هديل الود
12-02-07, 12:07 AM
كان يحب زوجته حتى الثمالة
كانت مخلصـــــة وفيـــــــة
مضى على زواجهما نيف وثلاثين عاما
ولم يشأ الله أن تكتمل سعادتهما باحتضان طفل صغير
فالزوجة كانت تعاني من إجهاض الأجنة لمرض ما !!
ولما تم حملها التاسع كانت الفرحة
وحــــــــــان وقــــــــت المخــــــــاض
صرخت حنين بنبرات خوف وأمل :
أدركنـــــي يـــــا أحـمــــــــد
أدركني يازوجي العزيز
يبدو أن الموعد قد حان
انهــــض أرجـــــوك
كــــــان الـــوقـت ليـــلا
وكانت الساعة تشيرإلى الثانية بعـد منتصف الليل
آه .. إن صوت عقرب الساعة يكاد يصم أذناي
الولادة تطرق الأبواب دون سابق موعد أو إنذار
ولا احتمال تأجيل
انهض أرجوك .... أريد الذهاب إلى المستشفى
قال أحمد وعيناه مليئتان بوهج يلفت الأنظار :
لقد حان موعد استقبال العزيز ... لكم انتظرناه طويلا
هيا .. امسكي بيدي... واستندي على كتفي..
وأعينيني على نفسك حتى أتمكن من الوصول إلى السيارة .
كان الجو ممطرا .. وصوت الرعد... ولمعـان البرق
يزيدان من صعـوبة المـــــوقف !!
أما فؤاد حنين فـقـد كان مكلوما.. وجلا ..
لا تعلم لذلك سببا ولا تدري له تفسيرا ..
كانت طـوال رحلتهما إلى المستشفى كثيرة التفكير
شديـــدة خفقــــان القـلـــــب
إنها كالمحكوم عليه بالإعـدام وهو يفكر في ساعة التنفيذ
يخافها ويشتاق إليها ليرتاح
آه... لست أدري لماذا امتلكني هذا الإحساس ؟
إني لأرجو أن يكون مجرد إحساس عابر
كعصفـور شقشق قبل الربيع
نظرت إلى زوجها.. فألفته ينظر إلى الطريق حين تداعب أشعة
المصباح الأمامي للسيارة تلك البقعة السوداء العظيمة
وقد ظهر على جبينها خطـوطا صفراء وبيضاء ..
تشير للسائقين الموضع الصحيح للسير
فلا يتعـدى أحـدا منهم على الآخر
وهناك على اليمين يبدو الشارع الآخر
لكنه ليس بوضوح الأول
فأشعة المصابيح ذات وهج متوسط الإضاءة
وظهرت رائحة الورود التي تزين طـور الشارع
والنسيم يعبث بأوراقها كما يعبث الهوى بألباب العشاق
وأختلط مع رائحة رذاذ المطــر
وكسا أرض الشارع صفحة براقة من الماء ليزداد جمالا
كان على شفتي أحمد كلمات غامضــة
وفي عينيه كلمات ناطـقــة
مضى على حالهما ثلاثون دقيقة
حتى وصلا سور المستشفى وعبرا قسم الطوارئ
وأدخلت رفيقة العمر غرفة الولادة
ومضى الوقت ببطء شديد .. وطـال الانتظــار
كان أحمــد مستلقيا على مقعـدا قريبا من الغرفة
بيده سلسلة فضية يديرها حول سبابته مهموما فتلتف
ثـــــــم يحلهــــــا فتنحــــــل
وعم المكان صمت رهيب وكأن الأمل نغمة حية في لحـن كسول
تـــــأوه والـــد الطفـــل المجهــــول
وتمتم بكلمات عبرت طريقها إلى ممرضة في ذلك المكان
سمعــت كلماته فـلم تعـيهـــا
لكنها عرفت مغـزاها من نظرات عينيه المسلطة على الباب
ويداه المرتعشتان .. ووجهه الحائر .. كغريب انقطع به الطريق
أما حنيـن فـقـد استلقت على ظهرها
تنظر حينا إلى سقف الحجرة
و حينا إلى الأدوات الطبية عن يمينها ويسارها
والآهــــــــــــة تـلــــــــو الآهــــــــــــة
نظرت إلى الجنين في أحشائها وقالت بعين دامعـة :
خطواتي وراء أشواقي .. فأين المستقر ياربي ؟
كانت الحجرة تضم حنيــن وعددا من الأطباء والممرضات
وطـــــــــــــــــــــــــال الانتـظــــــــــــــــــــــــــــــــار
وفـجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــأة
انفتح مصراعي الباب وخرج الطبيب والعرق يتفصد من جبينه
ومد يده يربت على كتف الزوج :
أنت رجل مؤمن بقضاء الله وقدره
ويؤسفني أن أخبرك بأن زوجتك وابنك
قد رحلا إلى العالم الصامت
أمانة واستردها صاحبها وما علينا نحن البشر
إلا الإيمان والصبر والاحتساب
إن الطفل الصغـير قد اختنق عند الولادة
ولحقته أمه بعـد ثوان معـدودات
ورفـــع يــده ومضـــى
وقف أحمد صامتا .. مذهولا .. ثم وضع يداه على حافتي الباب
ومر السرير من أمامه يحمل زوجته وابنه
وقد كسا وجههما ملاءة بيضاء
أخذ أحمد نور عيناه بعد تغسيلهما بمغسلة الموتى وخرج بهما
بكى كثيرا .... وتأوه كثيرا ... وتمنى أن يلحق بهما
انه شهد كثيرا من حالات الموت
طالما صنع مئات القبور لأصحابها
يحفر في أرض المقبرة .. ويصنع اللحد ..
