التي أعطاها لي زميلي في المكتب أصابتني بالاكتئاب .
في التاسعة خرجت , الشارع خالٍ من الهدوء , ومن نسمة الهواء . عيوني تريد أن تنام وزوجة المستقبل تنظر إليّ في غضب عند باب منزلهم بفستانها الوردي الجديد . لا أجد ما أقوله لها وأنا أراها ترتدي فستان السهرة , شعرها المرفوع إلى أعلى يخيفني منها . كيف تجد الوقت لتفعل كل هذه الأشياء .!!!
الناس تمر أمامي فرحة سعيدة , وأنا أسير في سيارتي ببطء وكره . تتكلم تشكو , تغضب , تضحك ... وأنا أنظر إلى السراب البعيد , أريد أن أنام , ولا أسمع هذه الكلمات .. إنها تطاردني , تضيق على عنقي , تحبس أنفاسي .
وتهمس حبيبتي في أذني بحنان ونحن نسمع الموسيقى الصاخبة التي تذكرني بآلام ضرسي الذي كنت أنوي خلعه عصر هذا اليوم . وزيارة أمي التي ستشكوني حتماً لأخي ولكل أقاربي لأني لم أزرها منذ دخولها المستشفى .
رجعت متأخراً إلى البيت لأنام . لأجد منفذاً دقيقة كي أشرب فنجان قهوة في هدوء أرقب السماء والنجوم . وأسرح قليلاً مع حياتي .
لابد أن أبدأ يوماً آخر في الساعة السابعة تماماً .
_____________
الشاعر الرجيم
__________________
محشور في زحام الرياض , مليء بكل التوتر , أناس كثيرون . العيون تمر سريعاً ... جندي المرور يظهر عليه النوم , الزحام شديد . لاصوت , ولا كلمة , سوى أصوات أبواق السيارات , العقل نصفه مات , الأنفاس ماتت .
العيون لاترى شيئاً جميلاً , سريعاً يأتي الصداع ليأخذ نصف العقل الذي بقي
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ** وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي
الأحشاء تمغص ثم تستمر في المغص حتى لا تشعر بتغيير الحالة المعدية والنفسية إلا إذا أضاءت الأشارة الخضراء لنا بأن نزحف زحفاً على أربع , ثم السير على الشارع ولا شيء سوى الشارع . يدٌ بطيئة تعدل شماغاً لم أر لونه في الصباح المبكر , كان يجب أن يُترك للغسيل هذا اليوم , نسينا أن نأخذ الجوال , ونسينا علبة السجائر . المكان متسخ . الأرض عليها بقايا قصاصات ورق من الأمس . لا أستطيع الغضب أو الثورة إنه مثلي . . سار على نفس الأرض المتسخة . واستيقظ قبلي بنصف ساعة .
أسناني لا تتحرك . قلبي لايطن . الأطفال الصغار في الجريدة مقتولون من الصدمة والدمار . النساء مشوهات في حجراتهن بالمنازل التي أضحت أطلالاً بعد الغارة الأخيرة على بغداد . طفل رضيع مقتول قبل أن يفيق للحياة وتستطعمه بنعيمها الزائل
الخراب والدمار لونهما أبيض . والرجال لونهم أسود .
زوجة من نجوم هوليود تتحدث عن حياتها السعيدة مع زوجها النجم المتألق . إعلان يأخذ جميع الصفحات عن شركة الاتصالات السعودية .
المدير يطلبني . صعود السلم لا يثير فيّ شيئاً سوى القرف إذا كان المصعد لايعمل .
المدير يضحك . فمه كبير . ضحكاته العالية تثير اشمئزازي . يطلب أشياء طلبها أمس . يعنّف , يثور . ينتقل للحديث مع رجل يجلس أمامه . يثور مرةً أخرى لكي أترك الحجرة . الدرجات في النزول أسهل . زميلي في الحجرة يعمل بجد , يناقش ويقرأ الصفحة الرياضية في نفس الوقت , يتحدث في الجوال مع زميله , يقول بأنه سيسحق زميلاً آخر لأنه شكاه عند المدير . عيوني تستمر في النظر إلى الأوراق التي أمامي . كثيرون يدخلون الحجرة يكلمني بعضهم كلمات سريعة , أرد على بعضهم , أغضب من بعض الكلمات في صمت .
الساعة حانت . وقت انتهاء العمل . سريعاً أتناول غدائي . ألتهمه بدون فهم , بدون قصد . لماذا ندفع الريالات في غداء ما دمنا لانعرف الطعم جيداً , ونأكله في عشر دقائق . الزحام كثير والمال قليل , خطيبتي التي عقدت عليها القران مؤخراً تريد أن نخرج الليلة إلى مطعم البلورة في برج الفيصلية , وأريد أن أذهب إلى العمل الليلي الذي أذهب إليه كل يوم في مكتب تجاري صغير , آخذ منه راتباً أدفع به أجرة الشقة الصغيرة .
أريد أن استحم . سيأخذ الحمام خمس عشرة دقيقة . وارتداء ملابسي بعناية تأخذ خمس عشرة دقيقة أخرى . وموعد تمام الخامسة للذهاب إلى المكتب . لن أستطيع أن أتناول القهوة التي أتمنى أن أشربها في هدوء .. ونزلت بدون روية . كادت رجلي تنكسر , وقمت ألعن حياتي والصوت الذي يغني من شقة الجيران طوال اليوم , أغاني تشيعني حتى وصولي إلى المكتب . أمامي كثير من العمل , ولابد أن أتمه حتى أستطيع أن أطلب سلفة أدفع منها سهرة الليلة مع حرمي المصون . فنجان القهوة لم يكن له طعم , سيجارة المارلبورو التي أعطاها لي زميلي في المكتب أصابتني بالاكتئاب .
في التاسعة خرجت , الشارع خالٍ من الهدوء , ومن نسمة الهواء . عيوني تريد أن تنام وزوجة المستقبل تنظر إليّ في غضب عند باب منزلهم بفستانها الوردي الجديد . لا أجد ما أقوله لها وأنا أراها ترتدي فستان السهرة , شعرها المرفوع إلى أعلى يخيفني منها . كيف تجد الوقت لتفعل كل هذه الأشياء .!!!
الناس تمر أمامي فرحة سعيدة , وأنا أسير في سيارتي ببطء وكره . تتكلم تشكو , تغضب , تضحك ... وأنا أنظر إلى السراب البعيد , أريد أن أنام , ولا أسمع هذه الكلمات .. إنها تطاردني , تضيق على عنقي , تحبس أنفاسي .
وتهمس حبيبتي في أذني بحنان ونحن نسمع الموسيقى الصاخبة التي تذكرني بآلام ضرسي الذي كنت أنوي خلعه عصر هذا اليوم . وزيارة أمي التي ستشكوني حتماً لأخي ولكل أقاربي لأني لم أزرها منذ دخولها المستشفى .
رجعت متأخراً إلى البيت لأنام . لأجد منفذاً دقيقة كي أشرب فنجان قهوة في هدوء أرقب السماء والنجوم . وأسرح قليلاً مع حياتي .
لابد أن أبدأ يوماً آخر في الساعة السابعة تماماً .
_____________
الشاعر الرجيم
__________________