oaj
09-08-04, 11:39 AM
سلام عليكم جميعا
اقدم لكم قصيدة رباعيات الخيام ومقدمه بسيطه
حقيقه كنت اقراها بكتاب فحبيت انقلها لكم
المقدمه :
ولد غياث الدين أبو الفتح عم بن إبراهيم الخيام في نيسابور عاصمة خرسان حوالي سنة 433هـ (1040م) في عهد السلطان أرطعورل أول ملوك السلاجقة . وذاعت شهرته في عهد السلطان ملك شاه , وتوفي حوالي سنة 517هـ , (1123م) في عهد السلطان سنجر .
رباعيات الخيام :
سمعتُ صوتاً هاتفاً في السّحَر = نادى مِن الحانِ : غُفاة البشَر
هبُّوا املأوا كأس الطلى قبَل أن = تَفعم كأس العمرْ كفّ القدَر
***
أحسُّ في نفسي دبيب الفناء= ولم أصَب في العيشِ إلاّ الشقاء
يا حسرتا إن حانَ حيني ولم = يُتحْ لفكري حلّ لُغز القضاء
***
أفق وهات الكأس أنعمُ بها = واكشف خفايا النفس مِن حُجبها
وروّ أوصالي بها قَبلَما = يُصاغ دنّ الخمَر مِن تُربها
***
تروحُ أيامي ولا تغتدي = كما تهبُّ الريح في الفدفدِ
وما طويتَ النفس هماً عَلى = يومين : أمسْ المنقضى والغدِ
***
غدٌ بِظَهْرِ الغيب واليوم لي = وكم يخيبُ الظنُّ في المقبلِ
ولَستُ بالغافلِ حتى أرى = جمالَ دنيايَ ولا أجتلي
***
سمعتُ في حلمي صوتاً أهابَ = ما فتَّق النّوم كمام الشبابَ
أفق فإنَّ النّوم صنو الردى = واشرب فمثواكَ فراش الترابَ
***
قَد مزَّق البدرُ سنَار الظلام = فأغنم صفَا الوقت وهات المدام
واطرب فإنَّ البدر مِن بعدنا = يسري علينا في طباقِ الرغام
***
سأنتحي الموتَ حثيث الورود= ويَنمحي اسمي مِن سجِل الوجود
هات أسقنيها يا مُنى خاطري= فغايةُ الأيام طولْ الهجود
***
هات أسقنيها أيهذا النديم= أخضَب مِن الوجهِ اصِفرار الهموم
وإن أمُتْ فاجعَل غسولي الطلى= وقدَّ نعشيَ مِن فروعِ الكروم
***
إن تُقتلَع مِن أصلِها سُرحتي= وتصبحُ الأغصان قَد جفَّت
فصغْ وعاء الخمَر مِن طينتي = واملأهُ تسرِ الروح في جثتي
***
لَبستُ ثوبَ العيش لم أُستشَر = وحرتُ فيه بين شتّى الفِكَر
وسوفَ أنضو الثوب عنّي ولم = أُدرك لماذا جئتُ ، أينَ المقر
***
نمضي وتبقى العيشةُ الراضية = وتنمحي آثارُنا الماضية
فقَبل أن نَحيا ومِن بعدِنا = وهذه الدُنيا علَى ما هيه
***
طَوت يدُ الأقدار سفرَ الشباب = وصوَّحت تلكَ الغصون الرطاب
وقَد شدا طيرُ الصبى واختفى = متى أتى . يا لهفا . أينَ غاب
***
الدهرُ لا يعطي الَّذي نأمل = وفي سبيلِ اليأس ما نَعمَل
ونحنُ في الدُنيا علَى همّها= يسُوقنا حادي الردى المُعجّل
***
أفق خفيفَ الظَّل هذا السّحَر = وهاتها صرفاً ونَاغِ الوتر
فما أطاَل النّوم عمراً ولا = قصَّر في الأعمارِ طول السهَر
***
اشرب فمثواكََ التراب المهيلِ= بلا حبيب مؤنسٍ أو خليل
وانشق عبير العيش في فجرهِ = فليسَ يزهو الورد بعدَ الذبولِ
***
كم آلم الدهر فؤاداً طعين= وأسلم الروح ظعين حزين
وليسَ ممَن فاتَنا عائدٌ = أسألهُ عن حالةِ الراحلين
***
يا دهرُ أكثرت البلى والخراب = وَسُمْتَ كُلّ الناس سوء العذاب
ويا ثرى كم فيكَ مِن جوهرٍ = يبينْ لو يُنبَش هذا التراب
***
وكم توالى الليل بعدَ النهار = وطالَ بالأنجمِ هذا المدار
فامشِ الهوينا إنَّ هذا الثرى = مِن أعينٌ ساحرةِ الأحورار
***
أينَ النديم السمح أينَ الصبوح = فقد أمضَّ الهمّ قلبي الجريح
ثلاثةٌ هنّ أحبُّ المُنى = كأسٌ وأنغامٌ ووجهٌ صبيح
***
نفُوسنا ترضى احتِكام الشراب = أرواحنا تفدى الثنايا العِذاب
وروح هذا الدنَّ نستّلهُ = ونستقيهِ سائِغاً مُستطَاب
***
يا نفسَ ماهذا الأسى والكدر= قَد وقعَ الإثم وضاع الحذر
هَل ذاقَ حلو العفوَ إلاّ الَّذي = أذنبَ والله عفَا واغتفر
***
نلبسُ بينَ الناس ثوب الرياء = ونحنُ في قبضةِ كفّ القضاء
وكم سعينا نرتجي مهرباً = فكانَ مسعَانَا جميعاً هباء
***
لم تَفتَحَ الأنفسَ باب الغيوب = حتى تَرى كيفَ تسأم القلوب
ما أتعس القلبَ الَّذي لم يَكد = يلتأم حتى أنكأتهُ الخطوب
***
عامل كاهليك الغريب الوفي = واقطع مِن الأهلِ الَّذي لا يفي
وعِف زلالاً ليسَ فيه الشفا = واشرب زعافَ السمّ لو تشتفي
***
أحسن إلى الأعداء والأصدقاء = فإنَّما أُنس القلوب الصفَاء
واغفر لأصحابكَ زلاّتهم = وسامح الأعداء تَمْحُ العِداء
***
عاشر مِن الناسِ كبار العقول = وجانب الجهّال أهل الفضول
واشرب نقيعَ السمّ مِن عاقلٍ= واسكب علَى الأرضِ دواء الجهول
***
يا تارك الخمرَ لماذا تلوم = دعني إلى ربي الغفور الرحيم
ولا تُفاخرني بهجرِ الطلى = فأنتَ جانِ في سوِاها أثيم
***
أطفىء لظَى القلب ببرد الشراب = فإنَّما الأيام مثلَ السحَاب
وعيشُنا طيف خيالٍ ، فَنل = حظّكَ منهُ قبلَ فوَت الشباب
***
بستانُ أيامك نامي الشجَر = فكيفَ لا تقطفُ غضّ الثمَر
اشرب فهذا اليوم إن أدبرت = به اللَّيالي لم يعدهُ القدر
***
جادت بساط الروض كفُّ السحَاب = فنزّه الطرفَ وهات الشراب
فهذه الخضرةَ مِن بِعدنا = تنمو علَى أجسادِنا في التراب
***
وإن توافِ العشب عندَ الغدير = وقَد كسَا الأرض بساطاً نضير
فامشِ الهوينا فوقهُ . إنه = غذّتهُ أوصالُ حبيبٌ طرير
***
يا نَفس قَد آدكِ حملُ الحزن = يا روح مقدور فُراق البدن
إقطف أزاهير المُنى قبلَ أن = يجفَّ مِن عيشك غضّ الفنن
***
يحلو ارتشاف الخمَر عندَ الربيع = ونشرُ أزهار الروابي يضوع
وتعذّب الشكوى إلى فاتنٍ = علَى شفا الوادي الخصيب الينيع
***
فلا تَتب عن حسوِ هذا الشراب = فإنَّما تَندمُ بعدَ المتَاب
وكيفَ تصحو وطيور الربى = صدّاحةٌ والروض غضّ الجناب
***
زخارفُ الدُنيا أساس الألم = وطالبُ الدُنيا نديم الندم
فكن خليَّ البال مِن أمرها = فكلُّ ما فيها شقاءٌ وهم
***
وأسعدْ الخلقْ قليل الفضول = مَن يهجر الناس ويرضى القليل
كأنهُ عنقاءَ عندَ السّهى = لا بومةٌ تنعبُ بينَ الطلول
***
مَن يحسبَ المال أحبَّ المُنى = ويزرع الأرضَ يريد الغِنى
يفارق الدُنيا ولم يُختَبر= في كدَّهِ أحوال هذى الدُنى
***
سرى بجسمي الغضَّ ماء الفناء = وسار في روحي لهيب الشقاء
وهمتُ مثلَ الريحَ حتى ذرَت = تُرابَ جسمي عاصفات القضاء
***
يامَن يَحارُ الفَهمُ في قدرتك = وتطلبُ النَفسُ حمى طاعتك
أسكرَني الإثمُ ولكنّني = صحوَت بالآمال في رحمتك