ويضع الميت المكفن بيديه في مسكنه الجديد
و يهيل عليه التراب
ثم يضع حجران أحدهما عند رأسه والآخر عند قدميه
وينفض الجمع ويبقى ساكن القبر وحيدا
وآه .... كم نخاف نحن البشر ذلك المسكن ..
فرحمـــــاك ربــــي من عذابـــــه
والآن حان الوقت ليصنع قبران لعيناه اللتان لم تبكيان
بأحر من دمعهما هذا اليوم
دفن رفيقة دربة الحبيبة وولده المنتظر
ودفن معهما الماضي بيد فيها رعشة وعين فيها دمعة
ووقع على ركبتيه بجانب قبرهما وبكى أمام الجميع
وتدحرجت دمعتين إحداهما على قبر زوجته
والأخرى على صدر ابنه
فامتصهما التراب وزال أثرهما
وانفض الجمع وعاد صانع القبور إلى بيته دامعا
وبداخله بركان حـزين ثائـر
فالموقف يحتاج إلى سنوات طويلة
ربما تنمو أعشاب خضراء على فوهته
بعـــــــــــــــــــد أن يخــمـــــــــــــــــــــــد
كانت مخلصـــــة وفيـــــــة
مضى على زواجهما نيف وثلاثين عاما
ولم يشأ الله أن تكتمل سعادتهما باحتضان طفل صغير
فالزوجة كانت تعاني من إجهاض الأجنة لمرض ما !!
ولما تم حملها التاسع كانت الفرحة
وحــــــــــان وقــــــــت المخــــــــاض
صرخت حنين بنبرات خوف وأمل :
أدركنـــــي يـــــا أحـمــــــــد
أدركني يازوجي العزيز
يبدو أن الموعد قد حان
انهــــض أرجـــــوك
كــــــان الـــوقـت ليـــلا
وكانت الساعة تشيرإلى الثانية بعـد منتصف الليل
آه .. إن صوت عقرب الساعة يكاد يصم أذناي
الولادة تطرق الأبواب دون سابق موعد أو إنذار
ولا احتمال تأجيل
انهض أرجوك .... أريد الذهاب إلى المستشفى
قال أحمد وعيناه مليئتان بوهج يلفت الأنظار :
لقد حان موعد استقبال العزيز ... لكم انتظرناه طويلا
هيا .. امسكي بيدي... واستندي على كتفي..
وأعينيني على نفسك حتى أتمكن من الوصول إلى السيارة .
كان الجو ممطرا .. وصوت الرعد... ولمعـان البرق
يزيدان من صعـوبة المـــــوقف !!
أما فؤاد حنين فـقـد كان مكلوما.. وجلا ..
لا تعلم لذلك سببا ولا تدري له تفسيرا ..
كانت طـوال رحلتهما إلى المستشفى كثيرة التفكير
شديـــدة خفقــــان القـلـــــب
إنها كالمحكوم عليه بالإعـدام وهو يفكر في ساعة التنفيذ
يخافها ويشتاق إليها ليرتاح
آه... لست أدري لماذا امتلكني هذا الإحساس ؟
إني لأرجو أن يكون مجرد إحساس عابر
كعصفـور شقشق قبل الربيع
نظرت إلى زوجها.. فألفته ينظر إلى الطريق حين تداعب أشعة
المصباح الأمامي للسيارة تلك البقعة السوداء العظيمة
وقد ظهر على جبينها خطـوطا صفراء وبيضاء ..
