ابن الرمادي
06-08-07, 05:08 PM
تفكر ساعة
أحسن الخالقين
دكتور: عماد عطا البياتي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على افضل المرسلين، وعلى آله وصحبهِ أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد…
إن الله رب العالمين قال في كتابه الحكيم،
بسم الله الرحمن الرحيم: ((ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين^ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين^ ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين^ ثم إنكم بعد ذلك لميتون^ ثم إنكم يوم القيامة تبعثون^)) (المؤمنون: 12-16).
إن في نشأة الإنسان أطواراً بدءً من البيضة المخصبة وانتهاءً بالجنين الكامل الخلقة في رحم الأم آيات جليلة لكل إنسان عاقل متفكر ترشده إلى الخالق الحكيم، وتدله على المراحل الأخرى الباقية لهذه الأطوار من موت وحياة آخره.
وفي أطوار هذه النشأة، وتتابعها بهذا النظام، وبهذا الاطراد، ما يشهد بوجود المنشئ أولاً، وما يشهد بالقصد والتدبير في تلك النشأة وفي اتجاهها أخيراً، فما يمكن أن يكون الأمر مصادفة عابرة، ولا خبط عشواء بدون قصد ولا تدبير، ثم تسير هذه السيرة التي لا تنحرف، ولا تخطئ ولا تتخلف ولا تسير في طريق آخر من شتى الطرق التي يمكن عقلاً وتصوراً أن تسير فيها، إنما تسير النشأة الإنسانية في هذا الطريق دون سواه من شتى الطرق الممكنة بناءً على قصد وتدبير من الإرادة الخالقة المدبرة في هذا الوجود.
نصف العدد من الكروموسومات
تحدث في جسم الإنسان انقسامات متعددة لخلايا في مختلف أعضاء وأنسجة الجسم، والملاحظ أن كل قسم من هذين القسمين يكون خلية كاملة فيها (48) حاملاً وراثياً (كرموسوم)، إلا تلك الخلايا المنقسمة في خصية الرجل ومبيض المرأة والتي ينشأ عن انقسامها تكون الحيوانات المنوية في الرجل (نطفة الرجل)، والبيضة في الأنثى (نطفة الأنثى)، فإن الانقسام فيها يكون مخالفاً لسائر الانقسامات في جميع خلايا الجسد، حيث تكون الخلايا الناتجة عن هذا الانقسام حاملة لنصف العدد من الكروموسومات أي (24) كرموسوم.
فلماذا شذت هذه الخلايا عن سائر خلايا جسم الإنسان في عدد الحوامل الوراثية؟
والجواب نعرفه بعد خروج نطفة الرجل من مكانها، وخروج نطفة المرأة من المبيض والتقاء النطفتين في قناة الرحم حيث تتحد النطفتان فتتكون منهما خلية واحدة عدد حواملها الوراثية (48 كرموسوم)، نصفها من الرجل ونصفها من المرأة، فيتكون الجنين حاملاً لصفات مشتركة من الأبوين.
ومن هنا نعرف لماذا حدث ذلك الاختلاف في انقسام الخلايا المنوية والبويضة عن سائر خلايا جسم الإنسان، ذلك لأن كل خلية في جسم الإنسان تعتبر وحدة حياتية مستقلة متكاملة، فيجب أن يكون عدد الحوامل الوراثية فيها كاملاً وقدره (48)، وأما الخلايا المنوية والبويضات فإنه من المعروف والمفهوم والمعلوم أنها ستتحد مع بعضها لتكوين الجنين فيجب أن يكون في كل منها نصف القدر من الحاملات الوراثية، حتى إذا تم الاتحاد تكونت خلية بشرية كاملة بالقدر الصحيح.
فماذا نستنتج أيها الناس… أيها العقلاء… أيها المتفكرون… من هذه الآية التي تحدث في كل إنسان على وجه الأرض، بل وفي كل حيوان، منذ بدأ الخليقة وإلى الآن؟
في جدار الرحم
بعد أن تتكون نطفة الأمشاج، تبدأ النواة بالانقسام المتتالي، مما يتضاعف معه عدد الخلايا تضاعفاً متوالياً (2-4-8-16) وأثناء هذه الانقسامات تغادر الخلايا ـ ككتلة واحدة ـ قناة الرحم (قناة فالوب) في اتجاهها إلى جدار الرحم، ويساعدها على الحركة تقلصات جدار فالوب، وحركة الأهداب المتواصلة.
