المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جديد#على حلقات#"ذكرياتي من كابل إلى بغداد"أبوالشقراء الهندكوشي


الحميداوي
07-11-07, 07:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



أنقل لكم أيها الكرام مذكرات يكتبها مجاهد على شكل حلقات وقد شدتني كثيرا وتأثرت بها كثيرا


وسأنقلها لكم هنا أول بأول بإذن الله :

http://www.m5zn.com/uploads/6671eca7bf.jpg
مقدمه

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم نحمده ونستغفره وأتوب إليه عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشة ومداد كلماته مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء معز عباده ومذل أعدائه وأصلي وأسلم على نبيه بني الهدى النبي الأمي الأمين قائد المجاهدين وإمام الغر المحجلين محمد بن عبد الله وعلى أله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ...... أما بعد :

حقيقة لقد ترددت كثيراً في كتابة مذكراتي وذلك لأنني أعلم أن هذا التاريخ هو مما يخصني ومما هو من علاقة العبد بربه وأن كتمانه أنقى له وأصفى من إعلانه لكن أصر علي بعض الإخوة أن أنقل تجربتي ومراحلة مهمة في حياتي الجهادية لما يرون أنه نوع من التعاون على البر والتقوى فاستخرته سبحانه وشددت العزم على الاستعانة بالله وكتابة مذكراتي ولعلي هنا أبدأ بإيجاز بسيط ومختصر يعقبه بإذن الله حلقات تفصيلية .

بدأت حياتي الجهادية وأنا في السابعة عشر من عمري فتوجهت إلى أفغانستان للتدريب وكانت بدايتي مع مضافات استقبال المجاهدين في مدينة بيشاور الباكستانية ثم توجهت إلى أفغانستان إلى مدينة خوست للتدرب في المعسكرات هناك وبعدها توجهت مع أخي وحبيبي في الله القائد خطاب إلى طاجكستان للقتال هناك وبعد انتهاء القتال هناك توجهت إلى البوسنة وبقيت فيها حتى عقدت اتفاقية ( دايتون ) وخرج العرب من البوسنة ثم بعدها تأتي مرحلة الذهاب للشيشان وذكر العقبات التي حالت بيننا وبين الدخول ثم بعدها العودة إلى أفغانستان مرة أخرى والقتال مع طالبان وذكر أول لقاء لي مع الشيخ أسامة بن لادن , بعدها محاولة العودة إلى الشيشان مرة أخرى بعد أحداث داغستان عام 1999م , ثم العودة للوطن ثم يأتي بعدها المرحلة الأخيرة وهي الذهاب للعراق ومن ثم حط الرحال .

هذه بإختصار ذكرياتي من كابل إلى بغداد وسيكون لي وقفات بإذن الله مع أحداث وشخصيات في كل مرحلة في تلك المراحل حتى نصل إن شاء الله إلى حط الرحال في العراق .

والله يحفظكم ويرعاكم


---------------------




" الحلقة الأولى "



بسم الله الرحمن الرحيم




قبل البدء في حديثي أحب أن أنوه إلى بعض المسائل وهي بالأهمية بحيث أنبه عليها الآن وأتمنى من كل قارئ كريم أن ينظر إليها على اعتبار المصلحة فيها كوني أتوقع أن يقرأ ما أكتبه بعضاً من الإخوة الذين عاشوا بعض المراحل في حياتي التي سأتطرق إليها :
1- سأضطر لإغفال بعض الأحداث والوقائع لأسباب أمنية .
2- سأضطر لعدم ذكر بعض الأسماء أو تغييرها إذا لزم السياق حفاظاً على سلامة هذه الأسماء الذين أعلم أنهم مازالوا على قيد الحياة أو أنني لم يتأكد لدي استشهادهم فارتأيت إغفال أسمائهم لسلامتهم.
3- أرجو من الإخوة الكرام ممن قد يتعرفون علي من خلال ما أكتبه أن يتقوا الله في محاولة التعريف بشخصي لما قد يلحقني من ضرر في ذلك .
فما أكتبه هو للعبرة والعظة وشهادة للتاريخ
وبالله المستعان وعليه التكلان

(الهجرة الأولى)

إكمالاً لما سبق وأن تطرقت له عن ذكرياتي في الجهاد والتي أسميتها (ذكرياتي من كابل إلى بغداد ) فسيكون حديث اليوم عن مرحلة أعتبرها مهمة جداً في حياتي حيث غيرت هذه المرحلة الكثير من المفاهيم لدي وأيضاً فتحت عيني وفهمي على أشياء لم أكن أعرفها في حياتي لعدة أسباب منها طبيعة الحياة التي كنت أعيشها من اللهو والبعد عن الدين والانشغال بتفاهات الحياة وملذاتها , حتى بعد أن من الله علي بالهداية فكان جل ما تعلمته عن ديني لا يرقى إلى مستوى فهم الواقع الذي تعيشه الأمة أو هكذا كان يراد لي من قبل الذين أخذوا بيدي على طريق الهداية وأيضاً طبيعة التغيير والتعتيم الذي تمارسه الحكومات العربية والإسلامية علينا كشعوب حتى لا نكون أكثر وعياً وإدراكاً لبعض الحقائق والأحداث لأن السياسة كان اللاعب الأساسي في المسألة وعليه تسير حياتنا , لذلك كانت هذه المرحلة على بساطتها ظاهراً إلا أنها كانت بداية جديدة في صقل شخصيتي وتفكيري ومعرفتي بالواقع الإسلامي خارج حدود الوطن و ذلك أيضاً كما أريد لنا أن نكون أجزاءً مجزئه لا جسداً واحداً وأمة واحدة .

(أفغانستان)

إن الفترة التي بدأت فيها أفكر في الذهاب إلى الجهاد كان قد مضى وقتها على فتح المجاهدين الأفغان لمدينة كابل سنة تقريباً وكان المجاهدون سيطروا على أفغانستان بالكامل وطردوا بقايا الإتحاد السوفييتي من الشيوعيين الأفغان الذين تركوهم يقاتلون نيابة عنهم بعد أن انسحبوا في عام 1989م وهم يجرون أذيال الخيبة بعد معاناة طويلة تحت وطأة ضربات المجاهدين في أفغانستان التي أرهقتهم وأوصلتهم إلى مرحلة الإفلاس في نتائجهم المرجوة التي جاءوا إلى أفغانستان لتحقيقها إضافة إلى الخسائر البشرية والمادية , وتفكيري في الذهاب للجهاد في تلك الفترة لم يكن موجهاً لأفغانستان بل إلى البوسنة والهرسك فهي الجرح الذي كان ينزف في جسد الأمة في تلك الفترة وذلك عندما سقطت دولة يوغسلافيا التي تتكون من عرقيات مختلفة فهناك البوشناق وهم مسلمون والصرب والكروات وهم نصارى , أما الصرب فهم (أرثودكس ) وهم مذهبهم الديني التابع للكنيسة الروسية وأما الكروات فهم (كاثوليك) وهو المذهب الشائع في أوربا , بعد هذا الانهيار ليوغسلافيا الشيوعية الذي تبع الانهيار للشيوعية في الاتحاد السوفييتي تنفس المسلمون الصعداء وكونوا دولتهم وكانت عاصمتها سراييفو وكون الصرب والكروات كل منهم دولته ولكن سرعان ما هاجم الصرب الذين استحوذوا على أغلب الترسانة العسكرية اليوغسلافية مناطق المسلمين من جهه وهاجمهم الكروات من جهة أخرى وأعملوا في المسلمين قتلاً وأسراً وتشريدا وحصلت مجازر مروعة ما عرف التاريخ الحديث لها مثيل وقد شاهدها العالم أجمع على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد وكيف كانت الناس تذبح نحراً بالسكاكين رجالاً ونساءاً وأطفالاً وكيف كانت تساق الحرائر من نساء المسلمين إلى المعتقلات يؤخذن لأجل المتعة للجنود الصرب حتى بلغت إحصائية النساء المغتصبات سبعين ألف امرأة ما بين طفلة وشابة وكهله والله المستعان , فلما رأيت ذلك والله ما عاد يقر لي قرار أو يهدأ لي بال من هول ما رأيته من فجيعة وكارثة حلت بأهلنا في البوسنة فقررت الذهاب للجهاد هناك فاستأذنت والدي حفظه الله في الذهاب للجهاد فرفض لا رفضاً للجهاد كشريعة ولكنها الفطرة البشرية والعاطفة والمحبة الأبويه التي أملت عليه قراره هذا فبقيت سنة كاملة وأنا أحاول معه وكان جوابه نفسه يتكرر بالرفض وكنت خلال هذه الفترة أبكي بكاء الثكلى كلما علمت أن أحداً من الشباب قد سافر إلى البوسنة إغتباطاً له على ما وفقه الله له وحسرةً على عدم قدرتي على الذهاب , فبدأت أقرأ كتب الجهاد وقرأت بعضاً من كتب الشيخ \ عبدالله عزام رحمه الله , وسألت بعض المشايخ فأفتوني بأنه لا استئذان في فروض الأعيان وشرحوا لي المسألة بشكل شرعي حيث اقتنعت أنني غير ملزم بموافقة الوالد فإن وافق فحباً وكرامة وإن لم يوافق فطاعة الله أولى حينها لأن الجهاد فرض عين , فاستعنت بالله وقررت الذهاب للبوسنة وعندها حصل مالم يكن في الحسبان فعندما تكلمت مع أحد الإخوة المنسقين من أجل الذهاب للبوسنة أخبرني أن الطريق أغلق ويتعسر الدخول للبوسنة بسهولة وإضافة لذلك فإن المجاهدين في البوسنة بحاجة إلى أشخاص أصحاب خبرة عسكرية أو على الأقل يحسنون استخدام السلاح حتى لا يكونوا عالة عليهم فاسترجعت الله على هذه المفاجئة وسألته على الحل كوني أصبحت شديد الرغبة في السفر للبوسنة فعرض علي الذهاب لأفغانستان لأجل التدرب هناك في معسكرات المجاهدين ثم أعود وأسافر للبوسنة فوافت لأنه الحل الوحيد الذي سيساعدني لدخول البوسنة ومن هذه المرحلة بدأت أسير تجاه العالم الأخر الذي ما كنت لأفهمه مالم أخض غماره.
بعد أن قررت السفر إلى أفغانستان جهزت نفسي بما أحتاجه ثم سافرت إلى باكستان وكان الأخ المنسق رتب لي التوجه إلى (بيت الشهداء) في بيشاور وهي المضافة المفتوحة في ذلك الوقت لاستقبال المجاهدين وتوجيههم إلى المعسكرات في أفغانستان , وصلت إلى مدينة إسلام آباد ومن هناك ركبت الباص إلى بيشاور وكان في انتظاري أحد الأخوة الذي أخذني بـ(الفلانكوش) وهو اسم باص التويوتا الصغير في باكستان , حقيقة منذ وصولي لإسلام آباد وحتى وصولي لبيت الشهداء في بيشاور كنت في حالة تعجب وذهول كوني لأول مرة أغادر وطني وأيضاً لطبيعة الحياة الغريبة التي ما تعودت عليها وبدأت أراها في مواقف الباصات وفي الشوارع وطريقة كلام الناس وتصرفاتهم إضافة إلى أن الحياة الجديدة التي أنا مقدم عليها جعلتني في حالة من الإرباك والذهول, وبعد وصولي إلى بيت الشهداء في حي (بورد) لا أبالغ إن قلت أنني أصبت بشيء من الرهبة والمفاجئة فقد كان البيت مليء بالكثير من الشباب والكبار من مختلف الأعمار ومن مختلف بلاد العالم وكانوا جميعهم في الزي الباكستاني وأغلبهم طوال اللحى وشعر الرأس بشكل يجعلك تشعر وكأنك أمام أناس جاؤوا من ألف سنة مضت , وكان في استقبالي في إدارة المضافة الأخ\ أبو زبيده الفلسطيني فك الله أسره (المعتقل حالياً في غوانتنامو) فرحب بي وأخبرني أنه تلقى اتصالاً من أحد الأشخاص في بلدي أخبره برغبته في إرسالي إلى المعسكر للتدرب فوافقته كلامه وأخبرته أن هذه رغبتي ثم أخبرني عن نظام وقوانين المضافة وعن كل شيء أحتاج لمعرفته ثم أخبرني أن علي الإنتظار أسبوع إلى أسبوعين حتى أستطيع الدخول إلى أفغانستان والذهاب إلى المعسكر وفي فترة الإنتظار أخذت بالتعرف على بعض الشباب الموجودين في المضافة فمنهم من قاتل سابقاً في أفغانستان ومنهم من كان في معسكرات التدريب ومنهم من هو جديد مثلي , في هذه الفتره تعرضت لعدة صدمات جعلتني أدخل في مرحلة نفسية صعبة حيث أصبحت في حيرة عن حقيقة ما أنا مقدم عليه ولكن التجائي إلى الله في مثل هذه الظروف كان هو المخرج والدليل , والصدمات التي تعرضت لها هناك هو ما بدأت أراه وأسمعه عن الجماعات والتقسيمات فهناك الإخوان المسلمين وهناك التكفير والهجره والسلفية والمرجئة والخلافة وغيرها من المسميات التي لم أكن أعرف لها وجود وما أثر في نفسي كثيراً هو ما سمعته من بعض الشباب من تكفيرهم للشيخ \ عبدالعزيز بن باز والشيخ \ محمد بن عثيمين رحمهما الله وتكفيرهم لغيرهم من علماء المسلمين , كان هذا الشيء بالذات فاجعة بالنسبة لي جعلتني أدخل في حالة إعتزال عن أغلب الشباب بسبب خوفي من أن يكونوا يحملون مثل هذه الأفكار الضالة ولكني مع الأيام بدأت أستوعب الوضع في بيت الشهداء حيث نبهني بعض الشباب أنني غير ملزم بقبول رأي هؤلاء الشباب الذين يكفرون العلماء ولا حتى مجالستهم بل وأوصوني بالابتعاد عنهم خشية التأثر بأفكارهم , بالنسبة لي لو يتم تخطئة العلماء في أمور أخطئوا فيها شرعاً فهذا حق ولكن بأدب أما أن يتم تكفيرهم جهلاً وحماساً واندفاعاً بغير ضابط شرعي فهذا مالا يقره عقل ولا شرع ومالم تطق نفسي قبوله.
خلال فترة إنتظاري في بيت الشهداء كنت أقضي وقتي في قراءة كتب ومؤلفات عن الجهاد منها كتب الشيخ عبدالله عزام رحمه الله وغيرها من الكتب وأيضاً كنت أشاهد الكثير من الأفلام الجهادية التي صورت في أفغانستان أثناء المعارك وكنت أجالس الإخوة الذين قاتلوا منذ فترة طويلة في أفغانستان وأستمع إلى قصصهم عن المعارك وعن الشهداء الذين قتلوا هناك فكان ذلك كله قربني من أفغانستان وزاد من محبتي لها ومعرفتي بها أكثر ومن معرفتي بواقع الجهاد الأفغاني وأحداثه وعن كثير من الحقائق التي حصلت في تلك الفتره وهذا زاد من معلوماتي ومعرفتي بحقيقة القتال الدائر بين قيادات الجهاد الأفغاني سابقاً وهم : قلب الدين حكمتيار وعبد رب الرسول سياف وبرهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود والشيوعي الملحد عبدالرشيد دستم الذي كان يقاتل مع الروس والحكومة الشيوعية من بعدها ضد المجاهدين ثم بعد سقوط كابل في يد المجاهدين ذهب إلى مكة للحج ومن وقتها يدعى بالحاج دستم والله المستعان, وكنت في كل يوم يمر علي تزداد معرفتي أكثر فأكثر في طبيعة تواجد وعمل الجماعات الإسلامية المسلحة المتواجدة في أفغانستان أو باكستان عربية كانت أو غير عربية وذلك من خلال إحتكاكي اليومي ببعض أفرادها أو من خلال المعلومات العامة التي يتناقلها المجاهدين عن هذه الجماعة أو تلك فأدركت حينها أن المسألة أكبر مما أتصور وأنني كنت أجهل الكثير عن واقع الجبهات الجهادية وكيف يدور العمل فيها , وفي هذه الفتره التقيت وتعرفت بكثير من الشباب ومنهم من جمعتني بهم علاقة صداقة قوية ومحبة في الله حتى أننا فرقتنا الأيام والتقينا في جبهات قتال أخرى وأذكر منهم أخي عبدالقادر الجزائري والذي التقيته مرة أخرى في البوسنة وسيرد ذكره في مرحلة البوسنة , وقد قتل فيما بعد في الجزائر وأخي الحبيب أبو خوله اللحيدان من بلاد الحرمين وقد كان صديقي ورفيق دربي في معسكر التدريب وقد قتل في الحرب الشيشانية الثانية حيث ذهب للشيشان في الحرب الأولى وبقي فيها حتى أصبح ممن يعتمد عليهم خطاب رحمه الله في العمل هناك لما يمتاز به من أخلاق عالية وصمت العقلاء وهمة الرجال , فكنت كلما أنظر إليه أرى شهيداً يمشي على الأرض ومنهم أخي أبو عبدالله الكندي وهو يمني وقد قتل فيما بعد في البوسنة وأبو يوسف الجزائري وقد قتل في الجزائر فيما بعد وأبو عبدالله اليمني وقد قتل في كابل فيما بعد حيث ذهب للقتال مع قلب الدين حكمتيار في كابل وقتل هناك وغيرهم من الأحباب الذي خانتني الذاكرة عن تذكرهم الآن فطول السنين وكثرة الأحداث وكثرة الرجال والشهداء الذين رأيتهم وعشت معهم وخالطتهم زادت من عدم تذكر بعض الأسماء ولكني أسأل الله الرحمة لحيهم وميتهم وأن يجمعني بهم في مقر رحمته يوم الدين.
حان الأن موعد الذهاب إلى معسكر التدريب في أفغانستان حيث استدعاني أمير المضافة ومعه أبو زبيدة الفلسطيني وأخبرني أنني وأبوخولة (وكان يدعى وقتها أبوعبدالرحمن اللحيدان) سنسافر غداً صباحاً إلى أفغانستان ففرحت كثيراً وحمدت الله لأن الإنتظار قد طال في المضافة ولم يكن شيئاً معتاداً أن يطول إنتظار الراغبين في الذهاب إلى أفغانستان لكن في تلك الفترة كانت الظروف الأمنية في بيشاور سيئة بسبب الحملة الأمنية من السلطات الباكستانية التي كانت تقوم بحملة اعتقالات للمجاهدين العرب أو ما يسمونه وقتها (الأفغان العرب) فأصدقاء الأمس أصبحوا أعداء اليوم , حقيقة كان في هذا التأخير خير كبير لي حيث أنني إستفدت الكثير أثناء فترة إنتظاري كما ذكرت سابقاً وكان هذا الأمر أعطاني حالة من الوعي والإقدام على ما أنا ذاهب إليه وزاد في معلوماتي العامة عن الجانب العسكري وزاد من شوقي في رؤية بل واحتضان تلك الأسلحة التي طالما سمعت اسمها من المجاهدين في المضافة وكيف كانوا يتغنون بها حتى أنك لتظن أحدهم وأنت تسمعه يتغنى بسلاحه وكأنه يتغنى بحسناء جميلة ممشوقة القوام , وفي الصباح صلينا الفجر وودعت الشباب ثم ركبنا الفلانكوش وتوجهنا من بيشاور إلى مدينة (بنو) وقد أخذ الطريق من الوقت خمس ساعات على ما أذكر وكنا في الطريق مررنا بعدة نقاط تفتيش للشرطة الباكستانية تجاوزناها بسلام ولله الحمد , ومدينة بنو محاذيه للحدود مع أفغانستان بإتجاه ولاية خوست التي يحكمها ذلك الحين القائد البطل المجاهد \ جلال الدين حقاني حفظه الله, وبعد الوصول إلى بنو ذهبنا مع الشخص الذي جاء معنا وهو أفغاني إلى مدرسة لتعليم القرآن وبقينا فيها إلى ما بعد العصر ثم بعد العصر جاء شخص أخر وأخذنا وأخبرنا أننا متجهون لنعبر الحدود إلى أفغانستان عن طريق التهريب من الجبل حتى لا يرانا حرس الحدود الباكستاني واستعنا بالله وتوكلنا عليه وانطلقنا بالسيارة وقبل الحدود بما يقارب كيلو متر واحد ترجلنا وسرنا على الأقدام في الطريق الجبلي ولا أخفي حقيقة أنني كنت في حالة خوف شديد ليس من شيء إلا أن يتم اعتقالنا ونحرم من دخول أفغانستان التي بدأت أعشقها مع أنني لم أرها حتى الآن , وأخذنا نجد في السير صعودا وهبوطاً ومشياً وركضاً وزحفاً أحياناً حتى أخبرني المهرب أنني داخل أفغانستان وهنا سجدنا أنا وأبو خولة سجود الشكر لله على الوصول ثم مشينا إلى مكان وجدنا فيه سيارة تنتظرنا فركبناها وتوجهنا إلى منطقة (جاور) حيث معسكرات التدريب .



http://www.m5zn.com/uploads/6671eca7bf.jpg
الحلقه الثانيه

بسم الله الرحمن الرحيم





كان شعوري وأنا في السيارة أنظر إلى الجبال حولي مزيج ما بين الشعور بالعزة والتأمل والحديث الصامت بيني وبين تلك الجبال فكم شهدت من المعارك وكم سار عليها من الرجال الأبطال وكم وطئتها اقدام الكثير من الشهداء وكم عانت وأهلها من ويلات الطائرات والراجمات الروسية التي لا ترحم ولا تفرق بين صغير أو كبير فكانت تحرق القرى وتحصدها وتقتل البشر بدون أي أعتبار للقيم البشرية , وفجأة أيقظني من سهوي وتفكيري وقوفنا أمام بوابة معسكر (حركة الأنصار ) وهي جماعة باكستانية كان يرأسها الشيخ \ فضل الرحمن خليل (وهي جماعة انحلت وألغيت بعد سنوات قليلة من هذا الوقت) وبعد الإذن بالدخول استقبلونا بالترحيب وجاؤا لنا بشخص يتكلم العربية ولكن بشكل مقبول شيئاً ما وأخذنا إلى مكان نومنا واستراحتنا وكان هذا الأمر محل مفاجأة لي عندما علمت أننا الوحيدين العرب الموجودين في المعسكر وأن جميع الإخوة المتواجدين هم من الأسيويين مثل باكستان وكشمير والهند والفلبين وماليزيا وأندنيسيا , حقيقة أستشعرت كيف ستكون صعوبة الأيام علينا إن لم نجد من يتحدث العربية في هذا الكم الهائل من المجاهدين وفعلاً هذا ما حصل معنا في ما بعد حيث بقينا عدة أيام لا نقوم بعمل أي شيئ إنتظاراً لموعد بداية التدريب , ومع صعوبة الظروف العامة التي بدأنا نعانيها ليس من الإخوة في المعسكر فهم والشهادة لله حاولوا كثيراً أن يهيئوا لنا المناخ المناسب لكن هناك عوامل كثيرة صعبت وضعنا , أولها وكما يعرف من ذهب إلى معسكرات التدريب في أفغانستان طبيعة أجواء المعسكرات القاسية لمن يأتي جديد إلى المعسكر فهو ينتقل من حياة الدعة والنعيم إلى الشدة والتقشف ومن الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية وهذا كله يمكن تجاوزه مع الأيام والتعود عليه وليس بالأمر الصعب ولكن كانت لدينا مشكلة الطعام فالإخوة الباكستانيين عُرفوا بحبهم الزائد للبهارات الحارة وإختلاف طبيعة أكلهم عنا نحن العرب وهذا الشيئ سبب لنا أمراض الباطنية و أضطرابات في الجهاز الهضمي حتى أصبحنا لا نقتات إلا على الخبز والشاي وهناك ما يسمونه بالحلوى الأفغانية وهي مزيج من السكر والطحين المطبوخة مع بعضها وهذا سبب لنا إضطراب في الحالة الصحية مما أثر على تدريبنا والأهم من ذلك أن التدريب العسكري ليس فقط في اللياقة البدنية أو فك وتركيب السلاح فأنت بحاجة إلى فهم السلاح كما تفهم نفسك حتى تستطيع التعامل معه وهناك التكتيك العسكري وغيرها مما يعتمد على مبدأ الفهم والوعي وهذا الشيئ بالنسبة لنا كان مفقوداً بسبب فقدان عامل اللغة في التواصل مع المدربين , ومع كل هذه الظروف المربكة إلا أنني كنت أتحملها نفسياً بسبب فرحتي العارمة لوجودي في أفغانستان ولم يكن هذا الشيئ كافياً لمساعدتنا في استيعاب التدريب لذلك تدبر الإخوة نقلنا إلى معسكر آخر فيه مدربين يتكلمون العربية وفعلاً أخبرونا أننا سننتقل إلى معسكر (الصديق) وهو يبعد مسافة ساعه تقريباً مشياً على الأقدام وكان هذا بعد أن قضينا شهراً كاملاً في معسكر (حركة الأنصار) وفي اليوم المحدد لمغادرتنا ودعنا الإخوة في المعسكر وشكرناهم على حسن ضيافتهم لنا ثم تحركنا مشياً ومعنا ثلاثة من الإخوة الباكستانيين وبعد ساعه كنا وصلنا إلى معسكر (الصديق) واستقبلنا الإخوة هناك بكل ترحاب حيث كانوا على علم بمجيئنا وعن السبب في ذلك وكانت المفاجأة أنهم كلهم باكستانيون ولكن يتكلمون العربية جيداً وهذا ما أراحنا كثيراً والحمد لله .

تتالت الأيام وكنت وأخي أبو خولة في غاية الحماس والمثابرة فتغيير ظروفنا للأحسن رفع كثيراً من معنوياتنا حيث أن الإخوة في المعسكر قاموا بعمل برنامج خاص لتدريبنا وحدنا وأيضاً جاء بعد فترة بعض الإخوة المدربين العرب للمساعدة في تدريبنا في المواد التي تحتاج إلى معرفة بمفردات اللغة العربية حتى يسهل إيصال المعلومة كما ينبغي وأذكر من هؤلاء الإخوة وهم من قدامى المجاهدين في أفغانستان ممن بقوا في المعسكرات لتدريب الأجيال الجديدة المقبلة على الجهاد أذكر منهم أخي عبدالعظيم المصري (وقد أستشهد فيما بعد أثناء قتاله مع طالبان ضد التحالف الشمالي في أفغانستان) وأخي أبو سليمان المدني من بلاد الحرمين (أستشهد مع أخيه عبد العظيم المصري في نفس المعركة ) وأخي عبدالحميد الليبي (والذي أستشهد أثناء الإجتياح الأمريكي في أفغانستان وكان يقاتل مع طالبان ويدعى وقتها إبراهيم الليبي ) وأخي خلاد المصري (أستشهد في مدينة كراتشي في باكستان ومعه أبنته الصغيره أثناء اقتحام القوات الباكستانية لمنزله بعد فترة من سقوط طالبان ويدعى وقتها أبوالزبير المصري ) وأخي أبو عطا التونسي (أستشهد عند جبل صابر في شمال كابل فترة طالبان جراء القصف من قوات التحالف الشمالي ) وأخي الحبيب أبو سليمان المغربي (أستشهد فيما بعد في الشيشان في الحرب الأولى ) وكان هذا الأخ رحمه الله أقرب المدربين إلى نفسي لما كان يتمتع به من أخلاق عالية وصفاء في النيه وطيبة في القلب ودائماً ما كان يصبّرنا بسبب قسوة التدريب وظروف المعسكرات الإستثنائية في قضية التعامل ما بين المدرب والمتدرب فهذا كله له معاني نفسية عسكرية يراد غرسها في داخل المتدرب حتى يعيها أكثر من خلال المعايشة لما فيها من مصلحة مرجوة وهي صقل شخصيته العسكرية ورسمها في شكل معين يستطيع من خلاله التعايش مع أكثر الظروف قساوةً في حياته المدنية العامة أو في داخل الجبهات وأثناء المعارك .

