حسن خليل
19-09-07, 11:31 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسرني أن أنقل إليكم هذه القصة القصيرة بعنوان
دموع الشموع
للكاتبة ليلى مقدسي
ما زلت في أعماقي كما كنت منذ عشرين عاماً ، رغم انزلاق الزمن فوق ظلمة فراقنا التقت نظراتنا بصورة غير اعتيادية يوم جئت لزيارة أخيك صديقي ، تتابعت الزيارات . لا أدري لماذا يرتعش صوتي حين أتحدث معك في جلساتنا ، وحيث يجتمع الزملاء والزميلات من أصدقائنا ، ونتبادل الحوارات ، وقراءة الأشعار . تعلو الأصوات وتنخفض ، ويخيّم على الجلسات جوّ من الألفة والمودّة والضحكات الرنانة ويترسب صوتك في كياني والشعر والموسيقا. وكنت أحمل قصائدك ، أنثر حروفها بين " آلة الكاتبة " أنمّقها ، أرتّبها بدقّة متناهية ، وأنا شبه حالم في رومانسية حروفك ، وأحسّ أن أناملك تسطّر الكلمات لتخزن في ذاكرتي وكأنّ كل حرف يهتف باسمي ملهوفاً .
كنت منهمكاً ببعض الأعمال ، وفوجئت بزيارتك لمكتبي . قلت لك ضاحكاً :
- أجمل ما فيك جرأتك التي اخترقت وحدتي . أزيارة أم تجسس سرّي ؟..
ابتسمت وفوح الفرحة فوق الصفحات التي تضمّ قصائدك . أقترب منك وأنا شبه حالم. تتجاهلين التصاق وجهي بوجهك، ويطلّ سؤالك حاجزاً تماس وجهينا :
- هل أنهيت نسخ القصائد ؟..
سؤالك تبرير ذكي لسبب زيارتك ، فأشرب من ملامح وجهك ، وأعبّ من ورد خديك ، وترتعش شفاهنا ..
مازلت في أعماقي ، رغم دورة الزمن العكسية ، ومازالت الشوارع مزروعة بخطواتنا ، ترعبني الأفكار لأني لم أكن أتصوّر أني سأفقدك لأي سبب كان في العالم . أرتعب حين أسطّر تاريخ ابتعادك ، لم أحسب عمق حساسيتك ولم أتوغّل في طغيان عنادك ، يوم زيارتك لنا . وقد لمّحت والدتي معلنة عن عدم رغبتها في زواجنا ، فاتفضت مذعورة وكأنّ مسّاً لدغ كرامتك. تشاجرنا واتهمتني بأني ضعيف أمام جبروت والدتي ، وإني راضخ لآرائها ، و.. و.. وأهنت رجولتي ، وجروح اتهاماتك تنغرس في صدري ، في تكويني . حاولت أن أثبت لك مدى قوّة تمسّكي بك ، ولكن فوران عصبيتك حرق كل شيء ، وحين عثرت عليك بعد زمن ، تألّق في بنصر يدك اليسرى خاتمك الذهبي ..
- متى تزوجت ؟..
- .. منذ عام ..
- إذن حين كنت مسافراً لخارج الوطن .
لم تنصتي لبقية الكلام ، مضيت غير مبالية.وبقيت رائحة المفاجأة تسيح من جدراني المرعبة .. عاودني أخوك حين خرجت من المشفى إثر عملية جراحية أُجريت لي ، وفوجئت بمجيئك معه لزيارتي ، نظرت في وجهك ، واستيقظت في أعماقي ببساطة وقوّة ، ومزّقت الذكريات المؤلمة ، وتذكرت أنه الأسبوع الثاني من آذار. ذكرى ما نسيتها قط – ذكرى عيد ميلادك – وتزامنت مع يوم زيارتك لي للاطمئنان على صحتي، وتقلب الفرح والحزن، وانتفضت سعادة مبهمة بداخلي لمرآك بعد عشرين عاماً، وتبادلنا الأحاديث بعفوية كصديقين قديمين. خرجت للحظات وعدت أحمل زهوراً ، وأشعل حولها شموع ميلادك ، ونظرات زوجتي تنتقل بالبحث منقّبة عن سرّ نشوتي ومعنى فرحتي. ركّزت نظراتك الخافتة بين توهّج ضوء شموعك ، وقطرات دمع صامتة تتكاثف في مقلتيك وتحاول أن تصدق أن ذكرى ميلادك ما زالت عالقة بأهدابي . منحني الزمن غيبنا يا لمى عشرين عاماً ، وعدت ألملم بقايا الحنين التي تهوي بين انطفاء الشموع في عناق خفي وديع من نظراتنا ، والشموع تسكب دموعها البيضاء بمسحة حزن مستكين ..
لماذا أستعيد هذا كلّه الليلة ما دامت قد مضت حلماً عابراً ، وبقي صوتك يأتيني ، مبحوحاً متعباً ، ووجهك حزيناً صامتاً ، ورفرفة جفنيك تضغط من جديد على جدران غرفتي .
