paco
14-10-07, 08:13 PM
أجمع وعاظنا المعاصرون فوق منابرهم ، على الحديث عن " فساد الزمان " وعن " الحركات الضالة " في صيغها المعاصرة ، فتجد أحدهم تارة يرد على " مقال إلحادي " ، ومرة يواجه " استمارة نسوانية " أو أخرى ينتقد " فناناً منحلاً " ورابعة ينبه إلى " رواية فاسدة " .
قد يكون هذا من المدافعة المطلوبة شرعاً ، وباباً من أبواب الجهاد عظيم . لكن متى نفكر قبل أن يكتب سلمان رشدي روايته الفاجرة ، فيقوم الواعظ بلعنها على المنبر ، أن نفتح نادياً أدبياً نحتضن فيه شباب الأدب ، وننظم ندوات أدبية ، وننشئ دار نشر للأعمال الأدبية الهادفة ، ترعى هؤلاء الشباب ، إلى أن يصبحوا مبدعين يكتبون الروايات ، يملؤون بها الساحة ويقدمون بها البديل ، ويقدمونها لمن لا يستطيع أن يقرأ كتاباً فكرياً جاداً ، يستغني بها عن أمثال سلمان رشدي ؟
لكن " العالم " عندنا يظن أن مهمته هي " حفظ الدين " ، " بأن ينفي عنه انتحال المبطلين وتحرف الغالين " ، وكأن أمر الدين قائم وجاهز ومتكامل وليس على العالم إلا أن يحفظه . في حين أن أمر الدين يبلى ، وحركة التدين قد تموت في المجتمع ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا » ([1]) . فالأمر لا يحتاج إلى حفظ فقط ، بل إلى إنشاء من جديد . يحتاج إلى دم جديد يدفق في العروق ، فكراً وتصوراً وسلوكاً ، ليدافع العتيق والمتخلف ، قبل المنحرف المستجد! .
في حين أن السـلف الصالح لم يكونوا يكتفون بالمدافعة ، بل كانوا يبادرون لمواجهة كل ما جدّ من أمورهم . فعمر بن الخطاب لم يهرب إلى الجاهزية ، بل واجه طوارئ عصره بكل مسؤولية ومعاناة ، عبر إجراءات تجديدية جريئة ، رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن قد غاب إلا قبل عقد من الزمان . وكان من ذلك اجتهاده في قضية أرض السواد ، وتنظيم الجيش على هدى نظام ديوان الجند ، والمال على هدى ديوان المال ، لدى الفرس . وتوقيفه لباب من أبواب الزكاة هو باب المؤلفة قلوبهم ، وتعليقه حد السرقة عام الرمادة .. إلخ .
لكننا بعد أربعة عشر قرناً ما زال بيننا من يقول بعدم الحاجة إلى تجديد الدين لأنه جاهز . كيف يجدد السلف ووتيرة التغيير بطيئة في زمانهم ، ولا نجدد ووتيرة التغيير سريعة جداً في زماننا ؟ .
يضطرنا الحديث عن الاقتحام وتقديم البدائل إلى نقطة منهجية لا بد من الحديث عنها : بأي وسائل نقدم البدائل ؟ وعلى أي مستوى تتخلق هذه البدائل ؟ هل الأخذ بوسائل العصر أم الأخذ بوسائل الزمن القديم باسم " السنة " ، وباسم " السلف " و " الاقتداء " ؟
لا يمكن إلا أن نتكلم وسائل العصر ، لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم وسائل عصره . وهنا تكمن مشكلتنا : فكلما أردنا الاستشهاد برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، إلا وفرغنا مناط الاستشهاد من روحه وجمدنا على الإطار التاريخي . كالذي يحكم على إنتاجية مصنع من خلال مجموع السلعة المنتجة . وهذا لا يصلح في علم الاقتصاد ، فلكي نحكم على إنتاجية مصنع يجب أن ننظر إلى بنيته وليس إلى إنتاجه .