تسارعت الأيام وأنا وأخي أبو خولة نجتاز بكل همه ونشاط ما أعد لنا من برامج تدريبه وكنت خلال تلك الفترة أجد نفسي أتطور يوماً بعد يوم , وفي أحد الأيام جائنا خبر أستشهاد القائد البطل \ أبو معاذ الخوستي رحمه الله في كابل أثناء قتاله مع قلب الدين حكمتيار ضد رباني ومسعود وكان مقتله على يد جماعة (دستم) الذي كان حينها متحالفاً مع حكمتيار ولكنه غدر به وقتها وقتل أبو معاذ الخوستي في هذا الغدر وخسرت الأمة بطلاً من أبطالها عرفته معارك منطقة خوست حتى سمّي عليها وهو من أبنا فلسطين الذين هبوا لنصرة اخوانهم الأفغان في وقت مبكر من الجهاد الأفغاني فرحمك الله يا أبا معاذ الخوستي وأسكنك فسيح جناته .

انتهى التدريب المقرر لنا بحمد الله بعد أن تجاوزنا جميع مراحله بكل نجاح وكانت أياماً جميلة ولحظات سعيده التي قضيناها في المعسكر وحقيقة لا أبالغ إن قلت أنني في نهاية الدورة كنت شخصاً آخر بمعنى الكلمة فقد جئت شاباً ناعم العود اعتاد على حياة الدعة بعيداً عن مآسي أمته ونكباتها وفي نهاية التدريب كان قد اشتد عودي وقوية عزيمتي وازداد فكري وعياً وإدراكاً بواقع أمتنا الجريحة فازدت ثقة بالنفس وازدت عزماً على المضي قدماً في طريق النصره حتى تنجلي الغمة أو نلقى الله في ساحات الوغى وأن أكون ناصحاً لنفسي ولإخواني على أن لا نحديد عن المنهج الصحيح الذي خطه لنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم فقد رأيت العجب العجاب من أفكار ومناهج كلها يدّعي أنه على الحق وهم قد خالفوا الحق ظاهراً وباطناً فالحق يجمع الأمة ويوحدها تحت كتاب الله أما هؤلاء الجماعات والأفكار فقد جعلوا الأمة زرافاتٍ ووحدانا وجعلوها شذر مذر هدانا الله وإياهم وردهم للحق رداً جميلا , بعد انتهاء التدريب كنت على شوق كبير في أن أعود إلى باكستان حتى أستطيع من هناك التوجه إلى البوسنة , وفي اليوم المقرر ودعت الإخوة المدربين ثم ودعت أخي وحبيبي أبو خولة الذي قرر البقاء في المعسكر لفترة إضافية وكان وداعي له وداعاً مراً بكينا خلاله كثيراً فما ندري هل ستجمعنا الأيام أم لا وفي الحقيقة كان هذا آخر عهدي بأبي خولة وكنت أتتبع أخباره ويتتبع أخباري ونتراسل بالسلام من خلال الإخوة حتى بلغني خبر أستشهاده في الشيشان في الحرب الثانية حيث أخبرني أحد الإخوة الذين كانوا في المعركة أثناء الإنسحاب من (قروزني) عاصمة الشيشان يقول : بقينا نمشي عدة أيام مع زاد وماء قليل أصيب أثنائها أبو خولة وآخرين وكانت الثلوج ترتفع عن الأرض بنصف متر وكنا نعاني في حمل الجرحى وعند أحد الكهوف أصر أبو خولة أن يتركه إخوانه بعد ما رآه من شدة التعب وقلة الزاد التي هم فيها وكانت أصابته بليغه وقال لهم اتركوني في الكهف واذهبوا لتحصيل المساعده فإن عدتم فتساعدوني وإن لم تعودوا أسأل الله أن يتقبلني شهيداً فاضطر الإخوة مكرهين تحت اصراره وتحت وطأة الظروف التي يعانونها من تركه في الكهف والمغادرة وبعد أن يسر الله لهم الوصول إلى منطقة أمان علم القائد خطاب رحمه الله بالأمر فغضب وقلما كان يغضب بهذا الشكل فأمر مجموعة بالعودة وإحضاره فأبو خولة من القيادات الأكفاء الذين لا يمكن التخلي عنهم ببساطة ولِما كان يمتاز به من مكانة عند القائد خطاب والإخوة جميعاً هناك , ولما وصلت المجموعة للكهف وجدوه قد فارق الحياة فرحمك الله يا أبا خولة يا خالد اللحيدان كنت شهماً كريماً بطلاً مقداماً راقياً في أخلاقك منافساً في كريم خصالك لم ولن أنساك فقد بنيت معي أول لبنات حياتي في هذا الطريق كيف أنساك وقد كنت معيناً لي على الطاعة وصادقاً معي في النصيحة مواسياً لي في الملمات أتذكرك وأنت تأخذ بيدي كلما أنهكني التعب ونحن في التمارين الصباحية أو في المسيرة اليومية وتقول لي (اصبر يا أبو...... فإن صبرت اليوم فغداً تقود الرجال ) فرحمك الله ما أحلمك وأحكمك صاحب همه وذو بصيرة , اعذرني يا أخي الحبيب واعلم أن ما قلته فيك لا يرقى إلى مستوى قدرك ولكن يعلم الله أحمل القلم في يدي وإني لمشتت الذهن من واقعي وظرفي الذي أنا فيه أسأله سبحانه أن يحفظني وإخواني من كل شر وسوء وأن يجمعنا بك وبمن سبقنا من الأحبة في جنات النعيم .




http://www.m5zn.com/uploads/6671eca7bf.jpg

بسم الله الرحمن الرحيم



( الحلقه الثالثه )

بعد أن أنهيت التدريب في المعسكر غادرت متوجهاً إلى باكستان وبالتحديد إلى بيت الشهداء من حيث أتيت وكنت خلال طريق عودتي أراجع ذكرياتي في تلك الأيام الجميلة واللحظات السعيدة التي قضيتها في المعسكر متأملاً في تلك الذكريات لحظةً بلحظة ذلك الحماس أثناء الرماية على الأسلحة والتعب والإرهاق أثناء التمارين الصباحية والمسيرات الليلية والحراسة في أليالي المظلمة وتسللنا في الليل إلى المطبخ للبحث عن بقايا خبز أو طعام نسد به جوعنا والعقوبات التي تطبق أثناء مخالفات الأنظمة , هي ذكريات لا يشعر بالأنس بها إلا من ذاق حلاوتها وعاش أيامها , وبعد الوصول إلى بيشاور توجهت إلى بيت الشهداء أنا والمهرب الأفغاني الذي أوصلني وكان البيت كما تركته كثير الناس كثير الحركة ولكن تغيرت الكثير من الوجوه فقد غادر أناس وجاء آخرين ثم سلمت على الإخوة وبحثت عن مكان للنوم فلم أجد إلا على سطح المنزل لامتلاء المنزل بالشباب وبعد الاستراحة بيومين والتجول في محلات عصائر المانجو ومطاعم بيشاور مثل "شيراز " و " العثمانية " و "شيف" كنوع من الانتقام من أيام الجوع والتقشف المفروض علينا في المعسكر , بعدها بدأت في الموضوع الرئيسي الذي جاء بي إلى أفغانستان وهو الذهاب للبوسنة وسألت الإخوة في إدارة المضافة عن أمكانية الذهاب للبوسنة فأخبروني أن الطريق للبوسنة مازال مغلق وأن كثير من الشباب في المضافة يرغبون في الذهاب للبوسنة ولكنهم لا يجدون طريقاً إلى ذلك وهم منذ أشهر ينتظرون فتح الطريق ولم يحصل شيء وقد اتصلوا بأكثر من مكان لعلهم يجدون طريقاً من خلال أي دولة ولكن دون فائدة لحظتها أصبت بإحباط شديد فقد تعنيت وجئت إلى هنا من أجل الإعداد حتى أتمكن من الذهاب للبوسنة وصادف أن التقيت في المضافة بشاب جاء من بلاد الحرمين وآخر من اليمن منذ أيام قليلة وذكروا أن جميع الطرق المؤدية إلى البوسنة مغلقة وهو سبب مجيئهم حتى يتدربوا إلى أن يفتح الطريق , لم أعرف ما أعمل وقتها فما جئت من أجله لم يتحقق وفي نفس الوقت لم أرغب في العودة لبلدي وأصبحت في حيرة وكنت أسمع وقتها من الشباب عن طاجيكستان وعن الوضع هناك وكيف أن المسلمين هناك يعانون من الإبادة والتهجير على يد الروس وعملائهم الشيوعيين وسمعت عن دور المجاهدين هناك وعملياتهم وعن وجود المجاهدين العرب في طاجيكستان وصادف وجود بعض الشباب كانوا يرغبون في الذهاب إلى هناك فبدأت بالسؤال عن طاجيكستان أكثر حتى أعرف حقيقة الوضع هناك وكنت أشعر وقتها بالاقتناع بالذهاب إلى هناك كونه لا يوجد طريق إلى البوسنة وكنت تعرفت على أحد الشباب من بلاد الحرمين كان يستعد للذهاب إلى هناك وأخبرته نيتي لمرافقته إلى طاجيكستان فرحب بذلك وكان هذا الأخ هو أبو مالك النجدي "ماجد العموشي رحمه الله "فذهبنا إلى مضافة القائد خطاب رحمه الله في منطقة بابي خارج بيشاور ورتبنا أمورنا بحيث حصلنا على أوراق تعريف من "حزب النهضة الطاجيكي"وهو الحزب الذي يقاتل الحكومة وقتها ورئيس الحزب هو "عبدالله نوري" , والغاية من هذه الأوراق حتى نستخدمها أثناء عبورنا في مناطق القتال بين الأحزاب في أفغانستان , وبعد ترتيب أمورنا انطلقنا باتجاه أفغانستان حتى نعبرها باتجاه طاجيكستان والمثير في هذه السفرة أنها أخذت من وقتنا خمسة وعشرون يوماً وهذا لم يكن في الحسبان .

دخلنا أفغانستان من منطقة "طورخم" حيث يوجد مقبرة الشهداء العرب الذين قتلوا في أفغانستان في الجهاد الأفغاني مع الروس والشيوعيين بعدها توجهنا إلى "جلال آباد" المدينة ذائعة الصيت التي ارتوى ثراها بدماء الكثير من المجاهدين العرب وهي من المدن الكبيرة داخل أفغانستان وكانت حينها تحت سيطرت الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار والسبب في ذلك كون سكانها من العرق البشتوني وهم موالون لحكمتيار كونه بشتوني العرق , أثناء عبورنا داخل المدينة لفت انتباهي مدى بساطة الحياة فيها ومدى الفقر الظاهر على الناس هناك ورأيت ما فاجأني هناك حيث رأيت بعض الأفغان ممن يعتنقون الديانة "السيخية" وهم مميزون بطريقة لبسهم لعمائمهم و للحاهم وشواربهم الطويلة فاستغربت لوجودهم وعلمت أنهم يعيشون هناك منذ سنين طويلة , ثم توجهنا إلى كابل حيث بقينا لعدة أيام فيها وسكنا في حي "وزير أكبر خان" وهو في وسط المدينة تقريباً وهو حي في مقرات الهيئات الإغاثية الدولة وفيه عدد من سفارات الدول الأجنبية فكنا نخرج أحياناً من المنزل لشراء ما نحتاج من أكل وأحياناً لمجرد الإطلاع على ما حولنا , وحقيقة لم أستطع استيعاب ما رأيته في كابل تلك المدينة التي خسر المجاهدون الأفغان مليون ونصف شهيد حتى يحرروها من يد الشيوعيين , وما رأيته لم يكن هو ما تتوقعه من نتائج بعد سنوات طويلة من الجهاد فقد كانت المدينة في حالة فوضى من الفساد الأخلاقي الرهيب فقد كانت بيوت الدعارة في كل مكان والنساء متبرجات بكثرة في الشوارع ويلبسن القصير والجينز والموسيقى تصدح في كل مكان منافسةً الأذان للصلاة وانتشار اللواط في كابل بشكل مرعب والسرقات والخطف والاغتصاب وكل هذا كان تحت علم وسمع وبصر الحاكم رئيس الحكومة وقتها وهو الخائن \برهان الدين رباني الذي عندما ذهب إليه الإخوة بعد ما رأوا الحال المزرية في كابل وتحدثوا معه عن انتشار بيوت الدعارة بشكل علني وأن عليه أن يغلقها فرد عليهم وقال (لو أغلقنا هذه البيوت فمن أين ستأكل هذه النساء) , بعد قضاء عدة أيام توجهنا شمالاً وفي منطقة "جبل السراج" تعطلت بنا السيارة بسبب كثرة الحمل عليها فاضطررنا للنوم لساعات في المقاهي القديمة المتواجدة هناك حتى الصبح وكانت ليلة باردة جداً وفي الصباح لم نستطع إصلاح السيارة فاضطررنا لإكمال الطريق على ظهر إحدى الشاحنات وظللنا ننتقل من شاحنة إلى أخرى كلما وصلنا إلى آخر محطة لتلك الشاحنة وعبرنا مدينة نهرين وخنجان حتى وصلنا إلى مدينة "قندز" وقد استغرقنا عدة أيام كنا ننام فيها إما في المقاهي أو على الأرض أو على ظهر الشاحنة حسب الظروف , وبعد الوصول لقندز توجهنا لمضافة خطاب هناك فاستقبلونا الإخوة واسترحنا لأيام ثم توجهنا إلى تخار وهناك استرحنا في مضافة خطاب هناك أيضاً , وتخار مدينة ليست بالكبيرة ويوجد بها مقر قيادة حزب النهضة الطاجيكي وهناك يقيم عبد الله نوري زعيم الحزب وبعد الاستراحة لأيام أخذنا سيارة خاصة وتوجهنا شمالاً باتجاه مدينة "تشياب" وهي آخر محطة ستكون لنا داخل أفغانستان وتحركنا باتجاهها بعد الفجر وكان وصولنا إليها قبل المغرب بقليل , طبعاً كما ذكرت سابقاً أخذت هذه الرحلة من وقتنا خمسة وعشرون يوما لم نر خلالها الطرق المعبد "المسفلت" سوى داخل مدينة جلال آباد أو كابل أما باقي الطرق فكانت ترابية وكان تنقلنا في مناطق ترابيه وأحياناً جبلية ونومنا حسب الظروف فأحيانا بيت وأحياناً مقهى وأحياناً العراء وكنا نضطر لتغيير الطريق إلى أطول منه بسبب القتال بين الفصائل أو بسبب قطاع الطرق وأحياناً بسبب بعض القبائل الذين يضعون نقاط تفتيش على الطريق فمن لا يدفع لهم يرجعونه وأحياناً إن كان السائق من قبيله بينها وبينهم خلاف فيرفض الذهاب من ذلك الطريق تجنباً للقتل وأذكر أننا كنا في كل نقطة "سيطرة" يضطر السائق لجمع المال من الركاب ليدفع لنتمكن من العبور فالسائق يرفض أن يدفع لوحده , بعد الوصول إلى تشياب استقبلنا الإخوة بكل حفاوة وكان في البيت عدد من الإخوة العرب والأتراك ممن ينتظرون للذهاب إلى طاجيكستان والبعض الآخر كانوا خرجوا من طاجيكستان لظروف مختلفة وأخذنا أمير المضافة إلى مكان نومنا واستراحتنا وهي عبارة عن خيام حيث أن المضافة مكونه من غرفتين للإدارة وعدد من الخيام للمقاتلين ثم بقينا عدة أيام نستريح فيها وأيضاً لنجهز أنفسنا للمرحلة الأخيرة من السفر إلى طاجيكستان وهي السفر مشياً على الأقدام لمدة ثلاثة أيام حتى نصل لنهر جيحون حيث مقر القائد خطاب رحمه الله الخلفي في الضفة المقابلة في الجانب الطاجيكي لأن نهر جيحون هو الفاصل بين طاجيكستان وأفغانستان في تلك المنطقة ولفت انتباهي أثناء وجودي في تشياب مستشفى يعتبر متطور مقارنة بالحالة في بلدة صغيرة وفقيرة مثل تشياب وقد أقام هذا المستشفى القائد خطاب رحمه الله من أجل علاج الشباب الجرحى الذين يصابون أثناء القتال في طاجيكستان ويستلزم علاجهم عناية طبية وهو ما لا يمكن توفره في جبهة القتال وفي نفس الوقت فتح باب العلاج مجاناً لأهالي بلدة تشياب من رجال ونساء وأطفال وهذا ما جعل خطاب محبوباً من أهل البلدة جميعاً وسهل مسألة وجود العرب والمقاتلين الطاجيك في البلدة ذهاباً وإياباً دون مشاكل كونهم غرباء .

في اليوم المقرر للسفر تجاه طاجيكستان تحركنا بعد صلاة الفجر وكان عددنا من العشرة إلى الخمسة عشر على ما أذكر وكل واحد منا يحمل حقيبته على ظهره وفوقها كيس النوم ومطاره الماء وبعضهم يحمل الجعبة (لحمل مخازن الرصاص) والرشاش أما أنا فلم أكن أملك سلاح سوى سكين اشتريتها من باكستان للضرورة , بدأنا المسير وأنا في غاية الحماس مع محاولة عدم التذكر أن أمامنا ثلاثة أيام من المشي حتى نصل وفي الطريق جبل نضطر لصعوده وبدأنا في صعوده في الساعة السادسة صباحاً و وصلنا إلى قمته في الساعة الثانية ظهر فجميع الشباب كانوا نشيطين ومعنوياتهم مرتفعه فاتفقنا أن نستعجل في المشي قدر المستطاع حتى نختصر الوقت وأذكر أنني واجهتني مشكلة أثناء مجيئي من باكستان حيث إنقطع حذائي من المقدمة فهو الذي كنت أستخدمه في المعسكر وبدأ إصبعي الكبير في الظهور من الأمام شيئاً فشيئاً ولم يكن لدي المال الكافي حتى أرفه نفسي بشراء حذاء جديد فالمال الذي لدي كنت أحفظه كان لمصاريف السفر والتنقل والضرورة وكنت على استحياء من أن أخبر أحد الإخوة الذين معي بالموضوع وتركت الأمر لله يفعل ما يشاء وما حصل في هذه المسيرة أن أصابع قدمي خرجت كلها من مقدمة حذائي الرياضي وبدأت تعيقني في المشي فاضطررت لخلع حذائي والمشي حافياً لأن أصابع قدمي بدأت تتأذى الحذاء وأثناء مشينا لاحظ أحد الإخوة أنني أسير حافياً فسألني عن السبب ولم يكن أمامي حل سوى أن أخبره بالحقيقة فغضب مني وقال لي لماذا لم تخبرني ألست بأخوك ثم أخرج لي حذاءاً جديداً كان معه ليعطيني إياه فرفضت لأنه قد فات الأوان على لبسه فأصابع قدمي التي كانت في الحذاء قد امتلأت بالتقرحات ولو لبست أي حذاء قبل أن تجف فسوف تكون كارثة على قدمي فآثرت أن أسير حافياً على أن تزيد حالة أصابعي سوءً فأمامي مشوار طويل , وبعد صلاة العشاء كنا قد وصلنا إلى إحدى القرى فبتنا فيها إلى قبل الفجر بقليل ثم بعد الفجر واصلنا سيرنا وطوال فترة طريقنا كنا نشتري طعامنا الذي نحتاجه من القرى التي نجدها في طريقنا وهو عبارة عن الخبز والتوت المجفف فهو المتوفر وأيضاً ليس لدينا الوقت للبحث عن طعام أفضل فنحن في سباق مع الوقت حتى نصل في أقصر مدة ممكنه وحقيقة لم يكن لدينا شيء مهم يجعلنا نستعجل في سيرنا ولكننا دخلنا في حالة تحدي مع الطريق ومع أنفسنا وكان يدعمنا في ذلك روح الشباب وحب المغامرة والتشوق لرؤية طاجيكستان فقد كانت لي ولبعض الذين معي أول جبهة جهادية فكان حماسنا وشوقنا يدفعنا دائماً للأمام , وقد يستغرب البعض من عدم استخدامنا للدواب من خيول وبغال وحمير في تنقلنا بدلاً من السير على الأقدام كل هذه المسافة وصراحة الإجابة لم أكن أعرفها في بداية الأمر ولكن بعد مرور الأيام و وصولي إلى طاجيكستان عرفتها وهي أن الإخوة في طاجيكستان كانت حياتهم صعبة بسبب الطبيعة الجغرافية للمنطقة كونها جبلية وعدم إمكانية توفر طعام جيد دائماً ومثل هذه الأجواء لا يصبر عليها إلا الرجال فأراد الإخوة تعويد الشباب الجدد على الشدة والبعد عن الترف حتى يستطيعوا التعايش مع الوضع في طاجيكتسان وأقولها بكل صراحة أن ركوب دابة في مثل تلك الظروف التي عشناها في طاجيكتسان هو ترف بحت ومما لا يليق بالمجاهد الصبور المثابر وكما قال الشيخ عبدالله عزام رحمه الله " إن الترف هو عدو الجهاد الأول " , وبعد ظهر اليوم الثاني لسيرنا تراءى لنا نهر جيحون واقترب الوصول للإخوة شيئاً فشيئاً وبعد قليل وصلنا بحمد الله إلى ضفة النهر المقابلة لطاجيكستان .

وللحديث بقية

قطر الندى
07-11-07, 09:38 PM
الله أكبر.....

بمثل هؤلاء سينتصر الإسلام و تعلو رايته
الإسلام لا ينتصر بحوارات ولا لقاءات
الإسلام لا ينتصر إلا بسيف يقطع ....
إنها رحلة ممتعة يأخذنا إليها هذا الشاب الذي باع الدنيا و اشترى الآخرة

بارك الله فيك أخي العراب متابعين معك حتى النهاية

الحميداوي
08-11-07, 07:28 AM
اشكر لك مرورك الاخت blueheart

غابت الشمس
08-11-07, 09:15 AM
اسد من اسود كثيرة وكم من الاسود لم تحكي قصصها


العراب تحية طيبه

الحميداوي
08-11-07, 01:50 PM
مرحباّ بك أخــي غابت الشمس

الحميداوي
08-11-07, 06:37 PM
http://www.m5zn.com/uploads/6671eca7bf.jpg

بسم الله الرحمن الرحيم


( الحلقة الرابعة )

