منتدى السواليف والضحك

العاب يوتيوب تلفزيون الحوادث والجريمة منتدى قصة وقصيدة منتدى القصص والروايات

 

العاب بنات

يوتيوب

قناة بث مباشر

games

 


قصص » قصص الاطفال » الكنـز (رواية للفتيان والفتيات)

 الكنـز (رواية للفتيان والفتيات)  أضيف في: 12-12-1426هـ

في يوم من أيام الصيف الحارّة ..وبالتحديد في يوم الجمعة ..تلقّى الصديقان بدر وصهيب مكالمة من صديقهما سامي, يدعوهما فيها لمرافقته لأمر ضروري..حاول الصديقان معرفة هذا الأمر,الذي يستدعي حضورهم في يوم إجازتهم..والذي غالباً مايقضّونه بصحبة الأهل وزيارة الأقارب..أو القيام بنزهة برفقة الأهل.ولكنّ سامي أكد لهم أن الأمر ضروري.فماكان من الصديقين إلا أن يلبيّا طلب صديقهما. وهاهما يقفان في إحدى الساحات العامة القريبة من سوق شعبية.

كان الموعد في الساعة التاسعة صباحاً..وهاهي الساعة تشير للتاسعة والربع ..وسامي لم يحضر..قال صهيب متذمّراً:

- أيعقل هذا ؟؟ نحضر حسب الموعد وحضرة الأستاذ سامي متخلّف عن الحضور!! .

ابتسم بدر وهو يرى الانزعاج في نبرة صديقه :

- الغائب عذره معه ياصهيب ..

تأفأف صهيب..وأدار وجهه صوب جهة أخرى..بينما أردف بدر :

- تبدو منزعجاً جداً..خيرا ًإن شاء الله ؟

أجابه صهيب :

- لأنّني كنت متوقعاً أن أحضر لأراه واقفاً بانتظاري..وليس العكس تماماً..طبعاً هذا إذا افترضنا أنه سيحضر ..

أطلق بدر قهقة عالية..ثم قال :

- لا..اطمئن ..لقد حضر والحمد لله..انظر إنه يعبر الشارع..بعد أن رآنا .

قبل أن يعبر سامي الشارع لوّح لأصدقائه بيده..ثم عبر الشارع ..وعندما صار قريباً منهم :

- السلام عليكم .تأخّرت عليكم أليس كذلك ؟
بعد أن ردّ الصديقان على تحيّة صديقهما ,ضحك بدر مستهزئاً:
- صاحب الدعوة يأتي متأخّراً.أعاننا الله على زمننا هذا.

عرف سامي أن( صهيب) متضايق من تأخيره..فوضع يده على كتف صديقه الزعلان..وقال مطيّباً خاطره :

- أولاً أودّ أن أعتذر عن تأخّري عليكم,لسبب خارج عن إرادتي..وأقدّر لكم تلبيتكم دعوتي لمرافقتي في جولتي ..

ازداد غضب صهيب..عندما سمع كلمة (( جولة ))..وقال مستفهماً..وقد عقد حاجبيه ليتأكّد ممّا سمعه :

- ماذا !! تقول جولة ؟؟

تدخّل بدر ليغيّر الموضوع,بعد أن أحسّ أن ( صهيب) صار يتحجّج,من أجل إحداث مشكلة ربّما تعكّر عليهم صفو هذا اليوم..إذ قال بعد أن ألقى نظرة سريعة على السماء الصافية من فوقه :

- أتعرفان ؟ أن الجوّ غير ملائم للتنزّه.

ردّ عليه صهيب..بعد أن أطلق ضحكة استهزائية :

- ومن قال لك إنه دعانا للقيام بنزهة ؟وإنما جولة ..ألم تسمع تصريحاته قبل قليل ؟؟

وضع سامي يديه على كتفي صديقيه..وقال لهم وهو يحثّهم على المشي :

- هذا صحيح.. فأنا لم أدعكم للتنزه.. بل لتشاركاني فرحتي بالحصول على مكتبة أنيقة,اشتراها لي والدي تقديراً لتفوّقي في الدراسة..

وهنا جاء دور بدر هذه المرّةكي يثور على صديقه مستفهماً:

- توقظنا من نومنا..وتجعلنا نتناول فطورنا خلال ثوان فقط..وتحرمنا من راحة يوم الجمعة..كلّ هذا من أجل أن نشاركك فرحتك بالحصول على مكتبة ؟ !!.. ياأخي ألاتخجل ؟؟

- ضحك سامي ..ثم أجاب :

-ليس هذا كلّ شيء..

مدّ صهيب كفّه الأيمن ..وبحركة مبالغ بها صافح سامي ..وهو يقول مبتسماً ابتسامة مصطنعة :

- باسمي وباسم كل الأصدقاء..أقدّم التهنئة الحارة بمناسبة حصولك على مكتبتك الأنيقة..والآن..أستودعك الله..

وسحب بدر من يده ..استعدادا ًللاتصراف ..قائلاً:

- هيا يابدر..لنعُد إلى البيت ونكمل تناول فطورنا ..

استوقفهما سامي..وقد غيّر من نبرته وصار أكثر جديّة :

- ماهذا؟ماالذي جرى كما اليوم ياإخوان ؟! اسمعوني حتى أكمل...أتتحجّجان بأيّ حجّة لتتركاني..والسلام .؟

فانبرى بدر ليوضّح :

- ياأخي والله ظننا أنّ مشكلة كبيرة تنتظرنا..مما دعانا أن نترك كلّ شيء ونحضر ..

وأضاف صهيب:

- حتى إنّنا لم نتناول فطورنا مثل الناس .

سحب سامي صديقيه من يديهما ..وهو يقول :

- أحلى فطور ..في أحلى مطعم ..أنتما مدعوّان على حسابي قبل أن أفاتحكما بأيّ موضوع ..

لم يجد الصديقان بدّاً من مرافقة صديقهما سامي وتلبية دعوته لهما على الإفطار..وفي المطعم جلس الثلاثة إلى طاولة مستديرة..وبعد أن تناولوا إفطارهم راحوا يحتسون الشاي,وهم يناقشون سبب حضورهم هذا اليوم..بعد أن شرح لهما سامي كل شيء نظر في وجهي صديقيه ..ثم ماعاود أن سألهما مبتسماً:

- والآن.. هل عرفتما سبب دعوتي لكما اليوم ؟

أجاب بدر :

- نعم.. أنت محتاج لمساعدتنا في انتقاء الكتب التي ستملأ بها رفوف مكتبتك.. هذا شيء يسعدنا..

وتنحنح صهيب قبل أن يقول:

- ولكن يا سامي.. لست مضطرّاً لأن تملأ مكتبتك بالكتب خلال يوم واحد فقط.. عليك أن تتريّث في ذلك..

وأكّد بدر :

- هذا صحيح... يمكنك أن تقوم بزيارة المكتبات كلّما سنحت لك الفرصة,لتنتقي الكتب برويّة. كما إن هناك معارض للكتب تقام بين فترة وأخرى..وهي خير فرصة لشراء الكتب بثمن مخفّض.. وستجد مكتبتك بعد فترة وجيزة قد صارت عامرة بعنوانات كتب منتقاة بمهارة..

ضحك سامي ضحكة خفيفة ,قائلاً:

- صدّقاني أنا أعرف هذا جيداً..ولكنّني سمعت من صديقي حسام أنّ رجلاً يفترش الأرض صباح كلّ جمعة ليبيع مجموعات قيّمة من الكتب المستعملةوبأسعار مناسبة..

أدرك بدر فكرة صديقه الذكيّة ..فهزّ رأسه معجباً بها..وقال :

- يا للمفكّر والمدبّر!!

وأضاف صهيب:

- فكرتك جيدة..فإذا كان المال الذي معك يكفي لشراء عشرة كتب جديدة،فإنّه سيكفي لشراء عشرين كتاباً مستعملاً..

استعدّ الثلاثة لمغادرة المطعم..بينما قال سامي ممازحاً صديقيه :

- والآن يا أصدقاء..وبعد أن تفضّلت عليكما بإفطار شهيّ في مطعم راقٍ..عليكما أن تردّا لي الفضل..

ربت بدر على بطنه ..وقال:

- لا بأس..ما دامت البطن ممتلئة..

أرجع صهيب الكرسي الذي كان يجلس عليه إلى مكانه..وهو يقول :

- هيا.. قبل أن تشتدّ حرارة الجو..

ثم خرج الثلاثة إلى الشارع..وقد صار أكثر زحمة بالناس المتسوّقين والمتبضّعين.سار الثلاثة في شارع تجاري مزدحم جداً,وعلى جانبي الشارع وقف عدد من الباعة المتجولين,ممّن افترشوا الأرض لعرض مايبيعونه . قال بدر وهو ينظر بوجوه الناس من حوله ..ويعلي صوته كي يسمعه أصدقاؤه :

- إنني أعجب لأمر هؤلاء الذين يبيعون كتبهم بعدما تعبوا في الحصول عليها..ربّما قد قضّوا ساعات أو أياماً وهم يبحثون عن عنوان لكتاب واحد من هذه الكتب..

أجابه سامي :

- ربّما الحاجة للمال هي التي دفعتهم لذلك..أو قد يكون السفر أو أيّ ظرف آخر..

شقّ الأصدقاء طريقهم بصعوبة..باحثين عن رجل بالأوصاف التي أخذها سامي من صديقه حسام..رجل كبير السن,وبدين ..يبيع كتباً مستعملة..بضعة أمتار ..ثم صرخ صهيب مشيراً بيده صوب جهة ما,كمن اكتشف شيئاً:

- ذاك هو الشخص الذي نبحث عنه.

اقتربوا منه ..وعندما صاروا على بعد خطوات ..قال بدر مبتسماً:

- إنه يطالع في أحد الكتب.. يبدو أنه مثقّف..

ألقى الثلاثة التحيّة على البائع ..الذي كان العرق يتصبّب من جبينه..وبعد أن ردّ البائع ,بادر سامي بالسؤال:

- من فضلك يا عم..إنّنا نستأذنك في أن تسمح لنا بالاطّلاع على عنوانات هذه الكتب، لأنّنا ننوي

شراء مجموعة منها..

ابتسم البائع وكأنّه استغرب هذا الخلق والتعامل اللطيف ..فكما يبدو أن الناس في مثل هذه الحالات تعوّدت أن تقلّب صفحات الكتب والمجلاّت التي تباع دون أي استئذان ..أشار البائع لهم نحو الكتب مرحّباً..وقال :

- على الرّحب والسعة..وسأعاونكم في ذلك..

جلس سامي إلى الأرض ليكون قريباً من الكتب..وكذلك فعل بدر وصهيب..وراح الثلاثة يقلّبون صفحات الكتب المستعملة,يعاونهم البائع في ذلك .كان أوّل شيء يجذب انتباه الأصدقاء هو عنوان الكتاب..ثم نظافة أوراقه وسلامتها..وخلال وقت ليس قصيراً كان كدس كبير قد تجمّع قربههم. قال بدر وهو ينشّف العرق المتصبّب من جبينه:

- ياه.. لقد أمضينا أكثر من ساعة ونحن نتصفّح هذه الكتب..

راح سامي يصفّف الكتب بشكل منتظم لكي يسهل حملها ..وهو يقول:

- شكراً لكم..لقد كانت النتيجة طيّبة.. مجموعة قيّمة من الكتب..

تعاون الثلاثة على حملها..بعد أن دفع سامي ثمنها للبائع ..وطلب منه أن يهيّأ له مجموعة أخرى ..على أمل أن يكرّر زيارته في مرة قادمة ..وعده البائع خيراً,ولكنّه طلب من سامي أن تكون الزيارة في أيام الجمع فقط .وانطلق الثلاثة عائدين إلى بيوتهم .



* * *



















ورقة صغيرة ..قلبت الموازين



وقف سامي أمام مكتبته الجديدة ..يتأمّل رفوفها..وكيف يوزّع عليها الكتب..هل حسب أحجامها وقياساتها..أم بحسب الموضوعات..أم ..ماذا ..جلس قليلاً على الكرسي,وراح يحكّ رأسه مفكّراً ..هل يطلب مساعدة صديقيه من جديد ؟ أم يستعين بأبيه ؟لكنّه قرّر أخيراً أن يضع الكتب على الرفوف من دون أن يعير أهمية لالقياساتها ولا لموضوعاتها ..على أن يهتمّ بذلك في المرّة القادمة ..وبينما انهمك بالترتيب وإذا بأحد الكتب القديمة يسقط على الأرض لثقله..انحنى سامي ليتناوله ..لكن.. لاحظ أن ورقة قد خرجت من بين أوراقه .التقط الورقة التي اصفرّ لونها الأبيض ..وهذا مايدلّ على أنها ورقة قديمة,مضى عليها عشرات السنوات..فتح سامي الورقة وراح يقرأ مافيها ..وفجأة تغيّرت ملامحه,وصعق مما قرأه ..رجع ليجلس على الكرسي ويلتقط أنفاسه .راح يتمتم مع نفسه بشكل لاإرادي :

- هل يعقل هذا ؟؟!ماذا أفعل ..الأمر خطير !!