***
لم أشرب الخمَر ابتغاء الطرَب = ولا دعتني قلّةٌ في الأدب
لكنَّ إحساسي نزّاعاً إلى = إطلاق نفسي كانَ كلّ السبب
***
أفنيتُ عمري في اكتناهِ القضاء = وكشفُ ما يحجبهُ في الخفاء
فلم أجد أسرارهُ وانقضى = عمري وأحسستُ دبيب الفناء
***
أطاَل أهل الأنَفس الباصره = تفكيرهم في ذاتِك القادره
ولم تزلْ يا ربْ أفهامهم = حيرى كهذى الأنجمُ الحائره
***
لم يجنِ شيئاً مِن حياتي الوجود = ولن يضير الكون أنَّي أُبيد
وا حيرتي ما قالَ لي قائلٌ = ماذا اشتعالُ الروح ! كيفَ الخمود
***
إذا انطوى عيشي وحانَ الأجل = وسدَّ في وجهي باب الأمل
قَرَّ حبَاب العمر في كأسهِ = فَصَّبها للموتِ ساقي الأزل
***
إن لم أكنْ أخلصتُ في طاعتك = فإنّني أطمعُ في رحمتك
وإنَّما يشفعُ لي أنّني = قَد عشتُ لا أُشرك في وحدتك
***
يا ربْ هيىء سببَ الرزق لي = ولا تذقني منّةَ المُفضلِ
وابقني نشوانَ كيما أرى = روحي نَجتْ مِن دائِها المعضلِ
***
أفنيت عمري في ارتقابِ المُنى = ولم أذق في العيشِ طعم الهنا
وإنَّني أُشفقَ أن يَنقَضي = عمري وما فارقت هذا العَنا
***
لم يبرحَ الداء فؤادِي العليل = ولم أنل قصدي وحانَ الرحيل
وفات عمري وأنا جاهلٌ = كتابَ هذا الدهر جمّ الفصول
***
صفَا لكَ اليوم ورقَّ النسيم = وجالَ في الأزهارِ دمع الغيوم
ورجّعَ البلبل ألحانهُ = يقول هيّا اطرب وخلّ الهموم
***
الدرع لا تمنعُ سهم الأجل = والمال لا يدفعهُ إن نزل
وكلُّ ما في عيشنا زائلٌ = لا شىءَ يبقى غيرَ طيب العمل
***
اللهُ يدري كلُّ ما تُضمر = يعلمُ ما تُخفي وما تُظهر
وإن خدعتَ الناس لم تستطع = خدِاع مَن يطوي ومَن يَنشر
***
وإنَّما بالموت كلٌ رهين = فاطرب فما أنتَ مِن الخالدين
واشرب ولا تَحمل أسىً فادحاً = وخلّ حمل الهم للاحقين
***
رأيت خزّافاً رحاهُ تَدور = يجدُّ في صوغِ دنانِ الخمور
كأنهُ يخلطُ في طينها = جمجمة الشاهِ بساق الفقير
***
تمتلكُ الناس الهوى والغرور = وفتنةُ الغيدِ وسُكنى القصور
ولو تُزال الحجبُ بانت لهم = زخارف الدُنيا وعُقبى الأمور
***
إن الَّذي تأنس فيه الوفاء = لا يحفظ الودَّ وعهدَ الأخاء
فعاشر الناس علَى ريبةٍ = منهم ولا تُكثر مِن الأصدقاء
***
زاد الندى في الزهرِ حتى غدا = مُنحنياً مِن حملِ قطر الندى
والكُم قَد جمعَ أوراقهُ = فظلَّ في زهرِ الربى سيّدا
***
وأسعد الخلق الَّذي يُرزق = وبابهُ دونَ الورى مُغلق
لا سيَّد فيهم ولا خادم = لهم ولكن وادعٌ مُطلق
***
قلبي في صدري أسيرٌ سجين = تُخجلهُ عشرةُ ماءٍ وطين
وكم جرى عزمي بتحطيمه = فكانَ يَنهاني نداءُ اليقين
***
مصباحُ قلبي يستمدُ الضياء = مِن طلعةِ الغيدِ ذوات البهاء
لكنّني مثلَ الفراش الَّذي = يسعى إلى النّورِ وفيهِ الفناء
***
طبعي ائتناسي بالوجوه الحِسان = وديدني شرِبَ عِتاق الدِنان
فاجمع شتات الحظَّ وانعم بها = مِن قبلِ أن تطويكَ كفّ الزمان
***
تَعاقبُ الأيام يُدني الأجل = ومرّها يطويكَ طيّ السجِل
وسوف تَفنى وهي في كرّهِا = فقَضّ ما تغنمهُ في جذل
***
لا تَشغل البَال بماضي الزمان = ولا يآتي العيش قبلَ الأوان
واغنم مِن الحاضرِ لذّاتهِ = فليسَ في طبعِ اللَّيالي الأمان
***
قيلَ لدى الحشر يكون الحساب = فيغضب الله الشديدَ العقاب
وما انطوى الرحمن إلاّ علَى = إنالةِ الخير ومنح الثواب
***
كانَ الَّذي صوّرني يعلمُ = في الغيبِ ما أجني وما آثمُ
فكيفَ يجزيني علَى أنّني = أجرمتُ والجرمُ قضاً مبرمُ
***
هات اسقني كأس الطلى السلسلِ = وغنّني لحناً مع البلبلِ
فإنَّما الإبريق في صبهِ = يَحكي خرير الماء في الجدولِ
***
الخمَرُ في الكأسِ خيالٌ ظريف = وهي بجوفِ الدنّ روحٌ لطيف
أبعد ثقيل الظَّل عن مجلسي = فإنَّما للخمَر ظلٌ خفيف
***
بابُ نديمي ذو الثنايا الوضاح = وبيننا زهرٌ أنيقٌ وراح
وافتضَّ مِن لؤلؤِ أصدافها = فافترَّ في الآفاقِ ثغرُ الصباح
***
نارُ الهوى تمنعُ طيب المنام = وراحةُ النفس ولذُّ الطعام
وفاتر الحبُّ ضعيف اللّظى = منطفىء الشعلةَ خابي الضرام
***
القلبُ قَد أضناهُ عِشق الجمال = والصدرُ قَد ضاقَ بما لا يُقال
يا ربْ هل يُرضيك هذا الظما = والماءُ ينساب أمامي زُلال
***
خلقتني يا ربْ ماءً وطين = وصغتني ما شئتَ عزاً وهون
فما احتيالي والَّذي قَد جرى = كتبتهُ يا ربْ فوقَ الجبين
***
ويا فؤادي تلكَ دُنيا الخيال = فلا تنؤ تحتَ الهموم الثقال
وسلّم الأمر فمَحوَ الَّذي = خطّت يدُ المقدار أمرٌ مُحال
***
وإنَّما نحنُ رخاخ القضاء = ينقلنا في اللوحِ أنّى يشاء
وكلُّ مَن يفرغ مِن دورهِ = يُلقَى به في مستقّرِ الفناء
***
رأيتُ صفّاً مِن دنانٍ سرى = ما بينها همسُ حديثٍ جرى
كأنّها تسألُ : أينَ الَّذي = قَد صاغَنا أوباعَنا أو شرى
***
سطا البلى فاغتالَ أهلَ القبور = حتى غدوا فيها رُفاتاً نَثير
أينَ الطلى تتركني غائباً = أجهلُ أمر العيشَ حتى النشور
***
إذا سقاني الموت كأس الحمام = وضمَّكم بعدي مجال المدام
فأفردوا لي موضعي واشربوا = في ذكرِ مَن أضحى رهين الرجام
***
عن وجنة الأزهار شفَّ النقاب = وفي فؤادي راحةٌ للشراب
فلا تَنمْ فالشمس لما يزل = ضياؤها فوقَ الربى والهضاب
***
فكم علَى ظهرِ الثرى مِن نيام = وكم مِن الثاوينِ تحت الرغام
وأينما أرمي بعيني أرى = مشيّعاً أو لهزةً للحمام
***
يا ربْ في فهمك حَار البشرْ = وقصَّر العاجز والمقتدرْ
تَبعثُ نجواكَ وتبدو لهم = وهم بلا سمعٍ يعي أو بصَرْ
***
بيني وبينَ النفس حربٌ سجَال = وأنتَ يا ربي شديدَ المحُال
أنتظر العفو ولكنّني = خَجلان مِن علمك سوء الفعال
***
شقَّت يدُ الفجر سِتار الظلام = فانهض وناولني صبوح المدام
فكم تُحيّينا لهُ طلعةٌ = ونحنُ لا نملكُ ردَّ السلام
***
مُعاقروا الكأس وهم سادرون = وقائموا اللَّيل وهم ساجدون
غرقى حيارى في بحارِ الُنّهى = والله صاحٍ والورى غافلون
***
كُنّا فَصرنا قطرةٌ في عباب = عشنا وعُدنا ذرّةٌ في التراب
جئنا إلى الأرضِ ورحنا كما = دبَّ عليها النمل حيناً وغاب
***
لا أفضح السرّ لعالٍ ودون = ولا أطيل القول حتى يبَين
حالي لا أقوى علَى شرحها = وفي حنايا الصدر سرّي دفين
