حسن خليل
19-09-07, 11:39 PM
ومضات إنسانية
للكاتبة ليلى مقدسي
ما زالت مغروسة في قعر وحدتها ، وقد ألصقت وجهها بزجاج نافذتها الباردة منتظرة مجيء أختها البعيدة ، والتي أبرقت إليها منذ أيام أن تأتي . فالمرض ينسل من عروقها المرهقة ، وروحها تئن تحت أسياج الظلام في أزقّة ضيّقة والسنوات سلخت كل آثار قرابتها ، حتى الشمس من خلال نافذتها تراها مجعّدة في أشعتها، وقد تكدّست فوق ظلالها الباهتة في برك النور المتجمّدة ، ظل زوجها الراحل ينتزعها من وحدة الزمن ، وعائلتها الصغيرة اندثرت ، لم يبقَ لها سوى الأخت الوحيدة المتزوجة في بلد آخر . يتراءى الظل ، يقترب منها ، ووهج حنانه يلفحها ، وذراعاه تسكبان الدفء على صدرها ، لقد استطاع زوجها أن يغني لها كل أغاني الطيور ، وأن يلملم غربة روحها ، لأنها حُرِمَت من الإنجاب وعوّضها عن كل حنان الأرض والأهل والأبناء .
بعد ربع قرن وأكثر ، لحظة مشحونة ابتلعت لها الحنان . عاصفة غبار نتن هبّت على حياتها ، واقتلعت الجذر الحامي . ولقد بعثرت على قبره آخر زهورها ، ومنذ ذلك اليوم ونحيب الذكريات المؤلمة يلاحقها ، تقفز لتنهش الهدوء من حولها .. دوائر الزمن حولها تتسع وتضيق ، وذكريات تنفرط وتتجمّع . كم تسللت منتظرة مروره ، أحبّته وهماً نائياً ، وجذبتها أبخرة الوهم . وتفيض الخواطر المؤلمة والفرحة من جوارحها تمزّق صمتها ، في أمسية هاربة من دوائر الزمن التقيا . تأمّلته بفضول . كان عميق الحزن ، وابتسامته غلالات كبرياء هادئة ، ووجهه كروض تعبث به زهور الربيع . تعددت اللقاءات ، وانبثق الحب شلال صفاء ، حدثها بتعرٍ حقيقي عن ذاته ، كان صوته مقنعاً وساحراً.. يسقط الصدق تحت وطأة كثافته والدوامة الرهيبة لفحولة الرجولة تؤلمه ، تشده ، تجعله يحسّ بأسف عميق لأنه لا يستطيع الإنجاب لنقص ما في تركيبه الفيزيولوجي
كنت أتأمّل عينيه ، ولم أكن بحاجة إلى سماع بقية القصّة ، ولم أهرب بيدي من أتون يده ، وتعجز الكلمات أحياناً عن استيعاب انفعالاتنا ، ألا يمكن العيش بلا أولاد ؟.. ألا يمكن أن نتجرّد من أنانيتنا ؟.. الوجوه ، الأشياء أبخرة تتطاير في فضاء الطائرة ، وهي عروس له بثوبها الأبيض ، وعيناه لا ترحمان لحظة الانجذاب الخفية
كان شتاءً مدهشاً ، وكنا نطير فراشتين بين ضحكات مطر الأرض . تتراكض السنون ، تبتعد ، بصعوبة تفتح عينيها ، تنهض بتثاقل من غيبوبتها . الباب يقرع ، هذا وجه أختها يطلّ من البعد ، وفرحة اللقاء تشعّ تسير إلى جانبها تتحسس الأرض بعصاها ، تغرف الحنان من وجه أختها ، تحدّثها تجلس معها ويغمرها ارتياح مبهم . أنياب الوحدة تشتد على الجسد المسترخي تحت لسعات المرض والقهر .. لن تكون وحيدة بعد الآن .
السيارة الضخمة تترنّح في الدرب الطويل ، تمدّ يدها إلى حقيبتها التي بقيت لها ، تتحسس الأوراق المالية ثمن منزلها ، بعد أن أقنعتها أختها ببيعه والسفر معها . وسوف تزدهر أموالها في مشروع تجاري تقاسمها به . تشتدّ كآبتها كلّما أسرع السائق . لقد اقتلعت من جذورها وتزداد التصاقاً بأختها . لقد وصلتا ، وضمّها دفء منزل أختها شهوراً ، ثم وجدت نفسها من جديد تنحدر تحت الأرض ، وتنزلق الأحداث ، وتتفجر الحروف وغربان الغدر تنهش أعماقها المحزنة وتترسب ليالي عذابها السوداء ، وتتابع بصوت متهدج : عادت الغربة تضغط على عنقي ، بتّ عارية من كلّ شيء حتى من صلة القربى ، لقد رمتني أختي هنا في /دار العجزة/ .. وجوع أختي الجشع إلى ثروتي من منزلي الصغير المباع جعلها تقبض على كل شيء ، وتقذفني إلى هذا المصير ..
لماذا ترتعد ؟ ربما يحزنها إعادة الأحداث الأليمة ، فالحرب نفثت غضبها الأهوج على لبنان واقتلعت منزل أختها ، عرفت ذلك في مساء اليوم التالي بعد أن توقف القصف . ومن زوايا غرفتها يتراءى لها شقوق منزل أختها المخرّب وآلاف آلاف الليرات . تهذي باكية خائفة .. أصوات غامضة أشباح تطاردها ، وصوتها ينوح في نهاية الأشياء .. رحمك الله يا أختي ويغرورق دعاء الكلمات من شفتيها بالدمع .. لكن هل تموت الومضات الإنسانية ؟!..