نهض بسرعة متوجّهاً نحو الهاتف..بعد أن قرّر إطلاع صديقيه الحميمين بدر وصهيب على هذه المشكلة الجديدة ..وماهي إلا دقائق قليلة حتى كان الصديقان في بيت سامي ..

قال صهيب ممازحاً هذه المرة :

- نعرف جيّداً أنك تصدّقت علينا بإفطار في أحد المطاعم ,ولكن ..عيب عليك أن تذلّنا كل ساعة ..

ردّ بدر :

- ولاتنسَ أنه أكمل معروفه بأن دعانا على الغداء أيضاً قبل أن ننصرف ..

أجابه صهيب :

- أوه صحيح نسيت ذلك ..ولكن يبدو أننا مدعوّان على العشاء أيضاً .أليس كذلك أيها الصديق الكريم ؟؟

كلّ هذه الممازحات لم تحرّك في سامي ساكناً ..أو تجعله يبتسم ..

لاحظ الصديقان ذلك ..فاقترب بدر من صديقه ليسأله بجديّة :

- سامي ..ماذا هناك ؟يبدو أن الأمر جديّ هذه المرة ؟

دنى صهيب منهما سائلاً :

- هل من مشكلة عائلية ؟؟..أم أن ..رجاء ياسامي أنت تثير قلقنا..

أجاب سامي وهو مايزال واجماً :

- الأمر أخطر مما تتصوّرون ..

نظر صهيب صوب بدر وهو يقول متلعثماً :

- ياساتر يارب ..

توجّه سامي نحو مكتبته..ومدّ يده ليتناول من الكتاب الورقة الصغيرة المطويّة داخله..وناولها لبدر وهو يقول:

- هذه الورقة وجدتها بين صفحات أحد الكتب القديمة التي اشتريناها اليوم .

مدّ بدر يده وأخذ الورقة المطوية..فبدأ بفتحها, ونهض ليكون قريبا ًمن النور الذي ينبعث من خلال زجاج الشباك القريب منهم, وتبعه صهيب ليقرآ معاً:



(( حفيدي العزيز عبدالرحمن مكتبتي هذه هي هديّتي لك.. أما الكنزفسأتركه لك

لتنعم به وتعيش سعيداً، إّنه كل ما استطعت أن أحصل عليه من هذه الدنيا.. وهو موجود في بيتي

الذي تعرفه.. جدّك المخلص)).



أكمل الصديقان قراءة الورقة ..وراح الواحد ينظر في وجه الآخر..ومن غير أن ينبس أيّ منهم بايّ كلمة جلسوا يفكّرون ..سادت لحظات من الصمت المطبق ..وعندما طال هذا الصمت بادر صهيب بالقول:

- المسألة خطيرة يا شباب, وتحتاج إلى مزيد من التفكير..

واستدار صوب بدر ليسأله رأيه..لكنّه فوجيء بأنه قد أغمض عينيه,وكأنّه يعيش في عالم آخر..فهرع إليه ليعيده إلى وعيه..لكنّ بدر فتح عينيه فجأة ..وهو يقول :

- لاتخشيا..فأنا ما أزال في وعيي..لكنّني كنت أتخيّل كيف يكون شكل الثروة ..

قال صهيب موبّخاً صديقه :

- يا أخي خذ الأمر بجدية .الأمر أخطر من أن تمزح ..وتعال لنفكّر كيف نتصرف .

عاد بدر ليشارك صديقيه مناقشة الأمر بجدية..وهو يقول :

- سامحاني..فالصدمة كانت شديدة علي..وفعلا ًعلينا أن نكون دقيقين في اتخاذ أي قرار,قبل أن نقدم عليه .

تبادل الثلاثة أفكاراً كثيرة ..دونما فائدة ..إلى أن صرخ سامي فجأة :

- وجدتها .

اقترب منه الصديقان ..وهما متشوّقان لسماع ماتوصّل إليه سامي..فاستعجلاه بطرح فكرته ..إذ قال:

- هل تتذكّران الجملة الأخيرة التي قالها لنا البائع عندما طلبت منه أن يهيء لنا مجموعة من الكتب ؟

ردّ صهيب وهو يحاول استذكار كلمات البائع الأخيرة :

- نعم ..قال ..قال ..بصراحة لم أعد أذكر .

فتدخّل بدر ليقول :

- أنا أتذكّر..لقد طلب منا أن تكون زيارتنا له في أيّام الجمعة فقط ..

فتابع سامي القول :

- وهذا يعني أننّا لو ذهبنا للسوق في يوم الجمعة القادم ..فسنجده هناك !

ثم سأل صهيب بسخرية :

- ومالذي سيفيدنا البائع هذا ؟

أجابه سامي :

- لنسأله عن صاحب الكتاب الذي اشتراه منه ..اوكلّفه ببيعه ..

قال صهيب :

- رغم أنني أشكّ في أنّه يتذكّركل من باعه كتاباً..إلا أنّنا مجبرون ولسنا مخيّرين ..فلا طريقة أخرى لدينا..سوى هذه..علّه يرشدنا لخيط يقودنا للطريق الصحيح.

و أضاف بدر :

- إنها محاولة...لن نخسر شيئاً..

ثم توقّف عن الكلام فجأة..ونظر لساعته ..ثم اكتشف شيئاً غاب عن بال صديقيه ..فقال:

- أتعرفون ؟؟المفاجأة جمّدت تفكيركم ..ولكن الحمد لله ما أزال أنا بكامل عقلي وتفكيري ..

ردّ عليه صهيب :

- ادخل بالموضوع مباشرة ياعبقري زمانك .

قال بدر :

- لم الانتظار حتى الجمعة القادمة؟؟ ..مايزال الوقت عصراً,والشمس لن تغيب قبل أقلّ من ساعتين .

طرق سامي بأصبعيه وقال بعد أن تأبّط الكتاب :

- ياه ..إنه أحسن شيء قلته اليوم ..كيف غاب هذا عنا؟؟ .هيا بسرعة قبل أن يغادر مكانه .













* * *









زيارتان للسوق ..في يوم واحد



خلال دقائق فقط..كان الأصدقاء الثلاثة في السوق، خطواتهم كانت سريعة جداً..بحيث إنها جذبت انتباه الكثير من روّاد السوق..ولكن على مايبدو أنّ السوق كانت أقلّ زحمة بالناس بكثير..وهذا ماسهّل عليهم المشي بخطوات سريعة..كان الثلاثة يخشون الشيء نفسه ..وهو أن يكون البائع قد غادر مكانه ..ولكن عندما صاروا قريبين منه استطاع سامي أن يلمحه من بعيد, رغم أنّ عدداً ممّن يشترون منه قد غطّوا وجهه.فصرخ:

- الحمد لله ..مايزال موجوداً..بداية تبشّر بخير.

عندما وصلوا إلى البائع ..استغرب تكرارهم لزيارته..فقال مبتسماً :

-كنت متوقّعاً أن تكرّروا الزيارة ..ولكن ليس بهذه السرعة ..

ردّ عليه سامي :

-في الحقيقة ياعمي ..جئناك من أجل أن تساعدنا في شيء مهم وخطير ..

اندهش البائع من كلام سامي ..فحاول أن يستفسر منه..لكنّ صهيب قال:

- لاتستغرب ياعم..فالمسألة تتعلّق بأحد الكتب التي اشتريناها منك صباح هذا اليوم..فبعد رجوعنا اكتشفنا أن أحدها يحتوي على ورقة تشير إلى وجود كنز في بيت صاحب الكتاب ..

تغيّرت ملامح البائع ..بعد أن أخذ الموضوع منحى آخر,وصرخ ناسياً أن رجالاً قريبين منه من الممكن جداً أن يسترقوا السمع :

-كنز؟؟ أتقولون كنز؟؟

أشار له سامي بأن يخفض صوته كي لايسمعه القريبون منهم..ولكن يبدو بعد فوات الأوان.فهاهو رجل غريب الشكل يحاول أن يتقرّب منهم,بحجّة الوصول إلى كتب بعيدة عن متناول يده .

فاضطرّ البائع أن يخفض صوته ويعاود السؤال:

- طيّب ..ومالمطلوب مني ؟؟

أخرج سامي الكتاب ليريه للبائع ..وسأله :

_ انظر ..هذا هو الكتاب ..تمعّنه جيداً,وحاول أن تتذكر الشخص الذي باعك إياه ..

أمسك البائع بالكتاب..ثم هزّ رأسه ليقول :

_ هذا صعب..صعب جدّاً أن أتذكّرصاحبه..ربما يكون قد مضى على شرائي لهذا الكتاب أسابيع ..أو شهور بعيدة ..

وأضاف بدر :

_ أو ربّما أيّام قليلة ..

ثم سأل سامي البائع :

_طيّب ياعم ..حاول أن تتذكّر متى كانت آخر مرة اشتريت فيها كتباً, وممّن؟

اقترب الشخص المتطفّل أكثر..ليسترق السمع بشكل أفضل ..لكنّ البائع لم يلحظ ذلك .

فكّر البائع قليلاً..وهو يتمتم :

- متى ..متى ....قبل حوالي ....

ثم تذكّر البائع شيئا ًمهماً ..فقال:

- لا أعرف كيف غاب عن بالي ذلك ..يبدو أن العمر له أحكام .إيه..حفظ الله شبابكم ..

حاول سامي استعجال البائع ..فسأله بصوت منخفض:

-

-

-

-أوه ..لاأعرف كيف غاب عن بالي ذلك ..لان يدنو أن يأن يقترب منهم أكثر ,بحجة الوصول إلى كتب قريبة منهمال



- قل ياعمي رجاءً ماذا تذكّرت ؟؟

أجاب البائع :

- بعد أن أكملت فرش الكتب على الأرض صباح هذا اليوم ...

ثم فجأة غيّر الموضوع ..ليقول:

- بالمناسبة..أنا أوّل من يبكّر بالحضور لهذه السوق في صباح كلّ جمعة.

ثم يداعب ذقنه بسبّابته..وهو يحاول أن يستذكر:

- يعني يكون وصولي هنا حوالي الساعة الثامنة إلا...لا لا ..تقريباً السابعة والنصف ..

نظرالأصدقاء إلى بعضهم,وليس أمامهم سوى أن يسايروه ويجاملوه,رغم أنّهم بأشدّ حالات القلق ,وانتظار ماستسعفه به الذاكرة..على أمل أن يتذكّر الشخص الذي أعطاه هذا الكتاب.لكنّ سامي لم ينتظر البائع حتى ينتهي من موضوع حضوره المبكّر للسوق ..فقال:

- أرجوك ياعم ..حبّذا لو تحاول أن تتذكّر ماذا حصل معك بالضبط عندما حضرت هذا اليوم ..

استغرب البائع وقال :

- صباح هذا اليوم !! وكيف عرفت أنت؟

ابتسم سامي وهو يوزّع نظراته على صديقيه بدر وصهيب.بعد أن أدرك أن البائع ..وبسبب تقدّمه بالعمر قد ضعفت ذاكرته..وربّما يكون من الصعب أن يسترجع ذكرياته..حتى لو كان قد مضى عليها فترة قصيرة..ولكن لابدّ لهم من المحاولة ..ليس أمامهم سبيل آخر..فعاود السؤال:

- لقد كنت بدأت حديثك..بأنك تذكّرت شيئا ًمهماً..وهو أنك عندما بدأت بفرش الكتب على الأرض صباح هذا اليوم..ثم توقّفت عن الكلام ..فنرجوك أن تتذكّر ماذا حصل بعدها .

أجاب البائع :

- نعم كنتم تسألون عمّن باعني الكتاب الذي معك..وبصراحة تذكّرت أنني لم أشترِ كتاباً منذ مدّة ..وإنما آخذ الكتب من أصحابها وأعرضها للبيع,ومن ثمّ أتحاسب مع أصحاب الكتب, وآخذ حصّتي من أثمانها ..

حاول سامي أن يطوّل باله حتى آخر لحظة ..فسأل البائع :

- طيّب ياعمي ..يعني أنك لاتشتري الكتب..بل تأخذ نسبة من بيعها ..حسن ..مَن الشخص الذي أعطاك هذا الكتاب ؟

ابتسم البائع وقال لسامي :

- انتظر يابني .. دعني أكمل بقية القصة ..لِم تقاطعني أنت دائما ؟؟

بادله سامي الابتسامة معتذراً :

- آسف ياعمي ..تفضّل .

