ابن الرمادي
10-08-07, 05:05 PM
تفكر ساعة
يا بني
الدكتور عماد عطا البياتي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد…
يذكر لنا رب العزة جل جلاله في كتابه الكريم حكاية عن عبد من عباده اسمه لقمان، حيث أن الله سبحانه وتعالى قد ميزه بميزة عن باقي العباد وهي الحكمة، قال تعالى في سورة لقمان…
بسم الله الرحمن الرحيم:((ولقد آتينا لقمان الحكمة…))(لقمان: 12).
وقد اختلفت الروايات في سيدنا لقمان، فمن قائل: انه كان نبياً ومن قائل: انه كان عبداً صالحاً من غير نبوة، والأكثرون على هذا القول الثاني. وأياً من كان سيدنا لقمان فقد قرر القرآن انه رجل آتاه الله الحكمة.
سيدنا لقمان كما يحكي القرآن عنه يعظ ابنه موعظة عظيمة وجميلة جداً… كم من الآباء الذين يعظون ويوصون أبنائهم بعظات ووصايا مختلفة، من بدء الخليقة والى الآن، ولكن موعظة سيدنا لقمان لابنه من عظمتها وجمالها فإن الله سبحانه وتعالى قد شرفها وكرمها بأن ذكرها في القرآن الكريم، كلام الله الذي نزل على اشرف أنبيائه محمد (صلى الله عليه وسلم) من فوق سبع سماوات بواسطة أشرف الملائكة جبريل الأمين.
قال تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم.)) (لقمان: 13). وموعظة الأب لابنه غير متهمة وليست فيها مصالح دنيوية عاجلة، فما يريد الوالد لولده إلا الخير وما يكون الوالد لولده إلا ناصحاً، وسيدنا لقمان يعظ ابنه موعظة الأب الناصح الذي يريد لابنه كل الخير والسعادة والنور والسرور، فنراه ينهاه عن الشرك ويأمره بالتزام العبادات والتحلي بالأخلاق الفاضلة.
ومن بين الوصايا والمواعظ التي يوصيها لقمان الحكيم لابنه، وصية عظيمة وجميلة جداً أراد فيها أن يقرر قضية الآخرة وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل، ولكن طريقة عرضه لهذه الحقيقة جاءت بصورة واسعة وشاملة حيث أراد بها أن يعلم ابنه ويعرفه بأفعال الله سبحانه وتعالى وبعلم الله سبحانه وتعالى الشامل الهائل الدقيق اللطيف.
بسم الله الرحمن الرحيم:((يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير.))(لقمان: 16).
حبة من خردل صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة "فتكن في صخرة" صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها "أو في السماوات" الهائلة الشاسعة التي يبدو فيها النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة فكيف بحبة الخردل الصغيرة!!! "أو في الأرض" ضائعة تائهة في ثراها وحصاها "يأت بها الله" فعلمه يلاحقها وقدرته لا تفلتها "إن الله لطيف خبير". انظروا إخواني إلى وصية الأب لابنه، هذه الوصية العظيمة الجميلة، هل خطر على بال أحدنا أن يوصي ابنه بهذه الوصية؟ وهل حصل لأحدنا أن أوصاه والده بمثل هذه الوصية؟
فهذا سيدنا لقمان، الرجل الصالح الذي آتاه الله الحكمة ينقل ابنه من الصخرة التي في الأرض إلى السماوات العالية الواسعة ثم يعود به مرة أخرى إلى الأرض حتى يظل فكر ابنه يلاحق تلك الحبة من الخردل فيتعمق في قلبه معنى انه حتى هذه الحبة الصغيرة التائهة بتلك الصورة العجيبة فان علم الله سبحانه وتعالى يشملها وقدرته لا تفلتها فيتجلى له اسمي الله سبحانه وتعالى "اللطيف والخبير"، أي أن معنى ومغزى هذه الوصية هو أن سيدنا لقمان يريد أن يعرف ابنه باسم الله تعالى "اللطيف".