***
أولى بهذى الأعين الهاجده = أن تغتدي في أُنسها ساهده
تَنَّفَس الصبحُ فقم قبلَ أن = تحرمهُ أنَفَاسنا الهامده
***
هل في مجالِ السكون شىءٌ بديع = أحلى مِن الكأسِ وزهرُ الربيع
عجبتُ للخمّار هل يشترى = بمالهِ أحسنَ مما يبيع !0
***
هوى فؤادي في الطلى والحباب = وشجو أذني في سماعِ الرباب
إن يَصغْ الخزّاف مِن طينتي = كوباً فأترعُها ببرد الشراب
***
يا مدَّعي الزهدَ أنا أكرمُ = مِنكَ ، وعقلي ثملاً أحكمُ
تَستنزفُ الخلقَ وما أستقي = إلاّ دمُ الكرم فمَن آثمُ
***
الخمَرُ كالورد وكأس الشراب = شفّت فكانت مثل وردٍ مُذاب
كأنَّما البدر نَثا ضوءهِ = فكان حوَل الشّمس منهُ نقاب
***
لا تَحسبوا أنّي أخاف الزمان = أو أرهب الموت إذا الموت حان
الموت حقٌ . لَستُ أخشى الردى = وإنَّما أخشى فوات الأوان
***
لا طيبَ في الدُنيا بغيرِ الشراب = ولا شجيَّ فيها بغيرِ الرباب
فكّرت في أحوالهِا لم أجد = أمتعُ فيها مِن لقاءِ الصحاب
***
عش راضياً واهجر دواعي الألم = واعدل مع الظَالم مهما ظلَم
نهايةُ الدُنيا فناءٌ فَعش = فيها طليقاً واعتبرها عدم
***
لا تأمل الخلَّ المقيم الوفاء = فإنَّما أنتَ بدنيا الرياء
تحمَّل الداء ولا تلتمس = لهُ دواءً وانفرد بالشقاء
***
اليوم قَد طابَ زمان الشباب = وطابت النفس ولذَّ الشراب
فلا تَقُل كأس الطلى مُرّةٌ = فإنَّما فيها مِن العيشِ صاب
***
وليسَ هذا العيش خلداً مقيم = فما اهتمامي مُحدثٌ أم قديم
سنَترك الدُنيا فما بالنا = نضيّعُ منها لحظَات النعيم
***
حتَّامٌ يُغري النفس برقّ الرجاء = ويُفزع الخاطَر طيف الشقاء
هات اسقنيها لَستُ أدري إذا = صعَّدتُ أنفاسي رددتُ الهواء
***
دنياكَ ساعات سُراع الزوال = وإنَّما العُقبى خلود المآل
فهل تَبيع الخُلد يا غافلاً = وتشتري دنيا المُنى والضّلال
***
يامَن نسيتَ النار يوم الحساب = وعفَت أن تشربَ ماء المتَاب
أخافُ إن هبَّت رياح الردى = عليكَ أن يأنفَ مِنكَ التراب
***
يا قلب كم تشقى بهذا الوجود = وكلّ يوم لك همٌ جديد
وأنتِ يا روحي ماذا جنَتْ = نفسي وأُخراكِ رحيلٌ بَعيد
***
تناثرتْ أيام هذا العمرْ = تنَاثرُ الأوراق حوَل الشجرْ
فانعم مِن الدُنيا بلذّاتها = مِن قبلِ أن تسفيكَ كفّ القدر
***
لا توحشَ النفس بخوف الظّنون = واغنم مِن الحاضرِ أمَنْ اليقين
فقد تساوى في الثرى راحلٌ = غداً وماضٍ مِن ألوف السنين
***
مررتُ بالخزّاف في ضحوةٍ = يصوغُ كوب الخمَر مِن طينةٍ
أوسعَها دعّاً فقاَلت لهُ = هل أقفرَتْ نَفسُكَ مِن رحمةٍ
***
لو أنّني خُيَّرت أو كانَ لي = مفتاحُ باب القدر المقفلِ
لاخترتَ عن دنيا الأسى أنّني = لم أهبطَ الدُنيا ولم أرحلِ
***
هبطتُ هذا العيش في الآخرين = وعشتُ فيه عيشةَ الخاملين
ولا يوافيني بما ابتغي = فأينَ منّي عاصفات المنون
***
حكمكِ يا أقدار عين الضّلال = فأطلقيني آدُ نفسيَ العقال
إن تُقصري النّعمى علَى جاهلٍ = فلست مِن أهل الحِجا والكمَال
***
إذا سقاكَ الدهر كأس العذاب = فلا تُبنْ للناس وقعَ المصاب
واشرب علَى الأوتارِ . رنّانةٌ = مِن قبلِ أن تُحطّمَ كأس الشراب
***
لا بدَّ للعاشق مِن نشوةٍ = أو خفّةٍ في الطبعِ أو جنّةٍ
والصحو بابَ الحزن فاشرب تكنْ = عن حالةِ الأيام في غفلةٍ
***
أنا الَّذي عشتُ صريع العقار = في مجلسٍ تحييهِ كأسٌ تُدَار
فَعُد عن نصحي . لقد أصبحَت = هذى الطلى كلّ المُنى والخيَار
***
أعلمُ مِن أمري الَّذي قَد ظهَر = واسْتَشِفّ الباطن المستتر
عدمت فهمي أن تكنْ نشوتي = وراءها منزلةٌ تُنتَظَرْ
***
طارت بي الخمَر إلى منزلٍ = فوق السماك الشاهق الأعزلِ
فأصبحَتْ روحي في نجوةٍ = مِن طينِ هذا الجسد الأرذلِ
***
سئمتُ يا ربي حياةَ الألم = وزاد همّي الفقر لما ألمّ
ربي انتشلني مِن وجودي فقد = جعلتَ في الدُنيا وجودي عدَم
***
لم يخل قلبي مِن دواعي الهموم = أو تَرضَ نفسي عن وجودي الأليم
وكم تأدبتَ بأحداثهِ = ولم أزل في ليلِ جهلٍ بهيم
***
اللهُ قَد قدّر رزق العباد = فلا تؤمّل نيلَ كلّ المراد
ولا تُذِق نفسكَ مُرّ الأسى = فإنَّما أعمارنا للنفاد
***
إن الَّذي يعرف سرّ القضاء = يرى سواء سعده والشقاء
العيش فانٍ فلندع أمرهِ = أكانَ داءً مسَّنا أم دواء
***
يا طالب الدُنيا وقيتَ العثَار = دع أمل الربح وخوف الخسَار
واشرب عتيق الخمَر فهي التي = تفكَّ عن نفسك قيد الإسار
***
الكأس جسم روحهِ الساريه = هذى السلاف المزّةَ الصافيه
زجاجها قَد شفَّ حتى غدا = ماءً حوى نيرانها الجاريه
***
قَد ردّد الروض غناء الهزار = وارتاحت النفس لكأس العقار
تبّسم النّور فقم هاتها = نثأرُ مِن الأيامِ قبلَ الدمار
***
بي مِن جفاءِ الدهر همٌ طويل = ومِن شقاءِ العيش حزنٌ دخيل
قلبي كدنّ الخمَر يجري دماً = ومقلتي بالدمعِ كأسٌ تسيل
***
وكلّما راقبتُ حال الزمن = رأيتهُ يحرمُ أهل الفطن
سُبحان ربي . كلّما لاحَ لي = نجمٌ طوته ظُلمات المحَن
***
ماذا جنينا مِن متاعِ البقاء ؟ = ماذا لقينا في سبيلِ الفناء ؟
هل تُبصر العين دُخان الألى = صاروا رماداً في أتونِ القضاء
***
تلكَ القصور الشاهقات البناء = منازلُ العزّ ومجلى السناء
قَد نعبَ البوم علَى رسمِها = يصيحُ : أينَ المجد ، أينَ الثراء
***
هوّن علَى النفس احتمَال الهموم = واغنم صفَا العيش الَّذي لا يَدوم
لو كانت الدُنيا وفَتْ للألى = راحوا لما جاءكَ دور النعيم
***
وإنَّما الدهرُ مُذيق الكروب = نعيمهُ رهنٌ بكفّ الخطوب
ولو درى الهمّ الَّذي لم يجىء = دنيا الأسى لاختار دار الغيوب
***
صبَّتْ علينا وابلات البلاء = كأنّنا أعداء هذا القضاء
بينا تَرى الإبريق والكأس قَد = تَبادلا التقبيل حوَل الدماء
***
تفتّح النوَّار صبّ المدام = واخلَع ثياب الزهد بين الأنام
وهاتها مِن قبلِ سطو الردى = في مجلسٍ ضمّ الطلى والغرام
***
حَار الورى ما بين كفرٍ ودين = وأمعنوا في الشكِ أو في اليقين
وسوف يدعوهم مُنادي الردى = يقولُ ليسَ الحق ما تسلكون
***
نَصبتَ في الدُنيا شرِاك الهوى = وقلت أجزي كلّ قلبٍ غوى
أتنصب الفخَ لصيدي وإن = وقعتُ فيه قلتَ غاصٍ هوى
***
أنا الَّذي أبدعت مِن قدرتك = فعشتُ أرعى في حمى نعمتك