استأنف البائع كلامه..أما الشخص المتطفّل فقد صار أكثر دنواً منهم :

- قبل أن تجيئوا إليّ صباح هذا،كان قد حضر منذ الصباح الباكر فتىً بمثل أعماركم،وهو يتأبّط مجموعةكبيرة من الكتب..وطلب مني أن أبيعها له..ووعدني بأن يأتي بمجموعة أخرى في الجمعة القادمة, فأرجو أن يكون هذا الكتاب من ضمن مجموعة الكتب التي أخذتها منه صباح هذا اليوم..

رفع الشخص المتطفّل عينيه من الكتاب الذي كان يتظاهر بقراءته ..ونظر صوب الأصدقاء الثلاثة..ثمّ سحب نفساً طويلاً..وكأنّه هو من كان يتعجّل معرفة صاحب الكتاب أكثر من سامي وصديقيه ..ثمّ انسحب بخفّة من المكان بعد أن ألقى الكتاب الذي كان يتصفّحة بقوّة على الأرض,مما أثار انتباه البائع والأصدقاء ,ثم هزّ سامي رأسه مستغرباً تصرّف الرجل عديم الذوق هذا ,وقال للبائع :

- نشكرك ياعم..يعني أنّ الشخص الذي باعك الكتاب سيحضر في الجمعة القادمة,ليأخذ حساب الكتب التي بعتها ..وليعطيك وجبة أخرى ؟

أجابه البائع :

- نعم تماماً,ولكننّي أنصحكم إذا أردتم رؤية هذا الشخص أن تحضروا مبكّرين جداً ..لأنّه ربّما يفعل مثلما فعل اليوم ..أقصد أن يبكّر جداً بالحضور .

سأل بدر البائع :

- بالمناسبة ياعمي ..مااسم هذا الشخص ؟

ردّ البائع بخجل :

- بصراحة ..لقد فاتني أن أسأله ذلك ..

استغرب صهيب ..فسأل :

- إذن كيف ستسلّمه المال..وأنت لاتعرف حتى اسمه ؟

ابتسم البائع وهو يقول :

- لا اطمئن ..لأنني أتذكّر وجهه تماماً, وأستطيع أن أميّزه من بين ألف وجه .

شكر الأصدقاء الثلاثة البائع ..وطلبوا منه أن لايتحدّث بالموضوع أمام أيّ شخص كان ,حتى تتبيّن لهم الحقيقة .ثم ودّعوه على أمل معاودة الزيارة في الأسبوع المقبل .







* * *



ومرً الأسبوع



بطيئاً مرّ الأسبوع بانتظار يوم الجمعة،حيث سيحضر شخص ما مجموعة كتب,على أمل أن
يكون هو نفسه صاحب الكتاب الذي وجدوا بين صفحاته الرسالة..

حضر الأصدقاء في المكان والزمان المطلوبين .لكنّ الشخص المزعوم لم يحضرمبكّرا ًكما فعل في الأسبوع الماضي..فهاهي الشمس المحرقة قد توسّطت السماء,والناس قد ملأوا السوق..أمّا سامي وصهيب وبدر ..فقد ملّوا الانتظار.قال سامي متذمّراً :

- لقد تأخّر كثيراً..

ردّ عليه البائع :

- لا تقلق.. فالنهار ما يزال في أوله..

وبينما هم في انتظار صاحب الكتاب..وإذ بشخص يقترب منهم سائلاً البائع:

- هل تبيع روايات بوليسية مترجمة ؟

أجابه البائع وهو يشير للكتب المفروشة على الأرض:

- أعتقد ذلك ..الكتب أمامك ويمكنك البحث عمّا تريد .

مدّ بدر رأسه ليهمس في أذن صهيب :

- أعتقد أنّني أعرف هذا الشخص

ردّ صهيب:

- وجهه مألوف .

ثم انبرى سامي ليؤكّد:

- هذا الشخص هو نفسه الذي رأيناه في الأسبوع الماضي ..

قال بدر :

- آه تذكّرت..ذلك الذي رمى الكتاب على الأرض.

جلس الرجل إلى الأرض قريباً من الكتب وراح يقلّبها..من غير اهتمام منه بعنوان الكتاب أو محتواه ..بدى هذا واضحاً من عينيه اللّتين كانتا تبحثان بين الوجوه عن شيء ما .ممّا أثار الريبة والشكوك في قلوب الأصدقاء.لم يدم الأمر طويلاً حتى اقترب منهم شخص يحمل عدداً من الكتب ضمّها إلى صدره متّجهاً نحوهم.وحين وصل ألقى التحية على الجميع..وما كان منهم إلا أن ردّوا بمثلها,إلا الشخص الجالس,,فقد راح يتطلّع في وجه هذا الفتى,الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من العمر..أي أنّه بمثل أعمار سامي وبدر وصهيب.تقدّم الفتى من البائع وسأله :

- مابالك ياعمي!! ألا تتذكّرني ؟؟

أجابه البائع :

- نعم,إنه أنت..أنت الذي أعطيتني مجموعة من الكتب لأبيعها في الأسبوع الماضي,كنّا بانتظارك ..

نظر الأصدقاء إلى بعضهم..أما الشخص الجالس إلى الأرض فقد نهض فجأة..ليرتطم بالكتب التي يحملها الفتى,,فتساقطت الكتب متناثرة على الأرض..شعر الرجل بالحرج ممّا سبّبه..ومع هذا لم يكلّف نفسه بالاعتذار.وإنما اكتفى بالنظر في وجوه الجميع مرتبكاً,ثم مالبث أن غادرهم بسرعة..استغرب الفتى تصرّف الرجل..لكنّ سامي ربت على كتفه قائلاً :

- إنه غريب الأطوار..وله سابقة في الجمعة الماضية..لاعليك سنساعدك ..

ثم جلس سامي مع صديقيه صهيب وبدر,وراح الجميع يجمعون الكتب المتناثرة..نظر الفتى إلى الأصدقاء الثلاثة وقال لهم :

- أعتذر لقد شغلتكم عن متابعة انتقاء الكتب .

أجابه سامي مبتسماً:

- لاعليك ..

ثم نظر الفتى إلى البائع سائلاًإياه :

- لكنّك لم تخبرني ياعمي..لم تخبرني لم كنت بانتظاري..رغم أنني وعدتك بالحضور ..

ردّ البائع :

- لست أنا ياولدي..وإنما هم ..

وأشار بسبّابته صوب الأصدقاء الثلاثة .ابتسم الفتى ابتسامة خفيفة ثم نظر للثلاثة ليسألهم:

- أنتم من كان ينتظرني إذن !! خيراً إن شاء الله ..هل تعرفونني ؟؟

فكّر سامي بالردّ المناسب,فارتأى أن يجد طريقة تبعدهم عن زحمة الناس والمتطفّلين..فماكان منه إلا أن يجيبه:

- سمعنا أنّك تنوي بيع مجموعة من الكتب القديمة .

هزّ الفتى رأسه قائلاً:

- هذا صحيح..إنّنا في البيت نحاول التخلّص من بعض الكراكيب القديمة..ومن بينها مجموعة من الكتب القديمة..لأنّني بصراحة لست من هواة المطالعة..وإن احتجت لقراءة موضوع معيّن فإنني أبحث عنه في الأنترنت.لذلك طلبت مني أمّي أن أتخلّص من هذه الكتب,التي أكل عليها الدهر وشرب .

ثم تناول سامي الكتاب الذي بين يديه وسأل الفتى :

- يعني هذا الكتاب كان واحداً من الكتب التي أعطيتها للبائع ليبيعها ؟

مدّ الفتى يده ليتفحّص الكتاب ..ثم أعاده لسامي وهو يقول :

- أعتقد ذلك..لست متأكّداً..لأننّي لست مهتمّاً أو مطّلعاً على تفاصيل هذه الكتب..ومن أجل هذا ترونني هنا ..

نظر سامي لصديقيه بدر وصهيب..وتبادلا ابتسامة..وكأنّ لسان حالهما يقول:(( عثرنا على الخيط الأوّل )). ثم تابع سامي كلامه:

- ولذلك نحن هنا بانتظارك,كي تصحبنا معك إلى موقع الكتب,علّنا نشتري منك مجموعة كبيرة منها ,بدل أن تتعب نفسك بحملها للسوق ..

تبادل صهيب وبدر الابتسامة,وكأنّهما يريدان أن يقولا لبعضهما : ياللفكرة العظيمة !! استحسن الفتى هذه الفكرة التي تفيد الطرفين ,ثم قال :

- أنا موافق..ولكنّني أتساءل عمّا ستفعلونه بهذه الكتب,التي شبعت من الغبار..وتكاد أن تكون أوراقها الصفراء قد تآكلت واهترئت .

اقترب بدر من صهيب وهمس في أذنه,من غير أن يحسّ به الفتى ,وقال:

- مارأيك في أن نسأله عن اسمه ..بعد أن نعرّفه بأنفسنا ..؟؟

هزّ صهيب رأسه موافقاً..فابتسم بدر وهو يشير بيده إلى نفسه :

- عفواً أيها الصديق ..نسينا أن نعرّفك بأنفسنا,فأنا بدر وهذا صديقنا صهيب ..والواقف إلى جانبك هو سامي ..

مد ّالفتى يده مصافحاً الأصدقاء وهو يقول:

- أهلاً وسهلاً بكم ..تشرّفت بمعرفتكم ..وأنا اسمي عبدالرحمن ..

كانت المفاجأة كالصاعقة للأصدقاء.أيعقل أن من يقف أمامهم هو صاحب ثروة كبيرة..وهو لايعرف بذلك ؟! انتبه الفتى عبدالرحمن لردّة فعلهم عندما سمعوا اسمه..فاستغرب ذلك مما دعاه للسؤال:

- عفواً ..هل هناك ماهو غريب باسمي ؟؟

تدارك سامي الأمر وهو يربت على كتف عبدالرحمن قائلاً:

- لاياأخي بالعكس..أما سمعت أن خير الأسماء ماعبّد وحمّـد؟؟ أماسبب استغرابنا الذي بدى واضحاً على وجوهنا فستعرفه بعد قليل إن شاء الله..سنحكيه لك ونحن في طريقنا لبيتكم .

ابتسم عبدالرحمن وهو يقول :

- ولمَ في الطريق ..بل قل في البيت..أيعقل أن تدخلوا بيتنا من غير أن نضيّفكم ..

ضحك الأصدقاء الأربعة..لكنّ سعلة عالية قطعت ضحكهم..التفتوا ليتبيّنوا مصدرها..وإذا بالشخص غريب الأطوار يقف إلى جانب شخص آخر..نظر سامي لبدر وصهيب..وسألهما :

- أتلاحظان معي ما ألاحظ ؟

ردّ عليه صهيب :

- نعم..أكاد أشكّ في أنه يلاحقنا أو يتعمّد مضايقتنا..ثم إنّ شكله يبعث على الريبة, وكذلك من معه.

طلب عبدالرحمن من أصدقائه الجدد أن ينتظروه ريثما يتحاسب مع البائع..ثم يتوجّهون إلى بيت عبدالرحمن .فوقف الأصدقاء جانباً وهم يراقبون الشخصين الذين كانا يرمقانهم بنظرات غريبة .





* * *



صاحب ثروة ..وهولايعلم





جلس الأصدقاء الثلاثة مع صديقهم الجديد عبدالرحمن في بيته,بعد أن تناولوا العصير الذي قدّمته لهم والدة عبدالرحمن والتي رحّبت بهم أشدّ ترحيب..فبادر سامي بالسؤال بعد أن ألقى نظرة إلى محتويات الغرفة التي يجلسون فيها ..

- هل تعيش في البيت مع والديك فقط ؟

أجابه عبدالرحمن:

- مع والدتي فقط..أمّا والدي فقد توفّاه الله منذ أن كنت صغيراً,إثر إصابته بنوبة قلبية بعد خسارة فادحة ألمّت به .

سأل بدر :

- كان تاجراً إذن ؟؟

أجاب عبدالرحمن :

- لابل مزارع..يملك أرضاً زراعية يزرع فيها البقوليات..لكنّ كلّ شيء ضاع ,والأرض بيعت لتستردّ الديون التي تراكمت علينا بعد وفاته.

ردّ سامي متـأثّرا:

_ إنا لله وإنا إليه راجعون ..

ثم استأنف عبدالرحمن قائلاً:

- كنت ماأزال صغيراً..لاأفهم شيئاً ممّا يجري حولي ..

نظر بدر إلى سامي وكأنه يريد أن يعاتبه لما سبّبه لصديقهم الجديد من موقف مؤثّر..فقال :

- نعتذر لأنّنا أثرنا مواجعك..لم نكن نقصد ذلك.

فتدارك سامي الموقف قائلاً:

- والآن..دعونا نغيّر هذا الموضوع، ونرى مجموعة الكتب..