تشير للسائقين الموضع الصحيح للسير
فلا يتعـدى أحـدا منهم على الآخر
وهناك على اليمين يبدو الشارع الآخر
لكنه ليس بوضوح الأول
فأشعة المصابيح ذات وهج متوسط الإضاءة
وظهرت رائحة الورود التي تزين طـور الشارع
والنسيم يعبث بأوراقها كما يعبث الهوى بألباب العشاق
وأختلط مع رائحة رذاذ المطــر
وكسا أرض الشارع صفحة براقة من الماء ليزداد جمالا
كان على شفتي أحمد كلمات غامضــة
وفي عينيه كلمات ناطـقــة
مضى على حالهما ثلاثون دقيقة
حتى وصلا سور المستشفى وعبرا قسم الطوارئ
وأدخلت رفيقة العمر غرفة الولادة
ومضى الوقت ببطء شديد .. وطـال الانتظــار
كان أحمــد مستلقيا على مقعـدا قريبا من الغرفة
بيده سلسلة فضية يديرها حول سبابته مهموما فتلتف
ثـــــــم يحلهــــــا فتنحــــــل
وعم المكان صمت رهيب وكأن الأمل نغمة حية في لحـن كسول
تـــــأوه والـــد الطفـــل المجهــــول
وتمتم بكلمات عبرت طريقها إلى ممرضة في ذلك المكان
سمعــت كلماته فـلم تعـيهـــا
لكنها عرفت مغـزاها من نظرات عينيه المسلطة على الباب
ويداه المرتعشتان .. ووجهه الحائر .. كغريب انقطع به الطريق
أما حنيـن فـقـد استلقت على ظهرها
تنظر حينا إلى سقف الحجرة
و حينا إلى الأدوات الطبية عن يمينها ويسارها
والآهــــــــــــة تـلــــــــو الآهــــــــــــة
نظرت إلى الجنين في أحشائها وقالت بعين دامعـة :
خطواتي وراء أشواقي .. فأين المستقر ياربي ؟
كانت الحجرة تضم حنيــن وعددا من الأطباء والممرضات
وطـــــــــــــــــــــــــال الانتـظــــــــــــــــــــــــــــــــار
وفـجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــأة
انفتح مصراعي الباب وخرج الطبيب والعرق يتفصد من جبينه
ومد يده يربت على كتف الزوج :
أنت رجل مؤمن بقضاء الله وقدره
ويؤسفني أن أخبرك بأن زوجتك وابنك
قد رحلا إلى العالم الصامت
أمانة واستردها صاحبها وما علينا نحن البشر
إلا الإيمان والصبر والاحتساب
إن الطفل الصغـير قد اختنق عند الولادة
ولحقته أمه بعـد ثوان معـدودات
ورفـــع يــده ومضـــى
وقف أحمد صامتا .. مذهولا .. ثم وضع يداه على حافتي الباب
ومر السرير من أمامه يحمل زوجته وابنه
وقد كسا وجههما ملاءة بيضاء
أخذ أحمد نور عيناه بعد تغسيلهما بمغسلة الموتى وخرج بهما
بكى كثيرا .... وتأوه كثيرا ... وتمنى أن يلحق بهما
انه شهد كثيرا من حالات الموت
طالما صنع مئات القبور لأصحابها
يحفر في أرض المقبرة .. ويصنع اللحد ..
ويضع الميت المكفن بيديه في مسكنه الجديد
و يهيل عليه التراب
ثم يضع حجران أحدهما عند رأسه والآخر عند قدميه
وينفض الجمع ويبقى ساكن القبر وحيدا
وآه .... كم نخاف نحن البشر ذلك المسكن ..
فرحمـــــاك ربــــي من عذابـــــه
والآن حان الوقت ليصنع قبران لعيناه اللتان لم تبكيان
بأحر من دمعهما هذا اليوم
دفن رفيقة دربة الحبيبة وولده المنتظر
ودفن معهما الماضي بيد فيها رعشة وعين فيها دمعة
ووقع على ركبتيه بجانب قبرهما وبكى أمام الجميع
وتدحرجت دمعتين إحداهما على قبر زوجته
والأخرى على صدر ابنه
فامتصهما التراب وزال أثرهما
وانفض الجمع وعاد صانع القبور إلى بيته دامعا
وبداخله بركان حـزين ثائـر
فالموقف يحتاج إلى سنوات طويلة
ربما تنمو أعشاب خضراء على فوهته
بعـــــــــــــــــــد أن يخــمـــــــــــــــــــــــد