وصلنا إلى آخر مكان في أفغانستان وهو جبل ليس بالمرتفع جداً ولكن يعتبر الضفة المقابلة لطاجيكستان لأنه بين هذا الجبل وطاجيكستان نهر جيحون , لا أستطيع حقيقة أن أصف شعوري في تلك اللحظة وأنا أشعر حينها أنني قد انتهيت من سفرة ورحلة طويلة جداً قطعناها من باكستان مروراً بأفغانستان حتى نصل إلى طاجيكستان وفرحتي أيضاً بتحقيق رغبتي بالوصول إلى أرض الجهاد , بدأنا بنزول الجبل وكنا نشاهد مجموعة من الأشخاص في الجانب الطاجيكي وهم يشيرون لنا ويتحركون حول صخرة ضخمة جداً وكأن المكان الذي يتواجدون به هو مقر أقامتهم وعند وصولنا إلى أسفل الجبل أصبح الحاجز بيننا وبين الشباب في الضفة المقابلة خمسون متراً تقريباً وهو نهر جيحون فأخذوا ينادون علينا ويطلبون منا الانتظار حتى يأتوا لنقلنا بالقارب , بعد قليل تحرك أحد القوارب وفيه شخصين باتجاهنا وعندما وصلوا رفع أحدهم صوته بالسلام علينا على عجالة وطلب منا أربعة أشخاص للركوب معه لينقلنا على دفعات والسبب في ذلك أن التيار في نهر جيحون في تلك المنطقة كان قوياً جداً بحيث يصعب فيه التحكم في بالقارب فلذلك كان ينقلنا على شكل دفعات متتالية , وقبل أن يأتي دوري سألت أحد الأشخاص الذين معي عن الشخص الذي كان يقود القارب وسلم علينا فأخبرني أنه القائد خطاب رحمه الله ( كان يسمى في تلك الفترة وما قبلها أيام أفغانستان بإبن الخطاب ولكن مسمى خطاب جاء أثناء وجوده في الشيشان وتغير اسمه من ابن الخطاب إلى خطاب اختصاراً ) , وعندما جاء دوري وركبت معه في القارب وسلم علينا وأخبرنا أنه مسرور بحضورنا وسلامتنا واستغرب جداً من مجموعتنا كلها عندما علم أننا قطعنا المسافة من تشياب إلى طاجيكستان في يوم ونصف بدلاً من ثلاثة أيام وقال يظهر لنا أنكم مجموعة نشيطة جداً وستناسبونني في العمل فقد جئتم في وقت أحتاجكم فيه , حقيقة أخذت أتأمل في هذا الشخص فقد كان شاب في منتصف العشرينات كث اللحية طويل الشعر قوي البنية طويل الجسم تجد من نبرة صوته الثقة بالنفس والإعتداد بها بعيداً عن الغرور مع بساطة في التعامل وتواضع شديد فهو الشخص الذي عرف في أيام أفغانستان في مركز أحد في جلال آباد وضربت سمعته الآفاق في طاجيكستان بسبب العمل والمجهود الجبار الذي قام به هناك لإحياء الجهاد ولما كان يمتاز به من شخصية قوية وبسيطة في نفس الوقت , أذكر هنا قصة حدثت له في أول أيامه في أفغانستان عندما جاء للجهاد وكان وقتها في معسكر التدريب حيث حصلت له مشكلة هناك حيث كان النظام في المعسكر يمنع ما يسمى بالمهربات وهي الأكل الذي يقوم الشباب بتهريبه إلى المعسكر من حلويات وبسكويت وعصير أو غير ذلك في محاولة منهم لسد الجوع الذي يعانونه في المعسكر فقام خطاب حينها بتهريب بعض الأغراض وأثناء التفتيش وجدت لديه فعوقب ولكن المسألة تطورت وأصبحت مشكلة كبيرة وطرد خطاب من المعسكر مع أن الأمر لم يكن يستحق لكن القائم على المشكله لم يحسن التصرف في حلها وبعد أن طرد خطاب من المعسكر قرر في نفسه الإنتقام فذهب إلى معسكر آخر وبدأ التدرب فيه وكانت فكرة انتقامه أن يثبت للآخرين أنه ليس بالشخص الفاشل وأن الخطأ منهم و ليس منه فبدأ تدريبه وأخذ في الإنتقال من دورة إلى دورة ومن معسكر إلى معسكر حتى فاق أقرانه في التدريب وأبدى مهارات عالية أذهلت مدربيه في شخصيته وفي أخلاقه وفي قدراته العسكرية وبذلك أصبح محل اهتمام ومحبة كل من عرفوه فرحمك الله يا خطاب .
بعد أن وصلنا إلى الضفة الطاجيكية بدأ الشباب المتواجدون هناك بالسلام علينا وبعد أن اكتمل نقل الشباب جميعاً جمعنا خطاب وسلم علينا واحداً واحداً ورحب بنا وطلب منا الاستراحة حتى يتم انتقالنا إلى مراكز أخرى , بدأت أتأمل المكان وأنظر إلى الصخرة التي رأيتها من فوق الجبل وأنا أهبط باتجاه النهر فقد كانت هذه الصخرة كبيرة جداً بارتفاع خمسة أمتار وعرض عشرة أمتار اتخذها الشباب هناك مركزاً لهم بسبب وجود كهفين تحتها كان أحدهما مكان للنوم والاستراحة وحفظ العتاد والآخر عيادة للمرضى والجرحى , بدأنا نتعرف على الوضع هناك حيث حذرنا الشباب من التحرك في أماكن مكشوفة في حالة تحرك الطيران الروسي المقاتلة أو المروحية والإختباء في حالة تحليقهما وعدم الابتعاد كثيراً عن المركز إلا بإذن , وكان المكان هناك جميل جداً حيث أن المكان يقع بين جبلين في وادي يمر فيه نهر جيحون ويقع هذا المركز الخلفي على النهر مباشرة فكان كل من يعود لهذا المركز الخلفي لأي سبب من الأسباب يتمتع بوجبة من السمك الطازج الذي يصطادونه من نهر جيحون باستخدام القنابل اليدوية أو قذائف RPG7 , وفي ثاني يوم استيقظت وأنا مرهق وتبين أني مصاب بالملاريا فاضطررت للبقاء لمدة أسبوعين في العيادة من أجل العلاج كنت حينها أتمتع بوجبات خاصة لا تقدم إلا للمرضى من أجل العناية بصحتهم وهي عبارة عن الطماطم والبطيخ والسمك .
وبعد أن استرديت عافيتي ولله الحمد تحركت باتجاه مركز متقدم وعند وصولي كان الشباب في حالة عمل دائم حيث أن المنطقة كانت جبلية ووعرة جداً فقام خطاب بشراء معدات لحفر الطرق وهي يدوية تعمل بالمولدات الكهربائية ونقلها إلى طاجيكستان حتى تساعد في شق الطرق هناك وكان مضطراً لذلك كونه لا يوجد طريق يمكن الوصول من خلاله إلى المراكز الروسية إلا من خلال هذه الجبال , بدأت العمل مع الشباب وكنا نتناوب في الحفر بالمعدات طوال النهار وفي الليل ننام ونتناوب على الحراسة وظللنا على هذه الحالة لعدة أسابيع حتى استطعنا شق الطرق وتجهيزها لنقل الأفراد والدواب التي تنقل الأسلحة والمئونة إلى الخط الأمامي والخنادق الأمامية , وخلال هذه الفترة تعرفت على الشباب هناك وبدأت آلف الجو هناك وأتعايش مع طبيعة المنطقة القاسية فازداد حبي للجبال أكثر هناك وفي تلك الأثناء تعرفت على أبو الوليد الغامدي رحمه الله الذي قتل في الشيشان وكان نائباً لخطاب في الشيشان وتوثقت العلاقة بيننا بشكل كبير وأصبحت تحت إمرته وإشرافه وتعرفت على أبو بصير المصري رحمه الله (استشهد في جلال آباد أثناء الاجتياح الأمريكي فترة طالبان) وأبو سياف الجزائري رحمه الله ( قتل في الشيشان في الحرب الثانية ) وأبو حكيم المدني رحمه الله ( قتل في الحرب الشيشانية الثانية أثاء دخول المقاتلين إلى داغستان ) وأبو يعقوب الغامدي رحمه الله (قتل في الحرب الشيشانية الثانية) وغيرهم من الشباب التي لاتسعفني الذاكرة لتذكر أسمائهم .
بعد انتهائنا من شق الطرق وتجهيزها ثم استقرارنا في الخنادق الأمامية تغيرت طبيعة حياتنا اليومية حيث قل العمل فيها بعد أن أنتهينا من مرحلة تجهيز الطرق ولم يعد لدينا ما نقوم بعمله سوى الحراسة ليلاً والرصد نهاراً لإحدى القواعد الروسية القريبة منا وقضاء وقتنا فيما يفيد , والمنطقة التي كنا فيها كانت جميلة جداً حيث كنا نتمركز في خنادق على سلسلة جبال متراصة ومن تحتنا كانت غابات كثيفة وأمامها بعض السهول الزراعية فكنا أحياناً نرى قطيعاً من الخيول البرية وهي تتراكض في تلك السهول متنقلة من منطقة إلى أخرى خلف قائدها وكانت تلك الغابات تعج بالدببة والخنازير البرية المتوحشة وبعض الحيوانات الضارية وكانت أكثر ما نخشاه أوقات الحراسة لا خوفاً منها فنحن نحمل الأسلحة ولكن حركتها بشكل قريب منك في الليالي المظلمة قد يتسبب في إرباك الجبهة كاملة خوفاً من أن يكون تسللاً للقوات الروسية ولكن الحمد لله لم نواجه هذه المشكلة , وأذكر من العمليات حين قام أبو يعقوب الغامدي رحمه الله بإسقاط مروحية روسية ناقلة للجنود بصاروخ sam7 وفي إحدى العمليات أثناء الهجوم على مركز روسي استشهد أخونا أبو عثمان الليبي رحمه الله وكان من المقاتلين في أفغانستان سابقاً وأصيب أبو معاذ الإماراتي (والذي توفي في ما بعد في الإمارات بعد أن قامت عائلته بنقله بطائرة خاصة من باكستان إلى الإمارات وبعد أن رأى عائلته ورأوه هناك فارق الحياة علماً أنه كان ضابطاً في الجيش الإماراتي فرحمك الله يا أبا معاذ ) .
أريد أن أوضح مسألة هنا حول بعض الظروف التي واجهتنا في طاجيكستان مثل الطبيعة الجغرافية أو الحالة السياسية في البلد تلك الفترة , بالنسبة للطبيعة الجغرافية عندما دخل خطاب إلى طاجيكستان توجه إلى منطقة كولاب التي كنا فيها وتوجه القائد يعقوب البحر رحمه الله (وهو من المنطقة الشرقية من بلاد الحرمين ) إلى منطقة بدخشان فكانت المنطقة التي كنا فيها وعرة جداً كونها جبلية فاستلزم العمل فيها لأشهر حتى تمكنا من الإستقرار في الخنادق الأمامية أي بمعنى إيجاد مقر لنا وهذا الشيء أخذ الكثير من وقتنا مما قلل من مستوى العمل العسكري في منطقة كولاب والأمر الآخر أن حزب النهضة الطاجيكي في تلك الفترة كان في حالة مفاوضات مع الحكومة الشيوعية في دوشنبه عاصمة طاجيكستان من أجل وقف القتال والحصول على كراسي في البرلمان وهذا جعل حزب النهضة يضغط على المقاتلين من أجل وقف القتال وهذا ما حصل في نهاية المطاف عندها قرر خطاب الإنسحاب من طاجيكستان ورأيه في ذلك أن أهل البلد الذين حملوا السلاح لا يريدون القتال الآن وأنهم مقتنعون بالدخول في السلك السياسي من أجل الحصول على حقوقهم ووقف المظالم التي تمارس ضدهم في طاجيكستان فلماذا بقاء المقاتلين العرب .
لا أخفي مدى الإحباط والغضب الذي أصاب خطاب وأصابنا جميعاً فالمجهود الذي قام به خطاب بشق الطرق وتجهيز المنطقة والتكاليف المادية التي صرفت في هذا الجانب ليست بالقليلة وأخذت من الوقت أشهر وقبل أن يتم فعلياً العمل العسكري يأتي الأمر بتوقف القتال فكان الأمر كارثة بالنسبة للمقاتلين الطاجيك أنفسهم لأنهم أقدموا على عمل سياسي غير مضمون (وهو ما تأكد حدوثه بعد ذلك ) وأيضاً كارثة على مجهودات خطاب التي أصبحت هباءً منثوراً إلا من الأجر إن شاء الله .
عندها قرر خطاب بتنفيذ عملية عسكرية أخير وذلك لأجل التخلص من كمية كبيرة من الصواريخ والعتاد العسكري الذي يصعب نقله مرة أخرى وإعادته إلى أفغانستان من حيث أتى وأيضاً حتى لا يخرج خطاب والمقاتلين من طاجيكستان بعد كل ما عملوه دون أن يشفوا غليلهم من الروس , وكانت طبيعة العملية أن تكون بالقصف بالمدفعية دون الحاجة إلى الإقتحام وهو التكتيك المتعارف عليه وكان موقعي في تلك العملية على مدفع 82ملم المحمول على الكتف أو مثبت على قاعده أرضيه وكنت تحت إمرة أبو الوليد الغامدي رحمه الله وكان معي في المجموعة نفسها يعقوب الغامدي رحمه الله واستمرت العملية لمدة يومين كاملين في حالة قصف متواصل على القاعدة الروسية القريبة منا وكان الطيران الروسي يقوم بجولات استطلاعية وهجومية لتحديد مواقعنا , وكان هناك استعداد لهذا الأمر بمضادات الطيران وعندما وجد الطيران الروسي المضادات بدأت بالتعامل معه ابتعد عن المنطقة قد استطاعته , إلا أنه استطاع أن يحدد أحد المواقع وكان في هذا الموقع القائد خطاب رحمه الله والقائد الأفغاني ملا تاج محمد (هذا القائد هو أحد القيادات التابعين لعبد رب الرسول سياف ولكنه أثناء فتنة القتال بين الأحزاب الأفغانية رفض المشاركة فيها وتوجه مع خطاب إلى طاجيكستان ومعه مقاتليه وقد تعرفت عليه معرفة شخصية , كان رجلاً ذو دين وخلق ومحب للعرب جداً ولديه فهم ووعي للجهاد من جانب شرعي وليس من جانب قومي وهذا ما رأيته فيه حينها ولكن للأسف بعد مرور سنوات عندما كنا نقاتل مع طالبان ضد التحالف الشمالي كان هو يقاتل ضدنا وكان لي معه حديث فترة طالبان بالجهاز اللاسلكي (المخابرة) وسيأتي ذكر هذه الحادثة في حينها ) بعد أن قامت الطائرات بالقصف على الموقع شاء الله سبحانه وتعالى أن يقع الصاروخ على القبة التي تقع فوق مكان تمركز خطاب فسلمه الله والذين معه من هذا الهجوم , بعد يوم من هذه العملية بدأنا في سحب العتاد المتبقي والأسلحة وإرجاعها إلى للمراكز الخلفية إستعداداً للإنسحاب من مناطق طاجاكستان وأيضاً لأننا كنا نتوقع هجوم شديد من القوات الروسية كرد منهم على تلك العملية , تراجعنا للمراكز الخلفية تماماً وأتممنا الإنسحاب تماماً من جميع الخنادق والمراكز الأمامية ثم انقسمنا إلى مجموعتين بحيث كل مجموعة تتولى نقل جزء من المعدات والأسلحة التي كانت معنا إلى مدينة تشياب في داخل أفغانستان وأذكر أنه في آخر ليلة لنا في طاجيكستان عبرنا النهر إلى الضفة المقابلة في أفغانستان وبتنا على ضفة النهر وكانت الأجواء باردة جداً وممطرة وكان بعض الشباب لا يوجد لديه ما يقيه البرد من كيس نوم أو بطانية لأنهم أرسلوا أغراضهم مع المجموعة التي ذهبت قبلهم فعانوا تلك الليلة معاناة ليست بالقليلة , وفي تلك الليلة كان الروس يقومون بقصف مكثف على الجبال التي فيها الخنادق الأمامية التي انسحبنا منها وهم لا يعلمون أننا انسحبنا منها منذ يومين وظلوا طوال تلك الليلة وهم يضيئون المنطقة بقذائف الهاون المضيئة وذلك لأنهم يستعدون للهجوم على المكان أو في حالة خوف ولم يتسنى لنا معرفة ما حصل لأننا تحركنا مع الفجر بإتجاه مدينة تشياب مشياً على الأقدام أما البهائم فكانت مخصصة لنقل العتاد والسلاح .
وصلنا في الليل إلى إحدى القرى ونزلنا فيها من أجل المبيت حتى الصباح فتوزعنا في القرية على البيوت فهم يستقبلون الشخص في تلك القرى و يؤمنون له الطعام والمبيت مقابل النقود ,فذهبت أنا وأثنين آخرين من الشباب إلى أحد البيوت للمبيت وطلبنا طعاماً فأخبرنا أن لديه بعض الجبن والبيض فرفضها أحد رفاقي وأصر على أن يحضر لنا تيساً مطبوخاً كاملاً فاستغرب صاحب البيت وسألنا إن كان هناك آخرين سيأتون للعشاء فقلنا له لا ولكننا لم نأكل هذا الطعام منذ أشهر ( لإن أكلنا الرئيسي والدائم في طاجيكستان كان الخبز الذي كنا نضطر لتكسيره بالحربه العسكرية حتى نقسّمه بيننا وأيضاً التوت المجفف والسكر والشاي الأخضر وفي بعض الأحيان نطبخ الرز المسلوق في الماء فقط وفي حالات قليلة كان يأتينا بعض البطيخ ومرة واحدة أرسلوا لنا تيساً إلى مركزنا الأمامي فوالله لقد أكلنا كبده بدون طبخ من فرحتنا ) وبعد أن أحضر صاحب البيت التيس المطبوخ مع المرق والخبز ظل واقفاً مشدوهاً ينظر إلينا ونحن ننقض على التيس وخصوصاً أحدنا الذي كان من الوزن الثقيل الذي ما كان يضع يده على جزء من التيس إلا ويختفي اللحم منه فأخذ الأفغاني صاحب البيت يضرب كفاً على كف غير مصدق ويتمتم بكلام لم نفهمه .
وفي طريق عودتنا إلى تشياب في اليوم الثالث كنا نمر على قرى تسمى "قرى الأنقور" والأنقور باللغة الفارسية تعني العنب والسبب في التسمية أنك ترى مد بصرك أشجار العنب في هذه المنطقة فكنا ونحن نمشي يصرّ بعض أصحاب المزارع أن نأخذ من عنبه كهدية لأننا غرباء أو كما يسمونه بلغتهم "مسافر" , ثم وصلنا إلى تشياب في اليوم الثالث والحمد لله ثم استرحنا هناك لفترة توجهنا بعدها إلى مدينة تخار ثم باتجاه "وادي بنشير " وكان الطريق إلى وادي بنشير يستلزم ثلاثة أيام مشياً حتى نصل إليه وكانت بعض الطرق مغطاة بالثلوج فكنت أنا وأخي أبوبصير المصري نتناوب على ركوب أحد الخيول التي أستأجرناها في المنطقة الثلجيه ، وفي أحد تلك الأيام وأثناء سيرنا كان معي أحد الإخوة نسير مع بعضنا نقطع الوقت بالحديث فمررنا ببائع واضعاً بضاعته على صندوق خشبي على الأرض وطلب منا الشراء فسألناه ماذا يبيع فقال أنه " حشيش أصلي ومن النوع الجيد" فأخبرناه أننا لا ندخن ولا نحشش واعتذرنا عن الشراء وعندما هممنا بالإنصراف وجه إلينا سلاحه الكلاشينكوف وقال يجب أن تشتروا مني فتجادلنا معه محاولة في إقناعه أن هذا الحشيش حرام وليس لدينا مال لنشتري وأننا غير ملزمين بالشراء منه فغضب وقال لا تضنوا أني حرامي أو قاطع طريق وإنما أنا أبيع أعطيكم بضاعه وآخذ ثمنها يعني حلال !!! , وقال يجب أن تشتروا مني لأني لم أبع أي شيء منذ الصباح !!! ودخلنا معه في جدل وحينها وصل القائد خطاب ومعه الملا تاج وأخبرناهم بما حصل فغضب الملا تاج محمد وقال له هل تعرف من أنا فقال البائع "لا" بكل غطرسه فأخبره أنه الملا تاج محمد فصعق البائع لسماعه الإسم وسقط السلاح من يده من الخوف وأخذ يعتذر ويتأسف ويقبل قدم الملا تاج حتى يسامحه لكن الملا عنفه وأهانه وضربه وأخذ عليه العهد أن لا يكررها مرة أخرى مع أحد ثم فر البائع هارباً عندما تركه الملا تاج لا يلوي على شيء تاركاً خلفه سلاحه وبضاعته من الحشيش , وهذا الموقف من أطرف المواقف التي حصلت معي في حياتي ومن أخطرها أيضاً لأننا كان يمكن أن نفقد حياتنا من أجل حشيشه لا علاقة لنا بها .
واصلنا طريقنا ومررنا بوادي بنشير الشهير الذي ذاق الروس فيه المرارة لسنوات ثم بعدها مررنا بمدينة " شريكار " وهي مدينة شمال كابل تبعد سبعين كلم ولي فيها ذكريات لا تنسى وذلك في فترة طالبان وسيأتي ذكرها في حينه , ثم توجهنا إلى منطقة " شكردرا" و التي يحكمها الملا تاج محمد الذي كان معنا في طاجيكستان و بتنا فيها ليلتين لأخذ قسط من الراحه و توجهنا بعدها إلى كابل ثم جلال آباد و من هناك عبرنا الحدود من طورخم إلى باكستان بإتجاه مدينة بيشاور .

وللحديث بقيه[/CENTER]

................................................

الحميداوي
09-11-07, 01:45 AM
http://www.m5zn.com/uploads/6671eca7bf.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم



(الحلقه الخامسه )