نهض عبدالرحمن برفقة الأصدقاء الثلاثة..وخرجوا من الغرفة التي كانوا يجلسون فيها,ليدخلوا في مستودع صغير جمعت فيه الأغراض والكراكيب القديمة والأثاث الفائض عن الحاجة..كان منظر هذه الغرفة الصغيرة موحشاً..ربما بسبب الإنارة الخافتة,أو سقفها الواطيء..سيّما وأنها مبنيّة في الحديقة الخارجيّة للبيت..على أساس أنّها صمّمت لتوضع فيها الأدوات الخاصة بالحديقة أو ماشابه ذلك .

دخل الأصدقاء الأربعة إلى هذا المستودع ..وإذا بهم أمام كدس كبير من الكتب .تطلّع الأصدقاء الثلاثة سامي وبدر وصهيب إلى وجوه بعضهم,لأنهّم في الحقيقة لايريدون من هذه الكتب شيئاً,سوى اختلاق حجّة ليتأكّدوا من شيء ما.لذلك تناول سامي أحد الكتب الفخمة والذي كان ملقىً بشكل عشوائي,وفتحه وراح يقلّب صفحاته .وهو يوجّه حديثه لعبدالرحمن :

- كتب مهمة ونفيسة .وبصراحة ياعبدالرحمن لو كنت مكانك لما ضحّيت بهذه الكتب أبداً ..بل على العكس,كنت وضعتها في مكتبة أنيقة تتصدّر البيت,لأفتخر بها, لاأن أرميها هذه الرمية المهينة .

أجابه عبدالرحمن خجلاً :

لقد سبق وأخبرتكم يا أصدقاء..أنّني لست من هواة المطالعة أبداً..وكذلك أمّي..وليس في البيت أحد سوانا ؟

فما كان من بدر إلا أن سأله :

_ إذن لمن هذه الكتب ؟

أجابه عبدالرحمن :

-إنها لجدّي رحمه الله..فقد كان مهتماً بالمطالعة والقراءة,كما إنه كان أديباً,يكتب القصة والرواية,وله اهتمامات أدبية وثقافية .

بهذا الجواب تأكّد الأصدقاء الثلاثة,أن الكتاب الذي عثروا على الرسالة بين صفحاته,هو أحد الكتب التي تخصّ جد عبدالرحمن,وأن الرسالة هذه موجّهة لعبدالرحمن نفسه,ولكن يبدو أنه لم يقرأها أو يعرف شيئا ًعنها أبداً .

وضع سامي الكتاب الذي كان بين يديه,ليقف بعدأن فرك يديه ليتخلّص مما علق بها من غبار.. أما بدر وصهيب فقد راحا يعطسان العطسة تلو الأخرى..أشار عبدالرحمن إلى الكتب وقال:

- أتريدون أن نتعاون على حملها إلى الخارج لتنتقوا منها ماتريدون ؟؟لأنني أعتقد أن المكان لايسمح لكم بذلك .

اقترب سامي من عبدالرحمن ووضع يده على كتفه..ثم تبادل مع صديقيه نظرات,كأنهم يريدون أن يقولوا لبعضهم: (( حان الوقت لنصارحه بالحقيقة ) ..

قال سامي :

_ نفضّل أن نجلس في الحديقة لنفاتحك بموضوع مهمّ ياعبدالرحمن ..

ابتسم عبدالرحمن وهو يسأل :

_ والكتب ؟!

ردّ سامي :

_ اتركها الآن ..

استغرب عبدالرحمن ..ووقف لحظة ليستنتج :

- إذن المسألة ليست مسألة كتب..كنت أشكّ في هذا .

ابتسم صهيب,ثم أجابه :

- لاتقلق ياعبدالرحمن..فبعد قليل ستسمع خبراً يسرّك !!

سأل عبدالرحمن :

- خيراً إن شاء الله ؟؟

أجابه بدر :

- الجو رائع هذا اليوم,ولن نتنازل عن جلوسنا في الحديقة الرائعة مهما حاولت ياصديقنا ..

ضحك عبدالرحمن وأشار لأصدقائه بمغادرة الغرفة الصغيرة والخروج إلى الحديقة..بينما راح هو يضع قفلا ًكبيراً على الباب الحديدي ..

على أرجوحة بيضاء كبيرة توسطت الحديقة .جلس صهيب وبدر ,بينما جلس سامي على كرسي مقابل,وبجانبه كرسيّ آخر جلس عليه عبدالرحمن.كان الكتاب الذي وجد سامي الورقة بين صفحاته مايزال بين يديه..مرّة يتأبّطه ومرّة يضمّه الى صدره,ومرّة يحمله بيده اليمين,وأخرى في اليسار,هذه المرّة انتبه عبدالرحمن للكتاب الذي وضعه سامي على حجره ..فسأله مستنتجاً :

- إذا لم يخنّي ذكائي فأنا أعتقد أن هذا الكتاب له علاقة بالموضوع..أليس كذلك ؟

ابتسم سامي بعد أن وزّع نظرات استعجاب لبدر وصهيب..ثم قال :

- ماشاء الله!!..أنت فعلاً ذكي ..وهذا الأمر سيسهّل علينا مهمّتناً كثيراً ..

ضحك عبدالرحمن ضحكة خفيفة,ثم سأل:

- مهمّة ؟!! ياه ..يبدو أن المسألة خطيرة..ومن كلّفكم بالقيام بهذه المهمّة ؟؟هل أنتم مجنّدون لصالح جهة ما؟

ثم أطلق ضحكة عالية,ثم مالبث أن شاركه الأصدقاء بقهقاتهم.بعد أن خفتت الضحكات وساد الصمت ,تناول سامي الكتاب من على حجره وقرّبه من عبدالرحمن ليسأله :

- سأعيد عليك السؤال الذي سبق أن وجّهته لك عندما كنّا في السوق :((هل هذا الكتاب من بين الكتب ألتي كلّفت البائع ببيعها ؟؟)).

ابتسم عبدالرحمن وهو يقول :

- وأنا بدوري سأعيد عليك الجواب نفسه الذي أجبته في السوق,وهو أنّني لست متأكّداً من هذا ,لأنّني لم أطّلع على تفاصيل هذه الكتب قبل تسليمها للبائع ..

لم يجد سامي بدّاً من أن يخرج الورقة من بين أوراق هذا الكتاب..وليبدأ بفتحها رويداً رويداً..انتبه عبدالرحمن لهذا الأمر فسأل باندهاش:

- ماهذه الورقة ؟!!

أمسك سامي الورقة التي فتحها وراح يهزّها بيده قائلاً :

- هذه الورقة وجدناها في هذا الكتاب ..

ثم أردف بدر قائلا ً:

- كما إن هذه الورقة لو تحقّق مامكتوب فيها لتغيّر مجرى حياتك بالكامل ..

ازداد عبدالرحمن حيرة ودهشة..وقال لسامي :

- أرجوك..ادخلوا بالموضوع مباشرة..فأنا لاأحتمل الانتظار ..

تلعثم سامي وارتبك,,وحار كيف يبدأ الموضوع مع عبدالرحمن ,لكنّه أخيراً.. قرّر أن يسلّم الورقة له ليكون أمام الأمر الواقع,وليوفّر على نفسه هذه المهمّة الصعبة.. بيد مرتعشة تناول عبدالرحمن الورقة من سامي ..وقرّبها إليه وراح يقرأ ما فيها.أمّا الأصدقاء الثلاثة فراحوا يراقبون تعبيرات وجهه وعينيه ..وهو يبحلق في الكلمات المكتوبة..كادت عيناه تخرج من مكانهما ,ولونه الحنطيّ تحوّل إلى الأصفر .. ثم رفع رأسه مذهولاً ..وراح يتبلعم ريقه الناشف من هول المفاجأة .فضّل الأصدقاء السكوت,ريثما يستوعب الأمر صديقهم الذي أصبح مليونيراً بين يوم وليلة..وزّع عبدالرحمن نظراته على الأصدقاء.. مبتدءاً بسامي الذي يجلس إلى يمينه,ثم إلى صهيب,ثمّ إلى بدر..لكنّه مالبث أن أعاد قراءة الرسالة من جديد,وكأنّه يريد أن يتأكّد تماماً, أنّ ماقرأه صحيح .ثم طوى الورقة وأطرق برأسه إلى الأرض..وهو يتمتم :

_ رحمك الله ياجدّي..كنت تقتّر على نفسك لكي توفّر لنا الثروة التي تجعلنا نعيش بنعيم..لقد وافته المنيّة بعد وفاة والدي, إثر نوبة قلبيّة بسنة تقريباً..لقد كان لوفاة أبي المفاجئة الأثر الكبير لتدهور صحّة جدّي..حتى ازدادت سوءاً ليلحق بأبي إلى جوار ربّه...

ثم مسح عينيه من الدمعات التي انهمرت على خدّيه..تأثّر الأصدقاء ممّا سمعوه من عبدالرحمن..فربت سامي على كتفه مواسيا ً:

_ رحمهما الله..وجعل جنّات الخلد سكناهما ..

ثم نهض بدر من مكانه في محاولة منه ليغيّر مجرى الحديث..فقال :

_ بعد أن اطّلعنا على هذه الورقة,رأينا أن من الواجب والأمانة أن نسلّمك إياها..فقد أوصانا الله أن نردّ الأمانات إلى أهلها..وهاهي الرسالة بين يديك.ونحن مستعدّون لإبداء أي مساعدة في سبيل أن نبحث عن الكنز الذي يتحدث عنه جدّك .

أخذ عبدالرحمن نفساً عميقاً بعد أن استوعب الأمر جيداً,وقال:

- ولكن أرجو أن تعرفوا أنّه في كل الأحوال يجب علينا استشارة والدتي بهذا الأمر ..

ونهض صهيب هو الآخر من مكانه ليكون قريباً من بدر ,وليقول:

_ بدون أدنى شك..وعلينا أن نأخذ مشورتها في كلّ شيء .

ثم مالبث أن توقّف عبدالرحمن عن متابعة هذا الحديث,ليكتشف شيئاً مهماً..فانبرى قائلاً:

- لحظة ..لقد تذكّرت شيئاً مهما ًجداً,وسيكون أول خيط سيقودنا إلى معرفة الحقيقة ..

تحلّق الأصدقاء الثلاثة حوله,مستفهمين عمّا يعنيه صديقهم,فتابع عبدالرحمن حديثه قائلاً :

- عندما توفي أبي كنت في الصف الأول الابتدائي,وبعدها بسنة أو أكثر قليلاً توفّي جدّي..وكنت لم أُنهِ الصف الثاني بعد,أي أن عمري لم يتجاوز التاسعة, وهذا يعني أنّ ذلك حدث قبل حوالي سبع أو ثماني سنوات .

فبادر سامي بالسؤال:

- وماذا يعني هذا أيضا ؟؟.

أجاب عبدالرحمن:

- هذا يعني أن البيت الذي يتحدّث عنه جدّي هو بيتنا القديم, الذي كنّا نسكن فيه قبل أن ننتقل إلى بيتنا هذا .

سأل صهيب :

- هذا ممتاز,,وأين هو بيتكم القديم؟؟

أجاب عبدالرحمن :

- ليس في هذه المدينة أصلا ً,بل في قرية تبعد حوالي أربع إلى خمس ساعات.فكنت قد أخبرتكم قبل هذه المرّة..أن أبي كان يملك أرضا ًزراعية .ولأنّه كان يحبّ الأرض كثيراً فقد فضّل أن يكون سكننا في القرية,لنكون قريبين من الأرض دائماً.ولكن بعد المصائب التي حلّت بنا بوفاة أبي,وبعده جدّي,وبيع الأرض,لم يبقَ لنا مايبرّر بقاءنا هناك..فآثرت أمي الانتقال للعيش في المدينة,لتكون قريبة من أهلها .

اقترب سامي من عبدالرحمن وقال له :

- لقد عانيتم ماعانيتم في حياتكم..أعانكم الله ..وعوّضكم عن أيّام البؤس والشقاء بأيّام تملؤها السعادة إن شاء الله..ولكن عليك ياعبدالرحمن أن تكتم السرّ حتى نتبيّن الأمر ويصير جليّاً.

أجاب عبدالرحمن :

- طبعاً..وبالمناسبة ..أنا أعتذر فالمفاجأة أنستني كلّ شيء,,كان من المفترض أن أشكركم ,ولكنّني

لا أعرف كيف أعبّر لكم عن شكري وأمتناني..إنكم مثال للأمانة..

أجاب صهيب :

- لاداعي للشكر ..ثم أتريد أن تشكرنا على أداء واجب فرضه الله علينا؟؟ إن الله يأمرنا أن نؤدّي الأمانات إلى أهلها يا عبدالرحمن ..

لم يجد عبدالرحمن مايقوله..سوى:

- جزاكم الله خير جزاء يا إخوتي..

ثم وضع بدر يده على صدره..وقال وهو ينظر لصديقيه سامي وصهيب:

-و لن ندّخر وسعاً في مساعدتك وتقديم العون لك .أنا وصديقاي سامي وصهيب .