لنتخيل شخصاً بنى مصنعاً ضخماً ، واستغرق منه ذلك جزءاً كبيراً من عمره وأرسى دعائم المنشآت فيه ، ثم بعد 23 سنة أنتج 500 طن مثلاً ، ثم توفي . هل نحكم على منهج الرجل ومشروعه وطموحه من خلال المصنع الذي بني ، أم نحكم عليه من خلال الكمية المحدودة التي أنتج ، ولا نزيد عليها " اقتداء " و " اهتداء " به ؟
لقد بنى الرسول صلى الله عليه وسلم مشروعاً حضارياً ضخماً ، وطبيعة السنة الكونية ، سنة التدرج ، ألا تظهر نتائج هذا المشروع إلا بعد عدة عقود .
لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في أمة أمية ، ولكنه أول من اصطفى إليه كَتَبَةَ الوحي ، ودعا إلى الكتابة . وأخذ أسرى بدر ففادى بعضهم على أن يعلم كل واحد منهم عشرة من الصبية .. وهو الذي جاء بوحي ، أول كلمة فيه " اقرأ " . لكن مشروع التدوين لم يكتمل إلا على رأس القرن الرابع الهجري ، لما أصبحت العلوم الإسلامية أوسع من أن تستوعب شفوياً .
ولا يمكن أن نحكم على التجربة الإسلامية في مجال التدوين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره القدوة ، بالاقتصار على ما أنجزه عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من المؤلفات والمدونات ثم نقيس عليه! لأننا سنجد كتاباً واحداً هو القرآن وحده ، وبعض صحائف من الحديث أذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابتها . والقرآن نفسه لم يكن مكتوباً إلا على عظام وسعف النخل . لكن المهم هو الانطلاقة ، والإطار الذي وضع . أما الإنتاج فهو محصور بحدود بشرية محدودة . وعلى هذا المثال يمكن أن يطرد القياس .
إننا نعيش مثلاً تداعيات " قضية المرأة " ، وهي من أخطر المشكلات اليوم لأنها تفجرت على الصعيد السياسي والقانوني . لكن " الخطاب الإسلامي " الذي يحارب العلمانيين والمتغربين هو أيضاً خطاب تقليدي في أغلب مضمونه ، يحاول أن يكرس عقلية " عصر الانحطاط " التي تنظر إلى المرأة نظرة سلبية تحقيرية وتجعل الرجل مهيمناً على مجالات التفكير والنشاط واتخاذ القرار بقراءات متخلفة للإسلام ، وركوب على نصوص اجتُزئت من سياقها . وأقوى مستند عند القراءة التقليدية للمرأة هو النظر إلى حجم الإنجاز النسوي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، في حين أن حجم الإنجاز النسوي في عهده صلى الله عليه وسلم ليس هو حدود الإنجاز النسوي في الإسلام ، فتلك المرحلة لم تكن سوى عينة نموذجية سمح بها الزمان المحدود ، ثم وقعت الأمة بعد ذلك في نكسة ومضى المشروع الإسلامي في عكس اتجاهه .
وهذا الإشكال المنهجي ، وراء كل مظاهر سوء التفاهم بين تيارين كبيرين داخل مجتمعاتنا اليوم: أحدهم يريد أن يفسح للمرأة كل مجالات المشاركة إلى أقصى حد ، متوقفاً فقط عند النصوص القطعية الورود والدلالة ، التي قد تحظر على المرأة - واستثناء فقط - بعض الوظائف المحدودة المعدودة ، وثانيهما يسعى - بالعكس - إلى قصر نشاطها على أضيق المجالات وأقلها عدداً وشأناً بحجة أن غيرها من المجالات لم تعرفها المرأة في العهد الأول للنبوة والخلافة ، فهي بدع محرمة وضلالات مستجدة ، انفتحت علينا كالجحيم بسبب عدوى التغريب وضلالات الاستعمار والعولمة!
والتيار الأول ، وهو الأقرب إلى الصواب وإلى فهم روح الشرع الحنيف ، ينطلق من القاعدة الأصولية العظيمة : " الأصل الإباحة " ، ويتنسم روح الفكرة التي بسطناها أعلاه ، في حين يظل التيار الثاني سجين حركة التاريخ ، تختلط عليه حدود الإنجاز البشري النسبي بضوابط الاقتداء والتسنن!