وبعد أربعة أيام يحدث انشقاق كتلة الخلايا إلى طبقتين طبقة خارجية وداخلية، يفصلهما وسط السائل، وتسمى حينئذ بالكرة الجرثومية، وتنشأ أغشية الجنين والمشيمة من الطبقة الخارجية، ولهذا تسمى خلاياها بالخلايا المغذية.
أما الخلايا الأخرى التي يتم استقطابها بالطبقة الداخلية فهي الخلايا التي تتكون منها طبقات المضغة التخليقية فيما بعد… وبعد أسبوع إلى عشرة أيام تصل الكرة الجرثومية إلى جدار الرحم، وحينئذ تتوغل الخلايا المغذية خلال الغشاء المبطن للرحم بعمق، لتتصل بالأوعية الدموية لجدار الرحم، ثم تفرز هذه الخلايا المتوغلة مواداً تذيب جدران هذه الأوعية الدموية، وتتحول بفعلها المنطقة إلى بركة من الدم، وتثبت هذه الخلايا نفسها بباطن الرحم كالجذور، وبذلك تتغذى الخلايا المسؤولة عن تكوين الجنين على الدم الوارد من الأوعية الدموية للرحم.
فمن الذي أبدع؟ ومن الذي قدر؟ ومن الذي ساق فهدى هذه الخلايا إلى الاستقرار في هذا المكان الملائم والموافق لقابلية تكاثر ونمو هذه النطفة؟
الإبداع العظيم
وتأمل كيف تتحول النطفة بالغذاء السابح في دماء الأم إلى إنسان كامل التصوير والتكوين والتركيب، فالبيضة المخصبة وهي عبارة عن خلية واحدة تبدأ بالانقسام المتتابع حتى تصبح ذات خلايا عديدة جداً، ثم تبدأ بالتميز والتشكل والتصوير، فيتكون فيها الرأس، والعينان والأذنان، والأنف والفم، والجذع والأحشاء المختلفة، والدماغ والأعصاب، واليدان والرجلان والأصابع والشعر والأظفار والجلد…الخ
وكل ذلك يجري بإبداع عظيم ودقة متناهية وعلم واسع وإعجاز لا يمكن حصره أو وصفه.
فيا أيها الناس… ويا أيها العقلاء المتفكرون… من الذي يشرف على ذلك الخلق العظيم، والتكوين الدقيق، وعلى عملية البناء المنسقة المتوازنة المتكاملة؟
حكمة خبير
وإذا تفكرت في عملية تكوينك في بطن أمك وجدت آيات وآيات، ذلك الجزء الذي يصنع العين، لماذا يصنع العين؟ فلا حاجة لك بالعين في بطن أمك!!، فهل قد أصبح ذلك الجزء من النطفة ـ في ظلمات الرحم ـ عالماً بما سيؤول إليه أمرك، خبيراً بنظام الضوء وسننه وقوانينه الذي ستلاقيه بعد خروجك من بطن أمك، فنظم لك جهازاً بصرياً لترى به ما حولك مستخدماً الضوء وقوانينه وسننه؟ ومن أعلم ذلك الجزء من النطفة في بطن أمك أنك ستخرج من بطن أمك؟ ومن أفهمه أنك ستحتاج إلى عينين بعد خروجك؟ ومن أعطاه درساً في قوانين الضوء وأسراره، وهو لم ير ضوءً من قبل؟! ومن منحه بعد ذلك مقدرة على تحويل الطعام السابح بين الدماء إلى أغشية بصرية رقيقة، وعدسة محكمة، وماء زجاجي مقدر، وشبكية تتكون إحدى طبقاتها من ثلاثين مليون عود بصري وثلاثة ملايين مخروط بصري؟ ومن أخبر ذلك الجزء في النطفة أن ينشئ العصب البصري ويشق له فتحة بقدره في الجمجمة، ويصنع مركزاً بصرياً خاصاً في المخ ويربط به ذلك العصب البصري، ومن ومن ومن…؟!
وكذلك لماذا تصنع الرئتان في بطن أمك وأنت لازلت جنيناً، ولا حاجة للجنين إلى رئتين؟!!
لاشك أن الذي يصنع هذا الجهاز التنفسي على علم بمصير الجنين في كل إنسان وحيوان. إن الذي صنع لك الرئتين والجهاز التنفسي لاشك أنه عالم بمصيرك وأنت ستخرج من بطن أمك وأن الهواء سيحيط بك في كل مكان، وأنك ستكون في أمس الحاجة إليه، فهو يصنع له طريقاً إلى كل نقطة في جسمك وأنت لا تزال جنيناً في بطن أمك لا تعلم شيئاً ((هو اعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ انتم أجنة في بطون أمهاتكم)) (النجم: 32).