يسرني أن أنقل إليكم هذه القصة القصيرة بعنوان
دموع الشموع
للكاتبة ليلى مقدسي
ما زلت في أعماقي كما كنت منذ عشرين عاماً ، رغم انزلاق الزمن فوق ظلمة فراقنا التقت نظراتنا بصورة غير اعتيادية يوم جئت لزيارة أخيك صديقي ، تتابعت الزيارات . لا أدري لماذا يرتعش صوتي حين أتحدث معك في جلساتنا ، وحيث يجتمع الزملاء والزميلات من أصدقائنا ، ونتبادل الحوارات ، وقراءة الأشعار . تعلو الأصوات وتنخفض ، ويخيّم على الجلسات جوّ من الألفة والمودّة والضحكات الرنانة ويترسب صوتك في كياني والشعر والموسيقا. وكنت أحمل قصائدك ، أنثر حروفها بين " آلة الكاتبة " أنمّقها ، أرتّبها بدقّة متناهية ، وأنا شبه حالم في رومانسية حروفك ، وأحسّ أن أناملك تسطّر الكلمات لتخزن في ذاكرتي وكأنّ كل حرف يهتف باسمي ملهوفاً .
كنت منهمكاً ببعض الأعمال ، وفوجئت بزيارتك لمكتبي . قلت لك ضاحكاً :
- أجمل ما فيك جرأتك التي اخترقت وحدتي . أزيارة أم تجسس سرّي ؟..
ابتسمت وفوح الفرحة فوق الصفحات التي تضمّ قصائدك . أقترب منك وأنا شبه حالم. تتجاهلين التصاق وجهي بوجهك، ويطلّ سؤالك حاجزاً تماس وجهينا :
- هل أنهيت نسخ القصائد ؟..
سؤالك تبرير ذكي لسبب زيارتك ، فأشرب من ملامح وجهك ، وأعبّ من ورد خديك ، وترتعش شفاهنا ..
مازلت في أعماقي ، رغم دورة الزمن العكسية ، ومازالت الشوارع مزروعة بخطواتنا ، ترعبني الأفكار لأني لم أكن أتصوّر أني سأفقدك لأي سبب كان في العالم . أرتعب حين أسطّر تاريخ ابتعادك ، لم أحسب عمق حساسيتك ولم أتوغّل في طغيان عنادك ، يوم زيارتك لنا . وقد لمّحت والدتي معلنة عن عدم رغبتها في زواجنا ، فاتفضت مذعورة وكأنّ مسّاً لدغ كرامتك. تشاجرنا واتهمتني بأني ضعيف أمام جبروت والدتي ، وإني راضخ لآرائها ، و.. و.. وأهنت رجولتي ، وجروح اتهاماتك تنغرس في صدري ، في تكويني . حاولت أن أثبت لك مدى قوّة تمسّكي بك ، ولكن فوران عصبيتك حرق كل شيء ، وحين عثرت عليك بعد زمن ، تألّق في بنصر يدك اليسرى خاتمك الذهبي ..
- متى تزوجت ؟..
- .. منذ عام ..
- إذن حين كنت مسافراً لخارج الوطن .
لم تنصتي لبقية الكلام ، مضيت غير مبالية.وبقيت رائحة المفاجأة تسيح من جدراني المرعبة .. عاودني أخوك حين خرجت من المشفى إثر عملية جراحية أُجريت لي ، وفوجئت بمجيئك معه لزيارتي ، نظرت في وجهك ، واستيقظت في أعماقي ببساطة وقوّة ، ومزّقت الذكريات المؤلمة ، وتذكرت أنه الأسبوع الثاني من آذار. ذكرى ما نسيتها قط – ذكرى عيد ميلادك – وتزامنت مع يوم زيارتك لي للاطمئنان على صحتي، وتقلب الفرح والحزن، وانتفضت سعادة مبهمة بداخلي لمرآك بعد عشرين عاماً، وتبادلنا الأحاديث بعفوية كصديقين قديمين. خرجت للحظات وعدت أحمل زهوراً ، وأشعل حولها شموع ميلادك ، ونظرات زوجتي تنتقل بالبحث منقّبة عن سرّ نشوتي ومعنى فرحتي. ركّزت نظراتك الخافتة بين توهّج ضوء شموعك ، وقطرات دمع صامتة تتكاثف في مقلتيك وتحاول أن تصدق أن ذكرى ميلادك ما زالت عالقة بأهدابي . منحني الزمن غيبنا يا لمى عشرين عاماً ، وعدت ألملم بقايا الحنين التي تهوي بين انطفاء الشموع في عناق خفي وديع من نظراتنا ، والشموع تسكب دموعها البيضاء بمسحة حزن مستكين ..
لماذا أستعيد هذا كلّه الليلة ما دامت قد مضت حلماً عابراً ، وبقي صوتك يأتيني ، مبحوحاً متعباً ، ووجهك حزيناً صامتاً ، ورفرفة جفنيك تضغط من جديد على جدران غرفتي .