ونواصل من موضوع حركية الاجتهاد في الوعي الإسلامي المعاصر تقديم مثال آخر على معاناة الفكر الساعي لتخليص الشرع من أسر التاريخ ، حتى يستبين داخل منطق التشريع ما هو جوهري خالد ، يمثل القوانين الكلية المطلقة ، وما هو مرحلي مؤقت ، يراعي المرحلية والمرونة وضواغط الواقع العارض . ولكنه قد يتحول إلى عائق حقيقي في وجه الاجتهاد حين لا يتم إدراكه على هذا النحو .
إن مثال حكم الإسلام في الرقيق ، يساعدنا جيداً على إدراك إشكال تفاعل الشرع مع حركة التاريخ ، بما لا يؤدي إلى خلط المبدأ في الحكم الشرعي ، بضرورات الواقع الضاغط : لا أحد يشك في أن الأصول العامة العقدية تقوم على مساواة أبناء آدم كأسنان المشط ، فلا فضل إلا بالتقوى ، وعلى تكريم الإنسان في خلقه وتحريره وتكليفه بالرسالة المشرفة : عبادة اللَّه . وفي هذا الإطار نضع مجموعة من الأحكام الشرعية موضع الاعتبار المؤقت : فباب العبد الآبق مثلاً ، لا يفهم منه أنه أمر للعبيد بالبقاء في بيوت أسيادهم تكريساً لظاهرة العبودية ، وإنما نفهم منه رفض الإسلام لحل المشاكل عن طريق الفوضى ، التي ستتسبب في فساد الأموال والأعراض وتؤدي إلى اختلال العلاقات في المجتمع ، تماماً كما أن الإسلام منع الانتقام وشرع القصاص ، ولم يمنع الانتقام لأنه أراد أن يحرم الناس من حقهم في القَوَد ، بدليل أنه نظم هذا القَوَد عن طريق القصاص .
وإلا كيف نفهم بالمقابل بقية الأحكام الشرعية المتضافرة للقضاء على ظاهرة الرق ( إغلاق خمسة أبواب للرق من أصل سبعة ، جعل العتق من أحسن الكفارات وأفضل أبواب البر ، الحث على المكاتبة بين العبد وسيده ، عدم استثناء العبيد من أي سبب للشرف الحقيقي كالإمامة مثلاً ) .
إن الأزمة ليست في النصوص ، بل في الرؤية لهذه النصوص . والرؤية منطلق ، والمنطلق ثابت من الثوابت الكبرى يفهم في إطار حركة الحياة ، والسنة الكونية . وبموجب هذا قام عمر بن الخطاب t باجتهاداته المعروفة . نفهم من ذلك بأن هذا التشريع جاء في إطار حركة تدريجية . وفي هذا الإطار نفهم الناسخ والمنسوخ ، والأحكام الشرعية التي تغيرت حتى يتهيأ المجتمع الإسلامي للحكم الشرعي النهائي القطعي .
في إطار هذه الرؤية التجديدية وفي إطار التصور الواقعي لحركة تنزيل الدين على المجتمع ، يصبح لازماً أن نجيب على السؤال المطروح سلفاً بالآتي : إن طرح البدائل يعني الأخذ بوسائل العصر ، وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك : لقد وجد الكفار يجتمعون في الأسواق التجارية فولجها عليهم ، ووجدهم يجتمعون في الأسواق الدينية مثل الحج ، فاقتحم عليهم هذه الأسواق . ووجدهم يجتمعون في الأسواق الأدبية فزاحمهم فيها . وجد الأسواق الاقتصادية قائمة على الفش والاحتكار والربا ، لكنه ولج هذه الأسواق ، دون أن يعني ولوجه ذلك تزكية لتلك التجمعات . لم ينظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأصل الفاسد الذي تقوم عليه تلك التجمعات :فتجمعات العبادة كانت قائمة على البدعة . وشر البدع ما جمع في الحج . وأسواق الأدب كانت قائمة على المفاخرة والتشدق والتشقشقة التي نهى عنها الإسلام ، والفجور في الكلام ، وعلى الخمر والغزل الفاحش .. لم ينظر إلى أساسها الفاسد عقدياً وتشريعياً وأدبياً واقتصادياً ، وإنما نظر إلى كونها - على المستوى التقني - تجمعاً بشرياً يمكنه من أكبر قدر من الاتصال .