[COLOR="Blue"]
بعد الوصول إلى بيشاور توجهنا إلى مضافة خطاب في منطقة بابي واسترحنا هناك لعدة أيام , كانت تلك الأيام مزيجاً من الحزن على فراق طاجيكستان وما آل إليه الجهاد هناك من توقف بسبب خيانة قادة حزب النهضة الطاجيكي , لست أعني بذلك جنوحهم للسلم فكلنا نتمنى ما فيه إيقاف لإراقة دماء المسلمين فالجهاد بذاته شرع لحفظ الدماء وليس لاستباحتها ولكن قيادة حزب النهضة الطاجيكي لم يكن هذا ما يهدفون إليه وإنما كانت غايتهم المشاركة في الحكومة والحصول على مناصب فيها دون أي اعتبار لدماء عشرات الآلاف من المسلمين الذين قتلوا على يد الروس والشيوعيين هناك والله المستعان , أقول كانت تلك الأيام مزيحاً من الألم كما ذكرت سابقاً ومن الفرح بعد أن قمنا بما أمرنا الله به من جهاد في طاجيكستان ومع تلك الذكريات الجميلة فقد كان لنا في منطقة كولاب ذكريات في كل وادي وعلى كل سفح وفوق كل جبل مع إخوة لنا قتلوا هناك أو من عادوا سالمين وبالأجر إن شاء الله .
بعد عدة أيام من الاستراحة توجهت إلى بيت الشهداء محاولاً البحث عن طريق يوصلني إلى البوسنة وهناك كانت مفاجأتي الكبرى حين التقيت بأحد الإخوة الذي هو أخي في الله وأقرب الناس إلى قلبي وكما يقول المثل ( رب أخ لم تلده أمك ) فكان هذا الأخ هو ( أبو الزبير الكابلي ) فلسطيني من أهل غزة ولكنه ولد وترعرع في بلاد الحرمين , كان هذا الأسد شعلة من الإيمان حماساً يتوقد لنصرة هذا الدين فلقد عرفته عن قرب وكان موضع سري وكنت موضع سره , ما أن يسمع بمصيبة حلت بالأمة أو قصة من القصص المأساوية التي جرت أحداثها في البوسنة إلا وينهار باكياً راجياً من الله ألا يحاسبه على كل قطرة دم أريقت من دماء المسلمين دون أن يكون عوناً في إيقافها , شاب امتلأ قلبه بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لو رأيته لأيقنت أن هذا الشخص لا صلة تربطه ببشر هذا الزمان لما ترى فيه من الزهد والعبادة والثورة والحماس المتوقد في نفسه حباً للذهاب للجهاد فكم كنت أنا وهو نطرق كل باب ونسعى في كل طريق بحثاً عن من يوصلنا إلى الجهاد فالتقينا بأخي أبو خولة رحمه الله وصادف في ذلك الوقت أن طرأت ظروف منعت أخي أبا الزبير من الذهاب معنا إلى أفغانستان , عندما التقيت بأخي أبو الزبير الكابلي في مضافة بيت الشهداء كان يعلم حينها أنني في طاجيكستان عندما أخبروه في المضافة بذلك أما أنا فلم أكن أعلم أنه جاء إلى باكستان وأيضاً فقد تفاجأت أنا وهو بهذا اللقاء من دون ميعاد فكانت لحظات جميلة عندما وقفت مشدوهاً غير مصدق ما أرى من شدة فرحتي أما هو فقد صرخ رحمه الله منادياً باسمي الحقيقي أمام الحاضرين في المضافة وذلك من شدة فرحته بلقائي فتعانقنا وبكى بكاءً اضطرني للبكاء معه على إثره فقد كان هذا بكاءً من شدة الفرح والشوق ثم بعد ذلك أخذني إلى إحدى الغرف وقضينا ساعات طويلة ونحن نتحدث دون أن ندرك أن الوقت يمضي بسرعة حيث أخبرني أنه جاء بعدي بأشهر بعد أن انتهت ظروفه وعندما سأل عني علم أني في طاجيكستان فذهب للمعسكر وبعد أن أنهى تدريبه في المعسكر التقى ببعض الشباب الذين كانوا في المضافة حين أقنعوه بفكرة الذهاب إلى جلال آباد والالتحاق بالحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار فذهب إلى هناك والتحق به وشارك في المعارك التي دارت في كابل وقد فاجأني بهذا الكلام عندما علمت أنه شارك في الفتنه الدائرة بين الأحزاب الأفغانية فظللنا نتحدث وأخبرته أنني أرغب بالذهاب إلى البوسنة فأخبرني برغبته أيضاً بذلك ولكنه سيذهب لزيارة أهله ومن ثم يذهب من هناك إلى البوسنة .
وأثناء تواجدي في بيت الشهداء استطعت إيجاد طريق للبوسنة وبدأت في الاستعداد للسفر إلى هناك وبعد أن أعددت كل شيء وحان موعد السفر ودعت أخي وحبيبي أبو الزبير الكابلي على أن يكون لقائنا بعد ذلك في البوسنة ( ولكن للأسف كانت لحظات وداعي لأبوالزبير قبل ذهابي للبوسنة هي أخر مرة سأراه فيها في حياتي حيث أنه عاد لبلاد الحرمين وبعد فترة عندما بدأت أحداث الشيشان كان الطريق مغلق إلى البوسنة ولكنه متيسر إلى الشيشان فاستعان بالله أخي أبو الزبير وانطلق من هناك إلى الشيشان وقتل هناك في رمضان عام 1416 هجرية في عملية ( كزلار ) الشهيرة في داغستان مع القائد سلمان روداييف رحمه لله (الذي قتل في السجن في روسيا بعد أسره ) وقتل معه الأخ الفاضل أبو أسامة (زيد الرقيب ) رحمه الله وسآتي لذكر هذه الحادثة في حينها إن شاء الله , فرحمك الله يا أبا الزبير وجمعني وإياك في الفردوس الأعلى في حواصل طير خضر يوم ينادي الله ( أين المتحابين فيّ ) .
سافرت متوجهاً إلى النمسا كي أحصل على فيزه دخول إلى كرواتيا من السفارة الكرواتية هناك وكان بانتظاري أحد الأشخاص حسب التنسيق المسبق وبعد وصولي أخذني هذا الشخص إلى بيته للاستراحة ثم بعدها اتصلت على الشخص الذي ينبغي أن يستقبلني في كرواتيا ويرتب لي الدخول للبوسنة ولكني لم أحده حيث أن تلفونه مغلق وحاولت عدة مرات بلا نتيجة , فقررت الذهاب لأخذ الفيزه الكرواتية على أمل أن يرد الشخص الذي في كرواتيا على هاتفه وبعد أن توجهت للسفارة الكرواتية تقدمت بطلب الفيزا وأثناء انتظاري لإنهاء الإجراءات تعرفت لشخص أماراتي يعمل في أحد المنظمات الإغاثية وتجاذبنا الحديث فعلمت أنه ذاهب إلى كرواتيا ثم للبوسنة فأخبرته أني فقد الاتصال مع الشخص الذي في كرواتيا وأنني محتار هل أنتظر أم أعود من حيث أتيت فعرض علي مرافقته إلى كرواتيا فإن وجدت الشخص الذي أريده هناك وإلا فيمكنني المواصلة معه إلى البوسنة ففرحت بالأمر وشكرته وعلمت أن هذا تيسير من الله , وبعد العصر توجهنا إلى محطة القطار وركبنا متوجهين إلى كرواتيا مروراً على تشيكوسلوفكيا , وفي منتصف الليل كنا وصلنا مدينة (زغرب) عاصمة كرواتيا , أثناء تواجدي في زغرب اتصلت كثيراً على الشخص الذي كان من المفترض أن يستقبلني فتبين لي أنه غير موجود في البلد وأنه عاد لبلاده لظروف طارئة عندها قررت المواصلة مع الشخص الذي جئت معه من النمسا .
بقينا عشرة أيام تقريباً بسبب ظروف عمل الشخص الذي جئت معه وبعدها ركبنا الباص باتجاه مدينة سبلت وبقينا هناك لليلة واحدة وفي اليوم الثاني تحركنا في قافة إغاثية صغيرة باتجاه البوسنة وكنا متخوفين من مرحلة واحدة فقط وهي مرحلة خطيرة جداً وهي بعد أن تتجاوز كرواتيا لندخل البوسنة باتجاه مدينة موستار التاريخية علينا العبور لمنطقة كروات البوسنة وهم في حالة حرب مع البوسنويين وسبق أن قاموا بإيقاف عدد من العرب الذين يعبرون باتجاه البوسنة وقتلهم ولكننا استعنا بالله أولاً وتوكلنا عليه ثم أننا سندخل بصفة موظفي إغاثة , عندما وصلنا الحدود البوسنوية وبالتحديد منطقة كروات البوسنة ( وهم كاثوليك المذهب كما ذكرته في بداية مذكراتي ) أوقفونا وقاموا بإنزال جميع الأغراض التي معنا وسألونا عن سبب مجيئنا فأخبرناهم أننا متوجهون إلى سراييفو للعمل الإغاثي هناك ولم نذكر لهم أننا متوجهون إلى مدينة (زنتسا) وهي المدينة التي فيها مقر المجاهدين العرب لأن ذكر هذه المدينة كفيل باستثارة غضبهم وأنهم قد يشكون أننا من المقاتلين , فبدءوا بتفتيش الأغراض وكان هذا الشيء متوقع منهم ثم بعد نصف ساعة تركونا نعبر بفضل الله , ثم واصلنا مسيرتنا باتجاه موستار ووصلناها بعد ما يقارب الساعة ( مدينة موستار مدينة تاريخية عريقة منذ أيام الدولة العثمانية وبها جسر موستار الشهير عمره أكثر من خمسمائة عام وقد قام الكروات بقصفه بالدبابات وتدميره مع بداية الحرب , والمدينة مقصومة إلى قسمين المدينة القديمة ويسكنها المسلمون والمدينة الحديثة ويسكنها الكروات ) , عبرنا مدينة موستار من داخ الجزء القديم الذي يسكنه المسلمون متوجهين إلى مدينة زنتسا وأثناء طريقنا كنت أشاهد وألاحظ مدى الجمال في الطبيعة الذي تتمتع به البوسنة وكنت أشاهد مدى الدمار الذي ألحقه العرب والكروات في البلد فكنا أحياناً نمر على بعض القرى فتجدها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها أثراً للحياة البشرية وآثار الدمار من القصف والرصاص ظاهرة عليها تنبئ عن مدى الرعب والمأساة والمجازر التي مر بها أهل تلك القرى والهأ المستعان.
أخذ الطريق من موستار إلى زينتسا خمس ساعات تقريباً وطوال هذه الفترة لم أستطع النوم فيها فكل شيء كان يشد انتباهي من جمال الطبيعة إلى الدمار الذي أراه في كل مكان إلى تلك الوجوه الكئيبة والحزينة التي كنت أراها خلال رحلتنا , وكنت خلال هذه الرحلة أستجمع ذاكرتي متذكراً كل مشهد تلفزيوني أو صورة فوتوغرافية للمجازر والقصف والإرهاب الذي كان يمارس بحق مسلمي البوسنة وكنت أفكر أثناء رحلتنا هل يا ترى أمر الآن بإحدى تلك القرى أو المناطق التي في ذاكرتي مما شاهدته في التلفاز , كان يعتريني وقتها حزن وألم فظيع على أهل البوسنة كيف بلغ بهم الحال وهم جزء من أمة المليار مسلم فكيف تناسوهم وكيف خذلوهم وتركوهم لقمة سائغة يتناهشهم الصرب والكروات دون أن يرمش لهم جفن فكل ما قاموا به أن أرسلوا لهم بعض الغذاء وكأن الشعب البوسني دجاج يسمن ويهيأ لمن يذبحونهم من الصرب والكروات , وقد تناسوا ما قام به المعتصم في عموريه عندما صاحت امرأة في عمورية وصاحت (وامعتصماه) وما أن بلغة ذلك النداء حتى جهز جيشاً أوله في عمورية وأخره عنده فجعلها خراباً إلى اليوم وأذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال لأصحابه " تتكاثر عليكم الأمم كما يتكاثر الأكلة على قصعتها قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله , قال : لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل " .
وصلنا إلى مدينة زينتسا وكانت مدينة كبيرة وجميلة والحياة تسير فيها بشكل هادئ فهي من أقل المدن التي أصابها الضرر من جراء الحرب , وفي هذه اللحظات أو بالأصح منذ دخولي إلى البوسنة بدأ يعاودني نفس الشعور الذي كنت أشعر به في أول مرة سافرت فيها إلى الجهاد لا أعرف السبب لكن توطدت العلاقة مع الأيام بيني وبين هذه البلاد فأحببتها كثيراً , قد يكون السبب هو عشقي للجبال الذي بدأ معي في أفغانستان حيث أن البوسنة كثيرة الجبال وكل المعارك التي خضناها فيها كانت في الجبال وقد يكون السبب فرحتي لما وفقني الله به من القيام بهذه الفريضة وتسهيل دخولي للبوسنة من أجل مساعدة أخوانا في البوسنة .
بعد وصولنا إلى مدينة زينتسا وكما أشرت سابقاً فيها مقر قيادة المجاهدين العرب عندها توجهنا بالسيارة إلى مقر (كتيبة المجاهدين العرب) حيث أنني أخبرت الشخص أنني أرغب بالذهاب إلى مقر ( مجموعة الزبير ) ولكنه أخذني إلى هذا المكان لأنه لا يعرف غيره على أمل أن يقوم أفراد الكتيبة بإيصالي إلى مجموعة الزبير , وبعد أن وصلنا إلى مقر الكتيبة الذي كان على مرتفع جبلي ليس بالعالي جداً ويطل على جزء من المدينة من الأعلى فكان منظراً جميلاً ورائعاً وهذا المقر بالأصل هو مقر سابق لقوات الجيش اليوغسلافي , بعد الوصول أخبرنا الإخوة أنني جئت قاصداً مجموعة الزبير وأنني أرغب منهم أن يوصلوني إلى هناك لأننا لا نعرف المكان , وبعد ساعة من الزمن نقلوني إلى مقر الزبير عندها ودعني هذا الشخص الإماراتي على أمل أن نلتقي مرة أخرى حيث رفض أن يغادر حتى يطمأن أني سأصل للوجهة التي أريد , وكان مقر مضافة الزبير القديمة قريب من مستشفى زينتسا وكانت الفترة شتاءً والثلوج تملأ الأرض في كل مكان فكان منظر المدينة جميلاً خلاباً رائعاً خصوصاً لمن جاء من أجواء الدول العربية التي نفتقد فيها مثل هذه المناظر الجميلة , بعد أن وصلنا إلى البيت استقبلني الإخوة بكل ترحاب وسألني مسئول المضافة من طرف من جئت فأخبرته بالشخص الذي أرسلني أو ساعدني بالحضور ثم سألني إن كنت متدرباً على استخدام السلاح فأخبرته أني كنت في أفغانستان للتدريب ومن ثم قاتلت في طاجيكستان عندها أخبرني أنني لا أحتاج الذهاب للتدريب وأن علي الانتظار حتى يهيئ ذهابي إلى مدينة (ترافنيك) .
كانت المضافة تعج بالشباب منهم الجديد ومنهم من له فترة في البوسنة وبدأت بالتعرف عليهم والحديث عن الأوضاع هناك وفهمت حينها أن مجموعة الزبير الحائلي مقسمه على ثلاث مناطق مجموعة في منطقة (جزنبولي) ومجموعة في مدينة ( ترافنيك) ومجموعة في مدينة (توزلا) وكل مجموعة تمارس عملها العسكري في منطقة تواجدها وذلك كله بالتنسيق والمشاركة مع الجيش البوسنوي الذي في المنطقة وفي حالات يتم الاشتراك من كل المجموعات في عملية عسكرية مشتركة حسب الحاجة في المنطقة التي يتم فيها العمل العسكري , عندما حدثني الشباب عن هذا الأمر دار في خلدي سؤال عن سبب وجود مجموعتين مقاتلتين في البوسنة خصوصاً بعد التجربة المرّة التي مرت بها أفغانستان جراء وجود أكثر من فصيل مقاتل وعدم توحد الفصائل تحت راية واحدة ونتج عن ذلك من أضرار أصابت الأمة في مقتل تعاني منها حتى الآن , الشيء الذي أخبرني به الأخ وشارك بعض الحاضرين برأيهم فيه حول هذا الموضوع ترددت وفكرت في المصلحة من عدمها في ذكره ولكني وجدت أن هذه المشكلة كانت تفرض نفسها في أكثر من موطن من مواطن الجهاد وكنت لا ألقي لها بالاً لأنني هاجرت من أجل الجهاد وليس لأشغل نفسي بترهات لا تعنيني أو ليست من أولويات اهتمامي ولكن غض الطرف عن هذا الموضوع من الإخوة ولد له تراكمات وزرع التشققات في الصف الجهادي وإن لم يكن ذلك ظاهراً للعيان ( وسآتي في ذكر بعض ذلك في مرحلة طالبان ) .
طبعاً ما كنت أقصده بسؤالي الأخ عن الجماعات في البوسنة وهو وجود " كتيبة المجاهدين العرب " و " مجموعة الزبير " ولماذا ليست مجموعة واحدة فكانت إجابة الأخ أنه لم يكن في البوسنة سوى مجموعة واحدة فقط وهو ما حرص عليه الجميع على اختلاف الآراء ووجهات النظر لكن وحدت الصف والكلمة وعدم تكرار ما حصل في أفغانستان مسألة فوق كل اعتبار لدى الجميع , وبدأت الكتيبة في عملها وكانت في مكونها البشري خليط من جميع الأجناس العربية والعجمية والأبيض والأسود بل كان بها خليط من أفراد الجماعات المسلحة الجهادية المختلفة الذين جاؤوا استجابت لأمر الله ولكن مع الوقت لاحظ أهل البصيرة والفراسة بعض التغييرات الغريبة وتوزيع المواقع القيادية في بعض الأحيان على أشخاص ليس لهم سابقة جهادية أو خبرة وإبعاد آخرين مؤهلين لمناصبهم , وبعد البحث والتدقيق وُجد أن العامل المشترك بين القياديين الجدد أنهم جميعاً ينتمون إلى ( جماعة الجهاد المصرية ) واتضح جلياً أن المسألة هي محاولة سيطرت هذه الجماعة على إدارة الكتيبة وكانوا في تلك الفترة قد أصبحوا في مراحل متقدمة في هذا الشيء فحاول بعض الشباب القداما في الجهاد والعقلاء حل هذا الأمر ووقف هذا التصرف وإعادة تشكيل قيادة الكتيبة من جديد ولكن المسيطرون على الكتيبة رفضوا هذا الشيء بشدة عندها قرر الكثير من شباب الخليج واليمن وبعض الشباب من الدول الأخرى الخروج من الكتيبة وتأسيس مجموعة جديدة سميت على اسم مؤسسها أبو الزبير الحائلي .
أود أن أذكر هنا أنه حتى بعد الانقسام الذي حصل ظل الإخوة في المجموعتين يحتفظون بعلاقات جيدة مع بعضهم على مستوى القيادة فبعضهم على معرفة قديمة منذ أيام الجهاد الأفغاني أما على مستوى المقاتلين في المجموعتين فعلاقتهم أخوية في أعلى مستوياتها وهذا ما أثبتته الأيام من المشاركة الجماعية في أكبر عمليات البوسنة مثل " الفتح المبين" و " الكرامة " و " بدر البوسنة " التي كنا نتشارك مع بعضنا بقيادة عسكرية مشتركة في إدارة تلك العمليات وتجلت فيها معاني الأخوة والمحبة والتجاوز عن حضوض النفس أثناء سير المعارك .
وبعد يومين من الانتظار توجهت بي السيارة إلى مدينة ترافنيك وكان الطريق من زينتسا إلى ترافنيك في غاية الروعة والجمال في الطبية حيث الأرض خضراء والجبال عبارة عن غابات كثيفة مغطاة بالثلوج ومن يتأمل النظر إلى تلك الأراضي سيتبادر إلى ذهنه سؤال واحد وهو إذا كانت هذه الطبيعة وجمالها في الأرض فيا ترى كيف ستكون جنة الخلد وما فيها , عندها سيأتيه الجواب متبادراً إلى ذهنه ( فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) , اللهم ارزقنا جنة الخلد واجعلنا في عليين مع الأنبياء والصدقين والشهداء , بعد قرابة الساعتين وصلنا إلى مدينة ترافنيك ولم يكن البيت في المدينة وإنما كان خارج المدينة في أحد القرى وتدعى (زافدوفتش ) إن لم تكن اختلطت على الأسماء أو خانتني الذاكرة , وكانت القرية تقع في وادي عرضه ثلاثمائة متر تقريباً بين سلسة جبال وتمتد القرية من منتصف الوادي صعوداً إلى أحد الجبال وكان البيت الذي للإخوة في الجبل المقابل للقرية لوحده بشكل منفرد في الجبل مما زاد من جمال المنزل .

وللحديث بقية[/COLOR]

الحميداوي
09-11-07, 10:51 PM
http://www.m5zn.com/uploads/6671eca7bf.jpg

بسم الله الرحمن الرحيم


( الحلقة السادسة )


بعد الوصول إلى مقر الشباب في ترافنيك استقبلونا ورحبوا بنا وبعد التعارف أخذني أحدهم إلى غرف نوم الشباب واخترت لنفسي مكاناً دائماً لي في إحدى الغرف , ثم بعد أن رتبت أغراضي عدت إلى صالة الجلوس حيث يجتمع الإخوة عادة , فكان من الشيء الجميل الذي رأيته أني التقيت ببعض الشباب الذين تعرفت عليهم في بيت الشهداء فكان لقاءً جميلاً بيننا , وهذا الشيء ساعدني كثيراً لاختصار الوقت في التأقلم مع الموجودين في البيت والتعرف عليهم وأيضاً في التأقلم مع الواقع الجديد الذي سأعيشه , فبدأ هؤلاء الشباب يخبرونني عن الوضع عموماً وينبهونني لبعض الإرشادات التي علي الانتباه لها حول نظام البيت والنظام عموماً , وشاركنا في هذه الجلسة الجميلة أمير المجموعة في ترافنيك مما زاد من علاقة القرب بيننا وبينه , ومن الأشياء الجميلة التي اكتشفناها هناك وجود معسكر للتدريب تابع للمجموعة ويقع على بعد عشر دقائق بالسيارة تقريباً في مقر للجيش البوسني حيث أن لديهم هناك أشبه ما يكون بالقاعة الكبيرة المبنية من الخشب تماماً وبها أسره نظام الطابقين , وهي تتسع لأربعين شخص تقريباً , وفي المعسكر أيضاً ميدان الرماية وكل مستلزمات التدريب , أخذت الأيام تمضي وأنا أتأقلم مع المكان ومع الإخوة في البيت وكنا أحياناً نخرج لصيد الأرانب البرية الموجودة في الجبل الذي عليه البيت ولكن لم يحالفنا الحظ يوماً لأن الأرانب كانت سريعة جداً وبلون الثلج , وكنا نأخذ المسألة للمرح أكثر منها جدية في الصيد , وأحياناً أخرى كنا نتزحلق من أطراف الغابة باتجاه البيت على الثلج لمسافة 150 متراً وأتذكر هنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجهاد يذهب الهم والغم وهذا ما كنا نراه ونعيشه واقعاً في حياتنا هناك .
دخل علينا شهر رمضان فزاد من روحانية ورعة الأجواء وأتذكر كيف كان الشباب يتسابقون ويحلف بعضهم على بعض أن يقوم هو بالخدمة في الطبخ لإعداد الوجبات وفي النظافة للمطبخ وكامل مرافق البيت كلٌ يبحث عن الأجر في هذه الأيام الفضيلة زيادة على ما أكرمه الله بالنفير إلى أرض الجهاد , مضت أيام رمضان سريعة وقد امتلأت القلوب بالإيمانيات والروحانيات قضاها الشباب ما بين الدروس الشرعية وقراءة القرآن يساعد بعضهم بعضاً على قيام الليل ويرفع بعضهم همة بعض للتزود بالطاعات واستغلال أيام رمضان .
في يوم الخامس والعشرين من رمضان جاءنا الأمر بالاستعداد لعملية عسكرية قادمة خلال يومين فو الله لقد رأيت الشباب جفا النوم أعينهم من القيام وجفت ألسنتهم من قراءة القران فترة الصيام يسبق بعضهم بعضاً ويتوسل بعضهم إلى بعض في أن تترك له خدمة الإخوة على أن الخدمة مقسمه بشكل يومي على عدد معين من الأشخاص ولكن كلٌ يتسابق ويتودد إلى أخيه أن يعطيه وقته من الخدمة ليقوم به نيابة عنه , وأذكر هنا ذلك الرجل العجيب وأخي الحبيب أبو دجانة الشرقي ( مشعل القحطاني ) رحمه الله فقد كان إمامنا في الصلاة , رجل من أكثر الذين رأيتهم في الزهد والعبادة قوي البنية شديد البأس لكنك تراه مع إخوانه لطيفاً رقيقاً متواضعاً متذللاً وقد انطبق عليه قوله سبحانه ( أذلة على المؤمنين ) حيث حكى لي أحد الإخوة عنه من الذين كانوا معه في نفس الغرفة أنه كان يبكي بكاءً شديداً أثناء قيامه في الليل ويدعو الله أن يرزقه الشهادة في هذه العملية بطلقة تصيبه في نحره مقبلاً غير مدبر , وفي الليلة التي قبل العملية صلى بنا قيام الليل جماعةً فو الله لقد أبكانا تلك الليلة في تلك الصلاة بكاءً شديداً من كثرة دعاءه لله بطلب النصر وسؤاله الشهادة إلحاحاً فطر قلوبنا في الصلاة , وفي اليوم التالي توجهنا بعض العصر وكان يوم السادس والعشرين من رمضان إلى مقر التجمع مع الجيش البوسني , وبعد صلاة المغرب وقد استعد الجميع بكامل أسلحتهم وعتادهم وتوجهنا إلى مكان تنفيذ العملية أن نلتقي من خلف خطوط العدو وهم الصرب ونباغتهم بالهجوم وكانت هذه العملية على جبل يدعى ( فلاشش ) وهو أكبر جبل في البوسنة , فانطلقت المسيرة فكنت أسير ومعي أخي الحبيب سواد المدني رحمه الله ( الذي قتل في أفغانستان فيما بعد أثناء الهجوم الأمريكي على طالبان ) حيث كنت أنا وهو نتناوب على حمل الحقيبة المليئة بالذخيرة , وكان الطريق لمقر العملية كله صعوداً وكان الطريق مغطى بالثلج أحياناً إلى منتصف الساق وأحياناً أخرى فوق ذلك , وكان تحركنا في الساعة السادسة وبعد ساعات من المشي اضطررنا للتوقف والاستراحة على الثلج لأننا وصلنا إلى مرحلة أصبح الجبل فيها قائماً مثل العمود ولا يمكن عبوره إلا بالتسلق بالحبال , فكان يربطون المقاتلين واحداً واحدا ويسحبونهم إلى الأعلى وكنا قرابة ال300 شخص , أما العرب فكانوا قرابة 25 شخص , وأثناء الانتظار حتى يأتي دوري لتسلق الجبل كان يمر من أمامي بعض القذائف والعتاد العسكري المتزحلقة إلى أسفل الجبل على الثلج ممن تعب أصحابها من حملها في هذا الجو والطريق الصعب فاضطروا لإلقائها ليخففوا من حملهم وكان معي لحظات انتظاري أخي الحبيب أبو حسن المدني رحمه الله ( قتل فيما بعد في عملية أخرى ) , وبعد أن اكتمل رفع جميع المقاتلين إلى أعلى الجبل , واصلنا المسيرة وعندما حان وقت الفجر صلينا بشكل منفرد , وأعطى الأمير أمره للجميع بالإفطار ذلك اليوم بسبب ما عاناه الشباب من إرهاق ولأن الوقت الذي ستستمر فيه المعركة غير معروف لكن أبو دجانة الشرقي أصر أن يبقى على صومه فسمه له الأمير تقديراً له كونه كان شخصية محبوبة ومحترمه من الجميع .
عند الساعة السابعة صباحاً وبعد أن أشرقت الشمس كنا قد وصلنا إلى خنادق العدو ولكن فجأة بدأ إطلاق الرصاص على إحدى المجموعات حيث كشفها العدو عندما بدأت المعركة , وهنا أقول مسألة أقسم عليها قد أجمع من حظر تلك المعركة من الإخوة بذلك وهو أنه عند بدء المعركة لم يعد أحد من الشباب يشعر بأي إرهاق أو تعب أو برد علماً أننا ظللنا في مسيرتنا ثلاثة عشر ساعة وكنا على قمة أعلى الجبل في البوسنة وفي فصل الشتاء والأرض مفروشة بالثلوج , بعد بدء المعركة انطلق الشباب بتكبيرهم كالأسود يسابقون طلقات رشاشاتهم إلى صدور الصرب وانقضوا على الخنادق من كل صوب ,فجن جنون الجنود الصرب وأخذوا يركضون فارين لا يدرون إلى أين فحيث ما اتجهوا واجههم الشباب يمعنون فيهم قتلاً وأسراً ولم يمضي من الوقت نصف ساعة على الأغلب حتى كان الشباب سيطروا على جميع الخنادق تماماً وأخذوا يطهرون المنطقة من أي بقايا للجنود الصرب ممن فروا , وبعد السيطرة الكاملة على المنطقة قام الجيش البوسني بعملية توزيع لأفراده لتأمين المنطقة ريثما تصل قوات الإسناد التي ستتولى التمركز هناك , وعند الظهر جاء الأمر لنا العرب بانتهاء مهمتنا من طرف أميرنا وأمرنا بالانسحاب فعدنا أدراجنا عائدين للبيت سالكين الطريق الرئيسي الذي كان يسيطر عليه الصرب وأصبح في يدنا الآن , وبعد أن هبطنا الجبل وجدنا بعض الإخوة ممن سبقونا ينتظرون وصولنا عند مسجد القرية , وبعد السلام عليهم رأينا في وجوههم الحزن الشديد بل وكان بعضهم يبكي محاولاً تصبير نفسه ولكن دون جدوى , عندها أدركنا أنه هناك من قتل من الإخوة ولكننا لا نعرف العدد وبدون مقدمات سألت أحد الإخوة من الذي قتل ؟ فأشار إلى شخص ممدد على نقالة الجرحى , فذهبنا لنتبين من هو فكانت المفاجأة أن من نال هذا الشرف العظيم وفي هذا الشهر الفضيل وفي يوم السابع والعشرين هو أخي الحبيب ( أبو دجانة الشرقي ) مشعل القحطاني رحمه الله وأسكنه فسيح جناته , لا أعرف كيف أصف تلك اللحظات الرهيبة والصدمة المؤلمة لفقد شخص مثله ولكني مازلت أذكر كيف كانت تقاسيم وجوه الشباب عندما رأوه وأثر الصدمة ظاهراً عليهم , فإذا هم ما بين باكٍ عليه ومترحمٌ ومهنئٌ له بالشهادة ولكن فجأة جاء أحد الإخوة وطلب من الجميع الانتباه ثم رفع لحية أبو دجانة حيث أنه كان كث اللحية ثم أشار إلى نحره حيث مكان الرصاصة التي قتلته , ثم قال لنا ( شوفوا يا إخوان صدق الله فصدقه ) فازداد بكاء من كان يبكي من الإخوة , أما ما سأذكره الآن فإني أقسم بالله على حدوثه وما كنت مضطراً للقسم لولا أن من يشكك في هذه الأمور وسوف ألقى الله على ذلك أنه وأثناء وقوفنا حول جثة أبو دجانة الشرقي أخذنا نشم رائحة عطرية عجيبة لم أشم في حياتي مثلها , فسألنا أحد الإخوة إن كنا نشم الرائحة فقلنا نعم , فسأل إن كان أحدنا يضع عطراً فأجبنا بالنفي لأنه من أين سنكون متعطرين بعد هذه المعركة وكل هذا الوقت , ففتش الأخ في ملابس أبو دجانة لأننا وجدنا أنا الرائحة تخرج منه فما وجدنا شيء عندما وقع الإخوة يده على الجرح في عنق أبو دجانة واشتم الدم وتبين أن الرائحة تخرج من دم أبو دجانة رحمه الله , فقد كان طيباً حياً وميتاً ولقد التقيت أحد الشباب بعد أربعة أشهر من العملية في ( زينتسا ) وأعطاني مصحفاً صغيراً وقال لي شم رائحته فلما شممته كانت رائحته عطرية زكية , فسألته عن نوع العطر فأخبرني أن المصحف كان مع أبو دجانة رحمه الله حين قتل , ثم أراني آثار الدم على المصحف وإن الرائحة هي من دمه وليست عطراً , عندها تذكرت الرائحة فكانت هي نفسها والله على ما أقول شهيد , وفي هذه العملية أصيب أخي الحبيب أبو محمد الكويتي ( مطر المطيري ) رحمه الله وكانت إصابته في قدمه , تم إعدامه في قضية مقتل رافضي في الكويت .
أود هنا أن أتكلم عن جانب مهم وهو الشعب البوسني بين الأمس واليوم عندما كان يرزح تحت ظلم الشيوعية وبطشها وطغيانها وسلخها للمسلمين قسراً من دينهم بشتى وسائل الإكراه على ذلك مما أوصل مسلمي البوسنة إلى حالة مزرية من فقدان الهوية الإسلامية حتى ما عادت لهم بالإسلام صلة إلا من خلال أسمائهم أو ما تبقى من كبار السن ممن مازالوا يعرفون شيئاً عن الإسلام , وبين اليوم وكيف انتشرت الدعوة الإسلامية على منهج السنة النبوية منافسةً البدع الصوفية المتواجدة هناك من بقايا الدولة العثمانية , وكان الشعب البوسني بعد انحلال الدولة اليوغسلافية يحاول لملة نفسه مرة أخرى , حيث انتخب (علي عزة بيكوفيتش ) رئيساً له وأنشئوا دولة البوسنة والهرسك وهي دولة في جملتها سكانها من المسلمين وهذا ما أرعب الدول الأوربية خصوصاً والعالم النصراني عموماً من حيث وجود كيان مسلم في داخل أوربا وهذا جعلهم يتذكرون الدولة العثمانية وخوفاً من عودتها ليس كما كانت عليه من حال فهي لم تعد تخيفهم في ظل تواجد الأجيال الجديدة التي تحمل فكراً إسلامياً لا يقبل الجدل ويسعى بالتعايش معه حسب رأيهم , وكانت الدولة البوسنوية الوليدة بعد دهر طويل من الاضطهاد تحاول استعادة إسلاميتها خصوصاً وإن رئيسها الأول هو من نتاج الإخوان المسلمين ولديه توجه إسلامي ولكنه مشوه بالفكر السياسي المعاصر , فانتشرت المساجد وأعيد فتح ما كان مغلق منها وبدأ الناس الباحثين عن هويتهم الأصلية يتعلمون أو لنقل وجدوا حريتهم في التعرف على دينهم ولكنهم وقعوا أسرى لما خلفته الدولة العثمانية ألا وهو الصوفية , فتمسكوا بها خصوصاً مع الهجوم الصربي الرهيب الذي واجهوه , وهذه هي الطبيعة البشرية في الأزمات حيث يلجئون مباشرة إلا الله من خلال ما يعتقدونه من دين , وبعد مجيء المقاتلين العرب مع العلم أنه كان يوجد غير العرب من ترك وعجم ولكن لكثرة العرب وأغلبيتهم أطلق عليهم هذا الاسم وما جاءوا به معهم من منهج ديني على سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أصبح البوسنيين في حالة ارتباك واضطراب وفي أحياناً قليلة هجوم شرس على هذه الدعوة الجديدة والتي لم يعرفوها قبلاً , ولكن الرعيل الأول من المجاهدين العرب كانوا على الأغلب ممن قاتل في أفغانستان سابقاً ولهم تجربة في مثل هذه المواقف تعتمد مبدأ صحيح في فهم الجهاد وهو لا جهاد بدون دعوة ولا دعوة من دون جهاد , فأنت بحاجة إلى أناس توحد الله وتعبده على بصيرة قبل أن تقاتل وتقتل في سبيله , فانتشرت الدعوة السلفية الصحيحة في أوساط الناس حيث كانت البوسنة في بداية مجيء المجاهدين العرب يصعب أن ترى فيها شخصاً ملتحياً ونادراً أن ترى امرأة ترتدي حجاباً شرعياً عن قناعة شرعية , ولكن بعد سنتين بحمد الله انتشر الحجاب الشرعي عن وعي وقناعة وكثر الشباب الملتزم بالمنهج الشرعي وبدأ الإسلام متمثلاًُ في المنهج النبوي الصحيح ينتشر في المجتمع البوسنوي بعد أن كان الأشخاص دون سن الأربعين قلةً منهم من يعرف الوضوء للصلاة أو حتى كيف يصلي , وهذا كله بفضل الله سبحانه وتعالى تم بفضل الإخوة الذين جاهدوا في البوسنة والذين اعتمدوا تدريس المنهج الشرعي للمقاتلين البوسنيين وأيضاً مارسوا الدعوة إلى الله في كل قرية أو مدينة سكنوا فيها .
إن الحديث عن البوسنة وعن الذكريات هناك قد فتح في قلبي ذكريات جميلة وحزن وشوق لأحبة كنا واريناهم الثرى هناك بعد أن سطروا بطولاتهم هناك ليس بقلمي الذي أكتب به ولكن بدمائهم الزكية الطاهرة وإني لأتوقف أحياناً في صفحات تلك الذكريات فأرى أياماً مباركة ووجوهاً نيرةً باعت أرواحها رخيصة لأجل هذا الدين , زهدوا في الدنيا عندما تشبث بها الناس وشدوا المئزر عندما ارتخى الناس وعزموا على أن لا يعودوا للأهل والأوطان إلا بنصر أو شهادة فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر , ومن الأحداث المؤلمة التي شهدها العالم بكل صمت هي مجزرة مدينة سريبسنتسا التي حدثت في عام 1995 فكانت مثالاً للوحشية والخسة الصربية التي حدثت هناك ومثالاً للحقد والتآمر والكيد بالمسلمين من جانب قوات الأمم المتحدة التي أعانت الصرب على هذه المذبحة البشعة وأعطتهم الضوء الأخضر ليمارسوا في المسلمين هناك ما يشاءوا من قتل واغتصاب وتشريد , وما حصل هو أن مدينة سريبسنتسا تقع داخل منطقة الصرب ومحاطة من جميع الجهات بالقوات الصربية وفي داخل المدينة وعلى أطرافها تتمركز قوات الأمم المتحدة الهولندية لحماية المسلمين كما يدعون كذباً حيث أنه كان هناك هدنة ووقف إطلاق النار , قامت القوات الهولندية بناءً عليه بسحب السلاح من المسلمين ومن القوات الصربية المتمركزة حول المدينة , وفي عام 1995 م في النصف الثاني من السنة قام الجيش الصربي بتأمين نفسه بأسلحة جديدة وبعد أن استعد أعلنت القوات الهولندية أنها لم تعد مسئولة عن حماية المدينة ثم انسحبت من جميع نقاط التمركز والحماية عائدين إلى قاعدتهم العسكرية ومغلقين على أنفسهم الأبواب ومفسحين للقوات الصربية المجال لأن تفعل ما تشاء بالمسلمين في المدينة , وبالفعل دخلت القوات الصربية وبدأت تمارس هوايتها المفضلة وهي ارتكاب المجازر البشرية بأفضل ما يمكن والاختصار والاعتقالات , وفي تلك الفترة جاءنا الخبر من الإخوة المتمركزين في مدينة توزلا أنهم بحاجة إلى عدد من المقاتلين العرب لأجل القيام بعملية عسكرية تتعلق بأحداث سربرنتسا فتوجهت أنا وبعض الإخوة إلى هناك وكانت طبيعة العملية العسكرية هي أن نقوم بهجمات عسكرية متفرقة في أماكن معينه لنشغل القوات الصربية فيها حتى يتمكن المسلمين الفارون من مدينة سربرنتسا من الوصول إلى مناطق المسلمين من طرق أخرى , وبالفعل قمنا بعدة عمليات أشغلنا الصرب فيها وجعلناهم يجتمعون في أماكن معينه حتى تيسر بحمد الله وصول المجموعة الفارة من سربرنتسا كنت من الذين استقبلوا الناس الهاربين وكان أغلبهم من أفراد الجيش البوسني الذي لم يجدوا سلاحاً يدافعون به فاضطروا للهرب بعد أن أخذوا معهم ما استطاعوا من الناس وقد صعقت عندما علمت منهم أنهم منذ عشرة أيام وهم يسيرون في الغابات هروباً من الصرب الذي بدئوا يطاردونهم ويقصفون بالمدفعية كل مكان يتوقعونهم فيه حتى مات بعض الأطفال وكبار السن جوعاً في الطريق حين لم يجدوا ما يأكلون سوى أوراق الشجر التي يطبخونها في الماء ويأكلونها فمات بعضهم من التسمم وتقرحت أفواه البقية ومرض آخرين من ذلك ومات آخرين من جراء الإصابات من رصاص الصرب أو من القصف فلم يجدوا ما يداووا به جراحهم حتى ماتوا , وقد تركوا بعض الجثث ملقيه في الغابات دون دفن في حين أصر البعض على حمل جثة قريبه أو صديقه إلى بر الأمان ليدفنه إكراماً لذكراه ومحبته , وقد رأيت شريط فيديو مع أحد الفارين حين أخذ يصور كل ما يدور من أحداث منذ دخول القوات الصربية وقتلهم للناس في الشوارع بطريقة هستيرية بهيمية وأيضاً أثناء هروبهم في الغابات وصور بعض ممن ماتوا من أطفال وغيرهم بعد أن قرروا تركهم وكان التصوير كارثة في توثيقه لهذه الأحداث وعاراً على هذا العالم المتحضر الذي يتشدقون فيه , وإني والله لعلى يقين أنه لن يصبر على مشاهدة ذاك الفلم المصور حتى أصحاب القلوب القاسية لما فيه من قسوة وفاجعة .
كانت السنة الأخيرة في البوسنة قبل عقد اتفاقية داتون هي سنة الفتوحات حيث من الله على المجاهدين هناك بالنصر في عدة معارك وكان العرب فيها هم الرقم الصعب وهم الحسم في كل معركة وكانت هناك ثلاثة معارك كبيرة وشبه متتالية تفرق بينها فترات زمنية قليلة وهي معركة ( الفتح المبين ) ثم ( الكرامة) ثم ( بدر البوسنة ) وكان هناك غيرها من المعارك التي حدثت في ترافنيك أو جزنبلي أو كوزلا , ولكنها كانت خاصة بمجموعة الزبير , وهنا أذكر بإيجاز العمليات الكبيرة المشتركة بين كتيبة المجاهدين العرب ومجموعة الزبير وهي عمليات مصورة بنفس اسم المعارك وليعلم كل من شاهد تلك المعارك و تولّد دليه أحاسيس ومشاعر حولها , إنني لا أعرف كيف أصفها أو أتكلم عنها فأنا لست صاحب قلم معبر ولكن في داخلي من الحنين والشعور بها ما لا يملكه أي من يحاول وصفها فإلا الله المرتجى أن لا يحرمنا أجرها وأن يجمعنا بأحبتنا الذين فقدناهم فيها .
( الفتح المبين )
كانت هذه العملية هي بداية عمليات النصر في البوسنة وكانت أيضاً بداية الهزيمة للصرب في مناطق المسلمين وكانت كتيبة المجاهدين العرب هم من قام بإعداد العملية العسكرية وتجهيزها ومن ثم تنفيذها مع الجيش البوسني في حين أن دور مجموعة الزبير كان استلام الخنادق المسيطر عليها من الإخوة في الكتيبة وتثبتها حتى يتم تأمينها تماماً ويستلمها الجيش البوسني بالكامل وقد أبلى الإخوة في بالكتيبة في تلك المعركة بلاءً حسناً وسيطروا على المراكز المخطط لها بسرعة كبيرة ولكنهم في تلك المعركة خسروا بل خسرت الأمة بأسرها رجلاً بألف رجل وهو أبو عبد الله الليبي رحمه الله رحمةً واسعة فقد كان رجلاً شجاعاً مقداماً وكأنه ولد ولم يولد الخوف معه فقد كان يذهب للترصد لخنادق الصرب قبل العمليات ويتسلل إلى داخلها لمعرفة عدد الموجودين فيها وكان لهذا التصرف يجعل أشجع الشباب في حيرة من شجاعته فرحمه الله من بطل همام .
( معركة الكرامة )
وهذه المعركة كانت الخطوة التالية في سلسلة الفتوحات في تلك الفترة وأدرك الصرب على إثر هذه المعركة أن المسألة لم تكن في معركة الفتح المبين مجرد انتصار مما زاد في توترهم وهبوط عزيمتهم وبث الرعب في قلوبهم وعلموا أن القادمين لهم طلاب موت وليسوا طلاب حياة , وكنت في هذه المعركة ضمن إحدى مجموعات الاقتحام التي اختيرت لاقتحام الخنادق الأمامية للصرب , وأذكر في الاستعدادات لهذه المعركة كيف زادت معرفتي بأخي الحبيب أبو معاذ الكويتي رحمه الله من خلال مراحل الإعداد والتجهيز للمعركة فقد كان هو المشرف على مجموعات الاقتحام وكنت أنا أميراً لأحد تلك المجموعات فكنت أجده رجلاً فذاً في عسكريته محباً لإخوانه دائماً ما تدور إستراتيجيته في الاقتحام إلى ضمان سلامة الإخوة أولاً ثم ضمان نجاح عملية الاقتحام وهذا الرجل لا يسعني في هذا المقام إعطائه حقه من الوصف والثناء فهو أكبر من ذلك بكثير , وأذكر لحظات مقتله بعد أن تم اقتحامنا للخنادق الأمامية للصرب بنجاح ثم توجهنا للقرى الخلفية التي كانت تعتبر مراكز خلفية للصرب من أجل تمشيطها أمنياً والسيطرة عليها وكان أبو معاذ رحمه الله من أول المتقدمين وأثناء عملية التمشيط وبعد أن تجاوزنا القرية الأولى كان الصرب قتل منهم من قتل وأسر من أسر وفر من فر , وأثناء التمشيط وعندما كان يسير أبو معاذ الكويتي بحثاً عن الفارين كان أحد الجنود الصرب قد ضاق به مكان فأينما اتجه وجد الإخوة يحيطون به فاختبأ خلف شجرة وعندما اقترب أبو معاذ منه خرج الصربي وباغت أبو معاذ بإطلاق الرصاص فكان أن رد عليه أبو معاذ في نفس الوقت فهلك ذلك الصربي مباشرة وأصيب أبو معاذ في أسفل بطنه بعدة طلقات سقط على إثرها يذكر الله مهللاً ومسبحاًَ وفاضت روحه إلى بارئها خلال دقائق خاتماً حياته بذكر الله كما كان دائماً فرحمك الله يا أبا معاذ وأسكنك فسيح جناته .
( معركة بدر البوسنة )
كانت هذه المعركة هي الخاتمة للصرب في كثير من مناطق البوسنة وكانت أيضاً هي بداية الزحف باتجاه مدينة بنيالوكا وهي عاصمة صرب البوسنة , وكانت المنطقة التي تمت بها العملية عصية على الجيش البوسنوي لمدة ثلاث سنوات حيث قاموا بكثير من العمليات العسكرية على هذه المنطقة ولم تنجح , وهي تعتبر منطقة إستراتيجية وكانت تدعى بوابة موسكو لأن من يستولي عليها يستطيع أن يسيطر على كثير من المناطق , ويسر الله لي أن أكون مرة أخرى في إحدى مجموعات الاقتحام , وكانت طبيعة الاقتحامات أن تكون دائماً بعد صلاة الفجر وقبل الشروق مباشرة وهذا هو التكتيك المجدي نفعاً في البوسنة , فاستعنا بالله في ذلك اليوم واقتحمنا على المناطق وكنا نتوقع معركة شرسة وصمود من الصرب على ماهم فيه من الهزيمة النفسية ولكن لأهمية المنطقة كنا نتوقع منهم الاستبسال من أجل البقاء فيها ولكن أراد الله إلا أن ينصر عباده , فبعد أن بدأت المعركة كانت قذائف المجاهدين وطلقاتهم تنزل على الخنادق الصربية مثل الحمم البركانية , وحاول الصرب جهدهم في صد الهجوم ولكن المعركة وبحمد الله لم تدم سوى عشرة دقائق حتى كان الشباب مسيطرين على جميع خنادق الصرب متمركزين فيها , وقد قتل الإخوة في هذه المعركة الكثير من الصرب وأسروا الكثير أيضاً , وفي نفس الوقت فقدنا في هذه المعركة عدداً ليس بالقليل من الشباب بل وكانوا صفوة من الشباب الذين أراد الله لهم الشهادة في هذا النصر الكريم فقد قتل في هذه المعركة أبو ثابت المصري رحمه الله المسئول العسكري في كتيبة المجاهدين ذلك الرجل البسيط المتواضع بالهمة العالية , رجل عظيم في حقيقته بسيط أمام إخوانه رحمه الله وأسكنه جنات النعيم , وقتل أخرين أذكر منهم أخي الحبيب الغالي فياض اليمني رحمه الله وهو أحد الإخوة من مجموعة الزبير في توزلا , رجل حافظاً للقرآن عابداً لله رقيق النفس طيب المعشر , وأخي الحبيب الغالي خطاف البحريني ذلك الرجل العجيب الذي ما حمل يوماً ضغينة لأحد رجل كثير الفكاهة ما يجلس مجلساً إلا ويدخل السرور على قلب إخوانه وكان محبوباً من كل من عرفه وحق لمن بكوا عليه حين مقتله أن يكثروا من الدموع عليه رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جناته .
بعد هذه المعركة بالذات توالت الفتوحات وسقطت مدينة ماقلاي أحد معاقل الصرب وبدأ الإخوة يتجهون باتجاه مدينة بنيالوكا حتى أصبحوا يبعدون عنها بما يقارب الثلث ساعة مسيراً بالسيارة , في هذه المرحلة جن جنون الإتحاد الأوربي والعالم الغربي عموماً وبدئوا في تحركاتهم السياسية في محاولة لوقف هذا الزحف الجهادي الذي يرون أنه نذير شؤم عليهم ولم يطل الأمر كثيراً حتى رضخت الحكومة البوسنوية للضغوط عليها وأعلنت وقف العمليات العسكرية وأعلن عن توقيع اتفاقية ( دايتون ) والتي كان من ضمن شروطها إخراج المجاهدين العرب من البوسنة .
في تلك الفترة تباينت الآراء لدى الإخوة هناك بين مستسلم للأمر الواقع وبين رافض لوقف العلميات القتالية ولكن في نهاية المطاف اضطروا للاستسلام لأن المسألة كانت جدية في الضغط على الحكومة البوسنوية وتهديدها فكانت إن استسلمت وألزمت العرب بوقف القتال , وأذكر أنه تلك الفترة حصل حدث رهيب كاد أن يقلب الأوراق على الطاولة في الواقع البوسنوي وذلك حين تم اغتيال الشيخ ( أنور شعبان ) رحمه الله المسئول الشرعي في كتيبة المجاهدين وقتل معه مجموعة من القيادات أذكر منهم أبو الحارث الليبي الأمير السابق لكتيبة المجاهدين وأبو زياد النجدي وأبو همّام الشرقي رحمهم الله أجمعين , وكان اغتيالهم في منطقة كروات البوسنة التي كان يعبرونها متوجهين إلى مدينة فزوتشا التي فتحت أثناء المعارك الأخيرة , ثار الشباب وقتها مطالبين بالثأر والهجوم على تلك المناطق الكرواتية وكثر اللغط حتى كادت أن تكون فتنة بين المقاتلين العرب بسبب ذلك , فتدخلت الحكومة البوسنوية طالبة من الكتيبة عدم القيام بأي عمل عسكري قد لا تكون عواقبه حميده على الصعيد العام , وبعدها كان قرار قيادة كتيبة المجاهدين نسيان ما حدث وكأن شيئاً لم يكن وهو القرار الذي سيظل يلاحقهم مذكرهم بالعار الذي ارتكبوه بهذا القرار والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل .
في هذه الأجواء قرر الكثير من الشباب الخروج من البوسنة وكنت أنا أحدهم والبعض الأخر قرر البقاء بعد أن منحتهم الحكومة البوسنوية الجنسية البوسنوية فاستقروا هناك كمواطنين .