شعر عبدالرحمن بالارتياح لموقف الأصدقاء الثلاثة,والذي لم تمض ساعات قليلة على تعارفهم,لكّنه أحسّ أن صداقتهم هذه سيكتب الله لها النجاح والديمومة,لأنها صادقة ومبنيّة على أسس صحيحة بعيدة عن أيّ مطامع .

طلب سامي من عبدالرحمن أن يسأل والدته عن العنوان الكامل لبيتهم الذي كانوا يسكنونه ,لأنّ عبدالرحمن لم يعد يتذكّر شيئاً عنه أبداً,ولأنّ عمره الصغير حينذاك لم يكن يؤهّله لأن يحدّد المكان بدقّة. ومن جانبه طلب عبدالرحمن من أصدقائه إمهاله فترة يومين فقط,كي يمهّد الأمور ,ويفاتح والدته بهذه المستجدّات,وحدّدوا يوم الاثنين القادم موعداً للانطلاق إلى القرية..عانق عبدالرحمن أصدقاءه الثلاثة.وكرّر لهم شكره وامتنانه على هذه الوقفة الشريفة,والشهامة والنخوة,التي تكاد تكون نادرة في هذه الأيام.وخرج ليقف عند باب البيت مودّعاً إياهم..مشوا عدّة خطوات مبتعدين عن البيت,ثم مالبثت أن تبعتهم أقدام أخرى.. ويبدو أنّ هناك من كان يراقبهم ,ويقف لهم بالمرصاد.









* * *







المكان :بيت عبدالرحمن

الزمان : التاسعة صباحا



وقف متّكئا ًعلى سور لحديقة أحد البيوت,مفتعلاً قراءة الجريدة.. ومن غبائه راح يقلّب صفحاتها الكبيرة من دونما أيّ اهتمام بماتحتويه ..بحيث إن أيّ شخص مهما كان بسيطاً..إذا أراد أن يراقبه فسيكتشف من اللحظة الأولى أنّ من يمسك بهذه الجريدة.. غايته المراقبة أو الانتظار,ليس إلا.كان يتلفّت يمنيناً ويساراً,كمن يبحث عن شيء ما..بعد دقائق قليلة اقترب منه بخطوات سريعة شخص بملابس بعيدة كلّ البعد عن الذوق ,بحيث إن ألوانها غير منسجمة مع بعضها البعض,ويضع قبّعة سوداء على رأسه.. ودار بينهما الحوار التالي:

- متأخّر كعادتك يامرهون .

أجابه مرهون :

- أنت الذي أخبرتني أن الموعد في التاسعة صباحاً ياعاصي ..

ثار غضب عاصي ..فوبّخ صديقه قائلاً :

- كم من مرّة قلت لك إنني أكره اسم عاصي هذا..نادني ((ابو الليل)) ..

وضع مرهون سبّابته وإبهامه على فمه..وراح يداعب شفته العليا..وهو يتمتم :

- صحيح ..أبو الليل ..نسيت ذلك ..

استأنف أبو الليل كلامه قائلاً:

- أنا أحبّ الليل كثيراً ..لأنه ستروغطاء ..

ضحك مرهون ضحكة ساخرة وهو يقول :

- ستر وغطاء على أفعالنا التي غالباً ماننفّذها في الليل ..

ثم أطلق ضحكة عالية ..ممّا دعى عاصي أن يضع يده على فم مرهون ليغلق فمه,ويسكته عن قهقهاته السخيفة ..قائلاً:

- اخرس أيها المعتوه لئلا تفضحنا ..

تنحنح مرهون قليلاً..ثم عدّل من ياقة قميصه ..وهو يقول :

- بصراحة ياأبا الليل..ولاتزعل مني,مازلت مصرّاً على ما أخبرتك به للتوّ,فإن كل أعمالنا نفّذناها في الليل..لذلك لم أتعود أن أصحو مبكّراً,فأرجو أن تعذرني ..

- ولكن هذه المرّة غيركل مرة..فالمسألة ليست مسألة خردوات,أو بضعة دنانير سرعان ماتتبخّر..إنه كنز ياغبي..كنز..ألاتفهم ؟؟ ثم ماهذا الذي تلبسه؟؟!.. تبدو كأنّك مهرّج في سيرك ..

أجاب مرهون :

- ألم تطلب مني أن أتنكّركي لايعرفونا ؟!

ردّ أبو الليل :

- وهل تسمي هذا تنكّرا ً..إنّه تهريج..

ثم تفحّص مرهون شكل صديقه الذي يسخر منه..وراح يضحك قائلاً:

- انظر إلى نفسك أوّلاً..نظّارات حمراء صغيرة,ربطة عنق خضراء ..

ظلّ يضحك بعمق,حتى توقّف فجأة ليتفحّص شيئاً في وجه صديقه..وليقول :

- أظنّني رأيت هذه الأشياء من قبل..ها..تذكّرت,إنها من محلّ لعب الأطفال الذي سطونا عليه في الأسبوع الماضي..

ثم عاد ليقهقه بصوت عالٍ.لم يسكت حتى لطمه أبو الليل على فمه,بعد أن شعر بالحرج والخجل, وليقول له :

- اخرس..كفاك ثرثرة أيها الغبيّ ..تبدو كالقرد عندما تقهقه بسفاهة .

ثم أمسك أبو الليل بمرهون من ياقته التي انتهى من تعديلها قبل لحظات..وسحبه إليه وهو يقول له :

- أنا المخطيء لأنّني أحاول أن أفيدك وأنت لاتستحقّ قشر بصلة .

سحب مرهون ياقته من بين يد أبي الليل بشدّة,وغيّر من نبرة صوته ليقول له بجدية :

- اسمع إن لم تغيّر أسلوبك الجارح هذا معي..فإنّني منسحب من هذه اللحظة..

ابتسم أبو الليل ..وراح يداعب صاحبه ..وهو يضرب على صدره قائلاً باستهزاء:

- ياه ..صرت حسّاساً..جرحت كرامتك ؟؟ أم أهنت كبرياءك؟؟ مرهون..أنسيت من أنا ؟؟ أنا أبو الليل الذي لاتستغني عنه..صرت تتضايق من ممازحاتي ..

ثم سحب نفساً عميقاً,وهو يزيح النظّارات الصغيرة من عينيه,والربطة من حول عنقه , وتمتم قائلاً :

- أردنا أن نوفّر قليلاً .ولكن يبدو أنّ لامناص من شراءملابس تخفي ملامحنا..

ثم نظر إلى مرهون الذي مايزال ساكتاً لاينبس بكلمة..وخاطبه بجدّية :

- على أي حال..سأغيّر من تصرّفاتي معك .ولن أمازحك أبداً,يبدو أنّك تنزعج من مداعباتي .

اقترب مرهون من أبو الليل وخفّف من حدّة نبرته ليقول له :

- هل زعلت مني ياأباالليل ؟؟ أعتذر,لم أكن أقصد ذلك..يبدو أنني لم آخذكفايتي من النوم..لذلك سرعان ما تثار أعصابي.

ثم دنى منه وقبّله من جبينه,ونظر في عينيه وقال:

- ها؟؟ هل رضيت عني ؟؟

هزّ أبو الليل رأسه بنعم .ثم وضع يده على كتف مرهون وقال له هامسا ً:

- مرهون هذه المرة ستكون الحصيلة كنزاً من المال والذهب..وعلينا أن نبذل جهودا ًاستثنائية في سبيل أن نحصل عليه..أتفهم ؟

- نعم

أجابه مرهون..ثم فجاة غطّى أبو الليل وجهه بالجريدة..ومن جديد راح يفتعل قراءتها..وهو يهمس في إذن مرهون .

- تعال بسرعة إلى جانبي كي لايرونا .

انضمّ مرهون إلى عاصي أو (( أبو الليل ))كما يحلو له أن يسمّى.وسأل:

- لقد خرجوا من البييت للتوّ .

أجاب أبو الليل :

- نعم..ولحسن حظّنا أنهم تأخّروا عن موعد انطلاقهم مايقرب من النصف ساعة.وإلا كنت تركتك ولحقتهم وحدي .

من خلال الحوار السابق يتبيّن أن هذين الشخصين ,كانا يتحدثان عن الكنز,الذي خرج عبدالرحمن بصحبة أصدقائه الثلاثة:( سامي وبدر وصهيب) ليبحثوا عنه في القرية التي كانوا يسكنونها قبل وفاة والد عبدالرحمن ,وجدّه,وبيعهم للأرض التي كانوا يملكونها هناك.

* * *

وقف عبدالرحمن عند باب بيته الخارجي, وبقربه وقف الأصدقاء الثلاثة سامي وبدر وصهيب ,كلّ منهم يحمل حقيبة صغيرة ,وضع فيها احتياجاته الشخصية,من ملابس وبعض المعلّبات الخفيفة,تحسّباً لأيّ ظرف يواجهونه ,فهم لايعرفون ماينتظرهم في رحلتهم هذه إلى القرية .قال عبدالرحمن موجّهاً كلامه للجميع :

- سنركب سيارة أجرة صغيرة تقلّنا للساحة,ومن هناك سننطلق إن شاء الله بالباص .

سأل سامي :

- ألم تقل لنا إن الساحة التي تقف فيها الباصات قريبة من بيتكم؟

أجاب عبدالرحمن :

- نعم ..هذا صحيح.

فعاد سامي ليسأل:

- لماذا لانتمشّى إليها على الأقدام ؟ففيها فائدتان :الأولى توفير للأجرة ,والثانية رياضة بدنية صباحية.

نظر صهيب إلى بدر ليقول له ممازحاً :

- رياضة بدنية ممكن..أما التوفير فلاينبغي عليك التحدّث به وأنت ترافق المليونيرعبدالرحمن .

ثم انبرى الأربعة يضحكون بعمق ..قال عبدالرحمن وهو مايزال يضحك:

- لا..لاهذه ولاتلك..من الصعب جداً أن نمشي على الأقدام,حتى لو كانت المسافة قصيرة,لأن حقائبكم خفيفة الحمل.

ثمّ مدّ يده ليمسك بيد حقيبته وهو يقول:

- أمّا حقيبتي فلا..

استغرب الأصدقاء,فسأله صهيب :

- ماذا تقصد ؟

ثم سأل بدر :

- إنها صغيرة مثل حقائبنا .

فابتسم عبدالرحمن,وأجاب:

- صغيرة هذا صحيح..لكنّها ثقيلة جداً ..

سأله سامي :

- لماذا ؟؟ماذا عبّأتها؟

هزّ عبدالرحمن رأسه بمكر,وكأنه يريد أن يقول لهم:(( فاتكم شيء لم يفُتني))..وقال:

- ستعرفون هذا في حينه .

في هذه الأثناء مرّت سيارة أجرة صغيرة,أشار عبدالرحمن لسائقها بالتوقّف.توقّفت السيارة ونزل سائقها ليفتح الصندوق الخلفي,وليضع الأصدقاء حقائبهم فيه.بعدها انطلقت السيارة باتجاه ساحة وقوف باصات النقل الخارجي .











* * *











الكنـز.. لمن يصل إليه أولاً



في الباص الكبير..جلس عبدالرحمن إلى ناحية الشباك وإلى يساره جلس سامي,وخلفهما بالضبط جلس بدر وصهيب.أما أبو الليل ومرهون فقد اختارا مقعدين بموازاة عبدالرحمن وسامي,ليسترقا السمع ,ويراقبا تحرّكاتهما عن كثب.كانا قد ارتديا قبّعات اشترياها من الساحة..ونظّارات شمسية سوداء.نظر أبو الليل وتطلّع في وجه صديقه وقال له موبّخا ً:

- ألم تشغل مخّك قليلاً ؟؟كان عليك أن تختار لوناً آخرغيرلون قبّعتي..وحتى النظّارة التي ترتديها, هي نفس شكل نظارتي .

سأل مرهون بسذاجة:

- وماذا في هذا؟

أجاب أبو الليل مشمئزّاً:

- ياأخي نبدو كفرقة استعراضية..أو..أو لاأدري..المهمّ إنه شيء مضحك .

إلى يمينهما كان عبدالرحمن منشغلاً بإفهام أصدقائه الثلاثة ماينبغي عليهم فعله,مستعيناً بمخطّط صغير رسمته والدته بشكل بسيط,وحسب تذكّرها للطريق, الذي ماعاودت الرجوع فيه منذ مايقرب من الثماني سنوات مضت.

- بعد أريع ساعات من الآن سنصل إلى المدينة إن شاء الله..ومن هناك سنركب سيّارة صغيرة باتجاه القرية..وعندما نصل إليها سنتتبّع الطريق بواسطة هذه الخريطة .

كان عبدالرحمن حريصاً على عدم رفع صوته,بالكاد كان أصدقاؤه يفهمون كلامه,ومع هذا استطاع أبو الليل أن يلتقط بعض الكلمات..فهمس في أذن صاحبه قائلاً بسخرية:

- مساكين..يظنون أن الكنز سيكون من نصيبهم..أين أنتم من أبي الليل..