لقد كانت دار الندوة تمثل تجمع الصفوة الأرستقراطية ، والملأ القرشي الظالم ، وهي محتكرة عليهم وفيها يبرمون قرارتهم ، والدخول إليها قد يفهم على أنه تزكية للدكتاتورية القائمة في هذا التجمع . ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير هناك إلا تجمعاً بشرياً ولجه لكي يلقي كلمة الإسلام ويبلغ رسالته . كما دخل عيسى u قبله على اليهود الهيكل .
بموجب هذا نحب أن نلج إلى أمتنا في عصرنا هذا - كما في كل عصر - بالوسائل التي يتيحها العصر ، وبالإمكانات التي يتيحها العصر من جمعية أو حزب أو نقابة أو منظمة حقوقية أو جريدة أو مؤسسة إعلامية أو اقتصادية . ندخل كل المواقع من منطلق أصل من الأصول حاسم وهو " الأصل في الأشياء الإباحة " . هذا الأصل كفيل بتحرير العقل المسلم وبتحرر الجسم والمنهج والإنسان المسلم الذي كبل بالتآمر الخارجي وكبل بالتكلس الداخلي ، وصار المسلم كلما اخترعت وسيلة يرفضها ويحرمها ، في حين كان من الأولى أن يكون هو مبدع تلك الوسيلة . وقد عوقت الحركة الإسلامية المعاصرة بموجب ذلك ، ذاتها بذاتها ، وحصل من هذا التعويق أن الآخر يتفوق عليها بشكل تلقائي .
إن المقصود بالحركية إذن ، هو الحركة التي تنزل إلى الشارع وتطرح البدائل وتبتكر . والابتكار وطرح البدائل بدل النقد ، سيستلزم الأخذ بوسائل العصر . والمرتكز الأصولي لهذا الأخذ هو قانون " الأصل في الأشياء الإباحة " ، ورحم اللَّه من قال : « واحد يوقد شمعة خير من ألف يلعنون الظلام »! .
قد يكون هذا من المدافعة المطلوبة شرعاً ، وباباً من أبواب الجهاد عظيم . لكن متى نفكر قبل أن يكتب سلمان رشدي روايته الفاجرة ، فيقوم الواعظ بلعنها على المنبر ، أن نفتح نادياً أدبياً نحتضن فيه شباب الأدب ، وننظم ندوات أدبية ، وننشئ دار نشر للأعمال الأدبية الهادفة ، ترعى هؤلاء الشباب ، إلى أن يصبحوا مبدعين يكتبون الروايات ، يملؤون بها الساحة ويقدمون بها البديل ، ويقدمونها لمن لا يستطيع أن يقرأ كتاباً فكرياً جاداً ، يستغني بها عن أمثال سلمان رشدي ؟
لكن " العالم " عندنا يظن أن مهمته هي " حفظ الدين " ، " بأن ينفي عنه انتحال المبطلين وتحرف الغالين " ، وكأن أمر الدين قائم وجاهز ومتكامل وليس على العالم إلا أن يحفظه . في حين أن أمر الدين يبلى ، وحركة التدين قد تموت في المجتمع ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا » ([1]) . فالأمر لا يحتاج إلى حفظ فقط ، بل إلى إنشاء من جديد . يحتاج إلى دم جديد يدفق في العروق ، فكراً وتصوراً وسلوكاً ، ليدافع العتيق والمتخلف ، قبل المنحرف المستجد! .
في حين أن السـلف الصالح لم يكونوا يكتفون بالمدافعة ، بل كانوا يبادرون لمواجهة كل ما جدّ من أمورهم . فعمر بن الخطاب لم يهرب إلى الجاهزية ، بل واجه طوارئ عصره بكل مسؤولية ومعاناة ، عبر إجراءات تجديدية جريئة ، رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن قد غاب إلا قبل عقد من الزمان . وكان من ذلك اجتهاده في قضية أرض السواد ، وتنظيم الجيش على هدى نظام ديوان الجند ، والمال على هدى ديوان المال ، لدى الفرس . وتوقيفه لباب من أبواب الزكاة هو باب المؤلفة قلوبهم ، وتعليقه حد السرقة عام الرمادة .. إلخ .