وما قيل في تكوين العين والجهاز التنفسي، يقال أيضاً في تكوين الجهاز الهضمي، والجهاز العصبي والأذن وغيرها من الأنسجة والأجهزة التي لست بحاجة لها وأنت في بطن أمك، ولن تكون لك بها حاجة إلا بعد خروجك من بطن أمك عندئذ تكون الزم الأشياء وأهمها لبقاء حياتك.
فيا أيها الناس العقلاء المتفكرون… ماذا يستنتج كل عقل سليم من هذه الأفعال والأحداث التي تجري في بطن أمك وفق خطة مرسومة مقدرة وتبعاً لتدبير حكيم خبير عليم بما يصنع ويفعل؟
في ظلمات ثلاث
إن عملية خلق الجنين وتنقله من طور إلى طور، من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى الخلق بكامل الأعضاء والأجهزة والصفات والسمات، تتم في ظلمات ثلاث، عميقة وبعيدة عن إدراك وقدرة المخلوقات الأخرى من حيوان ونبات وجماد.
فكل هذا الخلق وكل هذا الإبداع وكل هذه الحكمة والخبرة والعلم في الصنع، والإبداع والجمال في التشكيل والتصوير، كل ذلك يتم في ظلمات ثلاث… ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين، وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس، وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم…
فيد من التي خلقت هذه الخلية الصغيرة خلقاً من بعد خلق؟ وعين من ترعى هذه الخليقة وتودعها القدرة على النمو والقدرة على التطور والارتقاء؟ وحكمة وخبرة من هي التي أحكمت وقدرت؟ وقدرة من هي التي أنشأت وصورت؟
بسم الله الرحمن الرحيم: ((يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث…)) (الزمر:8).
سؤال منطقي وجواب واحد لا ثاني له
فمن صاحب هذه الحكمة والبصيرة والخبرة والإدراك؟
هل الغذاء السابح في الدم هو صاحب تلك الحكمة والخبرة والبصيرة؟ أم أن النطفة هي التي نظمت وأدركت وأحكمت؟!
أم الأحشاء في داخل بطن الأم أو الطبيعة؟!
إن ذلك الغذاء لا يملك إرادة أو حكمة أو بصيرة. إن تلك الأحشاء والأمعاء لا تعي إلا ما جبلت عليه من الأعمال، وحدد لها من الأفعال، دون زيادة أو نقصان.
إن تلك النطفة التي تكونت من اتحاد الحيوان المنوي الذكري وبويضة الأنثى لا تدري من أمرها شيئاً، بل إن الإنسان المتكون عنها لا يزال جاهلاً، لا يملك بصيرة أو حكمة أو صواباً لمدة عدد من السنين بعد ولادته.
ولا شك أيضاً أن الشمس أو القمر، أو الرياح أو المطر، أو النبات، أو الحيوانات، أو النجم أو المجرة، لم تدخل إلى بطن الأم لتصور وتركب وتكون هذه الآلاف العديدة التي تولد كل يوم من أطفال بني الإنسان، وأطفال كل الكائنات الحية، ولاشك أيضاً أن هذه المظاهر الطبيعية جميعاً لا تملك عقلاً أو بصيرة أو حكمة.
فكيف ظن الجاهلون أن الطبيعة البليدة العمياء هي التي منحت الإنسان عقلاً وبصيرة وحكمة؟! إن فاقد الشيء لا يعطيه.
فمن الخالق الخبير؟
فمن الخالق الحكيم؟
فمن الخالق البصير؟
أيها العقلاء… أيها المتفكرون!
إننا نشهد، كما تشهد أحداث خلقنا وتكويننا في بطون أمهاتنا، أن الله ربنا هو الخالق العليم، الحكيم، الخبير، القوي، المهيمن، القادر.
بسم الله الرحمن الرحيم
((يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم^ الذي خلقك فسواك فعدلك^ في أي صورة ما شاء ركبك^)) (الانفطار: 6-8).
((نحن خلقناكم فلولا تصدقون^ أفرءيتم ما تمنون^ ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون^)) (الواقعة: 57-59).
((قتل الإنسان ما أكفره^ من أي شيء خلقه^ من نطفة خلقه فقدره^ ثم السبيل يسره^ ثم أماته فأقبره^ ثم إذا شاء أنشره^)) (عبس: 17-22).