ثم توقّف فجأة عن قهقهاته الخبيثة,ليرى مرهون وهو يحدّق فيه مليّاً..فسأل:

- لماذا تنظر إليّ هكذا !؟.

أجاب مرهون بصوت خافت وبيأس :

- أخشى أن تغدر بي كعادتك..فهذه المرة ليست كبقية المرات..إنه كنز..يعني مال.. وذهب ..وجواهر,وأنت ضعيف أمام هذه الأشياء.تنسى كل اتفاقاتك مع أول بريق لها.

مدّ أبو الليل وقرص مرهون من رجله القريبة منه بخبث,وقال له والكلمات تخرج من بين أسنانه المصطكّةغضباً:

- أنت دائماً هكذا..تظنّ بي الظنون السيئة..ولاأدري سبب إصراري على صداقتك..ربّما قلبي الطيّب هو السبب..ولكن ربمّا من حقّك أن تقول:(( أخشى أن تكون حصّتك أكبر من حصتي)) ..وهذا ماسيحصل بالطبع..لأنني أنا من خّطط ودبّر,وعرّض نفسه للمخاطر..أما أنت فتأتيك اللقمة سائغة لفمك .

انتهز أبو الليل فرصةارتفاع صوت هدير محرّك السيارة,التي انطلقت بهم قبل دقائق قليلة,ليحاول ترضية صديقه,الذي انزعج من فكرة أن تكون حصة صديقه أكبر من حصته,بعد أن كان قد وعده قبل يوم واحد أن الكنز سيتقاسمانه مناصفة,ولكن يبدو أن كلام الليل يمحوه النهار كما يقال.اقترب منه ليهمس في أذنه:

- لو كنت أنت مكاني يامرهون.كنت ترضى أن تكون حصّتك بقدرحصّتي..لوكنت قد خطّطت وعرّضت نفسك للمخاطرة والتعب الذي تعرّضت أنا إليه..ثم إننا منذ البداية اتفقنا..أن تكون حصّة من يجمع المعلومات,ويدبّر المخطّطات,أكبر من حصّة الآخر..أليس كذلك؟

خزر مرهون صديقه بعينيه وقال له:

- منذ أن بدأنا العمل ولحد الآن وأنت تأخذ حصّة تكاد تكون أكثر من ضعف حصّتي..حتى في المهمّات التي أكون أنا من جمع المعلومات عنها ودبّر وخطّط لها..فجأة أجد نفسي أتلقّى التعليمات منك ..وفي النهاية تنقلب الأمور إلى جانبك,وتصبح أنت المخطِّط لها,كيف لاأدري ..

وضع أبو الليل يده على ركبة مرهون وقال له مبتسماً:

- أنت حاقد عليّ إذن ؟؟ لاعليك..هذه المرة ستكون راضياً عن حصّتك,المهم لاتدعنا نخسر ثروة كبيرة بسبب زعلك,كما يفعل الأطفال,هيا ..هياابتسم.. تبتسم لك الدنيا..هيا

ماكان من مرهون إلا أن يرضخ لإلحاح صديقه,الذي تفنّن كثيراً في إرضائه ..

بعد أربع ساعات من انطلاقه وصل الباص إلى مدينة مزدحمة بالناس والسيارات,توقّف الباص في ساحة كبيرة خصّصت لهذا الغرض,لينزل الركّاب منه,أما عبدالرحمن وأصدقاؤه فراحوا يبحثون عن سيارة أجرة صغبرة تقلّهم إلى قرية مجاورة, تبعد زهاء النصف ساعة عن المدينة هذه,وماكان من أبي الليل وصاحبه مرهون إلا أن يحذوا حذو عبدالرحمن وأصدقائه .

جلس عبدالرحمن في المقعد الأمامي للسيارة,وفي المقعد الخلفي جلس الأصدقاءالثلاثة:سامي وبدر وصهيب.وانطلقت السيارة متوجّهة للقرية,التي كان يسكنها عبدالرحمن عندما كان صغيراً,تتبعهم سيارة أخرى تقلّ أبا الليل وصاحبه مرهون.

فتح عبدالرحمن الورقة التي خطّطتها له والدته,ليستدلّ بها على المكان الذي يقصدونه,ثم وضعها على حجره,انتبه إليه السائق ذو السحنة السمراء,فابتسم..بعد أن لاحظ عبدالرحمن أن السائق يرمقه بنظراته..بادله الابتسامات...فقال السائق وهو يوزّع نظراته بين عبدالرحمن الجالس قربه,وبين الأصدقاء الذين يراهم من خلال المرآة الأمامية:

- حمداً لله على سلامتكم..

أجاب عبدالرحمن :

- الحمد لله .

كان حريصاً كما اتفقوا جميعاً على أن يحاولوا عدم إعطاء أي معلومة,حول المهمّة التي من أجلها جاؤوا للقرية.لذلك كان يكتفي بأن يعطي جواباً على قدر السؤال.

لاحظ السائق أن الأصدقاء الأربعة يتلفّتون يميناً ويساراً,مبهوتين بما يحيط بهم من جمال وطبيعة,ممّا يدلّ على أنهم غرباء عن المدينة..والقرية أيضاً,كما لاحظ أنهم لاينبسون بكلمة واحدة,ممّا أثار فضوله ليسألهم :

- هل من خدمة أستطيع أن أقدّمها لكم؟ لأنّني أعتقد إن لم أكن مخطئاً..أنكم تزورون هذه القرية للمرة الأولى .

لم يجد عبدالرحمن مايجيب به السائق إلا الحقيقة,فالذي اكتشفه السائق من السهل على أيّ شخص معرفته,لذلك أجاب بعد تفكير قصير:

- نعم ياعم,نحن فعلاً غرباء عن هنا,لكنّنا..أقصد أنا بالذات..كنت أسكن هذه القرية منذ زمن بعيد ,ثم انتقلت للعيش في مدينة بعيدة,وجئت لزيارة بعض الأقارب لي ..

ضحك السائق بعد أن سمع من عبدالرحمن ماسمع..فاستغرب عبدالرحمن ردّة فعل السائق..فسأله:

- عفواً ياعمي,هل لي أن أسأل عمّا يضحكك في كلامي ؟؟

ابتسم السائق وهو يوزّع تركيز نظره مابين الطريق وبين عبدالرحمن إلى يمينه,ليقول والابتسامة المرحة لاتفارق وجهه:

- أضحك لسببين..أولهما لأنك تقول:إنك كنت تسكن في القرية منذ زمان بعيد وأنت..عفواً يعني ..ماتزال صغيراً ..

ابتسم عبدالرحمن هو الآخر قائلاً:

- كنت أقصد أنني كنت صغبيراً جداً..يعني قبل حوالي سبع سنوات أو ربما ثمانية..

ثم تابع ليقول:

- السبب الأول عرفناه..والثاني ؟؟

أجاب السائق :

- السبب الثاني لأن من حسن حظّكم أنني من السكّان الأصلاء في هذه القرية,التي نتوجّه إليها,فأنا أصلاً ولدت فيها قبل أكثر من أربعين سنة تقريباً .

لم يجد الأصدقاء مناصاً للهرب من الحقيقة التي أمامهم..وشعر عبدالرحمن بالحرج والارتباك.إذ ِبم سيجيب السائق إذا ماسأله ((من هم أقرباؤك لأوصلك إليهم ؟؟))..وهل هذه الصدفة ستنفعهم في المهمّة.. أم جاءت لتعترض كلّ ماخطّطوا له ؟

نظر بدر إلى صهيب الجالس قربه وتبادلاالنظرات..وكأنهما يريدان أن يقولا لبعضهما..((هل من بين عشرات السائقين الذين اصطفّوا في ساحةوقوف الباصات الكبيرة ..جئنا لهذا السائق ليكون من سكّان القرية التي نقصدها ؟!! ماهذا الحظ !!)).

وماكان خائفاً منه عبدالرحمن قد حصل فعلاً..فهاهو السائق يسأله :

- من هم أقرباؤك يا..صحيح نسينا أن نتعارف..خصوصاً بعد أن اكتشفنا أننا من منطقة واحدة ..فمحسوبكم سالم ..عمّكم سالم..أو أبو ماجد ..فولدي ماجد بمثل أعماركم..لكنّه للأسف لم يدخل المدرسة بسبب بعض الظروف ..

وجد عبدالرحمن أنها فرصة للتملّص من الإجابة عن السؤال الأول,فراح يعرّف بنفسه وبأصدقائه الجالسين خلفه..فقال:

- تشرّفنا بمعرفتك ياعمّي..أما أنا فاسمي عبدالرحمن..وهؤلاء أصدقائي سامي وبدر وصهيب .

هزّ العم سالم رأسه وهو ينظر للأصدقاء من خلال المرآة .وقال:

- أنا سعيد بالتعرّف عليكم .

مدّ بدر يده ليخزعبدالرحمن من كتفه الأيمن خلسة.وعندما أحسّ عبدالرحمن بوخزةصديقه, التفت إليه .قرّب بدر رأسه من أذن عبدالرحمن وراح يهمس له:

- يبدو رجلاً طيباً,وقد بعثه الله لنا ليساعدنا في مسعانا.وسيختصر علينا عناء البحث عن بيت جدّك ..فتصرّف .

ظنّ العمّ سالم أن الأصدقاء ربما يكونون في مأزق ما ,فسألهم:

- هل من شيء أساعدكم فيه ؟؟أضعتم نقودكم مثلاً ؟؟أم نسيتم بعض الحاجات في الباص ؟؟أنا حاضر لأيّ شيء,حتى لو اضطررنا للعودة للساحة ..ولاتقلقوا لن أزيد الأجرة ..

ثم ضحك..وضحك معه الأصدقاء ..وقال صهيب :

- جزاك الله خيراً ياعمّي..أنتم دائماً هكذا ياسكّان القرية والريف,تتميّزون بالطيبةوالنخوة والضيافة ..أكثر منا نحن سكان المدينة ..

وردّ سامي"

- شكراً ياعمّي..رحلتنا كانت سهلة وموفّقة والحمد لله ..ولقد تكلّلت بالتعرّف عليك..وهذا أحسن شيء فيها لحد هذه اللحظة .

خجل العمّ سالم من هذا الإطراء .فقال خجلاً:

- شكراً ياأولاد ..ها ..كيف لي أن أساعدكم؟؟أو بالأحرى كيف يمكنني أن أقوم بالواجب تجاهكم؟ .

تشجّع سامي ليقول:

- قلت لنا قبل قليل إنك من سكّان القرية منذ أن ولدت..وهذا يعني أنك على علم بكل سكّانها القدامى..أليس كذلك ؟

أجاب السائق :

- بلى ..

تابع هبد الرحمن ليسأل:

- وهذا يعني أنك تعرف عائلتي التي رحلت من القرية قبل سنوات ..

أجاب السائق :

- إن شاء الله ..

سأل عبدالرحمن:

- أنا ابن أحمد.ووالده _ يعني جدي _ كان معلّماً,ثم تقاعد عن العمل,واسمه راشد..كنّا نملك أرضاً زراعية..ثم بسبب بعض الظروف بعناها لننتقل إلى المدينة..بعد وفاة والدي وجدّي .

وضع العم سالم ّسبّابته على شفته العليا يداعبهاوهو يتمتم مستذكراً :

- رحمة الله عليهما وعلى موتانا وموتاكم..أحمد ..ابن راشد ..أحمد...

أما عبدالرحمن فقد راح ينتظر بشغف ماستسعفه ذاكرة العمّ سالم..فراح يستعجله بالقول:

- راشد أبو أحمد..حاول أن تتذكّر جيداً ياعمّي ..

انتقلت يد العمّ سالم من غير شعور منه, لتداعب هذه المرة جبينه, في محاولةللاستذكار..وهو مايزال يتمتم مع نفسه ببعض الكلمات:

- أبو أحمد..الأستاذ راشد ..ها..الأستاذ راشد..

وفجأة تغيّرت ملامح العمّ سالم السائق,وكأنه قد تذكّر شيئاً مهماً ..فقال:

- نعم ..إنه الأستاذ راشد..كيف لاأعرفه ..إنه معلّم اللغة العربية في المدرسة التي مررنا بجانبها عندما كنّا في المدينة قبل قليل..لقد درّسني العربية عندما كنت تلميذاً فيها..بالمناسبة حتى أبوك كان تلميذاً في المدرسة نفسها ..

انتابت عبدالرحمن مشاعر غريبة,تجمع مابين الفرح والحزن,ودمعت عيناه بعد ماسمعه من العمّ سالم ,وكأنه عثر على واحد من أقربائه,ممّن عايشوا الأحداث التي مرّت بها عائلته منذ زمن بعيد بالنسبة إليه .ثم واصل العم سالم حديثه قائلاً:

- ياه..لقد ذكّرتموني بسنوات مضت..رحمك الله ياأستاذ راشد..كان معلّماً نزيهاً, تعلّمنا منه كل شيء ..المثابرة,والأمانة,والحرص على أداء الواجبات ..