لكننا بعد أربعة عشر قرناً ما زال بيننا من يقول بعدم الحاجة إلى تجديد الدين لأنه جاهز . كيف يجدد السلف ووتيرة التغيير بطيئة في زمانهم ، ولا نجدد ووتيرة التغيير سريعة جداً في زماننا ؟ .
يضطرنا الحديث عن الاقتحام وتقديم البدائل إلى نقطة منهجية لا بد من الحديث عنها : بأي وسائل نقدم البدائل ؟ وعلى أي مستوى تتخلق هذه البدائل ؟ هل الأخذ بوسائل العصر أم الأخذ بوسائل الزمن القديم باسم " السنة " ، وباسم " السلف " و " الاقتداء " ؟
لا يمكن إلا أن نتكلم وسائل العصر ، لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم وسائل عصره . وهنا تكمن مشكلتنا : فكلما أردنا الاستشهاد برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، إلا وفرغنا مناط الاستشهاد من روحه وجمدنا على الإطار التاريخي . كالذي يحكم على إنتاجية مصنع من خلال مجموع السلعة المنتجة . وهذا لا يصلح في علم الاقتصاد ، فلكي نحكم على إنتاجية مصنع يجب أن ننظر إلى بنيته وليس إلى إنتاجه .
لنتخيل شخصاً بنى مصنعاً ضخماً ، واستغرق منه ذلك جزءاً كبيراً من عمره وأرسى دعائم المنشآت فيه ، ثم بعد 23 سنة أنتج 500 طن مثلاً ، ثم توفي . هل نحكم على منهج الرجل ومشروعه وطموحه من خلال المصنع الذي بني ، أم نحكم عليه من خلال الكمية المحدودة التي أنتج ، ولا نزيد عليها " اقتداء " و " اهتداء " به ؟
لقد بنى الرسول صلى الله عليه وسلم مشروعاً حضارياً ضخماً ، وطبيعة السنة الكونية ، سنة التدرج ، ألا تظهر نتائج هذا المشروع إلا بعد عدة عقود .
لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في أمة أمية ، ولكنه أول من اصطفى إليه كَتَبَةَ الوحي ، ودعا إلى الكتابة . وأخذ أسرى بدر ففادى بعضهم على أن يعلم كل واحد منهم عشرة من الصبية .. وهو الذي جاء بوحي ، أول كلمة فيه " اقرأ " . لكن مشروع التدوين لم يكتمل إلا على رأس القرن الرابع الهجري ، لما أصبحت العلوم الإسلامية أوسع من أن تستوعب شفوياً .
ولا يمكن أن نحكم على التجربة الإسلامية في مجال التدوين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره القدوة ، بالاقتصار على ما أنجزه عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من المؤلفات والمدونات ثم نقيس عليه! لأننا سنجد كتاباً واحداً هو القرآن وحده ، وبعض صحائف من الحديث أذن النبي صلى الله عليه وسلم بكتابتها . والقرآن نفسه لم يكن مكتوباً إلا على عظام وسعف النخل . لكن المهم هو الانطلاقة ، والإطار الذي وضع . أما الإنتاج فهو محصور بحدود بشرية محدودة . وعلى هذا المثال يمكن أن يطرد القياس .
