المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بيني و بينــك


فيصل الزوايدي
08-11-07, 12:32 AM
بيني و بينكَ ..

هذا الذي بيني و بينكَ فـي العمرِ لـحظَة..
هذا الذي بيني و بينكَ أغنيةٌ حزينةٌ بصمتٍ حزين..
و أنا بيني و بيني .. أجلسُ وحيدًا فـي زاويةِ غرفةٍ باردةٍ، أجلــسُ على مقعدٍ قاسية أطرافُه، و تفوحُ رائحةُ الـخَدَرِ ،و أنينٌ حادٌّ بينَ أُذنَـيَّ.. صريرُ خفَقَانِ القلبِ يــطغى على أصواتٍ باهتةٍ تنبعثُ من حيثُ لا أدري.. يسكنُ في النَّفسِ صوتٌ ســألَني يومًا : إلى أين ؟ و هَذي المرافئُ تتجاذَبُني .. و أنا وحيدٌ في زاويةِ الغرفةِ .. يقتربُ رجلٌ في أناقةٍ مبتَذَلَةٍ، ينظرُ إلَـيَّ بعينَينِ ثَقيلَتَيْ الأجفَانِ، و يسألُني بصوتِ حَجَرٍ مُتنَاثِرٍ : أنتَ السَّيد ..؟
أجبتُ مضطَرِبًـا: أنا هُوَ، لعلِّي أنا ..
لم يأبَه لاضطِرابي فأَشَارَ إلى مَمَرٍّ مُظلمٍ بعضَ الشَّيء : إنّهم يريدونَ رُؤيتَكَ .. أَزَّ في الرأسِ صوتٌ مُوجِعٌ و اضطربَت دقاتُ القـلبِ بتسارُعِها نحوَ ..آخرِ الـمَمَرِّ.. و تَزاحَـمت الهواجسُ ثقيلةً كالهزيمةِ .. هل وُلَدَ الصبيُّ المنتَظَرُ منذ السِّنين أم ماتَت الأمُّ ؟ كيف اقـترنا تلك اللحظةَ بداخِلي ؟ كيف اقتربَ الموتُ مِنَ الحياةِ ذلك الاقترابَ ؟ هربتُ بـهَواجِسي إلى الوجهِ الباهتِ أمامي ، هَمَمتُ بسُؤالِهِ : ولادةٌ أم موتٌ ؟ لكنَّ الـوجهَ الـباردَ الجاف الذي لا ينبئُ بشيءٍ رَدَّني عنِ السُّؤالِ .. مــلَّ الرجلُ صمتي فأردفَ بصـوتٍ يكـتمُ ثورةً : إنهم بانتظاركَ ، تَفضل من هُنا .. قَرعُ حِذائي على الأرضِ ينهالُ على رأسي و أنا أتبعُ الرجلَ .. تـحركَت أشباحٌ حَولـي و أحسستُ ببعضِ الصدماتِ و كلماتٌ تُقالُ ، لعلّها اعتذارٌ أو سخطٌ .. مَن يهتم ؟ أيُّ معنى لأيِّ قولٍ أمامَ الولادةِ أو الـموتِ ؟؟ باحتدادٍ حدَّثَــــنا الطبيبُ قبلَ أشــهرٍ و هـو يـحذِّرُنا مِن خَطَرِ الحَملِ .. تُرَى هل أرســلَ القدرُ يومَــها ذاكَ الطبيبَ ينذِرُنا بِـما نَخشاه الآن ؟ هل يـمكِنُ أن يغتالَ ذاك الصـــبيُّ أمَّهُ ؟ هل تنطلقُ حياتُه بـمَوتِها ؟ أم يـموتُ لتَحيا...؟ أحسـستُ أنَّ آخرَ المـمرِّ هو آخر الكَونِ .. و أنا لم أَعُد أعلمُ أَيْـني .. لا أدري كيفَ التــقطت عينَاي الكليلتانِ لافتةً تشيرُ إلى غرفَةِ الوِفَياتِ .. حائطٌ بـناه عاملٌ لا يُدرِكُ مــا يفعلُ .. يفصلُ به بينَ الحياةِ و الموتِ .. و أنا لا أزال أسيرُ ، كأنَّ الطريقَ لا تنتَهي و لكن فجأةً وصلنَا أمام بابٍ مُوارَبٍ قليلا .. أشارَ الرجلُ بلامُبالاةٍ إلى الغرفـةِ و قَالَ : إنهم هُنا .. و لكن هل يمكنُ ذلكَ حقًّا : أن يُوجِّـهَكَ رجلٌ لا تعرفُ حتّى اســــمَهُ و لا يهتم بـمعرِفَتِكَ .. أن يُوَجِّهَــك إلى .. حيثُ الـحياة أو الموت .. وقفتُ برهةً أخـشى الدخولَ .. أصَــختُ السمعَ .. ما الذي أصابَ حواسي لــحظَتَها ؟ يرتَفِعُ الوجــيبُ و أخشى من سُؤالٍ جَديدٍ .. سُرعانَ ما زَعزَعَني : هل تُقدِّمُ الممرضةُ إلـيَّ لـفافةً بيضاءَ و تقولُ بحُنُوٍّ مُصطَنَعٍ : أَبشِر إنَّه الصـبي الذي انتظَرتَه .. ها قد جَاءَ .. أم يُوجِّهُني الطبيبُ بنظراتٍ نحوَ لُفافَةٍ بيضاءَ أيضًا و يقولُ بتعاطفٍ لا أُدركُ صِدقَه مِن زَيفه : لقد حذَّرتُكم قبلَ أشهرٍ ، و لـم نستَطِع فِعلَ شيءٍ لها .. خشيتُ أن أدفعَ البابَ .. بابٌ صَنَعَهُ نَـجَّارٌ و هو يتابعُ بِبَصَرِهِ النَّهِمِ فتياتِ الحَيِّ .. صنَعَهُ يومـًا و لم يُدرِك أبدًا ما الذي يُـمكِنُ أن يُخفي وراءَهُ .. أسـمعُ هَمهَماتٍ مِن داخِلِ الغُرفَةِ .. تداخَلت مَعَ صَرخَاتٍ مِن داخِلي .. هل أقتحمُ الغرفةَ ؟ هل أهربُ ؟ إلـى أين ..؟
أنينُ النَّفسِ الـمُوجِعُ يُطبِقُ على أنفاسي فـأُحِسُّ ضيقًا هائلا .. الـخوفُ أحيانًا يدفَعُنا إلى نَفسِ الفِعلِ الذي نَقومُ به بدافعِ الشَّجاعةِ .. تَمتدُّ يدي نحوَ قبضةِ البابِ فِضيةِ اللَّونِ، يـخترقُ مَسمَـعي صريرٌ حادٌّ لن أنسَاه .. تتخلّى اليدُ عن تلكَ القبضةِ الـمبتعِدَةِ إلـى داخل الغرفةِ .. ينفَتِحُ البابُ كأنَّ غيري قامَ بِفتحِهِ .. لـم تَقَع عينَاي على أحدٍ .. فقـط ظهرت زاويةُ السَّريرِ الـحديديِّ و الـجزءُ السُّفلي مِن سُترةٍ طِبيةٍ بيضاءَ ..أحسـستُ حركاتٍ فـي الأجسادِ تلتفتُ تستطلع مَنِ القادمُ .. بِبَقيـةٍ مِن قُدرَةٍ و عزمٍ تقــدَّمتُ خُطوتَينِ داخلَ الغرفَةِ و تضخُّمٌ مـخيفٌ بصَدري كأنّـي سأنفجرُ .. توسطتُ الـمكانَ و نظرتُ أمامي : أذهَلَني كلُّ ذلكَ البياضُ .. بياضٌ شديدٌ ناصعٌ ، تـمامًا مثلَ السَّوادِ .

