المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يوم غير عادي في " جدة غير "


الشاعر الرجيم
23-10-07, 08:50 PM
كنت قد ألمحت من قبل مراراً إلى أن هذا الحزن -حين انسلّ محمولاً على ريح الصحاري -قد تناهى لحنايانا العميقة مبتهجاًَ برمادي , أرقص في عرس خطاياك , كنت أحدق في تجاويف الوجوه التي أحرقها الزمن في أعماقي تتفجر حالات وحشية من القهر . خيوط الشمس الشقراء تتسلل عبر النافذة - لا أدري كم من الساعات قضيتها في الحلم - في الحلم فقط ..
أشعل سيجارة - برغم كرهي الشديد للتدخين - وأردد أبيات بندر بن سرور :

الله مـن هـم علـي مستـمـري ** لولا أزرق الدخان يطفـي لهيبـه
سلط على الدخان لو هو مضـري** له حزة عنـد احتكـام المصيبـه
وانا الذي ما ابدي على الناس سري**من خوف سودان الوجيه تحكي به


كان باب الغرفة مفتوحاً - وأبصرت درباً طويلاً يفضي إلى نقطة ضوء بعيدة ( كنت أنظر برهة إلى تلك النقطة البعيدة من الضوء , ثم أعيد النظر إلى هذا الدخان الذي يتراقص زهواً على رأس السيجارة الملتهب تبدأ عيوني في التنقل , خيوط الشمس الذهبية , تتكسر على سطح زجاج النافذة , تستقر عيوني على تلك الصورة المعلقة في الجدار - لا أدري كم من الوقت صرت أحدق فيها - ( هذا هو المطلوب ) .. أنت مثلي تماماً .. كلانا كوته مقاييس الزمن الرديء .. ( تذكر معي ) حين نخرج من المقهى معاً .. نصيخ السمع إلى أنغام خافتة تأتي من بعيد , ليس بيننا وبين البحر في مدينة جدة سوى هذا التكوم الصاخب من الأحجار .. والموسيقى , وبقايا أمتعة البرجوازيين التي استغنوا عنها .. كنا نشمئز من ذلك المنظر .. ( تذكر .. .. ) عندما صرخت أوردتي من الداخل.. " لتكن لي أو يتغير هذا العالم " ..
- وهل أستطيع أن أغير العالم الرمادي ؟
- ليس مهماً .. ( المهم أن أفعل شيئاً كبيراً .. ألا أدع هذا العالم يغيرني )
استللت جسدي من السرير المدقع في الخمول ( كرهت هذا الجماد المرتبط اسمه بالنوم والخطيئة ) .. ليس لدي اليوم رغبة في مشاهدة تلك الوجوه الرمادية ..
أفتح النافذة - أنظر إلى تلك الزرقة الغامضة التي يتباهى بها هذا البحر المتغطرس .. ليس بيني وبين هذا البحر سوى الشارع الذي يفصل بين العمارة والبحر .. ( غريب أمر هذا الشارع الرمادي , هل هي صدفة أن يفصل بين زرقة البحر وبين اصفرار وجهي )