إننا نعيش مثلاً تداعيات " قضية المرأة " ، وهي من أخطر المشكلات اليوم لأنها تفجرت على الصعيد السياسي والقانوني . لكن " الخطاب الإسلامي " الذي يحارب العلمانيين والمتغربين هو أيضاً خطاب تقليدي في أغلب مضمونه ، يحاول أن يكرس عقلية " عصر الانحطاط " التي تنظر إلى المرأة نظرة سلبية تحقيرية وتجعل الرجل مهيمناً على مجالات التفكير والنشاط واتخاذ القرار بقراءات متخلفة للإسلام ، وركوب على نصوص اجتُزئت من سياقها . وأقوى مستند عند القراءة التقليدية للمرأة هو النظر إلى حجم الإنجاز النسوي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، في حين أن حجم الإنجاز النسوي في عهده صلى الله عليه وسلم ليس هو حدود الإنجاز النسوي في الإسلام ، فتلك المرحلة لم تكن سوى عينة نموذجية سمح بها الزمان المحدود ، ثم وقعت الأمة بعد ذلك في نكسة ومضى المشروع الإسلامي في عكس اتجاهه .
وهذا الإشكال المنهجي ، وراء كل مظاهر سوء التفاهم بين تيارين كبيرين داخل مجتمعاتنا اليوم: أحدهم يريد أن يفسح للمرأة كل مجالات المشاركة إلى أقصى حد ، متوقفاً فقط عند النصوص القطعية الورود والدلالة ، التي قد تحظر على المرأة - واستثناء فقط - بعض الوظائف المحدودة المعدودة ، وثانيهما يسعى - بالعكس - إلى قصر نشاطها على أضيق المجالات وأقلها عدداً وشأناً بحجة أن غيرها من المجالات لم تعرفها المرأة في العهد الأول للنبوة والخلافة ، فهي بدع محرمة وضلالات مستجدة ، انفتحت علينا كالجحيم بسبب عدوى التغريب وضلالات الاستعمار والعولمة!
والتيار الأول ، وهو الأقرب إلى الصواب وإلى فهم روح الشرع الحنيف ، ينطلق من القاعدة الأصولية العظيمة : " الأصل الإباحة " ، ويتنسم روح الفكرة التي بسطناها أعلاه ، في حين يظل التيار الثاني سجين حركة التاريخ ، تختلط عليه حدود الإنجاز البشري النسبي بضوابط الاقتداء والتسنن!
ونواصل من موضوع حركية الاجتهاد في الوعي الإسلامي المعاصر تقديم مثال آخر على معاناة الفكر الساعي لتخليص الشرع من أسر التاريخ ، حتى يستبين داخل منطق التشريع ما هو جوهري خالد ، يمثل القوانين الكلية المطلقة ، وما هو مرحلي مؤقت ، يراعي المرحلية والمرونة وضواغط الواقع العارض . ولكنه قد يتحول إلى عائق حقيقي في وجه الاجتهاد حين لا يتم إدراكه على هذا النحو .
إن مثال حكم الإسلام في الرقيق ، يساعدنا جيداً على إدراك إشكال تفاعل الشرع مع حركة التاريخ ، بما لا يؤدي إلى خلط المبدأ في الحكم الشرعي ، بضرورات الواقع الضاغط : لا أحد يشك في أن الأصول العامة العقدية تقوم على مساواة أبناء آدم كأسنان المشط ، فلا فضل إلا بالتقوى ، وعلى تكريم الإنسان في خلقه وتحريره وتكليفه بالرسالة المشرفة : عبادة اللَّه . وفي هذا الإطار نضع مجموعة من الأحكام الشرعية موضع الاعتبار المؤقت : فباب العبد الآبق مثلاً ، لا يفهم منه أنه أمر للعبيد بالبقاء في بيوت أسيادهم تكريساً لظاهرة العبودية ، وإنما نفهم منه رفض الإسلام لحل المشاكل عن طريق الفوضى ، التي ستتسبب في فساد الأموال والأعراض وتؤدي إلى اختلال العلاقات في المجتمع ، تماماً كما أن الإسلام منع الانتقام وشرع القصاص ، ولم يمنع الانتقام لأنه أراد أن يحرم الناس من حقهم في القَوَد ، بدليل أنه نظم هذا القَوَد عن طريق القصاص .
وإلا كيف نفهم بالمقابل بقية الأحكام الشرعية المتضافرة للقضاء على ظاهرة الرق ( إغلاق خمسة أبواب للرق من أصل سبعة ، جعل العتق من أحسن الكفارات وأفضل أبواب البر ، الحث على المكاتبة بين العبد وسيده ، عدم استثناء العبيد من أي سبب للشرف الحقيقي كالإمامة مثلاً ) .