وللحديث بقية

الحميداوي
09-11-07, 10:52 PM
http://www.m5zn.com/uploads/1996310edc.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم

( الحلقة السابعة)

بعد الخروج المؤلم من البوسنة , ولا أريد أن يعتبر البعض وصفي هذا هو عبارة عن حالة فشل تام أصاب الوضع هناك فهذا سيعتبر تحريفاً لحقيقة النتائج التي سجلها المجاهدون العرب أو حتى النتائج التي سجلها المسلمون عموماً في قضية إيجاد دولة مسلمة هناك تكون تحت إدارتهم وإن لم تكن بالشكل المطلوب , وهنا أوضح أن بعض من الناس أخذوا يمارسون المزايدة حول حقيقة ونتائج الجهاد في البوسنة , هؤلاء المتتبع لحقيقتهم يجد أنهم ليس لهم أثر من جهاد أو دعم هناك ولكن العجز الذي أصاب أدمغتهم والفشل الواضح في حقيقتهم وحتى ليغطوا فشلهم بدئوا يمارسون هذه المزايدات التي طالما سمعناها فإن كانوا سيحققون الكمال ويريدون أن يقيموا دولة عمر بن الخطاب فنقول لهم هلمّوا فساحات الوغى بانتظاركم ودونكم السلاح والسنان الرماح وصهوات الجياد التي ملت وهي تنتظركم بينما كنتم تنعمون بين الأهل والأحباب واضعين رجلاًُ على رجل تجرحون بهذا وتخطئون بهذا ولم تعرف عتبات الجهاد وطئاً لأقدامكم .

أقول إنه بعد هذا الخروج كان الألم على المفاجئة في عدم أكمال ما ابتدأه المجاهدون في ذلك الصيف وحسرة عن توقف القتال حين كان النصر مشارفاً على الأبواب ولكن هو أمر الله والله يتم حكمته كيف يشاء , وحسرة وألماً على قتل إخواننا غيلةً دون أن يكون هناك رداً معتبراً لتلك الدماء الطاهرة الزكية التي أزهقها أعدائها غيلة حينما لم يستطيعوا أن يواجهوهم مواجهة الرجال ولكن علم الله خاتمة الأمر في البوسنة فأراد أن يختم لهم بالشهادة وأن يرزقهم الأجر العظيم على ما قدموا وبذلوا , وقد يستغرب البعض حينما مررت سريعاً على تلك المعارك التاريخية دون المرور على تفاصيلها المليئة بالأحداث ولكن السبب في ذلك يعلم الله أنني امتلأت بالغصة وما عدت أطيق حملاً لقلمي لأسترسل في الكتابة حينما عادت ذاكرتي إلى تلك الأيام فهذا ليس بالشيء اليسير بالنسبة لي , وقد لا تشعرون بذلك الألم الذي أشعر به وذلك الحنين ولكني أترك لكم أن تشاهدوا تصوير تلك المعارك وسترون فيها ما يغني عن كتابتي وعندها ستعلمون لما لم يستطع قلمي الآن الكتابة عنها وستجدون العذر لي إن شاء الله .

في تلك الفترة الزمنية كانت رحى المعارك دائرة في الشيشان وكان رأي بعض الإخوة التوجه إلى هناك وكنت من أكثر الشباب تحمساً بعد أن علمت بوجود أخي الحبيب خطاب هناك وبدوره في قيادة العمليات العسكرية هناك , فتم الاستعداد لذلك وقمت بإجراء بعض الاتصالات تمكنت من خلالها إيجاد الوسيلة المناسبة للذهاب إلى أذربيجان فاستعنت بالله وتوجهت إلى إحدى الدول حتى أتوجه من هناك إلى أذربيجان , وأثناء تواجدي في هذه الدولة اتصلت بأحد الإخوة والذي فاجأني بسؤاله لي إن كان لدي أخبار عن أبو الزبير الكابلي فأخبرته أنني لا أعرف أي شيء عنه عندها قال لي اصبر واحتسب , ولا أخفي حينها أن كلامه قد أرابني لما يحتويه من دلالات فاستوضحته عن الأمر فأخبرني أن أخي أبو الزبير قد قتل في معركة كزلار الشهيره حينها وكان ذلك في منتصف رمضان تقريباً وقتل معه بعض الإخوة في تلك العملية , ولا أخفي صراحة أنه جن جنوني لحظتها فلم أصدق ما قاله لي كوني تركت أبا الزبير عائداً لأهله على أمل اللحاق بي ولمعرفتي بأن الشخص الذي يحدثني من أبعد الناس مزاحاً في مثل هذه الأشياء , فاستحلفته بالله إن كان جاداً في كلامه فأكد لي أن الأمر جد لا هزل فيه , فو الله لقد بكيت بكاءً ما بكيته على فقد عزيز قبل ذلك ولا بعده حتى الآن ولكن قال تعالى ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ )(لقمان: من الآية34) , فرحمك الله يا أبو الزبير لقد اجتمعنا على محبة الله وافترقنا على محبته وأسأله سبحانه أن يجمعني بك في جنات النعيم .

بعدها توجهت إلى باكو عاصمة أذربيجان واستقبلني أحد الأشخاص وكان مسئولا عن مضافة ( دار السلام ) ويدعى ( أبو الحسن الجزائري – والذي اكتشفنا فيما بعد أنه نجح في اختراق المجاهدين وكان يعمل لصالح المخابرات الروسية ) , وهناك في المضافة وجدتها قد امتلأت بالإخوة وأذكر منهم أخي الحبيب سواد المدني الذي كان معي في البوسنة رحمه الله والذي قتل في أفغانستان , وأخي عبد الواحد , عبد الهادي القحطاني والذي كان مطلوباً من قبل الأنتربول بعد الصور التي اشتهرت له في البوسنة وهو يحمل في يديه بعض الرؤوس المقطوعة لجنود صرب وقتل في أفغانستان أثناء الهجوم الأمريكي على طالبان ) , فظللنا يومين نستعد حيث أخبرنا أبو الحسن الجزائري أننا بعد يومين سنتحرك متوجهين إلى الشيشان , وفي اليوم الموعود كنا خمسة وثلاثين شخصاً من المقاتلين العرب وركبنا أحد الباصات متوجهين إلى شمال أذربيجان حتى من هناك نعبر الحدود باتجاه جورجيا ومن ثم إلى الشيشان , وأثناء تحركنا باتجاه الشمال تفاجئنا بأن أوقفتنا سيارات الشرطة الأذربيجانية ثم قاموا باعتقالنا جميعاً وأخذونا إلى مركز الشرطة وهناك كانت المخابرات بانتظارنا وأخبرونا بكل وضوح أنهم يعلمون أننا ذاهبون إلى الشيشان , فنفينا هذا الشيء وأصرينا على أننا جئنا للسياحة ولكن المسألة بالنسبة لهم كانت محسومة تماماً مما يدل على أن لديهم معلومات مسبقة عن تحركنا ولكنهم لم يحبذوا فكرة بقائنا في السجن وذلك لاعتبارات سياسية معينة كانت تتخذها أذربيجان إزاء الحرب الدائرة في الشيشان , فأخبرونا أنهم لم يبقونا في السجن ولكنهم لن يبقونا في البلد أيضاً وطلبوا من كل شخص أن يختار بلداً معيناً حتى يرتبوا له سفره إلى ذلك البلد , عندها اضطررنا للمغادرة إلى بلدان مختلفة وكنت أنا ممن غادر إلى تركيا , واضطررنا للبقاء هناك فترة من الزمن نحاول فيها العودة مرة أخرى إلى أذربيجان أو إلى أي مكان آخر يسهل منه الدخول للشيشان .

كانت فترة الانتظار في تركيا صعبة جداً فقد امتدت إلى شهرين تقريباً لأن البلد يكثر فيه العري والفساد ولذلك كنا غالباً ما نلزم البيت ولا نخرج إلا للضرورة وأحياناً نخرج إلى بعض الأماكن في أوقات تقل فيها الحركة حتى نجد قسطاً من الراحة تنفيساً عن الضغط الذي نعيشه , وفي هذه الفترة استطعنا العودة مرة أخرى إلى أذربيجان ولكن للأسف كانت الطرق إلى الشيشان مغلقة فقد كثفت القوات الروسية من حملاتها العسكرية على النقاط الحدودية , فاضطر الإخوة هناك لإيقاف الدخول حرصاً على سلامة الأخوة , فبقينا في أذربيجان لمدة ستة أشهر ونحن في حالة انتظارٍ رهيب وممل حيث لم يكن الأمر بالسهل أن تبقى حبيس البيت لا تخرج منه إلا في حالات نادرة جداً وقليلة وذلك للظروف الأمنية وتجنباً للوقوع في يد الشرطة أو المخابرات الأذربيجانية , وكنا ما يقارب العشرين شخص نقضي وقتنا في الدروس الشرعية والعسكرية وكل ما فيه فائدة للشباب , وقد مل الكثير من الشباب ولم يتحملوا طول الانتظار فاضطروا للمغادرة وهم والله معذورون في ذلك ولكن الأمر بالنسبة لهم كان أكبر من أن يحتمل فالواحد منهم معلق على أمل الدخول لا يعلم متى يتحقق ذلك فصبروا قد طاقتهم أسال الله سبحانه وتعالى أن يبلغهم من الأجر مثل أجر من كان داخل الشيشان , وكما قال صلى الله عليه وسلم " إن بالمدينة أقوام ما قطعتم وادياً ولا سلكتم شعباً إلا شاركوكم الأجر " وذلك عندما حبسهم العذر .

وأذكر من الإخوة الذين قضيت معهم أياماً جميلة ورائعة أخي الحبيب الفاضل ( سيف الأمة الغامدي – سليمان الغامدي ) وهو من الإخوة الرجال الأفذاذ الذين سطروا أروع التضحيات والبطولات في تاريخ الجهاد الحديث , حيث كان من قدامى المقاتلين في أفغانستان حيث ذهب إلى هناك عام 1987م وكان صديقاً مقرباً من خطاب رحمه الله , وبقي حتى تحرير أفغانستان وبعدها توجه إلى طاجيكستان وقاتل في منطقة بدخشان مع القائد يعقوب البحر رحمه الله , ثم بعد طاجيكستان توجه إلى البوسنة وكان ضمن مجموعة الزبير وقد أبلى بلاءً حسناً فقد كان رجلاً ذو همة وذا عزيمة يحترق قلبه ألماً وحسرة على واقع الأمة وما تعانيه من ويلات , وهناك في البوسنة توثقت علاقتي به وازدادت مع الأيام ثم في أذربيجان كنا أنا وهو أكثر قرباً إلى بعضنا حيث أنه بعد أن غادرت أنا أذربيجان يسر الله له الدخول إلى الشيشان وبقي فيها وتزوج هناك وأنجب ولدين ولم يخرج منها إلا بعد الانسحاب الكبير للمقاتلين من قروزني بالحرب الشيشانية الثانية فاضطر للخروج مع عائلته من هناك مع من خرج من المقاتلين , وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق ذهب إلى هناك بعد أن أرسل عائلته إلى الشيشان واستشهد في العراق , ولم يكن أحد ممن حوله يعرفه أو يعرف عنه شيئاً ولم يكن يخبرهم عن نفسه بشيء , حقاً والله لقد خسرت الأمة سيف الأمة جمعنا الله وإياه في جنات النعيم , فكثير أمثاله طواهم الزمن ولم يعرفهم أحد أرادوا أن يعيشوا في الظل ويموتوا في الظل راجين من الله القبول , وأذكر أيضاً أخي الحبيب ( أبو حمزة القطري – واسمه إبراهيم وهو من شرق بلاد الحرمين ) رجل كبير السن والقدر كثير الصمت حوا الحكمة والحلم , قلة هم الذين فهموا الجهاد كما يفهمه , لم يكن الجهاد بالنسبة إليه فريضة تؤدى في الإجازة الصيفية أو حسب الظروف بل كان كل عرق فيه ينبض بالجهاد فغادر إلى أفغانستان في بدايات الجهاد الأفغاني وكان من المقربين من الشيخ عبد الله عزام رحمه الله , لم يكن يوماً يعمل اعتباراً للمنصب أو المكانة بل كانت البساطة والتواضع أصلاً فيه لا يتصنعه , وحين لم يستطع الدخول للشيشان عاد إلى أفغانستان بعد أن تزوج امرأة داغستانية من عوائل المجاهدين هناك , وفي أفغانستان حيث الموطن الذي أحب وعاش لسنوات طوال وشهد جل معارك الجهاد الأفغاني استقر في قندهار حيث مقر الشيخ أسامة ولازمه هناك حيث أصبح المسئول المالي في القاعدة , ولكنك عندما تنظر إليه وإلى رثاثة ملابسه تعلم أنه طلق الدنيا ثلاثاً , وقد قتل رحمه الله أثناء الهجوم الأمريكي على أفغانستان حيث ذكر لي أحد الإخوة أنه أثناء سيرهم بالسيارة قصفتهم إحدى الطائرات الأمريكية فأصابت جانباً من السيارة وبعد أن انجلى الغبار كان أبو حمزة ساجداً فظننته سجود شكر على سلامة الإخوة ولكنه طال السجود وناديته حتى يستعجل ولكنه لم يرد فذهبت إليه فوجدته ميتاً ساجداً وقد عفر وجهه الدم , فرحمه الله ما أكرم ما مني به أن ختم حياته سجوداً لله وهكذا والله تطلب المنايا .