أحسن الخالقين
دكتور: عماد عطا البياتي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على افضل المرسلين، وعلى آله وصحبهِ أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد…
إن الله رب العالمين قال في كتابه الحكيم،
بسم الله الرحمن الرحيم: ((ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين^ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين^ ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين^ ثم إنكم بعد ذلك لميتون^ ثم إنكم يوم القيامة تبعثون^)) (المؤمنون: 12-16).
إن في نشأة الإنسان أطواراً بدءً من البيضة المخصبة وانتهاءً بالجنين الكامل الخلقة في رحم الأم آيات جليلة لكل إنسان عاقل متفكر ترشده إلى الخالق الحكيم، وتدله على المراحل الأخرى الباقية لهذه الأطوار من موت وحياة آخره.
وفي أطوار هذه النشأة، وتتابعها بهذا النظام، وبهذا الاطراد، ما يشهد بوجود المنشئ أولاً، وما يشهد بالقصد والتدبير في تلك النشأة وفي اتجاهها أخيراً، فما يمكن أن يكون الأمر مصادفة عابرة، ولا خبط عشواء بدون قصد ولا تدبير، ثم تسير هذه السيرة التي لا تنحرف، ولا تخطئ ولا تتخلف ولا تسير في طريق آخر من شتى الطرق التي يمكن عقلاً وتصوراً أن تسير فيها، إنما تسير النشأة الإنسانية في هذا الطريق دون سواه من شتى الطرق الممكنة بناءً على قصد وتدبير من الإرادة الخالقة المدبرة في هذا الوجود.
نصف العدد من الكروموسومات
تحدث في جسم الإنسان انقسامات متعددة لخلايا في مختلف أعضاء وأنسجة الجسم، والملاحظ أن كل قسم من هذين القسمين يكون خلية كاملة فيها (48) حاملاً وراثياً (كرموسوم)، إلا تلك الخلايا المنقسمة في خصية الرجل ومبيض المرأة والتي ينشأ عن انقسامها تكون الحيوانات المنوية في الرجل (نطفة الرجل)، والبيضة في الأنثى (نطفة الأنثى)، فإن الانقسام فيها يكون مخالفاً لسائر الانقسامات في جميع خلايا الجسد، حيث تكون الخلايا الناتجة عن هذا الانقسام حاملة لنصف العدد من الكروموسومات أي (24) كرموسوم.
فلماذا شذت هذه الخلايا عن سائر خلايا جسم الإنسان في عدد الحوامل الوراثية؟
والجواب نعرفه بعد خروج نطفة الرجل من مكانها، وخروج نطفة المرأة من المبيض والتقاء النطفتين في قناة الرحم حيث تتحد النطفتان فتتكون منهما خلية واحدة عدد حواملها الوراثية (48 كرموسوم)، نصفها من الرجل ونصفها من المرأة، فيتكون الجنين حاملاً لصفات مشتركة من الأبوين.
ومن هنا نعرف لماذا حدث ذلك الاختلاف في انقسام الخلايا المنوية والبويضة عن سائر خلايا جسم الإنسان، ذلك لأن كل خلية في جسم الإنسان تعتبر وحدة حياتية مستقلة متكاملة، فيجب أن يكون عدد الحوامل الوراثية فيها كاملاً وقدره (48)، وأما الخلايا المنوية والبويضات فإنه من المعروف والمفهوم والمعلوم أنها ستتحد مع بعضها لتكوين الجنين فيجب أن يكون في كل منها نصف القدر من الحاملات الوراثية، حتى إذا تم الاتحاد تكونت خلية بشرية كاملة بالقدر الصحيح.
فماذا نستنتج أيها الناس… أيها العقلاء… أيها المتفكرون… من هذه الآية التي تحدث في كل إنسان على وجه الأرض، بل وفي كل حيوان، منذ بدأ الخليقة وإلى الآن؟
في جدار الرحم
بعد أن تتكون نطفة الأمشاج، تبدأ النواة بالانقسام المتتالي، مما يتضاعف معه عدد الخلايا تضاعفاً متوالياً (2-4-8-16) وأثناء هذه الانقسامات تغادر الخلايا ـ ككتلة واحدة ـ قناة الرحم (قناة فالوب) في اتجاهها إلى جدار الرحم، ويساعدها على الحركة تقلصات جدار فالوب، وحركة الأهداب المتواصلة.