فيصل الزوايدي

حسن خليل
08-11-07, 09:06 AM
أرحب بك أخي فيصل الزوايدي أجمل ترحيب في منتدى قصيمي نت عامة وفي قسم القصص والروايات خاصة.


كما أشكرك جزيل الشكر على اتحافنا بهذه القصة الجميلة المشوّقة والمعبرة عبر استخدام الدلالات اللغوية المناسبة فيها ووصف الأحداث بشكل متسلسل وبأسلوب مشوّق ومفصل. وذلك من بدايتها ووسطها ووصولاً إلى نقطة التنوير.


أخي الكريم: قمت بتكبير الخط حتى يتنسى للجميع قراءته بسهولة ويسر. الرجاء في المرة القادمة استخدام هذا الحجم. ولكم جزيل الشكر والتقدير على حسن تعاونكم معنا بهذا الخصوص.


وبانتظار جديدك القادم


تقبل فائق احترامي وتقديري

.jood
10-11-07, 03:56 PM
قصه رائعه باسلوب جميل واحداث متسلسله..
بورك فيك اخي ودمت مبدعاً..

... بنت الجنوب ...
10-11-07, 04:47 PM
يعطيكـ العافيهـ

كلـ الشكر

فيصل الزوايدي
05-12-07, 05:02 PM
أرحب بك أخي فيصل الزوايدي أجمل ترحيب في منتدى قصيمي نت عامة وفي قسم القصص والروايات خاصة.


كما أشكرك جزيل الشكر على اتحافنا بهذه القصة الجميلة المشوّقة والمعبرة عبر استخدام الدلالات اللغوية المناسبة فيها ووصف الأحداث بشكل متسلسل وبأسلوب مشوّق ومفصل. وذلك من بدايتها ووسطها ووصولاً إلى نقطة التنوير.


أخي الكريم: قمت بتكبير الخط حتى يتنسى للجميع قراءته بسهولة ويسر. الرجاء في المرة القادمة استخدام هذا الحجم. ولكم جزيل الشكر والتقدير على حسن تعاونكم معنا بهذا الخصوص.