إن الأزمة ليست في النصوص ، بل في الرؤية لهذه النصوص . والرؤية منطلق ، والمنطلق ثابت من الثوابت الكبرى يفهم في إطار حركة الحياة ، والسنة الكونية . وبموجب هذا قام عمر بن الخطاب t باجتهاداته المعروفة . نفهم من ذلك بأن هذا التشريع جاء في إطار حركة تدريجية . وفي هذا الإطار نفهم الناسخ والمنسوخ ، والأحكام الشرعية التي تغيرت حتى يتهيأ المجتمع الإسلامي للحكم الشرعي النهائي القطعي .
في إطار هذه الرؤية التجديدية وفي إطار التصور الواقعي لحركة تنزيل الدين على المجتمع ، يصبح لازماً أن نجيب على السؤال المطروح سلفاً بالآتي : إن طرح البدائل يعني الأخذ بوسائل العصر ، وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك : لقد وجد الكفار يجتمعون في الأسواق التجارية فولجها عليهم ، ووجدهم يجتمعون في الأسواق الدينية مثل الحج ، فاقتحم عليهم هذه الأسواق . ووجدهم يجتمعون في الأسواق الأدبية فزاحمهم فيها . وجد الأسواق الاقتصادية قائمة على الفش والاحتكار والربا ، لكنه ولج هذه الأسواق ، دون أن يعني ولوجه ذلك تزكية لتلك التجمعات . لم ينظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأصل الفاسد الذي تقوم عليه تلك التجمعات :فتجمعات العبادة كانت قائمة على البدعة . وشر البدع ما جمع في الحج . وأسواق الأدب كانت قائمة على المفاخرة والتشدق والتشقشقة التي نهى عنها الإسلام ، والفجور في الكلام ، وعلى الخمر والغزل الفاحش .. لم ينظر إلى أساسها الفاسد عقدياً وتشريعياً وأدبياً واقتصادياً ، وإنما نظر إلى كونها - على المستوى التقني - تجمعاً بشرياً يمكنه من أكبر قدر من الاتصال .
لقد كانت دار الندوة تمثل تجمع الصفوة الأرستقراطية ، والملأ القرشي الظالم ، وهي محتكرة عليهم وفيها يبرمون قرارتهم ، والدخول إليها قد يفهم على أنه تزكية للدكتاتورية القائمة في هذا التجمع . ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير هناك إلا تجمعاً بشرياً ولجه لكي يلقي كلمة الإسلام ويبلغ رسالته . كما دخل عيسى u قبله على اليهود الهيكل .
بموجب هذا نحب أن نلج إلى أمتنا في عصرنا هذا - كما في كل عصر - بالوسائل التي يتيحها العصر ، وبالإمكانات التي يتيحها العصر من جمعية أو حزب أو نقابة أو منظمة حقوقية أو جريدة أو مؤسسة إعلامية أو اقتصادية . ندخل كل المواقع من منطلق أصل من الأصول حاسم وهو " الأصل في الأشياء الإباحة " . هذا الأصل كفيل بتحرير العقل المسلم وبتحرر الجسم والمنهج والإنسان المسلم الذي كبل بالتآمر الخارجي وكبل بالتكلس الداخلي ، وصار المسلم كلما اخترعت وسيلة يرفضها ويحرمها ، في حين كان من الأولى أن يكون هو مبدع تلك الوسيلة . وقد عوقت الحركة الإسلامية المعاصرة بموجب ذلك ، ذاتها بذاتها ، وحصل من هذا التعويق أن الآخر يتفوق عليها بشكل تلقائي .
إن المقصود بالحركية إذن ، هو الحركة التي تنزل إلى الشارع وتطرح البدائل وتبتكر . والابتكار وطرح البدائل بدل النقد ، سيستلزم الأخذ بوسائل العصر . والمرتكز الأصولي لهذا الأخذ هو قانون " الأصل في الأشياء الإباحة " ، ورحم اللَّه من قال : « واحد يوقد شمعة خير من ألف يلعنون الظلام »! .