بعد أن طالت فترة انتظارنا في أذربيجان دون أمل أكيد في الدخول إضافة إلى المخاطر الأمنية التي واجهناها هناك قررت الخروج من أذربيجان على أمل العودة متى كان الطريق مفتوحاً بشكل أكيد فغادرت أذربيجان متوجهاً إلى إحدى الدول للاستقرار فيها وبعد أن استقريت حصلت اتفاقية وقف إطلاق النار وخروج القوات الروسية من الشيشان وهنا انتهت الحرب الشيشانية .

في الفترة التي خرجت فيها من أذربيجان كانت طالبان قد بدأت في عمليات اجتياح واسعة لأفغانستان وسيطرت على الكثير من المناطق ولم تكن المسألة واضحة في بداياتها عن حقيقة الحركة , هذا ما دفعني وغيري للتريث قليلاً قبل التوجه إلى هناك , وبعد فترة من الزمن كان قد تبين المنهج الذي تسير عليه طالبان وحقيقة أمرهم ولكن للأسف منعتني بعض الظروف من الذهاب إلى أفغانستان فاضطررت لتأجيل الأمر حتى حانت الفرصة وفي عام 1999م توجهت إلى أفغانستان حيث سافرت إلى مدينة كويتا في باكستان ومن هناك عبرت الحدود متجهاً إلى قندهار , وكانت هذه بالنسبة لي عودة إلى أرض ذات تاريخ عريق أحببتها لما سطر فيها من بطولات ولتلك الأوقات الجملية التي قضيتها في أفغانستان منذ سنوات وبعد وصولي إلى قندهار حسب الترتيب المعد مسبقاً توجهت إلى المضافة ( بيت الرمان ) وهي مضافة خاصة لاستقبال المقاتلين , بقيت فيها لأيام ثم استقليت طائرة من مطار قندهار متوجهاً إلى كابل , وفي كابل توجهت إلى مضافة ( خان غلام بتشا ) وهي المضافة الرئيسة للمقاتلين العرب في كابل , في هذه المضافة رأيت الكثير من الشباب من مختلف أنحاء البلاد الذين جاءوا لنصرة طالبان , ومن الجميل في الأمر أنني التقيت ببعض الشباب الذين كانوا معي في البوسنة وفي أذربيجان وبعضهم ممن تعرفت عليهم قبل سنوات في بيت الشهداء في بيشاور فأحسست أن الزمان دار دورته وأعادنا مرة أخرى وكأننا أسرة واحدة مقدر لنا أن نلتقي بعد حين كلما افترقنا .

بعد أيام من الاستراحة في المضافة توجهت إلى خط الجبهة القتالي في شمال كابل حيث الخط الذي فيه المقاتلين العرب وحقيقة أثناء سيرنا بعتادنا وسلاحنا ونحن نجلس في تلك السيارات المعروفة باسم البيك آب وهي مشهورة منذ سنوات الجهاد الأفغاني الأول , أقول كنت أستشعر أثناء ركوبي فيها ذلك الرعيل الأول الذي سبقنا لهذه الأرض وامتزجوا مع أهلها وقدموا من التضحيات الشيء الكثير حتى زرعوا الحب للعرب في قلوب الأفغان , كانت بداية وصولنا إلى الخط الأول إلى ( مركز مالك ) وهو مركز خلفي لجبل صابر الذي يتخندق فيه المقاتلين العرب وهذا الجبل ذو أهميه عسكرية واستراتيجيه فالذي يسيطر على الجبل يستطيع السيطرة على كابل , فلصعوبة هذا الأمر وحساسيته أُوكلت مهمة حماية الجبل إلى المقاتلين العرب لما عرف عنهم من استبسال وشجاعة في القتال , وبعد أن وصلنا إلى مركز مالك وهو عبارة عن قلعة صغيره مبنية من الطين منذ عشرات السنين وفيها عدد من الغرف , فبقينا فيها ليومين حتى يحين موعد توجهنا للجبل , وأثناء هذه الفترة تعرفت على أخي الفاضل وهو أبو فيصل التونسي رجل رغم كبر سنه إلا أنه استجاب لأمر النفير إلى الله , فمثله وتقديراً لسنه يحق له أن يخدمه من هو أصغر منه , إلا أنه كان الخادم لإخوانه , يخدم الصغير والكبير بلا استثناء , متحبباً ومتودداً إليهم , متميزاً بخلقه الرفيع ( وقد قتل فيما بعد أثناء الانسحاب من مدينة شريكار وسيأتي ذكرها في حينها إن شاء الله ).

بعد يوم توجهنا إلى جبل صابر الذي كان يبعد كيلوين تقريباً عن جبل صابر , وجبل صابر جبل مرتفع ولكنه ليس بالجبل الشاهق بارتفاعه ولكنه كما أشرت سابقاً هو ذو أهمية استراتيجيه عسكرية , وبدأنا بصعود الجبل وأثناء الصعود لفت انتباهي ما كتبه أحد هؤلاء الإخوة بالخط العريض قائلاً ( ومن يتهيب صعود الجبال يعيش أبداً بين الحفر ) , فكان كل من يقرأها أثناء صعوده يزداد همة ونشاطاً فهذه الكلمات ترفع المعنويات وتعلن التحدي لأن الجبال لا يقارعها إلا الجبال , وعند وصولنا إلى قمة الجبل توجهنا مباشرة إلى الخندق الرئيسي المواجه للعدو ويسمى بخندق البارود وسمي بذلك على أحد الإخوة الذين قتلوا هناك وهو ( البارود – نايف الفوزان ) من بلاد الحرمين , وكان للجبل أيضاً مجموعة من الخنادق أذكرها بالتسلسل تبدأ بالبارود ثم خندق العيادة وبعده بمسافة خندق عبد الملك ثم تأتي بعده منطقة السرج وهي منطقة منخفضة بين تبتين , ثم يأتي بعد ذلك خندق عزام .

بدت لحظاتي الأولى رائعه جداً حيث التقيت في خندق البارود ببضع إخوة الذين التقيت بهم سابقاً في البوسنة أو في أذربيجان وهذا ألغى عني تلك الوحشة التي يمكن أن يشعر بها أي إنسان في المكان الذي يأتي إليه جديد , وسهل لي مسألة التواصل والتعرف على الآخرين من الإخوة المتواجدين على الجبل .
مع تتالي الأيام ازدادت علاقتي توطداً مع بعض الإخوة وأخص هنا أخي وحبيبي عمر سيف الذي احتل في نفسي مكانة لا يضاهيه فيها إلا أخي الحبيب أبو الزبير الحائري رحمه الله وعمر سيف وهو فلسطيني الأصل أردني الجنسية يزيده فخراً أنه من أبناء غزة , هذا البطل الشجاع الذي طالما أذهل الإخوة في أفغانستان بشجاعته المفرطة وببسالته , رجل طيب القلب رقيق النفس لا يحمل الضغينة لأحد ولا يقبل على نفسه الظلم لأحد صاحب ورع ودين محب لإخوانه , كان بطل الأردن في رياضة ( الكيك بوكسنج ) والثاني على العرب , وجاء إلى أفغانستان عام 1994م وهو ابن 18 عاماً والتحق بالحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار وتدرب قبل ذلك في معسكر ( خلدن ) في خوست ثم أكمل تدريبه مع الحزب الإسلامي على يد أبو معاذ الخوستي رحمه الله فكان مجتهداً مثابراً حتى رشحه الأخوة للتدرب على قيادة المروحية الروسية المقاتلة لما رأوا فيه من نجابة وهمة ومثابرة , وقد قتل رحمه الله في الانسحاب الثاني من عملية ( شريكار ) أثناء تأمره على مجموعة من الشباب مهمتهم تأمين انسحاب المجموعات وسيأتي ذكر ذلك في حينها , فرحمه الله رحمة واسعه وأسكنه الفردوس الأعلى , وأذكر أيضاً أخي الحبيب أبو القعقاع التبوكي شاب من اليمن من أرض الحكمة والإيمان التي خرّجت رجالاً سطروا أروع البطولات والتضحيات لأجل هذا الدين , كان زيدي المذهب في الأصل لكنه عرف الحق فاتّبعه وسمع بالجهاد فانطلق إليه , جاء إلى أفغانستان شاباً صغيراً يافعاً لم يتجاوز السابعة عشر من عمره وبقي فيها أربعة سنوات متواصلة إلى أن قتل رحمه الله في قلعة جانجي الشهيرة أثناء الملحمة الدامية التي دارت هناك , كان على صغر سنه كثير الوعي سديد الرأي فيه من الحكمة وحسن التصرف وكأنه رجل خط الشيب في شاربه امتاز بالمرح وإدخال السرور على قلوب إخوانه صاحب فكاهة فطرية غير متكلفة و صاحب غيرة على الدين فقد سألته يوماً ألا تعود لليمن لزيارة أهلك ثم ترجع إلى أفغانستان فقال هل استقر حال الأمة لأعود لأهلي وأبشرهم بذلك ثم وهل تضمن لي ألا أموت حتى أعود إلى أرض الجهاد , فلله درها بلاد اليمن التي تنجب أمثال أبو القعقاع ويا هنائها بهم .
وللحديث بقية

الزهراني و القصيمي
09-11-07, 11:00 PM
لانامت أعين الجبناء

واصل أخي كلنا أعينٌ تقرأ

طائفي نت
10-11-07, 01:56 AM
الف شكر
جزاك الله خير

بانتظار باقي الحلقات بفارغ الصبر

طائفي نت
10-11-07, 02:01 AM
جزاك الله خير

بانتظار باقي الحلقات بفارغ الصبر

الحميداوي
10-11-07, 03:59 PM
لانامت أعين الجبناء

واصل أخي كلنا أعينٌ تقرأ

أبشر أخي الزهراني

الحميداوي
11-11-07, 04:38 PM
الف شكر
جزاك الله خير

بانتظار باقي الحلقات بفارغ الصبر

حياك الله أخي طائفي نت

هدة الطير
11-11-07, 07:06 PM
الله اكبر

الله اكبر


موضوع اكثر من رائع

وللي عوده ان شاء الله لأكمال بقية الحلقات

نسأل الله العلي العظيم

ان يحفظ اخانا صاحب الموضوع وناقله

وان يجمعنا بهم في جناة النعيم

وجزاك الله خيرا

اخي : العراب

جـيفارا
11-11-07, 11:13 PM
ومازالت افغانستان تحت الاحتلال
والعراق ايضا والله يعلم بما سيأتي بعدهما

كفا هداكم الله ايه الغلمان عن تداول مثل هذه القصص الخرقاء
وكنوا اكثر ارتقاء في تأطير امور دينكم بدلاً من جبال سليمان
وهندوكوش فهي في حرب منذو مبطي
فالافغان يعملون في بلادكم وانتم تسفكون دمائكم دفاعاً عنهم
اين الحكمه صدق قله العقل مصيبه

الزهراني و القصيمي
11-11-07, 11:50 PM
ومازالت افغانستان تحت الاحتلال
والعراق ايضا والله يعلم بما سيأتي بعدهما

كفا هداكم الله ايه الغلمان عن تداول مثل هذه القصص الخرقاء
وكنوا اكثر ارتقاء في تأطير امور دينكم بدلاً من جبال سليمان
وهندوكوش فهي في حرب منذو مبطي
فالافغان يعملون في بلادكم وانتم تسفكون دمائكم دفاعاً عنهم
اين الحكمه صدق قله العقل مصيبه

أيها الاخرق إذا علمت معنى الجهاد وعلمت معنى الشهادة في سبيل الله بامكانك المشاركة والقراءة..

إن الرجل يحيي سنن المتقين من قبلنا...

أنا أختلف مع العراب في بعض مواضيعه ولكن لا يعني ان جميع مواضيعه لاتستحق القراءة..

وهذ الموضوع بالنسبة الي في المركز الاول بين مواضيع الملتقى...

سامحك الله.

الحميداوي
12-11-07, 03:57 PM
اشكر لك مشاركتك أخي هدة اطير

الحميداوي
12-11-07, 05:46 PM
أخي الزهراني والقصيمي بعض الناس ليسوا جديرين بالنقاش فلاتتعب نفسك بالجدال معهم ولنجعل الموضوع لسرد هذه المذكرات بدل النزول لمستوى الحمقى
وسآتيكم بالجزء الثامن هذه الليله ان شاء الله

الحميداوي
12-11-07, 10:53 PM
http://www.m5zn.com/uploads/6671eca7bf.jpg

بسم الله الرحمن الرحيم



( الحلقة الثامنة )