دعني إلى الآثام حتى أرى = كيفَ يذوب الإثمُ في رحمتك
***
إن تُفصل القطرةُ في بحرها = ففي مداهُ منتهى أمرها
تقاربتْ يا ربْ ما بيننا = مسافةَ البُعد علَى قدرها
***
وإنَّما الدُنيا خيالٍ يزول = وأمرنا فيها حديثٌ يطول
مشرقها بحرٌ بعيد المدى = وفي مداهُ سيكون الأفول
***
جهلتِ يا نفسي سرّ الوجود = وغبتِ في غورِ القضاء البعيد
فصوَّري مِن نشوتي جنّةً = فربما أُحرمَ دار الخلود
***
يا ورد أشبَهتَ خدود الحسان = ويا طلى حاكيتَ ذوب الجمان
وأنتَ يا حظَّي تَنكَّرْتَ لي = وكُنتَ مِن قبلِ الأخَ المستعان
***
أولى بكَ العشق وحسو الشراب = وحَنَّةُ النّاي ونوح الرباب
فأطلق النفس ولا تتصل = بزخرُف الدُنيا الوشيك الذهاب
***
لا تَشغل البَال بأمر القدر = واسمع حديثي يا قصير النظر
تنحْ واجلس قانعاً وادعاً = وانظر إلى لعبِ القضاء بالبشر
***
يا قلب إن ألقيتَ ثوب العناء = غدوتَ روحاً طاهراً في السماء
مقامك العرش ترى حطَّة = أنكَ في الأرضِ أطلتَ البقاء
***
إن الَّذي يَذبل زهر الربيع = ينثر أوراقَ وجودي الجميع
والهمُّ مثل السمَّ ترياقهُ = في الخمَرِ فاشرب قدَر ما تستطيع
***
زجاجةُ الخمَر ونصف الرغيف = وما حوى ديوان شعرٍ طريف
أحبُّ لي أن كُنتَ لي مُؤنساً = في بلقعٍ مِن كلّ مُلكٍ منيف
***
أتَسمع الديكَ أطاَل الصياح = وقَد بدا في الأفقِ نور الصباح
ما صاحَ إلاّ نادباً ليلة = ولَّتْ مِن العمرِ السريع الرواَح
***
علامَ تشقى في سبيلِ الألم = ما دمتَ تدري أنكَ ابن العدم
الدهرُ لا تجري مقاديرهُ = بأمرنا فارضْ بما قَد حكَم
***
تحملُ الداء كبير الرجاء = أنكَ يوماً ستنال الشفاء
واشكر علَى الفقر الَّذي إن يَرد = أصبحَت موفور الغِنى والثراء
***
ليتك يا ربي تُبيد الوجود = وتَخلق الأكوان خَلقاً جديد
فتُغفلَ اسمي أو تزيد الَّذي = قدّرتَ لي في الرزقِ بين العبيد
***
وصلتني بالنفس منذُ القدم = فكيفَ تفري شملَنا الملتئم
وكُنتَ ترعاني فماذا دعا = إلى اطراحي للأسى والألم
***
هات الطلى فالنفس عما قليل = توشكُ مِن فرطِ الأسى أن تسيل
عساي أنسى الهمَّ في نشوتي = مِن بعدِ رشفي كأسها السلسبيل
***
يا ساقي الخمَر أفق هاتها = ثمَّ اسقني سائلَ ياقوتها
فإنَّها تبعثُ مِن روحها = نفسي وتحيي ميّتَ لذّاتها
***
صبَّ مِن الإبريقِ صافي الدماء = واشرب وهات الكأس ذات النقاء
فليسَ بين الناس مَن ينطوي = علَى الَّذي في صدرها مِن صفَاء
***
أينَ طهور النفس عفُّ اليمين = وكيفَ كانت عيشةَ الصالحين
إن كُنتَ لا تَغفر ذنبي فما = فضلُكَ يا ربي علَى العالمين
***
ابدعتَ فينا بيَّنات العِبَر = وصغتنا يا ربْ شتّى الصور
فهل أطيق اليوم محوَ الَّذي = تركتهُ في خلقتي مِن أثر
***
طبائعُ الأنفس ركّبتها = فكيفَ تجزي أنفساً صغتها
وكيفَ تُفني كاملاً أو ترى = نقصاً بنفسٍ أنتَ صوّرتها
***
تُخفي عن الناس سنَا طلعتك = وكلُّ مافي الكون مِن صنعتك
فأنتَ مجلاهُ وأنتَ الَّذي = تَرى بديع الصُنع في آيتك
***
يا ربْ مهّد لي سبيلَ الرشاد = واكتب لي الراحةَ بعدَ الجهاد
وأحييِ في نفسي المُنى مثلما = يحيىَ موات الأرض صوب العهاد
***
لن يرجعَ المقدار فيما حكَم = وحملكَ الهمّ يُزيد الألم
ولو حزنتَ العمر لن يَنمَحي = ما خطّهُ في اللوحِ مُرّ القلم
***
ولىَّ الدجى قم هات كأسَ الشراب = كأنَّما الياقوت فيها مُذاب
واحرق مِن العودِ بخوراً وخذ = مِن غصنهِ المعطار واصنع رباب
***
الخمَرُ توليكَ نعيم الخلود = ولذّة الدُنيا وأُنس الوجود
تُحرقُ مثل النار لكنّها = تجعلُ نار الحزن ماءً بروَد
***
عيشي مِن أجلِ الطلى مستحيل = فإنَّها تشفي فؤادي العليل
ما أعذب الساقي إذا قالَ لي = تناول الكأس ورأسي يميل
***
أولى بهذا القلب أن يخفقا = وفي ضرامِ الحبّ أن يُحرَقا
ما أضيعَ اليوم الَّذي مَرّ بي = مِن غيرِ أن أهوى وأن أعشقا
***
سارع إلى الّلذات قبل المنون = فالعمر يطويهِ مرور السنين
ولَستُ كالأشجار إن قُلّمتْ = فروعها عادت رطاب الغصون
***
إنَّ الألى ذاقوا حياةَ الرغد = وأنجزَ الدهرُ لهم ما وعَد
قَد عصفَ الموت بهم فانطووا = واحتِضِنوا تحتَ تراب الأبد
***
نفسي خلت مِن أُنسِ تلكَ الصحاب = لما غدوا ثاوينَ تحتَ التراب
في مجلس العمر شربنا الطلى = فلم يفق منّا صَريعُ الشراب
***
ولَستُ مهما عشت أخشى العدَم = وإنَّما أخشى حياةَ الألم
أعارني الله حياتي وعن = حقوقهِ استرداد هذا النسَم
***
قالوا امتنع عن شربِ بنت الكروم = فإنّها تورث نار الجحيم
ولذّتي في شربِها ساعةٍ = تعدلُ في عينيّ جِنان النعيم
***
إن دارتْ الكأس ولذَّ الشراب = فكنْ رضيّ النفس بين الصحاب
واشرب فما يجدُ بكَ هجَر الطلى = إن كانَ مقدوراً عليكَ العذاب
***
شيئان في الدُنيا هما أفضلُ = في كلّ ما تنوي وما تعملُ
لا تتّخذ كلَّ الورى صاحباً = ولا تنل مِن ما يؤكلُ
***
لو كانَ لي قدرةَ ربٌ مجيد = خَلَقتَ هذا الكون خَلقاً جديد
يكون فيهِ غير دُنيا الأسى = دُنيا يعيشُ الحر فيها سعيد
***
إذا بلغتَ المجد قالوا زنيم = وإن لزمتَ الدار قالوا لئيم
فجانب الناس ولا تلتمس = معرفةً تُورث حَمل الهموم
***
خيرٌ لي العشق وكأس المدام = مِن ادعاءِ الزهد والاحتشام
لو كانت النار لمثلي خلَت = جنّات عدن مِن جميعِ الأنام
***
عبدكَ عاصٍ أينَ مِنكَ الرضاء = وقلبهُ داجٍ فأينَ الضياء
إن كانت الجنّةُ مقصورةً = علَى المطيعين فأينَ العطاء
***
أهل الحِجا والفضل هذى العقول = قَد حاولوا فهَم القضاء الجليل
فحدّثونا بعض أوهامهم = ثم احتواهم ليلُ نومٍ طويل
***
يا عالم الأسرار علمَ اليقينْ = يا كاشف الضّرَ عن البائسينْ
يا قابل الأعذار فئنا إلى = ظلّك فأقبل توبةَ التائبينْ
نقلا من كتاب رباعيات الخيام ,, لـ احمد رامي
اقدم لكم قصيدة رباعيات الخيام ومقدمه بسيطه
حقيقه كنت اقراها بكتاب فحبيت انقلها لكم
المقدمه :
ولد غياث الدين أبو الفتح عم بن إبراهيم الخيام في نيسابور عاصمة خرسان حوالي سنة 433هـ (1040م) في عهد السلطان أرطعورل أول ملوك السلاجقة . وذاعت شهرته في عهد السلطان ملك شاه , وتوفي حوالي سنة 517هـ , (1123م) في عهد السلطان سنجر .