فما معنى اسم الله تبارك وتعالى اللطيف؟
اللطيف هو الذي يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستحق سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع اللطف في العلم والرفق في الفعل تم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا لله تعالى.
فأما إحاطته بالدقائق والخفايا، فتفصيل ذلك يطول، فالخفي مكشوف في علمه كالجلي من غير فرق، وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها فلا يدخل أيضاً تحت الحصر.
وقد وردت هذه المعاني في القرآن الكريم…
فعلى المعنى الأول يقول الله سبحانه وتعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.)) (الأنعام: 103). أي لاتصل إليه الأبصار ولا تحيط به وهو سبحانه وتعالى اللطيف الخبير يراها ويحيط بها لشمول علمه تعالى للخفيات. وقال تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((واسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.)) (الملك: 13-14). اسروا أو اجهروا فهو مكشوف لعلم الله سواء، وهو يعلم ما هو أخفى من الجهر والسر "إنه عليم بذات الصدور" القول الذي لم يفارق الصدور عليم به، فهو الذي خلق الصدور "ألا يعلم من خلق؟" ألا يعلم وهو الذي خلق؟ "وهو اللطيف الخبير".
) وعلى المعنى الثاني، قال تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز.)) (الشورى: 19). فالله سبحانه وتعالى لطيف بعباده يرزق من يشاء، يرزق الصالح والطالح والمؤمن والكافر وهؤلاء البشر اعجز من أن يرزقوا أنفسهم شيئاً ولولا لطف الله سبحانه وتعالى بعباده لماتوا جوعاً وعطشاً وعرياً.
~ وابلغ مثال على هذه الحقائق العظيمة هو خلق الإنسان من نطفة في تلك الظلمات البعيدة عن علم الإنسان وبصره وقدرته.
قال تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون.)) (الزمر: 6).
"يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق" من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى الخلق الذي تتضح فيه عناصر البشرية "في ظلمات ثلاث" ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس وظلمة البطن الذي يستقر فيه الرحم، ولطف الله سبحانه وتعالى يحيط بهذا الجنين ويودعه القدرة على النمو والارتقاء. إن التأمل في تلك الرحلة العجيبة في تلك الظلمات من شأنه أن يقود القلب البشرى إلى رؤية آثار الخالق المبدع اللطيف الخبير "ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون" فكيف يصرف قلب عن رؤية هذه الآثار.
يقول علماء الأجنة متحدثين عن كيفية خلق الأطراف في الجنين:-
يبدأ في الأسبوع الثالث من حياة الجنين ظهور برعمين علويين وآخرين سفليين على كل جانب، ثم تتكون في هذا البرعم العظام الغضروفية وتتبعها الأعصاب والأوعية الدموية، ثم يبدأ ظهور اختناقين في الطرف العلوي أحدهما يحدد مكان المرفق والآخر يحدد مكان الرسغ وبذلك يتعين مواضع العضد والساعد واليد بالطرف العلوي في نهاية الأسبوع السادس وفي الطرف السفلي يظهر أيضاً اختناقين يحددان مواضع الركبة ورسغ القدم وبذلك يتحدد الفخذ والساق والقدم في الأسبوع السابع.
يقول أحد العلماء معلقاً على هذه الحقيقة كأن هذا البرعم عجينة ضربت برفق ولطف باليد في موضعين فأصبحت فيها هذه الأخاديد وتمفصلت.
سبحان الله الخالق المصور اللطيف الخبير… إن يد القدرة الإلهية واللطف الإلهي ضربت بلطف على هذه الأطراف فتمفصلت بتلك الطريقة المعجزة الجميلة الباهرة، انظروا إخواني إلى تجليات اسم الله اللطيف!!! وتمتعوا بالحسن والجمال!!!
ومن لطف الله سبحانه وتعالى الذي يتجلى في خلق الجنين وتصويره في الظلمات الثلاث ما نشاهده في كيفية خلق العين.