انتهى حديثنا في الحلقة السابقة عن أحد فرسان اليمن وسيبدأ في هذه الحلقة أيضاً عن فارس فرسان اليمن وهو (عبد السلام الحضرمي) أمير الجبهة في شمال كابل , رجل خلوق عابد زاهد تملأه البساطة في كل تعاملاته مع إخوانه وحنّكته الأيام والمعارك واستحق بجدارة أن يكون أميراً للجبهة من ينظر إليه بغير إنصاف يظنه بارداً قليل الشعور ولكنه صاحب رؤية ويكره الاستعجال في غير محله إن أردته مقدام فهو أكثر من ذلك وإن أردته شجاع فهو أشجع من ذلك , أسر قلوب الإخوة بمحبته وهبه الله من الصبر على أذى إخوانه الشيء الكثير فمن يكون في مركزه قلما ينجو من خلافات الشباب , أما عبد السلام فلم يكن يعاني من هذا الأمر لمحبة الجميع له ولمبادرته السريعه لإنهاء أي خلاف كان ولأي سبب كان وقد قتل رحمه الله في قندز أثناء الإجتياح الأمريكي لأفغانستان بعد أن ذهب إلى هناك مدداً لإخوانه في الشمال مع بعض إخوته .
توالت الأيام ولم أجد الصعوبة التي كنت أتوقعها في أن أتأقلم مع هذه الأجواء الجديدة في جبل صابر وتوثقت علاقتي مع جميع الإخوة بحمد الله بدون أية صعوبة وقد كنا نقضي نهار يومنا في الدروس الشرعية التي يلقيها أحد الإخوة من طلبة العلم أو في الدروس العسكرية التي كان يلقيها لنا الشيخ (عبد الهادي العراقي) المسئول العسكري العام , وفي المساء نتناوب على الحراسة كل حسب الخندق الذي يتمركز فيه وأيضاً هناك خندق أمامي يسمى ( الكمين ) وهذا تكون الحراسة فيه ليلاً فقط ومشتركة من جميع الشباب بحيث يتناوب اثنين كل ساعتين من الحراسة في هذا الخندق وهو عبارة عن خندق متقدم عن خندق البارود باتجاه العدو وهو كخط تنبيه أولي لصد العدو في حالة تقدمه وأيضاً لتنبيه الخنادق الأخرى .
بعد فترة جاءنا الأمر للإستعداد لعملية عسكرية فبدأنا بالإعداد والإستعداد لها من كافة النواحي ومن ذلك التعليمات العسكرية عن طبيعة المعركة وطريقة التعامل معها وذلك للإخوة الذين لم يسبق لهم أن دخلوا في المعارك وعندما جاء اليوم الموعود كنا قد تحشدنا بالنسبة لنا نحن العرب مع بعض الأفغان على الطريق العام الذي سيكون هو نقطة الدخول لنا , بينما كانت مجموعات أخرى من الأفغان متمركزه في محاور أخرى , وعندما جائت ساعة الصفر كان كلٌ منا قد أوصى صاحبه إن كان قتل أن يكون شفيعاً له يوم القيامة وهذه اللحظات التي طالما تكررت معي أعتبرها من أجمل لحظات حياتي , فبدأ التكبير مع انطلاق الراجمات وقصف الدبابات ومدافع الهاون ومدافع DC وكل أنواع الأسلحة التي يمتلكها الإخوة في طالبان , ثم تقدمت أنا وأربعة آخرين معي من ضمنهم أخي الحبيب عمر سيف بعد أن تم اختيارنا من قبل الأمير عبد الهادي العراقي لنكون مجموعة فك الألغام , فانطلقنا باتجاه الطريق العام نقوم بعملية مسح للطريق حتى تتمكن الآليات والأفراد من التقدم , والسبب في هذا الأمر إن جماعة التحالف الشمالي كانوا يتقنون فن التشريك بالألغام ويمارسونه بشكل موسع , والألغام كما هو معروف هي من أكثر ما يخيف الأفغان , لذلك طلبوا فرقة من العرب تكون كجزء من سلاح المهندسين ليقوموا بفك هذه الألغام فوقع الاختيار علي والذين معي .
كان تقدماً بطيئاً ولكن ليس بالسيئ والسبب في ذلك الكمية الهائلة من الألغام والتي وضعت في الطريق وكانت كلها مشركة تقريباً بحيث تحتاج إلى خبرة تقنية في التعامل معها لأن أي خطأ سيكون هو الأخير لأن النتيجة مقتل أو إعاقة الشخص الذي يقوم بهذا العمل , بدأنا بحمد الله اجتياز نسبة كبيرة من هذه الألغام , وأذكر هنا بعد أن وجدنا بعض الألغام بدأت أنادي أخي عمر سيف بالتقدم قليلاً فيما بقي اثنان من الإخوة الأخرين خلفي ليقوموا بإخراج بعض الألغام المشركة المدفونة , وكنت على مسافة ثلاثة أمتار تقريباً عنهم وفجأة دوى صوت انفجار رهيب قذفني عن مكان وقوفي وبعد أن استعدت وعيي ووقفت علمت أن الإنفجار وقع على الأخوين الذين خلفي فعدت إليهم مسرعاً محاولاً تجاوز الألغام التي في الطريق منادياً عليهم ألا يتحركوا وذلك بعد أن سمعت صوت أحدهم وهو يكبر , وبعد أن استطعت الوصول لأولهم قمت بسحبه بعد أن اطمأننت للمنطقة الخلفية ووضعته على البتّو ( هو قطعة قماش طويلة وعريضة يستخدمها الأفغان في كل شيء حتى في نقل الجرحى ) فكانت إصابات الأخ شديدة فلم أشأ أن أحمله مما قد يضر به وناديت على الإخوة فأريتهم الطريق الذي يمكن من خلاله الوصول إلينا ووصلوا بحمد الله وحملوا الأخ الأول وعندما توجهت للأخ الثاني كانت المصيبة أن الأخ بترت قدمه والكرامة أيضاً كان ساقط بكامل جسده على مجموعة من ألغام الدبابات المشركة بألغام أفراد دون أن تنفجر وكانت هذه كرامة كبيرة من الله , فتوجهت للأخ وطلبت منه ألا يتحرك حتى أتأكد من الألغام فبدأت برفعه قليلاً قليلاً وساعدني أن الأخ كان في شبه غيبوبه مما ساعد في عدم قيامه بأي حركة خاطئة قد تؤذينا نحن الاثنين وقمت برفعه عن الألغام وكان أخي عمر بجانبي فحملناه إلى مكان آمن , ثم أخذه الإخوه ناقلينه إلى المستشفى , كانت هذه الحادثة مؤلمة جداً فقد أصابت اثنين نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً من خيرة الإخوة أدباً وأخلاقاً ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى أن يأتوا يوم القيامة وجراحهم تثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك , بعد نقل الإخوة بقيت أنا وعمر والشيخ عبد الهادي العراقي فطلبنا من عبد الهادي أن يخرج عندما أصر أن يكون معنا في منطقة الألغام حتى لو حصلت أي إصابات لا تكون في الأمير العام لما لذلك من أثر على نفوس المقاتلين , وبعد أن قمنا بتفكيك الألغام تفاجئنا ببعض الحفر المشركة بشكل مرعب حيث تم وضع ثلاثة عشر لغم دبابة في حفرة واحدة مشركة بألغام فردية في ما بينها , وللمعلومة أن لغم دبابة واحدة كفيل أن يجعل سيارة أثراً بعد عين , وبعد أن نظفنا الطريق من الألغام تقدمت الآليات والأفراد بحمد الله ثم واصلنا التقدم .
أخذ التقدم يزداد من منطقة إلى منطقة ونحن نطارد فلول مقاتلي التحالف الشمالي حتى وصلنا إلى مدينة شريكار بعد صلاة المغرب بحمد الله وكانت بداية العلمية في الساعة الثامنة صباحاً تقريباً وكنا إلى الآن لم نخسر في الإخوة العرب أي قتيل سوى الاثنين الجرحى الذين أصيبوا في حقل الألغام , وبعد وصولنا إلى شريكار بتنا تلك الليلة مع التناوب بالحراسة ليلاً وفي النهار كنا نقوم بجولات تمشيط لكافة المدينة للبحث عن أي من المقاتلين الذين قد يكونون مختبئون في المدينة وظللنا على ذلك ثلاثة أيام اعتقل فيها بعض المقاتلين وفي اليوم الرابع وبعد صلاة الفجر كنا نسمع قصف شديد باتجاه منطقة جبل السراج التي سيطر عليها الطالبان حين وصولوا إلى مدخل وادي بنشير فتوقعنا أن القصف من قبل طالبان وأنهم يقومون بعملية تقدم تجاه وادي بنشير فعدنا للنوم مرة أخرى وبعد ساعتين أو ثلاث ساعات تفاجئنا بالإخوة وهم يوقظوننا من النوم صارخين علينا آمريننا بالإنسحاب فنهضنا ونحن في ارتباك وعدم أدراك لما يدور فاستوضحنا الأمر وعلمنا أنه حصل تسلل من قبل أفراد مسعود في المنطقة الواقعه بيننا وبين الإخوة في المقدمة عند جب السراج وحصل هجوم مباغت مما أدى إلى إسقاط المناطق الأمامية وانسحاب طالبان المفاجئ من منطقة شريكار التي نحن فيها فقمنا بجمع أغراضنا بقدر ما نستطيع من أغراض شخصية وعتاد عسكري ولقد فقد الكثير من الشباب الكثير من أغراضهم في الفوضى التي وقعت حينها , بعد أن اجتمعنا خارج مقرنا للإستماع إلى التوجيهات من قبل الأمير في عملية الإنسحاب أخبرنا الأمير أن مجموعة من الإخوة كانوا متوجهين قبل قليل بالسيارة إلى المركز الخلفي لإحضار تموين ووقعوا في كمين في الطريق الرئيسي وسط المدينة وأنه بحاجة إلى مجموعة من الشباب يقومون بالذهاب والبحث عن الإخوة ومعرفة ما حصل لهم ومحاولة إعادتهم حتى وإن كانوا قتلى , ثم نادى على مجموعة من الأسماء كنت أنا بينهم وعددنا ستة كان من بينهم أخي الحبيب النبراس اليمني ( إبراهيم الثور ) الذي نفذ العلمية على البارجة الأمريكية في اليمن ثم بعد اختيارنا أوصانا الأمير بالحيطة والحذر وإننا نحن من يتخذ القرار في أي أمر يواجهنا وإننا قدر المستطاع يجب أن نعلم ماذا حصل للإخوة .
بعد أن ودعنا الإخوة انسحبوا هم باتجاه كابل وهم متوجهين للطريق الرئيسي من خارج البيوت عن طريق البساتين , وتوجهنا نحن إلى داخل المدينة باتجاه الدوار الذي يقع وسط المدينة على الطريق الرئيسي , وكنا نتسلل من بين البيوت متجنبين الطرق المكشوفة بكل حذر متوقعين الوقوع في كمين في أي لحظة وفي نهاية تقدمنا كنا قد وصلنا إلى قبل الشارع الرئيسي بشارعين فتفاجئنا أن قوات مسعود كانت متقدمه جداً وأن المكان الذي حصل فيه الكمين للإخوة أصبح خلفهم فحاولنا الإلتفاف من عدة جهات ولم نستطع لإنتشار الجنود في كل مكان مما أعاق وصولنا لمكان الإخوة , عندها قرر أمير المجموعة الإنسحاب لأن تقدمنا لا يجدي نفعاً لأننا لن نصل إلى المكان المطلوب على أي حال فاضطررنا للإنسحاب ونحن محبطين وغاضبين لأننا لم نجد وسيلة نصل بها للإخوة والنظر في حالهم مع أنهم في أغلب الأحوال سيكونون قتلى أو أسرى .
وفي أثناء إنسحابنا سلكنا نفس الطريق الذي توجه إليه الإخوة الذين سبقونا في الإنسحاب وهناك انكشفنا وحصل تبادل إطلاق نار ولكننا استطعنا الهروب من الموقف بسرعة والحمد لله ثم واصلنا حتى وجدنا أحد الإخوة الباكستانيين كان في انتظارنا وفي انتظار أي تائه يمكن أن يمر في ذلك الطريق فأرشدنا إلى المكان الذي تمركز فيه الإخوة فتوجهنا إليهم مباشرة وعند وصولنا أخبرنا الأمير بما حصل معنا فحمد لله على عودتنا وأخبرنا أن الإخوة استطاعوا الهروب من الكمين بعد أن تعرضوا لبعض الأصابات وتم نقلهم إلى كابل والحمد لله .
الذي حصل في هذا الهجوم المفاجئ لم يكن شيئاً متوقعاً حيث أن مقاتلي تحالف الشمالي عندما سقطت المنطقة لم يفروا هاربين بل إنهم دخلوا في سراديب تحت الأرض ( تم حفرها أثناء الجهاد الأفغاني ضد الروس وكانوا يختبئون فيها نهاراً وفي الليل يرسلون من يحضر لهم الأكل أما الماء فكان متوفر لديهم داخل هذه السراديب التي تمر في داخلها غدران من المياه الصافية والعذبة وقد دخلت إلى داخل أحد السراديب فيما بعد فكانت مداخلها سرية وفي الداخل أحياناً تتسع لأكثر من عشرين شخصاً وأحياناً أقل حسب وسع السرداب ) وبعد ثلاثة أيام خرجوا من هذه السراديب بعد التنسيق فيما بينهم في عدة أماكن بأجهزة اللاسلكي فكان خروجهم فجأة بيننا وفي المقدمة أربك الخطوط الأمامية الذين ظنوا أن المؤخرة سقطت فاضطروا للإنسحاب وعندما رأوهم الذين في المدينة وهم يقاتلون أثناء انسحابهم ظنوا أن الخطوط الأمامية سقطت وساعد ذلك في خروج المقاتلين فجأة في وسط المدينة مما أربك الوضع وتسبب في الإنسحاب الكبير من مشارف وادي بنشير إلى الخط القديم في جبل صابر .
بعد وصولنا للإخوة كان أغلب الأفغان قد انسحبوا تماماً ولم يبقى سوى العرب والباكستانيين والأوزبك والتركستانيين فاجتمع قادة المجموعات على عجل مع أمير المجموعة الأفغانية وقرروا المقاومة وتثبيت خط في تلك المنطقة في محاولة لتقليل نسبة الخسارة في المناطق التي انسحبنا منها وبالفعل تم تشكيل المجموعات وتوزيعها ثم فجأة نشب القتال مرة أخرى وأصبحنا في حالة قتال شوارع بين البيوت وفي البساتين لأن قوات التحالف كانت متقدمة جداً وبدئوا في تطويقنا شيئاً فشيئاً وأثناء هذا القتال قتل أخونا الحبيب أبو فيصل التونسي رحمه الله وقام الإخوة بسحب جثته من منطقة القتال قدر المستطاع لكنهم اضطروا لتركها بسبب توسع رقعة القتال وأيضاً ضخامة جسم أخونا رحمه الله وقد قام الأفغان أهل المنطقة بدفنه فيما بعد , أخذ القتال يأخذ منحاً ليس في صالحنا بسبب قلة العدد عندنا وقلة العتاد فاضطررنا للإنسحاب مرة أخرى للخلف حيث وجدنا أن مقاتلي طالبان المنسحبين قاموا بتثبيت خط خلفنا بعدة كيلو مترات وبعد وصولنا لهم تمركزنا معهم على أمل التوقف نهائياً في هذه المنطقة وتثبيت الخط هنا ولكن للأسف الموقع لم يكن ملائم عسكرياً ومكشوف بحيث لا يوجد لدينا مناطق تأمين حماية وتمركز فكان الإنسحاب مرة أخرى , وعندما وصلنا إلى منطقة دوسرك كان هناك الشيخ الفاضل / جلال الدين حقاني وبعض مقاتليه حيث حاول إقناع المقاتلين بالتوقف في هذه المنطقة والتمركز فيها ولكن دون فائدة حيث أن نفسية المقاتلين الأفغان لم تكن في حالة جيدة بسبب هذا الإنسحاب فعادت جميع القوات مرة أخرى إلى الخط القديم الذي بدأنا منه العلمية .
أذكر في هذه العملية أنه بعد تقدمنا إلى شريكار لم يبقى أحد على جبل صابر كوننا تقدمنا عشرات الكيلومترات لكن الشيخ أسامة أمر بإعادة مجموعة تبقى على الجبل كونه ذو أهمية إستراتيجية فتم إرسال أخي الحبيب عمر سيف ومعه ستة من الشباب للبقاء على الجبل وحراسته وعندما حصل الإنسحاب حاولنا الإتصال بكابل ولم نستطع وكنا نتصل على عمر سيف في الجبل ليكون حلقت الوصل بيننا وبين كابل مما سهل علينا الكثير من الأمور.
بعد العودة والأستقرار لأيام كانت معنويات الشباب لا أقول هابطة لكنها لم تكن بالشكل المطلوب فمقتل أبو فيصل وعدم القدرة على سحب جثته والإنسحاب عموماً ضايق الشباب كثيراً , احتاج الأمر لأكثر من أسبوع حتى يستردوا معنوياتهم كاملة , وحقيقة يفتقد بعض الشباب بعض المفاهيم العسكرية المهمه وهي ذات عامل نفسي مهم لأن الحالة النفسية تقارب خمسين بالمائة من الحالة القتالية للشخص ومن هذه المفاهيم أن الحرب سجال وهذا ما حصل مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد وهو خير البرية , فالشباب غالباً عندما يدخلون المعارك يدخلوها وقد جائوا للنصر وهو أمر محسوم في بالهم وهذا التمسناه كثيراً ومثل هذا الشيء لا يمكن الجزم به فقد قال تعالى : ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)(التوبة: من الآية25) , ولذلك يجب أن يكون قلب المجاهد أثناء دخوله المعركة متعلقاً بالله راجياً النصر منه وليس متوقعاً النصر بسبب الكثرة أو التمكين حتى لا يخذله الله عندما يعتمد على نفسه وموجوداته المادية أكثر من اعتماده على الله .
مر شهر كامل بين الإنسحاب ومعاودة الهجوم مرة أخرى على نفس المنطقة وخلال هذا الشهر أذكر أنه تزوج أحد الإخوة فأقيم حفل زفافه في معسكر الفاروق في منطقة (لوقر) وقد حضر هذا الزواج الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله وكثير من قيادات الجماعات الإسلامية المسلحة والسبب في ذلك أن والد العروسة هو الشيخ أبو عبد الرحمن الكندي ( مصري ) وهو من القيادات الإسلامية المشهورة في أوساط المجاهدين فكان زفافاً رائعاً تخللته كلمة للشيخ وجلسات الأناشيد ورقصات شعبية كان يقوم بها الإخوة أهل اليمن فأدخلوا السرور بها إلى قلوب الحاضرين أدخل الله السرور على قولبهم في الدنيا والآخرة وقد تشرفت في هذا الزفاف بالسلام على الشيخ والحديث معه عندما قدمني إليه أحد الإخوة المقربين من الشيخ فكانت لحظات مبهرة بالنسبة لي فذلك الرجل الذي ملأ الدنيا بسمعته ويخافه الشرق والغرب ولم يعرفوا له مكاناً أراه أمامي بكامل بساطته وبهجته يشارك إخوانه وأبنائه أفراحهم بكل تواضع.
بعد انقضاء شهر على الانسحاب جاء اليوم موعد الهجوم مرة أخرى على نفس المكان السابق فتجمعت القوات وأعادت هجومها مرة أخرى فاندحر العدو بفضل الله بشكل سريع كما في المرة السابقة ولكن الإخوة في طالبان لم يخدعهم هذا الإنسحاب السريع فبدئوا يمشطون المناطق بشكل سريع وأكثر دقة فكان يتم تفجير كل السراديب التي يتم العثور عليها بعد التأكد من خلوها أو إلقاء القبض على من فيها واستطعنا بفض الله خلال أيام أن نصل إلى منطقة دوسرك حيث استقر الخط الجديد هناك وتم تثبيته , وأذكر هنا موقفاً أثر فيني وبقيت الإخوة كثيراً ففي أول ليلة بعد الهجوم كنا نجلس في إحدى المواقع مع مجموعة من الشباب وكان الليل بارداً وليس لدينا ما نتدثر به فأشعل الأخوة النار للتدفئة وتحلقوا حلوها فاقترح أحد هؤلاء الإخوة أن يحكي كل واحد من الحاضرين قصة هدايته وكيف استدل على طريق الجهاد فوافق البعض وتحرج البعض الأخر من ذلك وبدأ بعض الشباب واحداً تلو الأخر يقصون حكاياتهم , وكان ثالث شخص هو عمر العدني رحمه الله كان شاباً صغير السن في السادسة عشر من عمره نحيل الجسم قصير القامة لكنه عالي الهمة أسد من أسود الله ولا نزكي على الله أحد , فذكر عن قصته أنه من أسرة شيوعية أقحاح وهو الوحيد في أسرته الذي يصلي ويصوم ويعبد الله , يقول لا أعرف لماذا منذ صغري وأنا أصلي لكنني أحببت هذا الشيء كثيراً وكان أهلي وإخواني يضربونني كثيراً عندما أصلي أو أصوم في رمضان أو يومي الاثنين والخميس في كل أسبوع وكانوا أحيانا يجبرونني على الأكل وأنا صائم تحت الضرب أو إدخال أكل في فمي عنوة وعندما أبدأ في الصلاة يبدءون بضربي ويجبرونني على قطع الصلاة , ويقول والله ما زاد في هذا إلا إيماناً بالله وقناعة أنهم على ضلال مبين فلما ضاقت بي السبل ولم أجد وسيلة للعيش معهم قررت الهجرة للجهاد بعد أن كنت سمعت عن الجهاد في أفغانستان وقرأت عن واقع الأمة قبل ذلك في البوسنة والشيشان وغيرها , فأثر كلامه هذا على الإخوة وأبكاهم في تلك الليلة كيف أن الله أنبته منبتاً حسناً في أسرة خبيثة وذلك عندما أراد الله له الخير .
بعد أيام كنا استقر بنا في منطقة دوسك وجعلنا مركزنا على يمين الخط الرئيسي والإخوة الباكستانيين على يسار الخط حتى نستطيع تأمين حماية الطريق بينما الإخوة الأفغان امتدوا بعد ذلك يمنة ويسره , كان هذا البيت الذي تمركزنا فيه نعتبره مركزاً خلفياً للخنادق التي تبعد 150 متراً تقريباً في المقدمة بحيث يكون تجمع الإخوة في هذا المكان ومن يكون عليه الدور للحراسة يتوجه إلى الخنادق وقد قضيت في هذا البيت أياماً جميلة رائعة سعدت فيها بصحبة صفوة من الإخوة تميزوا بأخلاقه وروعة تعامله وصدقهم وبساطتهم مع الأخرين وأذكر منهم أخي الحبيب أبو أيمن اليمني ذلك البطل الذي جاء إلى أفغانستان عام 1987م وبقي فيها حتى فتح كابل وخروج الشيوعيين منها ثم رجع لليمن وعاد مرة أخرى لأفغانستان بعد مجيء طالبان وبقي فيها يشارك في العمليات حتى قتل هناك أثناء الإحتلال الأمريكي لأفغانستان , وأذكر أيضاً أخي الحبيب أبو تراب الباكستاني ذلك الرجل العجيب الذي أحب العرب حباً جماً ولم يكن يتكلم العربية فكنت أسأله بلغة أخرى عن سبب بقائه مع العرب وعدم رغبته بالبقاء مع الباكستانيين فكان يقول: إن هؤلاء العرب بعضهم من أحفاد الرسول وبعضهم من أحفاد صحابة الرسول , أريد أن يبارك الله بجهادي بصحبة هؤلاء ... الله أكبر ما أطيب قلبه وما أصفى نيته رجل من أسرة ثرية من باكستان ترك العز والنعيم وجاء ليتوسد الحصى وينام على الطين كان شجاعاً مقداماً وبطلاً مغواراً كان يقول لي لقد جربت الدنيا بملذاتها ولم أجد السعادة فيها وإني الآن لا أملك من الدنيا إلا ملابسي التي علي ولكن سعادتي قد ملأت قلبي وجوارحي وإني أسأل الله أن يتقبلني شهيداً بعد أن يغفر ذنوبي وسيئاتي , فرحمك الله يا أبا تراب أنت وأبو أيمن رجمه الله رحمة واسعه وأسكنكم فسيح جناته .
كان البيت في تلك الفترة خليطاً من الأجناس فالعرب من مختلف البقاع والباكستانيون والأوزبك والأوربييون والبنقلاديش ومن مختلف بقاع الأرض , كل هؤلاء لم يجمعهم المال ولم تجمعهم المصلحة الدنيوية وإنما جمعتهم غاية التوحيد ونصرة هذا الدين والبحث عن جنات النعيم , كانت حياة أخوية بحته يتجلى فيها الإيثار والرغبة في خدمة الآخرين والتسابق على الطاعات فما أن تطلب من أحدهم أن يعمل أمراً حتى يجبك مبادراً (لاايثار في الطاعات ) , نعم هذه أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهؤلاء هم أصحاب الهمم الذين ترفعوا عن عبث الدنيا ومتاعها يرجون ما في الآخرة وما في جناتها .
أثناء تواجدنا في الخطوط الأمامية وفي إحدى الليالي جاءني الشيخ عبد الهادي العراقي وسألني ماذا تلاحظ من تغييرات في الأيام الماضية ؟ ( وكان سؤاله ليستوضح مدى مراقبة الشباب واهتمامهم بالخنادق ) فأخبرته أنه منذ ثلاثة أيام قد توقف القصف ليلاً وتوقف الرمي تماماً , عندها قال لي أخبر الشباب الذين سيكونون في الخنادق اليوم أن يزيدوا من عتادهم فجماعة مسعود ينوون التقدم إما الليلة وإما غداً وهذا هو تكتيكهم المعتاد , فالليالي التي شملها الهدوء كان من أجل تقدم مجموعات الرصد لديهم , وبالفعل طلبت من الشباب الذين لديهم مختلف الأسلحة أن يكونوا على استعداد تام , وزدنا في تلك الليلة من حالة الإستعداد وعدد الإخوة في الخنادق الأمامية وبقينا في حالة ترقب على احتمال كبير أن يكون هناك هجوم , وفي الساعة الثانية عشر ليلاً فوجئنا بإطلاق نار كثيف من مجموعات الإقتحام التي هاجمتنا فبادرنا بالرد عليهم , ووالله لقد كانت المنطقة مضيئة من كثرة إطلاق الرصاص وقذائف الآربيجي , فما كان من أخونا الحبيب خالد الحبيب إلا أنه أمر جميع الإخوة بوقف إطلاق النار باستثناء اثنين من الإخوة أحدهما أبو تراب الباكستاني رحمه الله ومعه آربيجي وأخر يدعى ضيف الله القطري ( قتل في الشيشان فيما بعد ) ومعه البيكا , وكان القصد تكتيك عسكري لاستنزاف العدو في كامل عتاده بينما نحن نحافظ قدر المستطاع على العتاد لاستخدامه في هجوم عكسي على المجموعات المهاجمة وقد أبلى هؤلاء الأخوين رحمهما الله بلاءً حسناً لوحدهما وكان يساعدهم مركز الهاون بالقذائف بعد أن أعطيناه إحداثيات مواقع المهاجمين , وبعد أن هدأ الوضع قمنا بعملية هجوم عكسي في محاولة لإلقاء القبض أو قتل المهاجمين ولكننا لم نجد أحد حيث أنهم انسحبوا بعد الدفاع المستميت الذي قام به الإخوة , وقد وجدنا بعض الأسلحة وبعض الأعتدة مما يدل على مدى الخسارة التي منيت بها قوات مسعود .
بعد فترة من هذه العلمية جائني الشيخ عبد الهادي يخبرني أنني مطلوب في كابل وطلب مني أخذ كل أغراضي , ولما استوضحت الأمر أخبرني أنه لا يعلم شيئاً , فجمعت أغراضي وودعت الإخوة ثم غادرت متوجهاً إلى كابل , وبعد الوصول إلى المضافة توجهت لأمير المضافة وسألته عن الذي طلبني فأخبرني أنه أبو عبد الرحمن المصري الأمير العسكري العام ثم أخذني إليه وبعد السلام وتجاذب الحديث معه عن الجبهه سألته عن سبب استدعائي بكامل أغراضي فأخبرني إن علي المغادرة غداً على الطائرة متوجهاً إلى قندهار وسوف يخبرني مسئول المضافة هناك عن السبب فتوجهت في اليوم التالي بالطائرة إلى قندهار وكان في استقبالي أحد الإخوة في المطار الذي أخذني بالسيارة باتجاه خلف المطار وليس باتجاه البوابة التي توصل للمدينة , ظللت في حيرة من الأمر وعن الغموض الذي يلتف حول سبب مجيئي إلى قندهار فاستفسرت من الأخ هل نحن ذاهبون إلى مضافة بيت الرمان فقال لا ولكن ستذهب إلى مكان أخر وستعرف عندما تصل , بعد أن قطعنا مسافة صحراوية ليست بالطويلة وصلنا إلى منطقة بنايات متزاحمة متشابهة الشكل أشبه ما تكون بمجمع السكني , وعندما وصلنا هناك ترجلنا من السيارة وكانت المفاجأة أن المتواجدين في هذا المكان الذين رأيتهم لحظتها كانوا كلهم عرب وكان بجوار هذه المباني سور كبير يحيط على مساحة كبيرة جداً من المنازل المتشابهه تقريباً بالتي خارج هذا السور , سلم علينا الإخوة الذين التقينا بهم ثم أخذني الأخ الذي أحضرني بالسيارة إلى أحد هذه البيوت التي خارج السور وطلب مني الإستراحة هنا حتى يطلبني فوضعت أغراضي واستلقيت حتى جاء وقت الظهر وبعد صلاة الظهر جائني نفس الأخ وأخذني إلى غرفة كبيرة وقد رسم على أحد واجهاتها خارطة العالم الإسلامي وبدأ الشباب بالتوافد إلى هذه القاعة والجلوس فيها وفجأة دخل علينا الشيخ أسامة بن لادن وكان معه الشيخ أيمن الظواهري والشيخ أبو حفص الموريتاني وآخرين , فجلس معنا بعد أن سلم علينا ثم أخذ يتحدث عن واقع العالم الإسلامي وما تعانيه الأمة من مآسي ونكبات وبعد ساعة كان وقت الغداء وبعد أن تغدينا غادر الشيخ أسامة ولا أعلم إلى أين لكني فوجت أن جاء أخي الحبيب أبو حمزة القطري وسلم علي وكانت حقيقة مفاجأة سارة فأنا لم ألتقي به منذ سنوات ولم أكن أعلم بوجوده هنا فأخذني معه إلى داخل المجمع المحاط بالسور وأخبرني أننا سنجلس مع الشيخ أسامة , فأخبرته عن الذي حصل معي منذ مجيئي من كابل إلى قندهار وأنني لم أفهم سبب طلبي للمجيء فأخبرني أبو حمزة رحمه الله أنني وآخرين من الشباب تم اختيارنا لنكون جزئاً من الحراسة في هذا المجمع السكني وهو خاص بسكن عوائل المجاهدين وإن الأشخاص الذين تم اختيارهم تم انتقائهم بعناية بعد موافقة الشيخ على أسمائهم .
عندما وصلنا إلى الغرفة التي كان بها الشيخ تملكتني هيبه ورهبة شديدة وحالة توتر أفقدتني التركيز أثناء الحديث وبعد أن جلست معه أنا وأبو حمزة تجاذبنا الحديث في مواضيع مختلفة وأخبرني أنه يتمنى أن أجد الراحة في هذا المكان وإن لم يكن لي رغبة في هذا المكان فالأمر عائد إلي فأخبرته أنني مسرور هنا وأني لا مانع لدي أن أبقى في هذا المكان , ولا أخفي أن حالة الاندهاش والارتباك أثناء جلوسي مع الشيخ أفقدتني القدرة على التعبير أثناء حديثنا , وبعد نصف ساعة من جلستنا ودعني الشيخ راجياً من الله لي التوفيق .
وهنا أذكر أن تلك النصف الساعة كانت من أشد الأوقات إثارة في حياتي فلم أكن أتخيل أن أتمكن من الجلوس مع الرجل المطلوب الأول في العالم بهذه البساطة .
ولعلي أذكر هنا ما رأيته في الشيخ من صفات مع علمي أنني لن آتي بجديد في ذلك وأن أعدائه شهدوا له قبل أحبابه وأن ما أذكره عنه لا يعدوا أن يكون غيضاً من فيض ممن أسهبوا في مدحه والثناء عليه وذكر محاسن أخلاقه .
كان الشيخ طويل الصمت قليل الكلام , إن نطق قال حكمة وإن صمت ظل هيبة , فيه تواضع من غير تكلف , وفيه بساطة وكأنه ما عرف النعيم قط , ما تكلم بشيء إلا وقع في قلب المستمع له أحسن موقع , صاحب هدوء وكأنه الصمت المطبق , به حياء تعجب له , ما قاطع أحد في حديثه ولا استعجل في كلام قبل أن ينتهي محدثه , رقيق الجانب طيب المعشر , يعطي كل شخص حقه وقدره من الاحترام .
بعد جلستي هذه مع الشيخ ذهبت مع أبو حمزة القطري الذي عرفني بالمكان وحدد لي مكان إقامتي , ومع الأيام تعرفت على الإخوة هناك حيث عرفت بعضهم ممن كانوا معي في كابل , ومع الأيام ألفت المكان وأحببته حتى صار لي فيه ذكريات جميلة مع إخوة منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر .
وأود هنا أن أذكر بعض أسماء الإخوة الذين قتلوا فترة وجودي في أفغانستان أو بعد مغادرتها من اللذين تعرفت عليهم , منهم أخي الحبيب أبو خلود اليمني ( تشاركنا سوياً في معارك البوسنة وفي كابل ) , أبو محجن الطائفي ( تشاركنا سوياً في معارك البوسنة وفي كابل ) , أبو الزبير الظالعي وأبو عمار الظالعي ( كنا معاً في جبل صابر ومعارك كابل ) , أبو معاذ الجداوي ( اليميني ) , أبو عبد الرحمن الصنعاني ( سيمر الحدا ) , شداد الطائفي ( فلسطيني ) , أبو تراب الأردني ( في البوسنة وفي أذربيجان وفي كابل) , مثنى النيجيري ( تشاركنا في معارك كابل) , أبو بصير المصري كنا سوياً في طاجيكستان) , عبد الملك الليبي وهو من الإخوة الذين أحببتهم كثيراً لما يمتاز من حسن خلق و طيب معشر وهو شقيق أبو الليث الليبي , أبو عبد الرزاق الجداوي (كنا سوياً في البوسنة) أبو حازم الشرقي (كنا سوياً في البوسنة وفي كابل) , وغيرهم الكثير ممن خانتني الذكراة عن تذكر أسمائهم ولكن ذكراهم ستبقى خالدة محفورة منقوشة على صدري , ولكل واحد من هؤلاء قصته وبطولته لم يسجلها التاريخ ولكنها عند الله في ميزان لا يُبخسون فيه يوم القيامة , أسأله سبحانه أن يرحمهم ويجمعنا بهم في الفردوس الأعلى وسلامٌ على أرواحهم في الخالدين .
في هذه الفترة التي كنا فيها في قندهار كانت قد بدأت أحداث الشيشان الثانية وبدأ بعض الشباب يغادرون نصرة لإخوانهم هناك فكنت أنا أحد هؤلاء الشباب فقد أخذتني الرغبة والشوق لتحقيق رغبتي بدخول الشيشان والقتال هناك بصف أخي الحبيب خطاب رحمه الله , واستأذنت الشيخ أسامه وأخبرته برغبتي بالذهاب إلى الشيشان فلم يمانع في ذلك وأوصانا بتبليغ السلام إلى الإخوة هناك متى استطعت الوصول , استعنت بالله وغادرت أفغانستان بعد أن أجريت كامل استعداداتي للذهاب إلى الشيشان فتوجهت مع أحد الإخوة إلى باكستان ومن هناك غادرنا باتجاه أحد الدول القريبة من الشيشان في محاولة للدخول من هناك إلى الشيشان , وهناك التقينا ببعض الإخوة الذين خرجوا من الحدود الشيشانية وأخبرونا بأن الطرق مغلقة فبقينا هناك لفترة وتوالت علينا أشهر الانتظار فكان خروج الإخوة من الشيشان عندها أيقنا بعدم إمكانية الدخول إلى هناك وكان هذا من الأمور التي ضايقتني كثيراً أنني حاولت مرتين الدخول إلى هناك إلى الشيشان ولم أستطع ولكن كفاني بذلك أن أبرئ ذمتي أمام الله في أن بذلت جهدي ولكن لعل الله أراد في ذلك خيراً لي .

وللحديث بقية ...

طائفي نت
12-11-07, 10:57 PM
الف شكر يالغالي
وجزامك الله خير
سجل متابعة......

&أبوخالد&
13-11-07, 12:22 AM
جزاك الله خير
أرجوك لا تبطي علينا تراني
أنتظر الاجزاء بفارغ الصبر

المولوي
13-11-07, 12:51 AM
والله هذه هي النفوس الابيه الي تنفر في سبيل الله

الله يرزقنا يارب

لله دره من بطل
نسأل الله ان يرزقنا عمرا طويلا في الجهاد في سبيله ثم يختم لنا بالشهاده
بارك الله فيك اخوي العراب
واخونا ابو الشقراء الله يوفقك يارب ويلحقنا بك ويجمعنا بك في الدنيا وجنات الخلد
المولوي

الحميداوي
13-11-07, 07:22 AM
أحييك أخي طائف نت

سمار الليالي
13-11-07, 04:23 PM
الله يعطيك العافيه

الحميداوي
13-11-07, 04:48 PM
بارك الله فيك اخي المولوي

الحميداوي
14-11-07, 03:55 PM
كالعاده مرور طيب سمار الليل

الزهراني و القصيمي
14-11-07, 07:20 PM
(عبد السلام الحضرمي) أمير الجبهة في شمال كابل :
الشيخ (عبد الهادي العراقي) المسئول العسكري العام :
النبراس اليمني ( إبراهيم الثور ) الذي نفذ العلمية على البارجة الأمريكية في اليمن :
الشيخ أبو عبد الرحمن الكندي ( مصري ) وهو من القيادات الإسلامية المشهورة :

طالما تبعث هذه الاسماء السرور للنفس ..

وأود هنا أن أذكر بعض أسماء الإخوة الذين قتلوا فترة وجودي في أفغانستان أو بعد مغادرتها من اللذين تعرفت عليهم , منهم أخي الحبيب أبو خلود اليمني ( تشاركنا سوياً في معارك البوسنة وفي كابل ) , أبو محجن الطائفي ( تشاركنا سوياً في معارك البوسنة وفي كابل ) , أبو الزبير الظالعي وأبو عمار الظالعي ( كنا معاً في جبل صابر ومعارك كابل ) , أبو معاذ الجداوي ( اليميني ) , أبو عبد الرحمن الصنعاني ( سيمر الحدا ) , شداد الطائفي ( فلسطيني ) , أبو تراب الأردني ( في البوسنة وفي أذربيجان وفي كابل) , مثنى النيجيري ( تشاركنا في معارك كابل) , أبو بصير المصري كنا سوياً في طاجيكستان) , عبد الملك الليبي وهو من الإخوة الذين أحببتهم كثيراً لما يمتاز من حسن خلق و طيب معشر وهو شقيق أبو الليث الليبي , أبو عبد الرزاق الجداوي (كنا سوياً في البوسنة) أبو حازم الشرقي (كنا سوياً في البوسنة وفي كابل) , وغيرهم الكثير ممن خانتني الذكراة عن تذكر أسمائهم ولكن ذكراهم ستبقى خالدة محفورة منقوشة على صدري , ولكل واحد من هؤلاء قصته وبطولته لم يسجلها التاريخ ولكنها عند الله في ميزان لا يُبخسون فيه يوم القيامة , أسأله سبحانه أن يرحمهم ويجمعنا بهم في الفردوس الأعلى وسلامٌ على أرواحهم في الخالدين .


لله درهم نالوا الشهادة ولم تكن سهلة عليهم احبوا بعضهم باخلاص فاحبهم الله واختارهم عندهـ


أخي العراب لقد دخلت قلبي من أوسع أبوابه باركـ الله فيكـ

الحميداوي
14-11-07, 11:50 PM
أخي الزهراني والقصيمي يسعدني والله أيما سعاده تفاعلك مع الموضوع
وحياك الله

الزهراني و القصيمي
15-11-07, 01:45 AM
أخي الزهراني والقصيمي يسعدني والله أيما سعاده تفاعلك مع الموضوع
وحياك الله

ننتظر الجديد بتلهف وياليت ماتنتهي القصة ...