رباعيات الخيام :
سمعتُ صوتاً هاتفاً في السّحَر = نادى مِن الحانِ : غُفاة البشَر
هبُّوا املأوا كأس الطلى قبَل أن = تَفعم كأس العمرْ كفّ القدَر
***
أحسُّ في نفسي دبيب الفناء= ولم أصَب في العيشِ إلاّ الشقاء
يا حسرتا إن حانَ حيني ولم = يُتحْ لفكري حلّ لُغز القضاء
***
أفق وهات الكأس أنعمُ بها = واكشف خفايا النفس مِن حُجبها
وروّ أوصالي بها قَبلَما = يُصاغ دنّ الخمَر مِن تُربها
***
تروحُ أيامي ولا تغتدي = كما تهبُّ الريح في الفدفدِ
وما طويتَ النفس هماً عَلى = يومين : أمسْ المنقضى والغدِ
***
غدٌ بِظَهْرِ الغيب واليوم لي = وكم يخيبُ الظنُّ في المقبلِ
ولَستُ بالغافلِ حتى أرى = جمالَ دنيايَ ولا أجتلي
***
سمعتُ في حلمي صوتاً أهابَ = ما فتَّق النّوم كمام الشبابَ
أفق فإنَّ النّوم صنو الردى = واشرب فمثواكَ فراش الترابَ
***
قَد مزَّق البدرُ سنَار الظلام = فأغنم صفَا الوقت وهات المدام
واطرب فإنَّ البدر مِن بعدنا = يسري علينا في طباقِ الرغام
***
سأنتحي الموتَ حثيث الورود= ويَنمحي اسمي مِن سجِل الوجود
هات أسقنيها يا مُنى خاطري= فغايةُ الأيام طولْ الهجود
***
هات أسقنيها أيهذا النديم= أخضَب مِن الوجهِ اصِفرار الهموم
وإن أمُتْ فاجعَل غسولي الطلى= وقدَّ نعشيَ مِن فروعِ الكروم
***
إن تُقتلَع مِن أصلِها سُرحتي= وتصبحُ الأغصان قَد جفَّت
فصغْ وعاء الخمَر مِن طينتي = واملأهُ تسرِ الروح في جثتي
***
لَبستُ ثوبَ العيش لم أُستشَر = وحرتُ فيه بين شتّى الفِكَر
وسوفَ أنضو الثوب عنّي ولم = أُدرك لماذا جئتُ ، أينَ المقر
***
نمضي وتبقى العيشةُ الراضية = وتنمحي آثارُنا الماضية
فقَبل أن نَحيا ومِن بعدِنا = وهذه الدُنيا علَى ما هيه
***
طَوت يدُ الأقدار سفرَ الشباب = وصوَّحت تلكَ الغصون الرطاب
وقَد شدا طيرُ الصبى واختفى = متى أتى . يا لهفا . أينَ غاب
***
الدهرُ لا يعطي الَّذي نأمل = وفي سبيلِ اليأس ما نَعمَل
ونحنُ في الدُنيا علَى همّها= يسُوقنا حادي الردى المُعجّل
***
أفق خفيفَ الظَّل هذا السّحَر = وهاتها صرفاً ونَاغِ الوتر
فما أطاَل النّوم عمراً ولا = قصَّر في الأعمارِ طول السهَر
***
اشرب فمثواكََ التراب المهيلِ= بلا حبيب مؤنسٍ أو خليل
وانشق عبير العيش في فجرهِ = فليسَ يزهو الورد بعدَ الذبولِ
***
كم آلم الدهر فؤاداً طعين= وأسلم الروح ظعين حزين
وليسَ ممَن فاتَنا عائدٌ = أسألهُ عن حالةِ الراحلين
***
يا دهرُ أكثرت البلى والخراب = وَسُمْتَ كُلّ الناس سوء العذاب
ويا ثرى كم فيكَ مِن جوهرٍ = يبينْ لو يُنبَش هذا التراب
***
وكم توالى الليل بعدَ النهار = وطالَ بالأنجمِ هذا المدار
فامشِ الهوينا إنَّ هذا الثرى = مِن أعينٌ ساحرةِ الأحورار
***
أينَ النديم السمح أينَ الصبوح = فقد أمضَّ الهمّ قلبي الجريح
ثلاثةٌ هنّ أحبُّ المُنى = كأسٌ وأنغامٌ ووجهٌ صبيح
***
نفُوسنا ترضى احتِكام الشراب = أرواحنا تفدى الثنايا العِذاب
وروح هذا الدنَّ نستّلهُ = ونستقيهِ سائِغاً مُستطَاب
***
يا نفسَ ماهذا الأسى والكدر= قَد وقعَ الإثم وضاع الحذر
هَل ذاقَ حلو العفوَ إلاّ الَّذي = أذنبَ والله عفَا واغتفر
***
نلبسُ بينَ الناس ثوب الرياء = ونحنُ في قبضةِ كفّ القضاء
وكم سعينا نرتجي مهرباً = فكانَ مسعَانَا جميعاً هباء
***
لم تَفتَحَ الأنفسَ باب الغيوب = حتى تَرى كيفَ تسأم القلوب
ما أتعس القلبَ الَّذي لم يَكد = يلتأم حتى أنكأتهُ الخطوب
***
عامل كاهليك الغريب الوفي = واقطع مِن الأهلِ الَّذي لا يفي
وعِف زلالاً ليسَ فيه الشفا = واشرب زعافَ السمّ لو تشتفي
***
أحسن إلى الأعداء والأصدقاء = فإنَّما أُنس القلوب الصفَاء
واغفر لأصحابكَ زلاّتهم = وسامح الأعداء تَمْحُ العِداء
***
عاشر مِن الناسِ كبار العقول = وجانب الجهّال أهل الفضول
واشرب نقيعَ السمّ مِن عاقلٍ= واسكب علَى الأرضِ دواء الجهول
***
يا تارك الخمرَ لماذا تلوم = دعني إلى ربي الغفور الرحيم
ولا تُفاخرني بهجرِ الطلى = فأنتَ جانِ في سوِاها أثيم
***
أطفىء لظَى القلب ببرد الشراب = فإنَّما الأيام مثلَ السحَاب
وعيشُنا طيف خيالٍ ، فَنل = حظّكَ منهُ قبلَ فوَت الشباب
***
بستانُ أيامك نامي الشجَر = فكيفَ لا تقطفُ غضّ الثمَر
اشرب فهذا اليوم إن أدبرت = به اللَّيالي لم يعدهُ القدر
***
جادت بساط الروض كفُّ السحَاب = فنزّه الطرفَ وهات الشراب
فهذه الخضرةَ مِن بِعدنا = تنمو علَى أجسادِنا في التراب
***
وإن توافِ العشب عندَ الغدير = وقَد كسَا الأرض بساطاً نضير
فامشِ الهوينا فوقهُ . إنه = غذّتهُ أوصالُ حبيبٌ طرير
***
يا نَفس قَد آدكِ حملُ الحزن = يا روح مقدور فُراق البدن
إقطف أزاهير المُنى قبلَ أن = يجفَّ مِن عيشك غضّ الفنن
***
يحلو ارتشاف الخمَر عندَ الربيع = ونشرُ أزهار الروابي يضوع
وتعذّب الشكوى إلى فاتنٍ = علَى شفا الوادي الخصيب الينيع
***
فلا تَتب عن حسوِ هذا الشراب = فإنَّما تَندمُ بعدَ المتَاب
وكيفَ تصحو وطيور الربى = صدّاحةٌ والروض غضّ الجناب
***
زخارفُ الدُنيا أساس الألم = وطالبُ الدُنيا نديم الندم
فكن خليَّ البال مِن أمرها = فكلُّ ما فيها شقاءٌ وهم
***
وأسعدْ الخلقْ قليل الفضول = مَن يهجر الناس ويرضى القليل
كأنهُ عنقاءَ عندَ السّهى = لا بومةٌ تنعبُ بينَ الطلول
***
مَن يحسبَ المال أحبَّ المُنى = ويزرع الأرضَ يريد الغِنى
يفارق الدُنيا ولم يُختَبر= في كدَّهِ أحوال هذى الدُنى
***
سرى بجسمي الغضَّ ماء الفناء = وسار في روحي لهيب الشقاء
وهمتُ مثلَ الريحَ حتى ذرَت = تُرابَ جسمي عاصفات القضاء
***
يامَن يَحارُ الفَهمُ في قدرتك = وتطلبُ النَفسُ حمى طاعتك
أسكرَني الإثمُ ولكنّني = صحوَت بالآمال في رحمتك
***
لم أشرب الخمَر ابتغاء الطرَب = ولا دعتني قلّةٌ في الأدب
لكنَّ إحساسي نزّاعاً إلى = إطلاق نفسي كانَ كلّ السبب
***
أفنيتُ عمري في اكتناهِ القضاء = وكشفُ ما يحجبهُ في الخفاء