إن العين تتكون من الدماغ ومن الجلد، فالدماغ يرسل من الجزء الأمامي له ما يشبه الساق المجوفة إلى سطح الجلد على كل من الجانبين حتى تأخذ شكل حويصلة الإبصار على سطح الجلد وحينئذ يتحدب طرف هذه الساق المجوفة إلى الداخل فيتحول شكله الحويصلي إلى تجويف يشبه تجويف الكوب وتصبح جوانب هذا التجويف بدايات الشبكية وقاع العين، وفي نفس الوقت بالضبط تصدر الأوامر للجلد لينتش فقاعة من الجلد في منتصف فوهة الكوب لتكون عدسة العين، أما الجلد الأمامي لهذه العدسة فيتحول إلى غشاء رقيق شفاف هو القرنية، ويتحول الجلد المحيط داخلياً بالعدسة إلى القزحية وأخيراً يتشكل الجلد في هيئة طيات على جانبي العين ليكون الجفون. انظروا إخواني إلى لطف الله سبحانه وتعالى وهو يتجلى لنا في خلق جنين الإنسان.
وأخيراً نوصي أنفسنا وأحبابنا فنقول:ـ
إن الله سبحانه وتعالى هو اللطيف الخبير، يعلم دقائق الأمور وخفاياها ويعلم خفايا النظر الحرام والخواطر السيئة وخفايا الذنوب.
فإياك إياك أخي المسلم أن تقابل لطف الله سبحانه وتعالى في خلق الأطراف بان تستعملها في السعي الحرام، والبطش الحرام، واللمس الحرام، فان الله سبحانه وتعالى هو اللطيف الخبير ويعلم بخفايا الذنوب.
وإياك إياك أن تستعمل بصرك في النظر الحرام فتقابل لطف الله سبحانه وتعالى في خلق عينيك بما لا يرضيه، فتقابل الإحسان بالإساءة، فليس هذا من المروءة واعلم أن الله سبحانه وتعالى لطيف خبير يعلم خفايا النظرات الحرام ويعلم ما تخفي الصدور من حرام ومن خواطر سيئة.
بسم الله الرحمن الرحيم
((يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير.)) (لقمان: 16)
يا بني
الدكتور عماد عطا البياتي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد…
يذكر لنا رب العزة جل جلاله في كتابه الكريم حكاية عن عبد من عباده اسمه لقمان، حيث أن الله سبحانه وتعالى قد ميزه بميزة عن باقي العباد وهي الحكمة، قال تعالى في سورة لقمان…
بسم الله الرحمن الرحيم:((ولقد آتينا لقمان الحكمة…))(لقمان: 12).
وقد اختلفت الروايات في سيدنا لقمان، فمن قائل: انه كان نبياً ومن قائل: انه كان عبداً صالحاً من غير نبوة، والأكثرون على هذا القول الثاني. وأياً من كان سيدنا لقمان فقد قرر القرآن انه رجل آتاه الله الحكمة.
سيدنا لقمان كما يحكي القرآن عنه يعظ ابنه موعظة عظيمة وجميلة جداً… كم من الآباء الذين يعظون ويوصون أبنائهم بعظات ووصايا مختلفة، من بدء الخليقة والى الآن، ولكن موعظة سيدنا لقمان لابنه من عظمتها وجمالها فإن الله سبحانه وتعالى قد شرفها وكرمها بأن ذكرها في القرآن الكريم، كلام الله الذي نزل على اشرف أنبيائه محمد (صلى الله عليه وسلم) من فوق سبع سماوات بواسطة أشرف الملائكة جبريل الأمين.
قال تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم.)) (لقمان: 13). وموعظة الأب لابنه غير متهمة وليست فيها مصالح دنيوية عاجلة، فما يريد الوالد لولده إلا الخير وما يكون الوالد لولده إلا ناصحاً، وسيدنا لقمان يعظ ابنه موعظة الأب الناصح الذي يريد لابنه كل الخير والسعادة والنور والسرور، فنراه ينهاه عن الشرك ويأمره بالتزام العبادات والتحلي بالأخلاق الفاضلة.