وبانتظار جديدك القادم


تقبل فائق احترامي وتقديري
اخي حسن خليل .. أبدا بالاعتذار عن التاخر في الرد لاسباب قاهرة .. ثم اعبر عن امتناني لدعمك الباذخ و مشاعرك الراقية و لحسن تفاعلك و " تعاملك مع القصة " أنا ممتن لذلك كثيرا و بالنسبة للخط فان شاء الله نلتزم بذلك ..
دمت في خير
مع المودة الدائمة

فيصل الزوايدي
05-12-07, 05:04 PM
قصه رائعه باسلوب جميل واحداث متسلسله..
بورك فيك اخي ودمت مبدعاً..

اخي jood شكرا لهذا الاطراء و للدعم الباذخ و انا سعيد حقا بالتواصل معك
دمت في خير

فيصل الزوايدي
05-12-07, 05:08 PM
أخت بنت الجنوب اسعدني دعمك و مرورك الراقي
دمت في خير
مع المودة

الهنـوف
07-12-07, 04:45 PM
بارك الله فيكم، بنتظار جديدكم .

فيصل الزوايدي
08-12-07, 12:07 AM
بارك الله فيكم، بنتظار جديدكم .


أخي الهنوف و فيك بارك الله لهذا التفاعل و الدعم العفوي .. اعدك بالمزيد ان شاء الله
دمت في خير
مع الود

*أسيرة الذكرى*
19-12-07, 09:43 PM
يعطيــكـ العافيــهـ ...

:)

فيصل الزوايدي
24-12-07, 04:37 PM
يعطيــكـ العافيــهـ ...

:)
أخت اسيرة الذكرى شكرا لدعمك و لمشاعرك الراقية
دمت في خير
مع الود

فيصل الزوايدي
04-11-08, 07:19 PM
قراءة الأديب الجزائري زهير يونس لقصة بيني و بينك

يشعر القارئ و هو في حضرة هذه القطعة القصصية الجميلة، أنها مفتولة بإحكام، منسوجة بإتقان ملفت، و زادها السرد المنطقي متانة و إيحاء.

- النص من حيث شكله، توفر فيه الشرط القصصي اللازم، فكانت البداية بخارطة المكان التي توحي صياغة الجملة فيها بطريقة مدغمة موفقة إلى شيء من "الزمان" :

"و أنا بيني و بيني .. أجلسُ وحيدًا فـي زاويةِ غرفةٍ باردة ".

- باعتقادي ان اختيارك لضمير المتكلم، كبطل للقصة، قد زاد من روعتها، فهو يخلف في النفس بطريقة عفوية انطباعا جميلا يجعل القارئ يشعر بقربه أكثر من الشخصية "الحدث".. بل إن القراءة بالضمير "أنا".. كثيرا ما تقحم القارئ في اللحظة القصصية ليكون جزء منها، باعتبار أن "أنا" هو نفسه الواقعة النفسية، و واجهة القصة الرئيسية.

- لفت انتباهي في النص الجميل أيضا، ذلك الحوار الذي يعتمد في غالبه على الإيماءة أكثر مما يعتمد على اللفظ، فتكون فيه حروف الملامح أفصح بكثير من حروف اللسان، على أن في النص حوارا مسموعا بطبيعة الحال، إلا أن الحوار المرئي فيها جاء جزلا و قويا: "ينظرُ إلَـيَّ بعينينِ ثَقيلَتَيْ الأجفانِ".. "هربتُ بـهَواجِسي إلى الوجهِ الباهتِ أمامي".."لكنَّ الـوجهَ الـباردَ الجاف الذي لا ينبئُ بشيءٍ رَدَّني عنِ السُّؤالِ".

- على عكس القصص التي قرأتها لك حبيبي، أظن أن لغة هذا النص جاءت أكثر سلاسة و مرونة، و ربما هذا ما زاد من روعتها، و سرعة نفاذها في الذهن.. فقد ألفت منك لغة يحاكي مزاجها لغة الشعر، و ألفاظا في روحها الضامرة شيء من القافية، و اعتدت أن أقرأ لك نصوصا ذات كثافة لفظية معينة، و تركيز لغوي ملفت، أما هذا النص فأراه إلى المرونة أقرب.

- أسلوب الأسئلة المطروحة، أسلوب لبيب و أداة ناجعة في استحضار اللحظة الزمنية الجوهرية التي تأتي بعدها، و هي مفاتيح حقيقية لخلق لحظات بينية تمهد السبيل لاستكمال الحدث بطريقة منطقية.

- خاتمتك أيها الجميل بديعة، و أظن أن التعليق عليها لن يوفيها حقها، فقد فتحتها بشكل متقن و رائع فعلا.

- أخيرا.. لابد من الإشارة إلى أن النص.. إضافة إلى جماله الأدبي، فهو يحمل دلالات واقعية، و يغوص في عمق المشهد الحي الذي يعيشه كل واحد فينا، و يضع إصبعا على أكثر من مسألة.