فلم أجد أسرارهُ وانقضى = عمري وأحسستُ دبيب الفناء
***
أطاَل أهل الأنَفس الباصره = تفكيرهم في ذاتِك القادره
ولم تزلْ يا ربْ أفهامهم = حيرى كهذى الأنجمُ الحائره
***
لم يجنِ شيئاً مِن حياتي الوجود = ولن يضير الكون أنَّي أُبيد
وا حيرتي ما قالَ لي قائلٌ = ماذا اشتعالُ الروح ! كيفَ الخمود
***
إذا انطوى عيشي وحانَ الأجل = وسدَّ في وجهي باب الأمل
قَرَّ حبَاب العمر في كأسهِ = فَصَّبها للموتِ ساقي الأزل
***
إن لم أكنْ أخلصتُ في طاعتك = فإنّني أطمعُ في رحمتك
وإنَّما يشفعُ لي أنّني = قَد عشتُ لا أُشرك في وحدتك
***
يا ربْ هيىء سببَ الرزق لي = ولا تذقني منّةَ المُفضلِ
وابقني نشوانَ كيما أرى = روحي نَجتْ مِن دائِها المعضلِ
***
أفنيت عمري في ارتقابِ المُنى = ولم أذق في العيشِ طعم الهنا
وإنَّني أُشفقَ أن يَنقَضي = عمري وما فارقت هذا العَنا
***
لم يبرحَ الداء فؤادِي العليل = ولم أنل قصدي وحانَ الرحيل
وفات عمري وأنا جاهلٌ = كتابَ هذا الدهر جمّ الفصول
***
صفَا لكَ اليوم ورقَّ النسيم = وجالَ في الأزهارِ دمع الغيوم
ورجّعَ البلبل ألحانهُ = يقول هيّا اطرب وخلّ الهموم
***
الدرع لا تمنعُ سهم الأجل = والمال لا يدفعهُ إن نزل
وكلُّ ما في عيشنا زائلٌ = لا شىءَ يبقى غيرَ طيب العمل
***
اللهُ يدري كلُّ ما تُضمر = يعلمُ ما تُخفي وما تُظهر
وإن خدعتَ الناس لم تستطع = خدِاع مَن يطوي ومَن يَنشر
***
وإنَّما بالموت كلٌ رهين = فاطرب فما أنتَ مِن الخالدين
واشرب ولا تَحمل أسىً فادحاً = وخلّ حمل الهم للاحقين
***
رأيت خزّافاً رحاهُ تَدور = يجدُّ في صوغِ دنانِ الخمور
كأنهُ يخلطُ في طينها = جمجمة الشاهِ بساق الفقير
***
تمتلكُ الناس الهوى والغرور = وفتنةُ الغيدِ وسُكنى القصور
ولو تُزال الحجبُ بانت لهم = زخارف الدُنيا وعُقبى الأمور
***
إن الَّذي تأنس فيه الوفاء = لا يحفظ الودَّ وعهدَ الأخاء
فعاشر الناس علَى ريبةٍ = منهم ولا تُكثر مِن الأصدقاء
***
زاد الندى في الزهرِ حتى غدا = مُنحنياً مِن حملِ قطر الندى
والكُم قَد جمعَ أوراقهُ = فظلَّ في زهرِ الربى سيّدا
***
وأسعد الخلق الَّذي يُرزق = وبابهُ دونَ الورى مُغلق
لا سيَّد فيهم ولا خادم = لهم ولكن وادعٌ مُطلق
***
قلبي في صدري أسيرٌ سجين = تُخجلهُ عشرةُ ماءٍ وطين
وكم جرى عزمي بتحطيمه = فكانَ يَنهاني نداءُ اليقين
***
مصباحُ قلبي يستمدُ الضياء = مِن طلعةِ الغيدِ ذوات البهاء
لكنّني مثلَ الفراش الَّذي = يسعى إلى النّورِ وفيهِ الفناء
***
طبعي ائتناسي بالوجوه الحِسان = وديدني شرِبَ عِتاق الدِنان
فاجمع شتات الحظَّ وانعم بها = مِن قبلِ أن تطويكَ كفّ الزمان
***
تَعاقبُ الأيام يُدني الأجل = ومرّها يطويكَ طيّ السجِل
وسوف تَفنى وهي في كرّهِا = فقَضّ ما تغنمهُ في جذل
***
لا تَشغل البَال بماضي الزمان = ولا يآتي العيش قبلَ الأوان
واغنم مِن الحاضرِ لذّاتهِ = فليسَ في طبعِ اللَّيالي الأمان
***
قيلَ لدى الحشر يكون الحساب = فيغضب الله الشديدَ العقاب
وما انطوى الرحمن إلاّ علَى = إنالةِ الخير ومنح الثواب
***
كانَ الَّذي صوّرني يعلمُ = في الغيبِ ما أجني وما آثمُ
فكيفَ يجزيني علَى أنّني = أجرمتُ والجرمُ قضاً مبرمُ
***
هات اسقني كأس الطلى السلسلِ = وغنّني لحناً مع البلبلِ
فإنَّما الإبريق في صبهِ = يَحكي خرير الماء في الجدولِ
***
الخمَرُ في الكأسِ خيالٌ ظريف = وهي بجوفِ الدنّ روحٌ لطيف
أبعد ثقيل الظَّل عن مجلسي = فإنَّما للخمَر ظلٌ خفيف
***
بابُ نديمي ذو الثنايا الوضاح = وبيننا زهرٌ أنيقٌ وراح
وافتضَّ مِن لؤلؤِ أصدافها = فافترَّ في الآفاقِ ثغرُ الصباح
***
نارُ الهوى تمنعُ طيب المنام = وراحةُ النفس ولذُّ الطعام
وفاتر الحبُّ ضعيف اللّظى = منطفىء الشعلةَ خابي الضرام
***
القلبُ قَد أضناهُ عِشق الجمال = والصدرُ قَد ضاقَ بما لا يُقال
يا ربْ هل يُرضيك هذا الظما = والماءُ ينساب أمامي زُلال
***
خلقتني يا ربْ ماءً وطين = وصغتني ما شئتَ عزاً وهون
فما احتيالي والَّذي قَد جرى = كتبتهُ يا ربْ فوقَ الجبين
***
ويا فؤادي تلكَ دُنيا الخيال = فلا تنؤ تحتَ الهموم الثقال
وسلّم الأمر فمَحوَ الَّذي = خطّت يدُ المقدار أمرٌ مُحال
***
وإنَّما نحنُ رخاخ القضاء = ينقلنا في اللوحِ أنّى يشاء
وكلُّ مَن يفرغ مِن دورهِ = يُلقَى به في مستقّرِ الفناء
***
رأيتُ صفّاً مِن دنانٍ سرى = ما بينها همسُ حديثٍ جرى
كأنّها تسألُ : أينَ الَّذي = قَد صاغَنا أوباعَنا أو شرى
***
سطا البلى فاغتالَ أهلَ القبور = حتى غدوا فيها رُفاتاً نَثير
أينَ الطلى تتركني غائباً = أجهلُ أمر العيشَ حتى النشور
***
إذا سقاني الموت كأس الحمام = وضمَّكم بعدي مجال المدام
فأفردوا لي موضعي واشربوا = في ذكرِ مَن أضحى رهين الرجام
***
عن وجنة الأزهار شفَّ النقاب = وفي فؤادي راحةٌ للشراب
فلا تَنمْ فالشمس لما يزل = ضياؤها فوقَ الربى والهضاب
***
فكم علَى ظهرِ الثرى مِن نيام = وكم مِن الثاوينِ تحت الرغام
وأينما أرمي بعيني أرى = مشيّعاً أو لهزةً للحمام
***
يا ربْ في فهمك حَار البشرْ = وقصَّر العاجز والمقتدرْ
تَبعثُ نجواكَ وتبدو لهم = وهم بلا سمعٍ يعي أو بصَرْ
***
بيني وبينَ النفس حربٌ سجَال = وأنتَ يا ربي شديدَ المحُال
أنتظر العفو ولكنّني = خَجلان مِن علمك سوء الفعال
***
شقَّت يدُ الفجر سِتار الظلام = فانهض وناولني صبوح المدام
فكم تُحيّينا لهُ طلعةٌ = ونحنُ لا نملكُ ردَّ السلام
***
مُعاقروا الكأس وهم سادرون = وقائموا اللَّيل وهم ساجدون
غرقى حيارى في بحارِ الُنّهى = والله صاحٍ والورى غافلون
***
كُنّا فَصرنا قطرةٌ في عباب = عشنا وعُدنا ذرّةٌ في التراب
جئنا إلى الأرضِ ورحنا كما = دبَّ عليها النمل حيناً وغاب
***
لا أفضح السرّ لعالٍ ودون = ولا أطيل القول حتى يبَين
حالي لا أقوى علَى شرحها = وفي حنايا الصدر سرّي دفين
***
أولى بهذى الأعين الهاجده = أن تغتدي في أُنسها ساهده