ومن بين الوصايا والمواعظ التي يوصيها لقمان الحكيم لابنه، وصية عظيمة وجميلة جداً أراد فيها أن يقرر قضية الآخرة وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل، ولكن طريقة عرضه لهذه الحقيقة جاءت بصورة واسعة وشاملة حيث أراد بها أن يعلم ابنه ويعرفه بأفعال الله سبحانه وتعالى وبعلم الله سبحانه وتعالى الشامل الهائل الدقيق اللطيف.
بسم الله الرحمن الرحيم:((يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير.))(لقمان: 16).
حبة من خردل صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة "فتكن في صخرة" صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها "أو في السماوات" الهائلة الشاسعة التي يبدو فيها النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة فكيف بحبة الخردل الصغيرة!!! "أو في الأرض" ضائعة تائهة في ثراها وحصاها "يأت بها الله" فعلمه يلاحقها وقدرته لا تفلتها "إن الله لطيف خبير". انظروا إخواني إلى وصية الأب لابنه، هذه الوصية العظيمة الجميلة، هل خطر على بال أحدنا أن يوصي ابنه بهذه الوصية؟ وهل حصل لأحدنا أن أوصاه والده بمثل هذه الوصية؟
فهذا سيدنا لقمان، الرجل الصالح الذي آتاه الله الحكمة ينقل ابنه من الصخرة التي في الأرض إلى السماوات العالية الواسعة ثم يعود به مرة أخرى إلى الأرض حتى يظل فكر ابنه يلاحق تلك الحبة من الخردل فيتعمق في قلبه معنى انه حتى هذه الحبة الصغيرة التائهة بتلك الصورة العجيبة فان علم الله سبحانه وتعالى يشملها وقدرته لا تفلتها فيتجلى له اسمي الله سبحانه وتعالى "اللطيف والخبير"، أي أن معنى ومغزى هذه الوصية هو أن سيدنا لقمان يريد أن يعرف ابنه باسم الله تعالى "اللطيف".
فما معنى اسم الله تبارك وتعالى اللطيف؟
اللطيف هو الذي يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستحق سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع اللطف في العلم والرفق في الفعل تم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلا لله تعالى.
فأما إحاطته بالدقائق والخفايا، فتفصيل ذلك يطول، فالخفي مكشوف في علمه كالجلي من غير فرق، وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها فلا يدخل أيضاً تحت الحصر.
وقد وردت هذه المعاني في القرآن الكريم…
فعلى المعنى الأول يقول الله سبحانه وتعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.)) (الأنعام: 103). أي لاتصل إليه الأبصار ولا تحيط به وهو سبحانه وتعالى اللطيف الخبير يراها ويحيط بها لشمول علمه تعالى للخفيات. وقال تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((واسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.)) (الملك: 13-14). اسروا أو اجهروا فهو مكشوف لعلم الله سواء، وهو يعلم ما هو أخفى من الجهر والسر "إنه عليم بذات الصدور" القول الذي لم يفارق الصدور عليم به، فهو الذي خلق الصدور "ألا يعلم من خلق؟" ألا يعلم وهو الذي خلق؟ "وهو اللطيف الخبير".
) وعلى المعنى الثاني، قال تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز.)) (الشورى: 19). فالله سبحانه وتعالى لطيف بعباده يرزق من يشاء، يرزق الصالح والطالح والمؤمن والكافر وهؤلاء البشر اعجز من أن يرزقوا أنفسهم شيئاً ولولا لطف الله سبحانه وتعالى بعباده لماتوا جوعاً وعطشاً وعرياً.
~ وابلغ مثال على هذه الحقائق العظيمة هو خلق الإنسان من نطفة في تلك الظلمات البعيدة عن علم الإنسان وبصره وقدرته.
قال تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: ((يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون.)) (الزمر: 6).
"يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق" من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى الخلق الذي تتضح فيه عناصر البشرية "في ظلمات ثلاث" ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس وظلمة البطن الذي يستقر فيه الرحم، ولطف الله سبحانه وتعالى يحيط بهذا الجنين ويودعه القدرة على النمو والارتقاء. إن التأمل في تلك الرحلة العجيبة في تلك الظلمات من شأنه أن يقود القلب البشرى إلى رؤية آثار الخالق المبدع اللطيف الخبير "ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون" فكيف يصرف قلب عن رؤية هذه الآثار.
يقول علماء الأجنة متحدثين عن كيفية خلق الأطراف في الجنين:-
يبدأ في الأسبوع الثالث من حياة الجنين ظهور برعمين علويين وآخرين سفليين على كل جانب، ثم تتكون في هذا البرعم العظام الغضروفية وتتبعها الأعصاب والأوعية الدموية، ثم يبدأ ظهور اختناقين في الطرف العلوي أحدهما يحدد مكان المرفق والآخر يحدد مكان الرسغ وبذلك يتعين مواضع العضد والساعد واليد بالطرف العلوي في نهاية الأسبوع السادس وفي الطرف السفلي يظهر أيضاً اختناقين يحددان مواضع الركبة ورسغ القدم وبذلك يتحدد الفخذ والساق والقدم في الأسبوع السابع.
يقول أحد العلماء معلقاً على هذه الحقيقة كأن هذا البرعم عجينة ضربت برفق ولطف باليد في موضعين فأصبحت فيها هذه الأخاديد وتمفصلت.
سبحان الله الخالق المصور اللطيف الخبير… إن يد القدرة الإلهية واللطف الإلهي ضربت بلطف على هذه الأطراف فتمفصلت بتلك الطريقة المعجزة الجميلة الباهرة، انظروا إخواني إلى تجليات اسم الله اللطيف!!! وتمتعوا بالحسن والجمال!!!
ومن لطف الله سبحانه وتعالى الذي يتجلى في خلق الجنين وتصويره في الظلمات الثلاث ما نشاهده في كيفية خلق العين.
إن العين تتكون من الدماغ ومن الجلد، فالدماغ يرسل من الجزء الأمامي له ما يشبه الساق المجوفة إلى سطح الجلد على كل من الجانبين حتى تأخذ شكل حويصلة الإبصار على سطح الجلد وحينئذ يتحدب طرف هذه الساق المجوفة إلى الداخل فيتحول شكله الحويصلي إلى تجويف يشبه تجويف الكوب وتصبح جوانب هذا التجويف بدايات الشبكية وقاع العين، وفي نفس الوقت بالضبط تصدر الأوامر للجلد لينتش فقاعة من الجلد في منتصف فوهة الكوب لتكون عدسة العين، أما الجلد الأمامي لهذه العدسة فيتحول إلى غشاء رقيق شفاف هو القرنية، ويتحول الجلد المحيط داخلياً بالعدسة إلى القزحية وأخيراً يتشكل الجلد في هيئة طيات على جانبي العين ليكون الجفون. انظروا إخواني إلى لطف الله سبحانه وتعالى وهو يتجلى لنا في خلق جنين الإنسان.
وأخيراً نوصي أنفسنا وأحبابنا فنقول:ـ
إن الله سبحانه وتعالى هو اللطيف الخبير، يعلم دقائق الأمور وخفاياها ويعلم خفايا النظر الحرام والخواطر السيئة وخفايا الذنوب.
فإياك إياك أخي المسلم أن تقابل لطف الله سبحانه وتعالى في خلق الأطراف بان تستعملها في السعي الحرام، والبطش الحرام، واللمس الحرام، فان الله سبحانه وتعالى هو اللطيف الخبير ويعلم بخفايا الذنوب.
وإياك إياك أن تستعمل بصرك في النظر الحرام فتقابل لطف الله سبحانه وتعالى في خلق عينيك بما لا يرضيه، فتقابل الإحسان بالإساءة، فليس هذا من المروءة واعلم أن الله سبحانه وتعالى لطيف خبير يعلم خفايا النظرات الحرام ويعلم ما تخفي الصدور من حرام ومن خواطر سيئة.
بسم الله الرحمن الرحيم
((يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير.)) (لقمان: 16)