وبعد أربعة أيام يحدث انشقاق كتلة الخلايا إلى طبقتين طبقة خارجية وداخلية، يفصلهما وسط السائل، وتسمى حينئذ بالكرة الجرثومية، وتنشأ أغشية الجنين والمشيمة من الطبقة الخارجية، ولهذا تسمى خلاياها بالخلايا المغذية.
أما الخلايا الأخرى التي يتم استقطابها بالطبقة الداخلية فهي الخلايا التي تتكون منها طبقات المضغة التخليقية فيما بعد… وبعد أسبوع إلى عشرة أيام تصل الكرة الجرثومية إلى جدار الرحم، وحينئذ تتوغل الخلايا المغذية خلال الغشاء المبطن للرحم بعمق، لتتصل بالأوعية الدموية لجدار الرحم، ثم تفرز هذه الخلايا المتوغلة مواداً تذيب جدران هذه الأوعية الدموية، وتتحول بفعلها المنطقة إلى بركة من الدم، وتثبت هذه الخلايا نفسها بباطن الرحم كالجذور، وبذلك تتغذى الخلايا المسؤولة عن تكوين الجنين على الدم الوارد من الأوعية الدموية للرحم.
فمن الذي أبدع؟ ومن الذي قدر؟ ومن الذي ساق فهدى هذه الخلايا إلى الاستقرار في هذا المكان الملائم والموافق لقابلية تكاثر ونمو هذه النطفة؟
الإبداع العظيم
وتأمل كيف تتحول النطفة بالغذاء السابح في دماء الأم إلى إنسان كامل التصوير والتكوين والتركيب، فالبيضة المخصبة وهي عبارة عن خلية واحدة تبدأ بالانقسام المتتابع حتى تصبح ذات خلايا عديدة جداً، ثم تبدأ بالتميز والتشكل والتصوير، فيتكون فيها الرأس، والعينان والأذنان، والأنف والفم، والجذع والأحشاء المختلفة، والدماغ والأعصاب، واليدان والرجلان والأصابع والشعر والأظفار والجلد…الخ
وكل ذلك يجري بإبداع عظيم ودقة متناهية وعلم واسع وإعجاز لا يمكن حصره أو وصفه.
فيا أيها الناس… ويا أيها العقلاء المتفكرون… من الذي يشرف على ذلك الخلق العظيم، والتكوين الدقيق، وعلى عملية البناء المنسقة المتوازنة المتكاملة؟
حكمة خبير
وإذا تفكرت في عملية تكوينك في بطن أمك وجدت آيات وآيات، ذلك الجزء الذي يصنع العين، لماذا يصنع العين؟ فلا حاجة لك بالعين في بطن أمك!!، فهل قد أصبح ذلك الجزء من النطفة ـ في ظلمات الرحم ـ عالماً بما سيؤول إليه أمرك، خبيراً بنظام الضوء وسننه وقوانينه الذي ستلاقيه بعد خروجك من بطن أمك، فنظم لك جهازاً بصرياً لترى به ما حولك مستخدماً الضوء وقوانينه وسننه؟ ومن أعلم ذلك الجزء من النطفة في بطن أمك أنك ستخرج من بطن أمك؟ ومن أفهمه أنك ستحتاج إلى عينين بعد خروجك؟ ومن أعطاه درساً في قوانين الضوء وأسراره، وهو لم ير ضوءً من قبل؟! ومن منحه بعد ذلك مقدرة على تحويل الطعام السابح بين الدماء إلى أغشية بصرية رقيقة، وعدسة محكمة، وماء زجاجي مقدر، وشبكية تتكون إحدى طبقاتها من ثلاثين مليون عود بصري وثلاثة ملايين مخروط بصري؟ ومن أخبر ذلك الجزء في النطفة أن ينشئ العصب البصري ويشق له فتحة بقدره في الجمجمة، ويصنع مركزاً بصرياً خاصاً في المخ ويربط به ذلك العصب البصري، ومن ومن ومن…؟!
وكذلك لماذا تصنع الرئتان في بطن أمك وأنت لازلت جنيناً، ولا حاجة للجنين إلى رئتين؟!!
لاشك أن الذي يصنع هذا الجهاز التنفسي على علم بمصير الجنين في كل إنسان وحيوان. إن الذي صنع لك الرئتين والجهاز التنفسي لاشك أنه عالم بمصيرك وأنت ستخرج من بطن أمك وأن الهواء سيحيط بك في كل مكان، وأنك ستكون في أمس الحاجة إليه، فهو يصنع له طريقاً إلى كل نقطة في جسمك وأنت لا تزال جنيناً في بطن أمك لا تعلم شيئاً ((هو اعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ انتم أجنة في بطون أمهاتكم)) (النجم: 32).