تَنَّفَس الصبحُ فقم قبلَ أن = تحرمهُ أنَفَاسنا الهامده
***
هل في مجالِ السكون شىءٌ بديع = أحلى مِن الكأسِ وزهرُ الربيع
عجبتُ للخمّار هل يشترى = بمالهِ أحسنَ مما يبيع !0
***
هوى فؤادي في الطلى والحباب = وشجو أذني في سماعِ الرباب
إن يَصغْ الخزّاف مِن طينتي = كوباً فأترعُها ببرد الشراب
***
يا مدَّعي الزهدَ أنا أكرمُ = مِنكَ ، وعقلي ثملاً أحكمُ
تَستنزفُ الخلقَ وما أستقي = إلاّ دمُ الكرم فمَن آثمُ
***
الخمَرُ كالورد وكأس الشراب = شفّت فكانت مثل وردٍ مُذاب
كأنَّما البدر نَثا ضوءهِ = فكان حوَل الشّمس منهُ نقاب
***
لا تَحسبوا أنّي أخاف الزمان = أو أرهب الموت إذا الموت حان
الموت حقٌ . لَستُ أخشى الردى = وإنَّما أخشى فوات الأوان
***
لا طيبَ في الدُنيا بغيرِ الشراب = ولا شجيَّ فيها بغيرِ الرباب
فكّرت في أحوالهِا لم أجد = أمتعُ فيها مِن لقاءِ الصحاب
***
عش راضياً واهجر دواعي الألم = واعدل مع الظَالم مهما ظلَم
نهايةُ الدُنيا فناءٌ فَعش = فيها طليقاً واعتبرها عدم
***
لا تأمل الخلَّ المقيم الوفاء = فإنَّما أنتَ بدنيا الرياء
تحمَّل الداء ولا تلتمس = لهُ دواءً وانفرد بالشقاء
***
اليوم قَد طابَ زمان الشباب = وطابت النفس ولذَّ الشراب
فلا تَقُل كأس الطلى مُرّةٌ = فإنَّما فيها مِن العيشِ صاب
***
وليسَ هذا العيش خلداً مقيم = فما اهتمامي مُحدثٌ أم قديم
سنَترك الدُنيا فما بالنا = نضيّعُ منها لحظَات النعيم
***
حتَّامٌ يُغري النفس برقّ الرجاء = ويُفزع الخاطَر طيف الشقاء
هات اسقنيها لَستُ أدري إذا = صعَّدتُ أنفاسي رددتُ الهواء
***
دنياكَ ساعات سُراع الزوال = وإنَّما العُقبى خلود المآل
فهل تَبيع الخُلد يا غافلاً = وتشتري دنيا المُنى والضّلال
***
يامَن نسيتَ النار يوم الحساب = وعفَت أن تشربَ ماء المتَاب
أخافُ إن هبَّت رياح الردى = عليكَ أن يأنفَ مِنكَ التراب
***
يا قلب كم تشقى بهذا الوجود = وكلّ يوم لك همٌ جديد
وأنتِ يا روحي ماذا جنَتْ = نفسي وأُخراكِ رحيلٌ بَعيد
***
تناثرتْ أيام هذا العمرْ = تنَاثرُ الأوراق حوَل الشجرْ
فانعم مِن الدُنيا بلذّاتها = مِن قبلِ أن تسفيكَ كفّ القدر
***
لا توحشَ النفس بخوف الظّنون = واغنم مِن الحاضرِ أمَنْ اليقين
فقد تساوى في الثرى راحلٌ = غداً وماضٍ مِن ألوف السنين
***
مررتُ بالخزّاف في ضحوةٍ = يصوغُ كوب الخمَر مِن طينةٍ
أوسعَها دعّاً فقاَلت لهُ = هل أقفرَتْ نَفسُكَ مِن رحمةٍ
***
لو أنّني خُيَّرت أو كانَ لي = مفتاحُ باب القدر المقفلِ
لاخترتَ عن دنيا الأسى أنّني = لم أهبطَ الدُنيا ولم أرحلِ
***
هبطتُ هذا العيش في الآخرين = وعشتُ فيه عيشةَ الخاملين
ولا يوافيني بما ابتغي = فأينَ منّي عاصفات المنون
***
حكمكِ يا أقدار عين الضّلال = فأطلقيني آدُ نفسيَ العقال
إن تُقصري النّعمى علَى جاهلٍ = فلست مِن أهل الحِجا والكمَال
***
إذا سقاكَ الدهر كأس العذاب = فلا تُبنْ للناس وقعَ المصاب
واشرب علَى الأوتارِ . رنّانةٌ = مِن قبلِ أن تُحطّمَ كأس الشراب
***
لا بدَّ للعاشق مِن نشوةٍ = أو خفّةٍ في الطبعِ أو جنّةٍ
والصحو بابَ الحزن فاشرب تكنْ = عن حالةِ الأيام في غفلةٍ
***
أنا الَّذي عشتُ صريع العقار = في مجلسٍ تحييهِ كأسٌ تُدَار
فَعُد عن نصحي . لقد أصبحَت = هذى الطلى كلّ المُنى والخيَار
***
أعلمُ مِن أمري الَّذي قَد ظهَر = واسْتَشِفّ الباطن المستتر
عدمت فهمي أن تكنْ نشوتي = وراءها منزلةٌ تُنتَظَرْ
***
طارت بي الخمَر إلى منزلٍ = فوق السماك الشاهق الأعزلِ
فأصبحَتْ روحي في نجوةٍ = مِن طينِ هذا الجسد الأرذلِ
***
سئمتُ يا ربي حياةَ الألم = وزاد همّي الفقر لما ألمّ
ربي انتشلني مِن وجودي فقد = جعلتَ في الدُنيا وجودي عدَم
***
لم يخل قلبي مِن دواعي الهموم = أو تَرضَ نفسي عن وجودي الأليم
وكم تأدبتَ بأحداثهِ = ولم أزل في ليلِ جهلٍ بهيم
***
اللهُ قَد قدّر رزق العباد = فلا تؤمّل نيلَ كلّ المراد
ولا تُذِق نفسكَ مُرّ الأسى = فإنَّما أعمارنا للنفاد
***
إن الَّذي يعرف سرّ القضاء = يرى سواء سعده والشقاء
العيش فانٍ فلندع أمرهِ = أكانَ داءً مسَّنا أم دواء
***
يا طالب الدُنيا وقيتَ العثَار = دع أمل الربح وخوف الخسَار
واشرب عتيق الخمَر فهي التي = تفكَّ عن نفسك قيد الإسار
***
الكأس جسم روحهِ الساريه = هذى السلاف المزّةَ الصافيه
زجاجها قَد شفَّ حتى غدا = ماءً حوى نيرانها الجاريه
***
قَد ردّد الروض غناء الهزار = وارتاحت النفس لكأس العقار
تبّسم النّور فقم هاتها = نثأرُ مِن الأيامِ قبلَ الدمار
***
بي مِن جفاءِ الدهر همٌ طويل = ومِن شقاءِ العيش حزنٌ دخيل
قلبي كدنّ الخمَر يجري دماً = ومقلتي بالدمعِ كأسٌ تسيل
***
وكلّما راقبتُ حال الزمن = رأيتهُ يحرمُ أهل الفطن
سُبحان ربي . كلّما لاحَ لي = نجمٌ طوته ظُلمات المحَن
***
ماذا جنينا مِن متاعِ البقاء ؟ = ماذا لقينا في سبيلِ الفناء ؟
هل تُبصر العين دُخان الألى = صاروا رماداً في أتونِ القضاء
***
تلكَ القصور الشاهقات البناء = منازلُ العزّ ومجلى السناء
قَد نعبَ البوم علَى رسمِها = يصيحُ : أينَ المجد ، أينَ الثراء
***
هوّن علَى النفس احتمَال الهموم = واغنم صفَا العيش الَّذي لا يَدوم
لو كانت الدُنيا وفَتْ للألى = راحوا لما جاءكَ دور النعيم
***
وإنَّما الدهرُ مُذيق الكروب = نعيمهُ رهنٌ بكفّ الخطوب
ولو درى الهمّ الَّذي لم يجىء = دنيا الأسى لاختار دار الغيوب
***
صبَّتْ علينا وابلات البلاء = كأنّنا أعداء هذا القضاء
بينا تَرى الإبريق والكأس قَد = تَبادلا التقبيل حوَل الدماء
***
تفتّح النوَّار صبّ المدام = واخلَع ثياب الزهد بين الأنام
وهاتها مِن قبلِ سطو الردى = في مجلسٍ ضمّ الطلى والغرام
***
حَار الورى ما بين كفرٍ ودين = وأمعنوا في الشكِ أو في اليقين
وسوف يدعوهم مُنادي الردى = يقولُ ليسَ الحق ما تسلكون