أم أديم
15-11-07, 02:15 PM
الله الله الله

اللهم ايقظ قلوب شبابنا والامه الاسلاميه

بارك الله فيك أخي العراب ورزقنا الله واياك الشهاده

قرأت القصه الاولى ولي عودة باذن الله

قطر الندى
15-11-07, 02:23 PM
بارك الله فيك أختي أم أديم على التثبيت
كنت أنوي أن أفعل ذلك من أول مشاركة قرأتها لكن .......:(

أخي العراب متابعين معك كتب الله لك الأجر.

أم أديم
15-11-07, 02:45 PM
بارك الله فيك أختي أم أديم على التثبيت
كنت أنوي أن أفعل ذلك من أول مشاركة قرأتها لكن .......:(

أخي العراب متابعين معك كتب الله لك الأجر.


وفيك بارك الله عيني

ومايصح الا الصحيح يالغلا

:)

الوافي3
15-11-07, 03:13 PM
أولئك قومٌ أرتضوا حياة السعادة الأبدية بدلاًُ من الحياة الفانيه
نسأل الله أن يسدد خطاهم
بارك الله فيك أخي العراب

الحميداوي
16-11-07, 11:38 PM
الزملاء الاعضاء والعضوات
الوافي ام اديم عصفورة الشجن الزهراني والقصيمي
حياكم الله
وسآتيكم بالجزء التاسع حال نزوله ان شاء الله

الاســ اسامه ــد
19-11-07, 02:41 PM
بارك الله فيك أخي العراب على هذا النقل الطيب

الحميداوي
22-11-07, 08:42 AM
الاســ اسامه ــد
حياك الله

الحميداوي
22-11-07, 08:47 AM
(( مذكراتي من كابل إلى بغداد )) الحلقة التاسعه
http://www.m5zn.com/uploads/6671eca7bf.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم



( الحلقة التاسعه )

بعد ثلاثة أشهر من الانتظار دون القدرة على الدخول إلى الشيشان وما واكبها من أحداث في تلك الفترة وانسحاب الشباب وخروج بعضهم , اضطررت أنا وبعض الإخوة الذين معي للعودة مرة أخرى إلى أفغانستان , وبعد العودة إلى أفغانستان استقر بي المقام في قندهار وبالتحديد في مجمع المطار , بقيت هناك لعدة أشهر ثم اضطررت لمغادرة أفغانستان لظروف خاصة ولكن للأسف كان ذلك الخروج هو آخر العهد بأفغانستان أرض الأبطال والبطولات , تلك الأرض التي قضيت فيها أياماً هي من أسعد أيام حياتي وعرفت فيها رجالاً كانوا أكثر الناس قرباً إلى قلبي , تجلت فيهم معاني الأخوة والمحبة في الله , رجالٌ صادقين في دينهم وجهادهم وصادقين في أخلاقهم , ما غادروا هذه الدنيا حتى تركوا بصمات محبتهم في قلوبنا وما غادروا هذه الدنيا حتى أثبتوا لدّنا أن أمتنا أمة ولود أنجبت رجالً كخالد ومصعب وحمزة والزبير .
آه ثم آه .... يا أفغانستان الحبيبة .. كم سقيت أرضك بدماء الشهداء المهاجرين فأنبتت رجالاً بعدهم ينصرون دينهم ويأخذون بثأرهم ويعيدون أمجاد إمارتهم .


فعليكي مني سلام يا أرض أفغاني

.......................................


بعد بداية الهجمة الصليبية الأمريكية على العراق وتتالي الأحداث ثم سقوط بغداد واندحار حكومة البعث واندثار شعاراتها المزيفة وفرارهم كالفرار المرعوبة لا تلوي على شيء , بادر المجاهدين الموحدين برفع راية الجهاد وليس المقاومة الوطنية التي لا تغني شيئاً أمام هجمة عقائدية بحتة , بدأ الإخوة في تلك الفترة بتشكيل المجاميع المسلحة في بعض المناطق لمقاومة الاحتلال الأمريكي , وكان الشيخ أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله هو ومجموعة قليلة أول المهاجرين اللذين جاؤوا من أفغانستان بعد الاحتلال وقام بتشكيل جماعة موحدة ذات مقصد جهادي شرعي من أجل قتال الأمريكان , وفي تلك الفترة لم أستطع المجيء لظروف قاهره والله المستعان .
وقبل معركة الفلوجة الثانية بستة أشهر يسر الله لي الدخول إلى العراق وكان معي أثناء الدخول عدد من الإخوة يقارب العشرة أذكر منهم : أبو محمد اللبناني رحمه الله ( كان أحد الأمراء العسكريين في الفلوجة وقتل في معركة أبو غريب مع الشيخ أبو أنس الشامي رحمه الله ) , وأبو جعفر المقدسي رحمه الله ( كان الحارس الشخصي للشيخ أبو مصعب وقتل معه أيضاً ) , أبو عبد الرحمن الشامي رحمه الله ( وكان يلقب بالمدرعة وقتل في أحد الإنزالات التي قامت بها القوات الخاصة الأمريكية وبعد معركة شرسة ) , والآخرين انقطعت أخبارهم بعد معركة الفلوجة الثانية فلا أعلم هل قتلوا أم مازالوا على قيد الحياة , رحم الله حيهم وميتهم .
وبعد الدخول أخذنا الإخوة إلى الفلوجة وكان في استقبالنا هناك الشيخ أبو أنس الشامي رحمه الله الذي سلم علينا وشد من عزيمتنا وهمتنا وأوصانا بالصبر والاحتساب , ثم أمر بإرسالنا إلى حي الشهداء بالتحديد , وكان الوضع هناك سيئ للغاية بسبب كثرة القصف على المنازل مما جعل الإخوة في كثير من الأحيان ينامون في الطرقات وبين المنازل , وقلة هم اللذين كانوا ينامون في البيوت .
كان أهل الفلوجة يحبون العرب المهاجرين اللذين جاءوا لنصرتهم في وقت خذلهم فيه كل الناس حتى العراقيين إلا القلة القليلة من أصحاب الضمائر الحية , فما كنا نجلس في مكان حتى نرى أنواع الأطعمة والمشروبات تخرج من البيوت وتقدم للإخوة المهاجرين محبةً ووداً لهم وتعبيراً عن امتنانهم لهم لما يضحونه من حياتهم لأجل أهلهم في الفلوجة فكانوا في غاية الكرم والطيبة , وشهادة حق أنني لم أرى أحداً مثل أهل الفلوجة في العراق كله وذلك من خلال ما رأيته في تجوالي في مناطق مختلفة .
في تلك الفترة وأثناء وجودي في الفلوجة اتفق الشيخ أبو مصعب مع أمير سامراء الذي لم يكن تحت إمرة جماعة التوحيد والجهاد وقتها , على أن يرسل الشيخ مجموعة من المقاتلين العرب إلى سامراء من أجل العمل هناك وترتيب العمل العسكري في سامراء , فتم اختيار خمسة وعشرون من المقاتلين العرب كنت أنا من ضمنهم , وتم إرسالنا إلى سامراء حيث أخذ الطريق من الوقت ثلاث ساعات تقريباً , وبعد الوصول إلى سامراء استقرينا في منزل كبير أعده الإخوة هناك ليكون مقراً إقامتنا وكان قريباً من معمل الأدوية , كان الإخوة كثيري الحذر ودائماً ما ينبهوننا بأخذ الحيطة والحذر من كل حركة شخص مشبوهة حولنا وذلك لكثرة الجواسيس والعملاء للأمريكان والتي لم أرى في حياتي أرضاً يكثر فيها العملاء والجواسيس للاحتلال كما هو الحال في العراق وهذه والله وصمة عار , ولست أتكلم عن الرافضه أو الأكراد وإنما للأسف عن مناطق السنة .
كان أميرنا أحد الإخوة من الشام ( فك الله أسره ) وقد تحدث هذا الأخ مع أمير سامراء حول برنامج العمل العسكري والترتيب لبدايته ولكن فوجئنا أن أمير سامراء أخبرنا أنه حصل بينه وبين شيوخ العشائر هناك اتفاق على وقف العمل العسكري مقابل عدم دخول القوات الأمريكية إلى داخل المدينة والتجول فيها , وذلك بناء على الاتفاق الذي تم بين شيوخ العشائر والقوات الأمريكية , وقد غضب الإخوة من هذا التصرف لأننا جئنا من أجل العمل حسب الاتفاق مع الشيخ ثم نفاجأ بهذا الاتفاق مع الأمريكان والذين هم قاموا بخرق هذه الاتفاقية عدة مرات فيما بعد .
بعد هذه الاتفاقية اسقط في أيدينا ولم نعد ندري ما نقوم به , فكنا لا نخرج من البيت لأسباب أمنية , وفي بعض الليالي نقوم بجلسات إنشادية في المنزل يتحفنا فيها الإخوة من بلاد الحرمين والشعب بأصواتهم العذبة مما يخفف على الإخوة وطأة طول البقاء في البيت بدون عمل , وتوالت الأيام علينا دون عمل سوى الجلوس والذي شعر الشباب فيه بالكثير من الملل وفي أحد الأيام جاءني أمير المجموعة وأخبرني أنه جاءته رسالة من أمير المهاجرين المتواجد وقتها في الفلوجة يطلب منه أن يخبرني أن علي التوجه إلى بغداد وانه سيقوم اثنين من الإخوة بنقلي إلى بغداد غداً , بعدها أخذ الأخ صورة لي وقام بعمل بطاقة شخصية عراقية أو ما يعرف بـ (الجنسية) لي حتى أتمكن من استخدامها في حالات الظروف الطارئة أثناء التنقل , ثم أخذ يعلمني طريقة التحدث باللهجة العراقية الخاصة بالعشيرة التي استخدمت اسمها في البطاقة وذلك حتى أتمكن من إجادة دور المواطن العراقي لتلافي أي مواقف أمنية تواجهني , وأيضاً أخبرني بمعلومات كافية حول هذه العشيرة أو القبيلة من حيث موقعها ومواطن انتشارها والأفخاذ المتفرعة منها واسم شيخ العشيرة وشيوخ الأفخاذ التابعين لها والشخصيات المشهورة التي تنتمي لهذه العشيرة إبان النظام السابق أو في الحكومة الحالية في بغداد , ظللت طوال تلك الليلة وأنا أكرر هذه المعلومات مع نفسي في محاولة لحفظها وأيضاً كنت أرغم نفسي على التحدث مع الإخوة باللهجة العراقية الخاصة بتلك العشيرة لأدرب نفسي عليها مما جعلني عرضة للضحك من قبل الإخوة أكثر من مرة ولكني في نهاية المطاف أتقنتها بشكل مقبول .
في اليوم الثاني جاء اثنين من الإخوة وأخذوني بالسيارة وتوجهنا إلى بغداد وقبل الدخول إلى بغداد اضطررنا لسلوك طريق ترابي لتجنب بعض نقاط التفتيش الأمريكية , ومع أننا نحمل هويات عراقية إلا أننا أردنا أن نكون أكثر احتياطاً وذلك من باب بذل السبب بعد الاعتماد على الله سبحانه وتعالى , وبعد دخولنا إلى بغداد توجهنا إلى حي العامرية حيث ذهبنا إلى أحد الإخوة ثم بقيت أنا عنده بعد أن غادر الإخوة الاثنين اللذين أوصلوني إلى بغداد وأخبروني أن هذا الأخ سيتولى باقي الموضوع , بعد بقائي في المنزل مع هذا الأخ وعائلته أخبرني أنه سيرتب لقائي مع الأخ الذي سيقوم بأخذي إلى مكان آخر , وبالفعل جاء أحد الإخوة في المساء وأخبرني أنه بعد يومين سيقوم بنقلي إلى مكان آخر ثم دار حديثنا حول الوضع في بغداد وأماكن تواجد القوات الأمريكية وعن طبيعة عمل الإخوة وعن حاجتهم للخبرات العسكرية لتدريب الشباب .
بعد يومين من بقائي ف بالمنزل انتقلت إلى منزل آخر التقيت فيه ببعض الإخوة المقاتلين اللذين كانوا يقومون ببعض الأعمال العسكرية والإدارية وقد وجدتهم شباباً قد امتلأ حماساً وعزماً وتصميماً على قتال هذا الاحتلال الصليبي مع أنهم لا يملكون من الخبرات والإمكانيات إلا الشيء القليل ولكن روح الجهاد ملأت قلوبهم فهانت دون ذلك الصعاب .
بدأت في هذه المرحلة ممارسة عملي الذي أوكل إلي فأصبحت كثير التنقل والحركة لأسباب أمنية وأيضاً لأن طبيعة عملي كانت تستلزم مني ذلك , وأصبحت متنقلاً ما بين العامرية وحي الخضراء وشارع حيفا ومناطق أخرى وأحياناً أخرى أضطر للذهاب إلى جزيرة الرمادي و الفلوجة , وقد وقعت في هذه الفترة في كثير من نقاط التفتيش التي ينصبها الأمريكان فجأة في أماكن غير ثابتة ولكن بحفظ الله وتوفيقه كنا نخرج منها بسلام .
في هذه الفترة يسر الله لي أن ألتقي بالشيخ أبو مصعب الزرقاوي وكنت قبل ذلك التقيت به في أفغانستان ولكنه كان لقاءً تعارفياً بسيطاً , فوجدته أثناء لقائنا هذا قد تغير كثيراً فمسؤولياته قد زادت من حمله لهموم الأمة وأكثر إصراراً على الذود عن حماها بعد الذي رآه في العراق , ولستم بحاجة بأن أصف لكم كيف كان خلقه ودينه وجهاده فقد شاهد الجميع ذلك الرجل الهمام وما قدمه للأمة في مسيرته البطولية حتى استشهاده , وقد أجاد الإخوة ممن كانوا قربه الكثير في وصف شخصيته فرحم الله شيخ المجاهدين وأمير الذباحين .
كنت قضيت عدة أشهر متنقلاً ما بين بغداد ومناطق أخرى حسب ما تقتضيه الحاجة وبعد فترة بدأت الأوضاع تزداد توتراً حول الفلوجة وتتوجه تصاعداً نحو التأزم وذلك من خلال تحشد القوات الأمريكية حول الفلوجة وتشنج الخطاب السياسي حول الوضع فيها والمطالبات الخسيسة من أطراف عدة باقتحام المدينة من قبل الأمريكان , فراسلت الأمير المسئول عني مطالباً السماح لي بالذهاب للفلوجة عندما علمت أن الكثير من المقاتلين العرب اتجهوا إلى الفلوجة , وبعد إصرار ومراسلة مع الأمير جاء الأمر بالموافقة بعد أن وكلت أحد الإخوة العراقيين للقيام بالأمور التي كنت أعملها .
وبعد أيام من ترتيب الأمور توجهت ومعي أربعة من الإخوة العراقيين إلى الفلوجة وهناك بعد وصولنا توجهنا إلى حي الشهداء , وقد فوجئت بالتغير الحاصل للحي حيث انسحبت كل العوائل في تلك الفترة ولم يبقى في الحي سوى المجاهدين الذين كانوا يستخدمون البيوت الفارغة مقراً لهم بعد أن جاء الإذن باستخدام البيوت الفارغة من السكان وكان أمير حي الشهداء أحد الإخوة لا يحضرني اسمه ولا اعرف إن كان قتل أو مازال حياً , وكان الوضع أسوأ من المرات السابقة التي دخلت فيها الفلوجة حيث اشتد القصف على الإخوة وهناك سقوط شهداء يومي فكان الوضع جد مربك ولكن همم الشباب كانت عالية ولله الحمد , حيث كان الإخوة على علم بتجمع القوات الأمريكية خارج المدينة استعداداً للهجوم عليها فقام الإخوة بالاستعداد لذلك وتم حفر الخنادق وتكديس الأسلحة وبناء السواتر الترابية حول المدينة لمنع القناصين من قنص الإخوة ومراقبة المجاهدين من بعيد , وكان عدد المجاهدين العرب لا يزيد عن خمسمائة مقاتل عربي فقط حسب الإحصائية التي قام بها أخونا عبد الهادي (أبو الغادية السوري) رحمه الله – الذي قتل بعد المعركة في القائم حيث أرسله الشيخ أبو مصعب لاستقبال الشيخ عبد الله الرشود رحمه الله فقتلا معاً في البيت الذي كانوا فيه بعد اشتباك مع القوات الأمريكية – حيث أمره الشيخ أبو مصعب بعمل إحصاء لعدد المجاهدين العرب فكانت نتيجة الإحصاء لا تزيد عن خمسمائة مقاتل عربي .
كان أمير الفلوجة العام هو الشيخ أبو عزام رحمه الله ( الذي قتل بعد المعركة في بغداد في مداهمة لأحد البيوت من قبل الأمريكان) وقد التقيت به وسلمت عليه ودار بيننا نقاش حول الوضع في المنطقة التي أنا فيها فكان رحمه الله غالباً ما تتجه نصائحه حول الحفاظ على سلامة الإخوة قد المستطاع , والتقيت لأول مرة بالرجل الشجاع و وزير الحرب الآن الشيخ أبو أيوب المصري ( الذي كان يلقب حينها بأبو إبراهيم المصري) وكان أميراً عسكرياً للفلوجة هادئ الطبع لين الجانب فيه حكمة بالرأي وكان قليل الكلام ولكنه واضح وصريح في رأيه .
في تلك الفترة عقد الشيخ أبو مصعب اجتماعاً مع القادة العسكريين للفلوجة وطرح عليهم فكرة الانسحاب لأن أعداداً كبيره جداً من القوات الأمريكية تجمعت حول المدينة فأبدى الإخوة العسكريين رأيهم وأصروا على البقاء كونهم ميدانيين ويقيمون الوضع بطريقة عسكرية , فلما كان هذا خيارهم وافقهم الشيخ على ما أرادوا .
وفي منتصف رمضان عام 2004 بدأت شرارات المعركة وبوادرها حيث شهدنا قصفاً مدفعياً ومن الطائرات القاصفة والمقاتلة بشكل مكثف ومتواصل على مدار الساعة حتى أصبح كالمطر المنهمر , واحتمى الإخوة في الخنادق المجهزة لمثل هذه الظروف راجين الله سبحانه وتعالى أن يكف بأس هؤلاء المجرمين منتظرين دخول القوات البرية حتى يواجهوهم وجهاً لوجه , اشتد القصف يوماً بعد يوم ثم بعدها سمعنا أن القوات الأمريكية قد سيطرت على مستشفى الفلوجة العام واعتقلت جميع من فيه من الأطباء والممرضين وأنهم توقفوا عند جسر الفلوجة الرئيسي وبدأت المناوشات بينهم وبين الإخوة , وقد ركز الأمريكان في قصفهم على الشارع الرئيسي الذي يربط بين الجسر الرئيسي وساحة الاحتفالات إلى نهايته , حيث أن ذلك الشارع يقسم الفلوجة إلى قسمين وبالفعل تمكن الأمريكان من دخوله بدباباتهم ومدرعاتهم وكانوا يدخلون وينسحبون بسرعة في ذلك الشارع حتى قاموا بتثبيت نقاط للقناصة ومدفعية لمنع أي أحد من عبور الشارع .
كانت خطة الأمريكان هي التركيز على الشوارع الرئيسية لقطع خطوط الإمداد على المجاهدين وقد تمت خطتهم بنجاح لما يملكونه من إمكانيات تساعد على ذلك , فلقد قطعت خطوط الإمداد على الإخوة وأصبح التنقل بين المناطق غير ممكن وخاصة الأحياء التي تفصل بينهم شوارع رئيسية .
في تلك الأثناء انتقلت أنا ومن معي من الإخوة إلى منتصف الفلوجة ولا أذكر اسم الحي للأسف , وذلك لأن مركز القيادة كان هناك وكان يوجد هناك الشيخ أبو أيوب وأبو عزام رحمه الله وأبو الغادية رحمه الله والشيخ عمر حديد رحمه الله وأبو ناصر الليبي رحمه الله وأبو طلحة الشامي رحمه الله وكثير من الإخوة من قادة الفلوجة حيث كانوا يعقدون اجتماعاتهم في أحد البيوت هناك ويتم توزيع العمليات وإرسال إمدادات للمناطق من هناك , كنت أشاهد الشيخ أبو عزام يقف بين جموع الإخوة ويبشرهم بالنصر ويصبرهم ويدعو لهم بالثبات ويذكرهم بأن النصر صبر ساعة , كنا نتناوب في حراسة الحي لكل اثنين من الإخوة ساعة من الحراسة حتى الإخوة القادة أنفسهم كانوا يقومون بالحراسة ليلاً أو نهاراً , ومن المشاكل التي واجهناها هي الشحة والقلة في الأكل والماء حيث بدأنا نبحث في البيوت عن الطحين لصنع الخبز وعن الرز لكي نصنع طعاماً للإخوة , حيث كان الإخوة صائمين فأصدر الإخوة القادة أمراً بالإفطار للجميع وقام الأخ أبو الغادية بصنع الخبز للإخوة حيث صنع كمية كبيرة من الخبز وقام بتوزيعها ( فرحمك الله يا أبو الغادية ) .
كنا نستقبل عدداً كبيراً من القتلى والجرحى في ذلك الحي حيث قام الإخوة بتفريغ بيت وجعلوه للجرحى حيث كان يقوم على تطبيبهم الأخ أبو الغادية كونه كان طبيباً ولم يكن يوجد أحد غيره من الإخوة فتولى معالجة الجرحى وأما القتلى فكنا نحفر لهم وندفنهم في الحدائق التي في المنازل أو في الخنادق الغير مستخدمة من قبل الإخوة , وبعض الإخوة وهم قليل كان يصعب الوصول إلى جثثهم بسبب طبيعة المعركة وهذا الأمر كان سبباً في عدم القدرة على إحصاء دقيق لعدد القتلى من طرف المجاهدين العرب .
وفي أحد الأيام تقدمت الدبابات على الشارع العام قرب الحي الذي كنا نتمركز فيه فهب الإخوة لردهم وردعهم وانهالت على الدبابات شتى أنواع القذائف والصواريخ مما اضطر الدبابات للانسحاب مرة أخرى , وبعدها وصلنا أخبار أن هناك مجموعة من الإخوة محاصرين في السوق فأمر الأمير بإرسال مجموعة لفك حصارهم كنت أنا من بينهم وعددنا حوالي خمسة عشر مقاتل وكان أمير مجموعتنا أبو ناصر الليبي رحمه الله حيث قمنا بعبور الشارع باتجاه السوق وتوقفنا عند العيادة الشعبية ومجمع الأطباء لتفحص المكان للتأكد من خلوه من القناصين واقتربنا من السوق فوجدناه محاط بالمدرعات والآليات فاضطررنا لتبادل إطلاق النار معهم في محاولة لطردهم وفك الحصار عن الإخوة ولكن دون جدوى , ثم هممنا بالانسحاب بعد أن لم نصل إلى نتيجة ومحاولة الأمريكان الالتفاف علينا ومحاصرتنا ولكن بعد أن رجعنا لعبور الشارع العام كانت الدبابات التي اشتبكنا معها في الطريق العام قد رجعت إلى الطريق مرة أخرى فلم نتمكن من الرجوع وتمركزنا في مجمع الأطباء وهي عمارة كبيرة مرتفعة تحتوي على عدد كبير من العيادات فتمركزنا فيها وقمنا بمراقبة الوضع في محاولة لإيجاد مخرج لنا , وكان معنا أثناء تمركزنا في البناية أحد الإخوة من بلاد الشام أصيب أثناء انسحابنا فقمنا بتضميد جراحه من الأدوات الطبية التي وجدناها في البناية .
بعد عدة ساعات رأينا الدبابات تنسحب من جديد ولم نعلم أنهم قد تمركزوا في البنايات العالية حيث قرر الأخ أبو ناصر الليبي أن ينقل الأخ الجريح إلى الجهة المقابلة بعد أن ظننا أن الشارع فارغ وآمن , فقمنا بوضع الجرحى في سيارة قادها أبو ناصر الليبي وبجانبه أبو حفص الليبي وتم وضع الجريح في المقعد الخلفي ثم انطلقوا بالسيارة لعبور الشارع وعند عبورهم في منتصف الشارع انهالت عليهم طلقات الرصاص من القوات الأمريكية وجاءتهم قذيفة اخترقت الباب الجانبي الأمامي من جهة أبو حفص الليبي وخرجت من باب السائق دون أن تنفجر حيث قذفت أبو ناصر الليبي والأخ أبو حفص خارج السيارة وبقي في السيارة الأخ المصاب وظلت السيارة تسير على سرعتها حتى توقفت بعد عبور الشارع فهرع أحد الإخوة من الطرف المقابل لإنقاذ الأخ الجريح الذي في السيارة وأخرجوه منها ثم بدأت السيارة بالاشتعال وانفجار العتاد الذي كان فيها .
بعد سقوط الإخوة أبو ناصر وأبو حفص في الشارع لم نستطع التقدم لسحبهم وإنقاذهم فبدأنا نصيح عليهم بمكبرات الصوت إن كانوا لا يزالون أحياء بأن يتحركوا لكي نسحبهم فتحركوا فعلمنا أنهم مازالوا أحياء فانطلق أحد الإخوة من الجهة المقابلة زحفاً حتى وصل إلى الأخ أبو حفص وحمله وكانت قدماه الإثنتان مقطوعتان من الفخذ لأن القذيفة اخترقت الباب وضربت قدميه فقطعتهما , أما أبو ناصر فلم يتمكنوا من سحبه بسبب القناص الذي بدأ بإطلاق النار فاضطر الإخوة لتركه فبقي في مكانه ولفظ أنفاسه الأخيرة رحمه الله هناك وفاضت روحه إلى بارئها فرحمك الله يا أبو ناصر وأسكنك فسيح جناته .
بعد ذلك اضطررنا للبقاء في مكاننا في مجمع الأطباء لليوم الثاني وبتنا تلك الليلة في البناية نتناوب على الحراسة حيث كان عددنا حوالي اثنا عشر من الإخوة حيث أمرنا علينا الأخ أبو طلحة الشامي رحمه الله الذي كان مقطوع اليد اليسرى من المرفق واليد الأخرى مبتور منها ثلاثة أصابع اثر إصابة قديمة فكان يقاتل بقناصته بإصبعين ونصف يد ويشارك إخوته في الاشتباكات ضد القوات الأمريكية وكان ذو خبرة عسكرية عالية , وبتنا تلك الليلة على أزيز الطائرات والقاصفات وتحت بطش صواريخها التي تسكبها كالحمم على المدينة وفي الصباح خرجنا لاستكشاف المنطقة فلم نرى أحداً من الأمريكان حيث أنهم قد تمركزوا في البنايات العالية لصد التحركات على الشارع وقاموا بسحب الدبابات والمدرعات .

وللحديث بقية ...

طائفي نت
22-11-07, 04:11 PM
الف شكر أخي العراب

الزهراني و القصيمي
23-11-07, 07:01 AM
لي عودة

وخاصة ابو عزام

اصيل 12
28-11-07, 09:48 PM
بارك الله فيك
في انتظار البقية

الحميداوي
28-11-07, 11:18 PM
االأخوان الكرام طائفي نت الزهراني والقصيمي أصيل 12
سأوافيكم أن شاء الله بالحلقه القادمه حال نزولها