وما قيل في تكوين العين والجهاز التنفسي، يقال أيضاً في تكوين الجهاز الهضمي، والجهاز العصبي والأذن وغيرها من الأنسجة والأجهزة التي لست بحاجة لها وأنت في بطن أمك، ولن تكون لك بها حاجة إلا بعد خروجك من بطن أمك عندئذ تكون الزم الأشياء وأهمها لبقاء حياتك.
فيا أيها الناس العقلاء المتفكرون… ماذا يستنتج كل عقل سليم من هذه الأفعال والأحداث التي تجري في بطن أمك وفق خطة مرسومة مقدرة وتبعاً لتدبير حكيم خبير عليم بما يصنع ويفعل؟
في ظلمات ثلاث
إن عملية خلق الجنين وتنقله من طور إلى طور، من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى الخلق بكامل الأعضاء والأجهزة والصفات والسمات، تتم في ظلمات ثلاث، عميقة وبعيدة عن إدراك وقدرة المخلوقات الأخرى من حيوان ونبات وجماد.
فكل هذا الخلق وكل هذا الإبداع وكل هذه الحكمة والخبرة والعلم في الصنع، والإبداع والجمال في التشكيل والتصوير، كل ذلك يتم في ظلمات ثلاث… ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين، وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس، وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم…
فيد من التي خلقت هذه الخلية الصغيرة خلقاً من بعد خلق؟ وعين من ترعى هذه الخليقة وتودعها القدرة على النمو والقدرة على التطور والارتقاء؟ وحكمة وخبرة من هي التي أحكمت وقدرت؟ وقدرة من هي التي أنشأت وصورت؟
بسم الله الرحمن الرحيم: ((يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث…)) (الزمر:8).
سؤال منطقي وجواب واحد لا ثاني له
فمن صاحب هذه الحكمة والبصيرة والخبرة والإدراك؟
هل الغذاء السابح في الدم هو صاحب تلك الحكمة والخبرة والبصيرة؟ أم أن النطفة هي التي نظمت وأدركت وأحكمت؟!
أم الأحشاء في داخل بطن الأم أو الطبيعة؟!
إن ذلك الغذاء لا يملك إرادة أو حكمة أو بصيرة. إن تلك الأحشاء والأمعاء لا تعي إلا ما جبلت عليه من الأعمال، وحدد لها من الأفعال، دون زيادة أو نقصان.
إن تلك النطفة التي تكونت من اتحاد الحيوان المنوي الذكري وبويضة الأنثى لا تدري من أمرها شيئاً، بل إن الإنسان المتكون عنها لا يزال جاهلاً، لا يملك بصيرة أو حكمة أو صواباً لمدة عدد من السنين بعد ولادته.
ولا شك أيضاً أن الشمس أو القمر، أو الرياح أو المطر، أو النبات، أو الحيوانات، أو النجم أو المجرة، لم تدخل إلى بطن الأم لتصور وتركب وتكون هذه الآلاف العديدة التي تولد كل يوم من أطفال بني الإنسان، وأطفال كل الكائنات الحية، ولاشك أيضاً أن هذه المظاهر الطبيعية جميعاً لا تملك عقلاً أو بصيرة أو حكمة.
فكيف ظن الجاهلون أن الطبيعة البليدة العمياء هي التي منحت الإنسان عقلاً وبصيرة وحكمة؟! إن فاقد الشيء لا يعطيه.
فمن الخالق الخبير؟
فمن الخالق الحكيم؟
فمن الخالق البصير؟
أيها العقلاء… أيها المتفكرون!
إننا نشهد، كما تشهد أحداث خلقنا وتكويننا في بطون أمهاتنا، أن الله ربنا هو الخالق العليم، الحكيم، الخبير، القوي، المهيمن، القادر.
بسم الله الرحمن الرحيم
((يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم^ الذي خلقك فسواك فعدلك^ في أي صورة ما شاء ركبك^)) (الانفطار: 6-8).
((نحن خلقناكم فلولا تصدقون^ أفرءيتم ما تمنون^ ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون^)) (الواقعة: 57-59).
((قتل الإنسان ما أكفره^ من أي شيء خلقه^ من نطفة خلقه فقدره^ ثم السبيل يسره^ ثم أماته فأقبره^ ثم إذا شاء أنشره^)) (عبس: 17-22).