***
نَصبتَ في الدُنيا شرِاك الهوى = وقلت أجزي كلّ قلبٍ غوى
أتنصب الفخَ لصيدي وإن = وقعتُ فيه قلتَ غاصٍ هوى
***
أنا الَّذي أبدعت مِن قدرتك = فعشتُ أرعى في حمى نعمتك
دعني إلى الآثام حتى أرى = كيفَ يذوب الإثمُ في رحمتك
***
إن تُفصل القطرةُ في بحرها = ففي مداهُ منتهى أمرها
تقاربتْ يا ربْ ما بيننا = مسافةَ البُعد علَى قدرها
***
وإنَّما الدُنيا خيالٍ يزول = وأمرنا فيها حديثٌ يطول
مشرقها بحرٌ بعيد المدى = وفي مداهُ سيكون الأفول
***
جهلتِ يا نفسي سرّ الوجود = وغبتِ في غورِ القضاء البعيد
فصوَّري مِن نشوتي جنّةً = فربما أُحرمَ دار الخلود
***
يا ورد أشبَهتَ خدود الحسان = ويا طلى حاكيتَ ذوب الجمان
وأنتَ يا حظَّي تَنكَّرْتَ لي = وكُنتَ مِن قبلِ الأخَ المستعان
***
أولى بكَ العشق وحسو الشراب = وحَنَّةُ النّاي ونوح الرباب
فأطلق النفس ولا تتصل = بزخرُف الدُنيا الوشيك الذهاب
***
لا تَشغل البَال بأمر القدر = واسمع حديثي يا قصير النظر
تنحْ واجلس قانعاً وادعاً = وانظر إلى لعبِ القضاء بالبشر
***
يا قلب إن ألقيتَ ثوب العناء = غدوتَ روحاً طاهراً في السماء
مقامك العرش ترى حطَّة = أنكَ في الأرضِ أطلتَ البقاء
***
إن الَّذي يَذبل زهر الربيع = ينثر أوراقَ وجودي الجميع
والهمُّ مثل السمَّ ترياقهُ = في الخمَرِ فاشرب قدَر ما تستطيع
***
زجاجةُ الخمَر ونصف الرغيف = وما حوى ديوان شعرٍ طريف
أحبُّ لي أن كُنتَ لي مُؤنساً = في بلقعٍ مِن كلّ مُلكٍ منيف
***
أتَسمع الديكَ أطاَل الصياح = وقَد بدا في الأفقِ نور الصباح
ما صاحَ إلاّ نادباً ليلة = ولَّتْ مِن العمرِ السريع الرواَح
***
علامَ تشقى في سبيلِ الألم = ما دمتَ تدري أنكَ ابن العدم
الدهرُ لا تجري مقاديرهُ = بأمرنا فارضْ بما قَد حكَم
***
تحملُ الداء كبير الرجاء = أنكَ يوماً ستنال الشفاء
واشكر علَى الفقر الَّذي إن يَرد = أصبحَت موفور الغِنى والثراء
***
ليتك يا ربي تُبيد الوجود = وتَخلق الأكوان خَلقاً جديد
فتُغفلَ اسمي أو تزيد الَّذي = قدّرتَ لي في الرزقِ بين العبيد
***
وصلتني بالنفس منذُ القدم = فكيفَ تفري شملَنا الملتئم
وكُنتَ ترعاني فماذا دعا = إلى اطراحي للأسى والألم
***
هات الطلى فالنفس عما قليل = توشكُ مِن فرطِ الأسى أن تسيل
عساي أنسى الهمَّ في نشوتي = مِن بعدِ رشفي كأسها السلسبيل
***
يا ساقي الخمَر أفق هاتها = ثمَّ اسقني سائلَ ياقوتها
فإنَّها تبعثُ مِن روحها = نفسي وتحيي ميّتَ لذّاتها
***
صبَّ مِن الإبريقِ صافي الدماء = واشرب وهات الكأس ذات النقاء
فليسَ بين الناس مَن ينطوي = علَى الَّذي في صدرها مِن صفَاء
***
أينَ طهور النفس عفُّ اليمين = وكيفَ كانت عيشةَ الصالحين
إن كُنتَ لا تَغفر ذنبي فما = فضلُكَ يا ربي علَى العالمين
***
ابدعتَ فينا بيَّنات العِبَر = وصغتنا يا ربْ شتّى الصور
فهل أطيق اليوم محوَ الَّذي = تركتهُ في خلقتي مِن أثر
***
طبائعُ الأنفس ركّبتها = فكيفَ تجزي أنفساً صغتها
وكيفَ تُفني كاملاً أو ترى = نقصاً بنفسٍ أنتَ صوّرتها
***
تُخفي عن الناس سنَا طلعتك = وكلُّ مافي الكون مِن صنعتك
فأنتَ مجلاهُ وأنتَ الَّذي = تَرى بديع الصُنع في آيتك
***
يا ربْ مهّد لي سبيلَ الرشاد = واكتب لي الراحةَ بعدَ الجهاد
وأحييِ في نفسي المُنى مثلما = يحيىَ موات الأرض صوب العهاد
***
لن يرجعَ المقدار فيما حكَم = وحملكَ الهمّ يُزيد الألم
ولو حزنتَ العمر لن يَنمَحي = ما خطّهُ في اللوحِ مُرّ القلم
***
ولىَّ الدجى قم هات كأسَ الشراب = كأنَّما الياقوت فيها مُذاب
واحرق مِن العودِ بخوراً وخذ = مِن غصنهِ المعطار واصنع رباب
***
الخمَرُ توليكَ نعيم الخلود = ولذّة الدُنيا وأُنس الوجود
تُحرقُ مثل النار لكنّها = تجعلُ نار الحزن ماءً بروَد
***
عيشي مِن أجلِ الطلى مستحيل = فإنَّها تشفي فؤادي العليل
ما أعذب الساقي إذا قالَ لي = تناول الكأس ورأسي يميل
***
أولى بهذا القلب أن يخفقا = وفي ضرامِ الحبّ أن يُحرَقا
ما أضيعَ اليوم الَّذي مَرّ بي = مِن غيرِ أن أهوى وأن أعشقا
***
سارع إلى الّلذات قبل المنون = فالعمر يطويهِ مرور السنين
ولَستُ كالأشجار إن قُلّمتْ = فروعها عادت رطاب الغصون
***
إنَّ الألى ذاقوا حياةَ الرغد = وأنجزَ الدهرُ لهم ما وعَد
قَد عصفَ الموت بهم فانطووا = واحتِضِنوا تحتَ تراب الأبد
***
نفسي خلت مِن أُنسِ تلكَ الصحاب = لما غدوا ثاوينَ تحتَ التراب
في مجلس العمر شربنا الطلى = فلم يفق منّا صَريعُ الشراب
***
ولَستُ مهما عشت أخشى العدَم = وإنَّما أخشى حياةَ الألم
أعارني الله حياتي وعن = حقوقهِ استرداد هذا النسَم
***
قالوا امتنع عن شربِ بنت الكروم = فإنّها تورث نار الجحيم
ولذّتي في شربِها ساعةٍ = تعدلُ في عينيّ جِنان النعيم
***
إن دارتْ الكأس ولذَّ الشراب = فكنْ رضيّ النفس بين الصحاب
واشرب فما يجدُ بكَ هجَر الطلى = إن كانَ مقدوراً عليكَ العذاب
***
شيئان في الدُنيا هما أفضلُ = في كلّ ما تنوي وما تعملُ
لا تتّخذ كلَّ الورى صاحباً = ولا تنل مِن ما يؤكلُ
***
لو كانَ لي قدرةَ ربٌ مجيد = خَلَقتَ هذا الكون خَلقاً جديد
يكون فيهِ غير دُنيا الأسى = دُنيا يعيشُ الحر فيها سعيد
***
إذا بلغتَ المجد قالوا زنيم = وإن لزمتَ الدار قالوا لئيم
فجانب الناس ولا تلتمس = معرفةً تُورث حَمل الهموم
***
خيرٌ لي العشق وكأس المدام = مِن ادعاءِ الزهد والاحتشام
لو كانت النار لمثلي خلَت = جنّات عدن مِن جميعِ الأنام
***
عبدكَ عاصٍ أينَ مِنكَ الرضاء = وقلبهُ داجٍ فأينَ الضياء
إن كانت الجنّةُ مقصورةً = علَى المطيعين فأينَ العطاء
***
أهل الحِجا والفضل هذى العقول = قَد حاولوا فهَم القضاء الجليل
فحدّثونا بعض أوهامهم = ثم احتواهم ليلُ نومٍ طويل
***
يا عالم الأسرار علمَ اليقينْ = يا كاشف الضّرَ عن البائسينْ
يا قابل الأعذار فئنا إلى = ظلّك فأقبل توبةَ التائبينْ
نقلا من كتاب رباعيات الخيام ,, لـ احمد رامي