ثم نظر إلى عبدالرحمن..وهز سبّابته..وهو يقول:

- نحبّه رغم أنه كان قاسياً علينا في حينها..لكن بصراحة..كان معه الحق .لأننّا لولا قسوته ماكنا تعلّمنا شيئاً أبداً ..

ثم ضحك ضحكةخفيفة..أتبعها بحسرة طويلة,وكأنه يستذكرأياماً أصبحت تاريخاً ماضياً لن يعود..بعدها التفت إلى يمينه حيث يجلس عبدالرحمن..وقال:

- أهلاً وسهلاً بك وبمن معك..أنتم ضيوفي منذ الآن..ولن أقبل أي عذر للتملّص من هذا..ما رأيكم ؟

نظر عبدالرحمن إلى أصدقائه خلفه..وتلعثم وهو يقول:

- بصراحة..يعني ..

قاطعه العمّ سالم :

- لاأقبل أي عذر..مفهوم؟؟







* * *







أرض ..

ذكرياتها مرّة ..ومستقبلها سعيد



في القرية الجميلة..وفي ظلّ شجرة وارفة..افترش أبو الليل الأرض,برفقة مرهون..وكلاهما مدّد رجليه أمامه..مستندين على الأرض بأذرعهم الممدودة خلفهم .ليريحوا أجسادهم المثقلة بتعب الرحلة الطويلة ,ولينتظروا وصول السيارة الصغيرة,التي أقلّت عبدالرحمن وأصحابه.هذا طبعاً من وجهة نظرهم..نظر مرهون إلى صاحبه وسأله:

- أنا محتار من شيء..وهو أنهم كانوا أمامنا لأكثر من نصف الطريق..لولا أن توقّف سائقنا ليتفحّص عجلات السيارة,لكنّاوصلنا سوية,ولكن رغم هذا,فإنّه لاينبغي لنا أن نتفاوت في الوصول كلّ هذه الفترة الطويلة!! فنحن هنا منذ ربع ساعة تقريباً ,ولم يصلوا لحد الآن.

تأفأف أبو الليل.وقال بعدما تفحّص الشارع الذي من المفترض أن تدخل منه السيارات القادمة إلى القرية ..وقال:

- لاأدري لماذا يراودني إحساس أنهم وصلوا قبلنا وليس العكس..

أجاب مرهون:

- أيعقل هذا!!..أين اختفوا إذن بهذه السرعة ؟

لم يكن يخطر على بال أبي الليل ومرهون أبداً ماحصل مع عبدالرحمن وأصدقائه..إذ اصطحبهم العمّ سالم إلى بيته مباشرة,من دون أن يضطرّ للوصول أو التوقّف في المكان المخصّص لوصول السيارات القادمة لهذه القرية ..قال أبو الليل بعد تفكير:

- سننتظر عشر دقائق أخرى,وبعدها نقرّر ماسنفعله.

جلس الأصدقاء الأربعة ( عبدالرحمن وسامي وبدر وصهيب) في بيت العمّ سالم,وتناولوا الغداء معه ومع زوجته( الخالة أم ماجد)أمّا ماجد فكان مايزال في عمله .إذ يعمل في ورشة للميكانيك على الطريق مابين القرية والمدينة ,وعندما حضر وتعرّف إلى الأصدقاء,دارت بينهم أحاديث ودّية كثيرة,لكنّهم لم يتطرّقوا أبداً إلى موضوع الكنز المدفون في غرفة جدّ عبدالرحمن, في البيت القديم الذي كانوا يسكنونه منذ سنوات..وعندما سألهم ماجد عن سبب زيارتهم هذه,أجاب عبدالرحمن وهو يمسك بآلة التصوير التي أخرجها من حقيبته :

- أخذت الإذن من والدتي أن أصطحب أصدقائي للقرية التي ولدت فيها,ولأوثّق بالصور المناظر والأماكن التي ترعرعت فيها,وخصوصاً ونحن نعيش أيام العطلة الربيعية,,وهي فرصة مناسبة للقيام بهذه الرحلة.

قال العمّ سالم موجّهاً حديثه لعبدالرحمن, بعد أن لاحظ أنه ينوي أن يلتقط بعض الصور للقرية ولبيتهم القديم :

- في القرية مناطق خضراء جميلة,ربما ستعجبكم وتستأهل أن تصوّرها,أما البيت الذي كان يسكنه جدّك فإنه للأسف أصبح مهجوراً،بعد أن تركهه أصحابه الذين سكنوه بعده,وصار مأوىً للحيوانات البريّة من كلاب وذئاب..

سأل بدر:

- هذا يعني أنه غير مسكون..وهذا أفضل بالنسبة لنا.

كاد لسانه أن يزلّ,لولا أن خزره عبدالرحمن بنظرة ,في حين استغرب العمّ سالم ممّا قاله بدر ,فسأل:

- أفضل !! ولماذا ؟

استدرك عبدالرحمن الأمر ليقول:

- يقصد بدر أننا يمكن أن نلتقط له مانشاء من الصور الفوتوغرافية بسهولة,على عكس ممّا لو كان مسكوناً.

ابتسم العمّ سالم وهو يقول:

- لاأعتقد أنكم تستطيعون الدخول فيه,بعد أن أصبح خربة مهملة ,ومرتعاً للحيوانات البريّة..هذا صعب .

تبادل الأصدقاء الأربعة نظرات الخيبة ممّا سمعوه,وسرعان ماأحسّ ماجد بخيبتهم..فقال لهم مطمئناً:

- لاعليكم ,سأصحبكم بعد قليل إلى البيت,لتلتقطوا له الصور على بعد مسافة قريبة .ولكن بعد أن نحتسي الشاي.

- على بعد مئات الأمتار من بيت العمّ سالم .كان أبو اللّيل ورفيق دربه مرهون يبحثان بين البيوت الصغيرة المتناثرة عن سيارة بيضاء صغيرة ,تقلّ أربعة فتيان .كان التعب بادياً عليهما, بعد أن أمضيا أكثر من ثلاث ساعات منذ أن يئسا من الانتظار,و قرّرا البحث عن عبدالرحمن وأصدقائه .وفجأة نسي مرهون كلّ تعبه وصرخ بعد أن لاحظ شيئاً جذب انتباهه:

- انظر ياأباالليل هناك!!

نظر أبو الليل صوب الجهة التي أشار إليها مرهون .ليرى من بعيد خمسة فتيان متتقاربين في أطوالهم ومعهم رجل .نظر أبو الليل إلى مرهون ليسأله:

- ماذا يامرهون ؟؟لقد أرعبتني.وظننت أنك لمحتهم.

أجاب مرهون :

- إنهم هم فعلاً..تمعّن جيداً,وستتأكّد من هذا.إنهم يرتدون الملابس نفسها,ويحملون الحقائب نفسها..أنا أعرفها جيداً .

عاد أبو الليل لينظر من جديد ولكن هذه المرة بتركيز :

- لاأستطيع أن أميّز ملامحم من هذه المسافة فنظري يخونني..علينا أن نقترب منهم أكثر,من غير أن يحسّوا بنا .

طارالتعب منهما,وراحا يتابعان سيرمن شكّوا في أمرهم ..وعندما صارا أكثر قرباً منهم ,قال أبو الليل :

- صدقت يامرهون ..أحسدك على نظرك الثاقب,إنهم هم فعلاً..

ابتسم مرهون بعد أن شعر بالنشوة :

- ألم أقل لك ..

ثم سأل أبو الليل باستغراب:

ولكن مَن هذان الشخصان اللذان يرافقانهم ؟!!..ياللشياطين !! كيف تعرّفوا إليهما بهذه السرعة؟؟

قال مرهون:

- ربما يكونان من أقرباء الولد المليونير !!

ضحك أبو الليل قائلاً:

- حلوة!!..أعجبتني هذه((الولد المليونير)) ..تقصد عبد ال....عبد ال..

قاطعه مرهون ليجيب:

- نعم..عبدالرحمن..ويبد هذا الرجل الذي يرافقهم هو أحد أقاربه..أما الفتى الخامس فيبدو أنه ابن الرجل .

فرك أبو الليل ذقنه بيده,وهزّ رأسه قائلاً :

- توقّعاتك تخيفني,دائما تصيب..أتعرف..ظهور هذا الرجل سيزيد المسألة تعقيداً..

أجاب مرهون:

- طبعاً..ومالعمل؟؟

ردّ أبو الليل بعد تفكير قصير:

- بمجرّد أن نعرف مكان البيت,سنعتمد على أنفسنا في البحث عن الكنز..بلّل مرهون شفتيه بممقدّمة لسانه..وتمتم قائلاً:

_ إنني أنتظر هذه اللحظات بفارغ الصبر ياأبا الليل.



* * *

صار العمّ سالم ومن معه على بعد بضعة أمتار من بيت جدّ عبدالرحمن..توقّف العمّ سالم..وتوقّف الأصدقاء,ثم مدّ العم سالم يده مشيراً صوب البيت..وقال:

_ ذاك هو ..انظروا ..

ابتسم عبدالرحمن وهو يقول:

- ياه !!..يبدو كمعلم أثري من تلك المعالم التي نزورها في رحلاتنا المدرسية ..

أجاب العمّ سالم :

_ هذا نتيجة إهماله وتركه وعدم العناية به طوال السنوات الماضية..بالمناسبة يمكنك أن تلتقط له بعض الصور من هذا المرتفع .سيبدو جميلاً من بعيد.

أخرج عبدالرحمن آلة التصوير من الحقيبة التي يحملها على كتفه,وبدأ بأخذ عدّة لقطات للبيت,منتهزاً فرصة وقوفهم على تلّة صغيرة.

قال العمّ سالم موجّها حديثه إلى عبدالرحمن وأصدقائه الثلاثة:

- ما رأيكم لو ألقيتم عليه نظرة سريعة,على أن تعودوا نهار الغد وتفعلوا ماتريدونه؟

أجاب عبدالرحمن:

- شكراً ياعمّي..لانريد أن نثقل عليكم أكثر من هذا,فنحن نعرف مدى انشغالكم بالعمل.سواء أنت أم ماجد,جزاكم الله خيراً..لقد فعلتم الواجب وأكثر..

أردف بدرك

- هذا صحيح..وحبّذا لوانصرفتما لعملكما بينما نتجوّل نحن في القرية.ونحاول الدخول للبيت..أو نطوف حواليه..لالتقاط صور أخرى أكثر قرباً.

أما صهيب فقال:

- وفي الغد إن شاء الله..سنعود إلى مدينتنا..فأنا مشتاق لها ولبيتي وأهلي..

أجاب عبدالرحمن:

- معك حق يابدر..وأنا أيضاً مشتاق لأمبي ولكلّ شي في بيتي..

ضحك العم سالم وقال:

- على مهلكم .. لم يمضِ يوم واحد على وصولكم !!هل بهذه السرعة ضجرتم منا؟؟

ابتسم عبدالرحمن قائلاً:

- بالعكس ياعمّي..لقد تشرّفنا بالتعرف عليك..وسنكون على تواصل دائم في الأيام القابلة إن شاء الله..وسنحاول الاطمئنان عليكم دائماً..وخصوصاً أنني أرى أن خطوط الهاتف قد وصلت إلى أماكن قريبة جداً من القرية..وهذا يعني أنها في الطريق إليكم ..

ابتسم ماجد وخاطب أباه مبتسما ً:

- لاتلحّ عليهم ياأبي..دعهم يفعلون مايرونه مناسبا لهم..ونحن مستعدون لأي مساعدة يطلبونها منا..

ربت عبدالرحمن على كتف ماجد قائلاً:

- شكرا ياماجد ..

قال ماجد:

- والان أرجو أن تسمحوا لي..أن أعود إلى عملي ,لأنني لم أكن على علم بوصولكم,وإلا كنت طلبت الإذن من صاحب الورشة .

أجاب عبدالرحمن وهو يوجّه حديثه لماجد وأبيه:

- لانريد أن نؤخّركما عن عملكما..أرجوكما .

قال العمّ سالم:

- حسن .ولكن أرجو أن لاتتأخّروا في المساء..سننتظركم على العشاء ..

سأل صهيب:

- متى تعودان من عملكما؟؟

أجاب ماجد :

- يأتي أبي لاصطحابي عند الثامنة مساء.

قال عبدالرحمن:

- بصراحة..أعترف إليكما بأننا لم نفكّر أن القرية بعيدة عن أماكن وجود الفنادق ..

لم يُخفِ العم سالم انزعاجه,إذ قال:

- ماهذا ياعبدالرحمن!! ..أنت تهيننا بكلامك هذا ..