للكاتبة ليلى مقدسي
ما زالت مغروسة في قعر وحدتها ، وقد ألصقت وجهها بزجاج نافذتها الباردة منتظرة مجيء أختها البعيدة ، والتي أبرقت إليها منذ أيام أن تأتي . فالمرض ينسل من عروقها المرهقة ، وروحها تئن تحت أسياج الظلام في أزقّة ضيّقة والسنوات سلخت كل آثار قرابتها ، حتى الشمس من خلال نافذتها تراها مجعّدة في أشعتها، وقد تكدّست فوق ظلالها الباهتة في برك النور المتجمّدة ، ظل زوجها الراحل ينتزعها من وحدة الزمن ، وعائلتها الصغيرة اندثرت ، لم يبقَ لها سوى الأخت الوحيدة المتزوجة في بلد آخر . يتراءى الظل ، يقترب منها ، ووهج حنانه يلفحها ، وذراعاه تسكبان الدفء على صدرها ، لقد استطاع زوجها أن يغني لها كل أغاني الطيور ، وأن يلملم غربة روحها ، لأنها حُرِمَت من الإنجاب وعوّضها عن كل حنان الأرض والأهل والأبناء .
بعد ربع قرن وأكثر ، لحظة مشحونة ابتلعت لها الحنان . عاصفة غبار نتن هبّت على حياتها ، واقتلعت الجذر الحامي . ولقد بعثرت على قبره آخر زهورها ، ومنذ ذلك اليوم ونحيب الذكريات المؤلمة يلاحقها ، تقفز لتنهش الهدوء من حولها .. دوائر الزمن حولها تتسع وتضيق ، وذكريات تنفرط وتتجمّع . كم تسللت منتظرة مروره ، أحبّته وهماً نائياً ، وجذبتها أبخرة الوهم . وتفيض الخواطر المؤلمة والفرحة من جوارحها تمزّق صمتها ، في أمسية هاربة من دوائر الزمن التقيا . تأمّلته بفضول . كان عميق الحزن ، وابتسامته غلالات كبرياء هادئة ، ووجهه كروض تعبث به زهور الربيع . تعددت اللقاءات ، وانبثق الحب شلال صفاء ، حدثها بتعرٍ حقيقي عن ذاته ، كان صوته مقنعاً وساحراً.. يسقط الصدق تحت وطأة كثافته والدوامة الرهيبة لفحولة الرجولة تؤلمه ، تشده ، تجعله يحسّ بأسف عميق لأنه لا يستطيع الإنجاب لنقص ما في تركيبه الفيزيولوجي
كنت أتأمّل عينيه ، ولم أكن بحاجة إلى سماع بقية القصّة ، ولم أهرب بيدي من أتون يده ، وتعجز الكلمات أحياناً عن استيعاب انفعالاتنا ، ألا يمكن العيش بلا أولاد ؟.. ألا يمكن أن نتجرّد من أنانيتنا ؟.. الوجوه ، الأشياء أبخرة تتطاير في فضاء الطائرة ، وهي عروس له بثوبها الأبيض ، وعيناه لا ترحمان لحظة الانجذاب الخفية
كان شتاءً مدهشاً ، وكنا نطير فراشتين بين ضحكات مطر الأرض . تتراكض السنون ، تبتعد ، بصعوبة تفتح عينيها ، تنهض بتثاقل من غيبوبتها . الباب يقرع ، هذا وجه أختها يطلّ من البعد ، وفرحة اللقاء تشعّ تسير إلى جانبها تتحسس الأرض بعصاها ، تغرف الحنان من وجه أختها ، تحدّثها تجلس معها ويغمرها ارتياح مبهم . أنياب الوحدة تشتد على الجسد المسترخي تحت لسعات المرض والقهر .. لن تكون وحيدة بعد الآن .
السيارة الضخمة تترنّح في الدرب الطويل ، تمدّ يدها إلى حقيبتها التي بقيت لها ، تتحسس الأوراق المالية ثمن منزلها ، بعد أن أقنعتها أختها ببيعه والسفر معها . وسوف تزدهر أموالها في مشروع تجاري تقاسمها به . تشتدّ كآبتها كلّما أسرع السائق . لقد اقتلعت من جذورها وتزداد التصاقاً بأختها . لقد وصلتا ، وضمّها دفء منزل أختها شهوراً ، ثم وجدت نفسها من جديد تنحدر تحت الأرض ، وتنزلق الأحداث ، وتتفجر الحروف وغربان الغدر تنهش أعماقها المحزنة وتترسب ليالي عذابها السوداء ، وتتابع بصوت متهدج : عادت الغربة تضغط على عنقي ، بتّ عارية من كلّ شيء حتى من صلة القربى ، لقد رمتني أختي هنا في /دار العجزة/ .. وجوع أختي الجشع إلى ثروتي من منزلي الصغير المباع جعلها تقبض على كل شيء ، وتقذفني إلى هذا المصير ..
لماذا ترتعد ؟ ربما يحزنها إعادة الأحداث الأليمة ، فالحرب نفثت غضبها الأهوج على لبنان واقتلعت منزل أختها ، عرفت ذلك في مساء اليوم التالي بعد أن توقف القصف . ومن زوايا غرفتها يتراءى لها شقوق منزل أختها المخرّب وآلاف آلاف الليرات . تهذي باكية خائفة .. أصوات غامضة أشباح تطاردها ، وصوتها ينوح في نهاية الأشياء .. رحمك الله يا أختي ويغرورق دعاء الكلمات من شفتيها بالدمع .. لكن هل تموت الومضات الإنسانية ؟!..