أصافح الهواء الذي يستقبلني بضحكة الصبح العذب .. ( لايلبث حتى يستحيل إلى عذاب يسلخ وجهي ) ..
أحاول أن أفعل شيئاً .. أرضى عنه ( على الأقل يغير هذه النظرة السوداوية للدنيا ) .. أفتح التلفاز فتتحرك يدي مباشرة على ( الريموت) أقلب القنوات الفضائية ( .. الجزيرة .. إم بي سي .. العربية .. الحرة .. روسيا اليوم .. ) قذفت بالريموت بعيداً .. كنت أختنق غيظاً .. ( كلكم شيء واحد .. لا تفرق بينكم غير المسافات .. وأسماء وهمية .. )
( سبحان الله ) .. كيف يتراءى لي في هذا اليوم أن الأرض مستطيلة .. أبداً أبداً .. لست مفجوعاً إلى الحد الذي قدرت .. ولست ساذجاً إلى الحد الذي فكرت .. إلا أن ما يدهشني أن هذا اليوم قد بدأ من النهاية وقد بدأ منذ الليل وانتهى بالصبح
- إذن ما زالت الأرض مكورة ..
- ومن قال غير ذلك .. ولكن .. ألا ترى بأنها ممتدة إلى ما لانهاية كل شيء في هذا الكون يختلط فيصير رمادياً .. الحلم .. البحر .. الأسواق .. الأرض .. شوارع جدة .. الغيم .. وكل شيء ..
لا تغريك يا صاحبي تلك الألوان القزحية الفضفاضة ففي النهاية تصبح رمادية ..
( انظر إلى تلك الوجوه الرحبة كيف تغمض جفونها - كما يغمض القط الوديع جفونه - وتصغي إلى جمر أحزان هذا الزمن - جذى الدمار وهي تتوقد )
ولتكن الأرض مدورة .. ماذا يعني ؟
هل تعتقد أنني لو بدأت من هنا ومشيت (مستقيماً) .. هل سأعود إلى النقطة نفسها ؟
لا أدري تماماً .. كيف يبدو لي هذا اليوم يوماً شاقاً برغم أني أتمتع بإجازة مفتوحة طوال العام .. لكن لا أعرف تماماً لماذا بالذات هذا اليوم يبدو قاتماً رمادياً , لقد مل هذا الرصيف الأملس الرمادي من أن يلتقط أقدامي المتعبة .. وأخذ يلهث على رجع خطاي .. بوده لو يلفظني عن سطحه المهتريء .. لقد أكثرت الذهاب والمجيء على هذا الرصيف .. كانت خطواتي عليه تقرع جدران ذاكرتي .. تجوب في أقبيتي الملغومة ..
أتذكر .. نعم أتذكرك عندما كنت معي في تلك الأيام الخوالي .. هنا كنا نزرع الورد بخطواتنا على هذا الرصيف .. في إجازة الصيف فقط كانت الأجساد تلتحم بعضها ببعض من كثرة الزحام .. أرجع في المساء مكسوراً .. أحمل معي وجع هذه الأرض .. ليس لدي القدرة حتى على فتح الباب ( كم كنت ساذجاً عندما فكرت للحظة أنني أستطيع أن أشتم أمريكا في العلن ) .. التف حول نفسي .. فتفتح أبواب الشقة صدرها لتحتضنني .. تلك الزوايا الفارغات في الغرفة أيضاً تحتضنني .. صار يغريني السرير الجاثم في منتصف الغرفة .. لم أحتمل أن أنزع ثيابي الرمادية .. رفعت القناع إلى حدود صدري وصرت أنظر في الصورة المعلقة أمامي .. ( مهرجان حافل بالوجع والوجوه الرمادية هذا اليوم ) لقد امتلأت برائحة الطين الذي أعشقه إلى حد الثمالة غير أنه لم يغير تلك السوداوية التي أصابتني من دون سابق إنذار بل كان ذلك الطين الممزوج بماء البحر هو أيضاً رمادياً "
________________
عبدالعزيز الحميضي

حسن خليل
23-10-07, 09:15 PM
أهلاً بأخي الغالي عبدالعزيز الحميضي

ما زلت تتحفنا بقصصك الرائعة التي اشتقنا إليها كثيراً.

وما زالت بصماتك في هذا القسم تظهر بجلاء ووضوح تميّزك في هذا القسم.

لقد استمتعنا بقراءة هذه القصة عن يوم غير عادي في "جدة غير" من خلال استخدامك للدلالات اللغوية الجيدة والمناسبة للقصة وتسلسل الأحداث فيها وبالأسلوب المشوّق الذي يجعلك تقرأ القصة وتتابعها حتى نهايتها.

مقدمة مشوّقة، وبداية جيدة جذبت القارىء للتركيز والمتابعة، ومروراً بوسط القصة، ثم إلى نقطة التنوير فيها أضفى على القصة جمالاً ورونقاً.

وبانتظار جديدك القادم أخي الفاضل

تقبل فائق احترامي وتقديري وامتناني

الشاعر الرجيم
24-10-07, 01:54 AM
شكراً لك على التثبيت أستاذي الفاضل , كما أشكرك شكراً جزيلاً على اهتمامك الدائم بخربشاتي
بارك الله فيك

حسن خليل
24-10-07, 08:02 AM
شكراً لك على التثبيت أستاذي الفاضل , كما أشكرك شكراً جزيلاً على اهتمامك الدائم بخربشاتي
بارك الله فيك

:) :)

باقي فرح
30-10-07, 09:42 PM
رائع كعادتك ايها الشاعر

ولكن لدي سؤال

هل لديك مؤلفات ؟

اعتقد ان كتاباتك تستحق النشر

أرغب جدياً في أن تكون بمتناولي ....

بين دفتي كتاب! :)

الشاعر الرجيم
01-11-07, 08:22 PM
باقي فرح .. للأسف ليس لدي إلا مخطوطات , ولم أفكر حتى الآن في طباعتها ’ فأنا كسول جداً ومشغول بلاشغل (عاطل عن الأمل والعمل )