أجاب عبدالرحمن على الفور:

- معاذ الله ياعم..والله لم أكن أقصد..ولكنّنا نشعر بالحرج والخجل في آن واحد.

ربت العمّ سالم على كتف عبدالرحمن وقال:

- لاعليك..نحن سعداء جداً بوجودكم معنا..فنادراً ما يزورنا ضيوف .

هزّ عبدالرحمن رأسه مبتسماً ومدارياً الموقف .

سأل ماجد أصدقاءه الجدد:

- إذن..سنضطرآسفين أن نترككم معتمدين على أنفسكم,وسنلتقي في بيتنا مساء إن شاء الله ..اتفقنا؟

أجابوا بصوت واحد:

- اتفقنا.

* * *



كنـز مستور ..في بيت مهجور



خلف شجرة فخمة الجذع ,كثيفة الأغصان..وقف أبو الليل مع صاحبه مرهون,يراقبان تقدم عبدالرحمن وأصدقائه إلى البيت..همس أبو الليل لصاحبه:

- سيتعبون ويعانون,أما نحن فستصل إلينا اللقمة سائغة,والكنز سيكون من نصيبنا نحن الاثنين فقط , يالهم من مساكين ..

ثم ضحك ضحكة خبيثة,هو يتابع بنظراته الثاقبة اقتراب الأصدقاء من البيت ..

وقف عبدالرحمن عند الباب الخشبي الذي تآكلت حافاته,وتهشّم إطاره..وراح يتأمّل جدرانه وسقفه الذي ملأته شبكات العناكب..والرائحة الكريهة تنبعث من كل جوانبه.إنّه منظر يبعث في النفوس الخوف والرعب..

تبادل الأصدقاء الأربعة نظرات حائرة..إذ كأن كلاًّ منهم يسأل صاحبه:(( من سيدخل أولاً في هذا المكان المرعب؟؟))..تلعثم عبدالرحمن وهو ينظر إلى الأصدقاء خلفه,,وبصوت مرتعش قال:

- سأسبقكم في الدخول..

بخطوات مرتبكة..بدأ يدخل البيت شيئاً فشيئاً..دفع برجله دفّة الباب مفتوح قليلاً..ولكنّ أشياء كثيرة تساقطت منه ومن الأعلى,مما أثار فزعه وفزع أصدقائه ..

- ((يا إلهي ماذا هناك؟!!))

صرخ بأعلى صوته,فتراجع الأصدقاء بخطوات سريعة بضعة أمتار للخلف,ثم مالبثوا أن شجعوا بعضهم ,إنها فرصتهم الأخيرة قبل أن تبدأ الشمس بالمغيب,لملم عبدالرحمن كل قواه وشجاعته,وبخطى أكثر ثباتاً بدأ اقتحام بيت جده الذي تحوّل إلى خربة مخيفة.أما أصدقاؤه فقد وقفوا بانتظارماسيتصرّف به صديقهم الشجاع .

سأل بدر صديقيه سامي وصهيب:

- أظن أنّ من العيب أن نقف متفرّجين هكذا,بينما عبدالرحمن يواجه الموقف وحده,أليس كذلك ؟

أشار سامي بنعم ..

ثم راح الثلاثة يشجّع بعضهم البعض,في دخول المنزل المهجور..وقد أمسك كلّ منهم بثياب الآخر..ولم يكد يمضِ على دخول عبدالرحمن بضعة ثوان .حتى سمعوا صرخة مدوّية من داخل البيت :

- ((ياساتر !!..النجدة ..النجدة ..))

لم تتبادر فكرة للأصدقاء في حينها غير فكرة الهرب..ناسين أن أحد أصدقائهم ربما يكون بأمس الحاجة لمعونتهم..لكنّ هذا لم يدم طويلاً,إذ سرعان ماخرج عبدالرحمن من البيت هارباً من شيء ما يلاحقه ..ارتمى عبين أصدقائه لاهثاً..وهو يصرخ :

- وحش..وحش مخيف..لم أرَ سوى عينيه اللمّاعتين.

ارتعب الأصدقاء..أي وحش يقصده صديقهم هذا !؟ولكنّ كلّ شيء بان للتوّ..فقد كان الوحش عبارة عن كلب أسود فخم ,اتّخذ من البيت وكراً له ..

صاح بدر :

- حذار أن ترموه بالحجارة,وإلا ازداد وحشية .

وقال صهيب بعد أن تناول غصناً يابساً من على الأرض:

- سأهشّه بهذ الغصن ..

وفعلاً ابتعد الكلب عنهم إلى حال سبيله.ارتمى عبدالرحمن على الأرض,ترتعد فرائصه خوفاً,وهو يقول:

- أرجو أن لايعود ثانية ..

ثم نظر إلى أصدقائه المتحلّقين حوله..وخاطبهم معاتباً:

- ألم نتفق أننا سنواجه كل شيء سوية ؟ حلواً كان أم مرّاً ؟؟

خجل الأصدقاء من موقفهم هذا ؟وقرّروا أن يدخلوا مع عبدالرحمن إلى البيت خطوة بخطوة..بعد أن أقنعوا أنفسهم بأنّ من الطبيعيّ جداً أن يروا مثل هذه الأشياء,في بيت تركه أصحابه منذ سنوات .

نهض عبدالرحمن من على الأرض,واستعدّ الجميع ,وسط تشجيع من بعضهم البعض, لاقتحام المنزل من جديد ..

من خلف الشجرة الكبيرة كان أبو اللّيل مايزال يرقب المنظر..فقال:

- ياه ..إنهم أذكياء وشجعان بحقّ !!..

ثم نظر إلى صاحبه الذي اصفرّ لونه ..قائلاً:

- ماذا كنت ستفعل لو كنت أنت من دخل البيت يابطل؟؟ ..

لم يعجب مرهون استهزاء صديقه,فقال مغيّراً الموضوع :

- على أي حال.لقد دخلوا البيت,وأتمنى أن ينجحوا في هذه المرة.

أشار أبو اللّيل لصديقه ناحية البيت قائلاً:

- هل سنقف هكذا نراقبهم من بعيد ؟ تعال نقترب أكثر,ونقف تحت إحدى نوافذ البيت,من غير أن يحسّوا بنا .

داخل البيت وقف الأصدقاء متفحّصين جدرانه وسقوفه,التي تدلّت منها خيوط العناكب,وفي زوايا عالية منها عشعشت الطيور .وعلى أرضها تحتار أين تقع عينك من الأوساخ وأكوام الأوراق,التي تجمّعت نتيجة ترك النوافذ مفتوحة على مصاريعها..تمتم بدر بصوت خافت:

- إنه منظر مخيف بالفعل..

شجّعه صهيب الذي حمل معه العصا التي هشّ بها الكلب ,قائلاً:

- تحلّ بالشجاعة يا بدر..

تقدّم عبدالرحمن بضعة خطوات وهو يحثّ أصدقاءه بأن يتبعوه:

- لنتفحّص المكان أولاً..

وفجأة سمعوا صوتاً غريباً ينبعث من إحدى الغرف القريبة منهم,والتي لم يدخلوها بعد ..

نظر كلّ منهم للآخر,سائلين بعضهم بالنظرات عمّا سيتصرفونه,هل يتركون المكان ويفرّون هاربين من البيت,كما فعل عبدالرحمن قبل قليل..أم ماذا يفعلون؟؟..قال سامي متلعثماً:

- الأصوات تنبعث من الغرفة التي على يميني ..

أجاب صهيب:

- كأنّه صوت أنين ..

وقال بدر:

- أيّ أنين يا أخي!؟..إنّه صوت مألوف سمعته قبل هذه المرّة..ولكن ماهو ؟؟ماهو؟؟..

قال عبدالرحمن بصوت خافت :

- مارأيكم أن ندخل الغرفة..ولكن بحذر؟؟

هزّ الأصدقاء رؤوسهم موافقين..ثم وقف عبدالرحمن منتظرا ًمن سيبادر بالدخول..ففهم بدر مايريده صديقهم..فأخذ العصا من صهيب وتقدّم أمام الجميع ثمّ دفع الباب برأس العصا,وهو يخطو خطوات حذرة باتجاه الصوت..يتبعه الأصدقاء الذين أخفى كلّ منهم خوفه ورعبه عن الباقين ..توقّف الجميع إلا بدر,استمرّ بالتقدم ..وفجأة صرخ فرحاً:

- ياه!!..إنها جراء صغيرة ..

تنفّس الجميع الصعداء..واقتربوا من مصدر الصوت,ليكونا قبالة الجراء الصغيرة الأربعة..جلس سامي قريبا منها..وراح يتأمّلها..ثم قال:

- إذن كانت الكلبة تحمي صغارها..ياللمسكينة ..

ثم انتبه صهيب لشيء فقال:

- يجب أن ننجز مهمّتنا قبل أن تعود الكلبة إلى صغارها ..

أجاب عبدالرحمن وهو يخرج الخريطة من جيب قميصه :

- نعم هذا صحيح..ولكن علينا أولاً أن نبحث عن غرفة جدّي..وحسب مامرسوم عندي فإنّ الغرفة تكون في آخر الممرّ .

سأل بدر:

- كم غرفة في البيت؟

أجاب عبدالرحمن :

- لاأدري بالضبط..ربما أربعة ..أو خمسة.

خرج الجميع من الغرفة باتجاه غرفة الجدّ.وهم يقطعون الممرّ الذي توزّعت على جانبيه أبواب تؤدّي إلى غرف أخرى..كانت أبوابها مفتوحة ..والرائحة الكريهة تنبعث منها,بعد أن تحوّلت إلى حاويات للنفايات,وفضلات الحيوانات ..

أغلق عبدالرحمن أنفه بإصبعيه كي لايشمّ الروائح الكريهة المنبعثة من كلّ مكان,وبخطى قصيرة مرتبكة راح يتقدّم باتجاه الغرفى التي لمح بابها الوصد على مسافة أمتار قليلة عنه..وهو يقول:

- لم يبق سوى القليل..تحمّلوا يأصدقائي ..

وراح كلّ منهم يعبّر حسب طريقته,عن اشمئزازه من المناظر والروائح المقرفة..حتى وصلوا للباب الموصد..مدّ عبدالرحمن يده ليفتح الباب,بعد أن وزّع نظراته على الأصدقاء المتلهّفين لدخول الغرفة,والبدء بالبحث عن الكنز المدفون فيها..

في الخارج كان أبو الليل ومرهون يترقّبان دخول عبدالرحمن وأصحابه للغرفة,وهما متلهّفان أكثر من البقية,للحصول على الكنز المنتظر،فراحا يتسلّلان بمحاذاة الجدران الخارجية للغرف,وهما يمرّان من تحت نوافذها,حتى صارا تحت نافذة الجدّ ,جلسا على ركبتيهما بحذر شديد,ليسترقا سمع الحوار الدائر بين الأصدقاء الشجعان:

-(( هذه هي غرفة جدي ))

- ((رحمه الله ..))

-(( من أين سنبدأ الحفر؟))

- ((كلّ واحد منا سيحفر في زاوية من الزوايا..هيّا.))

سأل مرهون صديقه أبااللّيل:

- هل نهاجمهم ؟

أجابه أبو الليل :

- لاأيها الأبله,سندعهم يبحثون عن كنزهم.

انتبه بدر لشيء مهم فانبرى قائلاً:

_تقولون نحفر ؟؟ كيف سنحفر يأصدقائي الأذكياء ؟؟ بأيدينا ؟؟

ابتسم عبدالرحمن وهو يتناول من حقيبته رؤوس فؤوس ومجارف التي خبأها في حقيبته..قائلاً:

- لم يفتني شيء من هذا القبيل ..

أدرك سامي ماكان يعنيه عبدالرحمن عندما سأله عن سبب ثقل حقيبته..فهزّ رأسه قائلاً:

- فعلا..أثبتّ مهارتك في التفكير بكلّ متطلّبات المغامرة هذه..

لم تدُم نشوة شعور عبدالرحمن بانتصاره طويلا ً,إذ سرعان ماتذكّر شيئاً, فقال:

- لاتفرحوا هكذا,فقد نسيت أن أطلب منكم قبل دخولنا أن نبحث عن عصيّ لنثبّت بأطرافها رؤوس الفؤوس والمجارف هذه .

تأفأف سامي.. وكأنهم صاروا أمام مشكلة جديدة لم تخطر على بالهم..فقال:

- ومالعمل الآن؟؟

أجاب صهيب:

- علينا أن نبحث عن عصي طبعا,وأعتقد أن هذه العصا التي معي تنفع,علينا أن نبحث عن عصيّ أخرى..

همّ بدر بالخروج من الغرفة, بعد أن وجد له فرصة مناسبة لينقذ نفسه من الجوّ الكئيب والمقرف قائلاً:

- سأخرج أنا لأبحث عن العصيّ.

تبعه سامي..وهو يقول:

- سأرافقك.

خرج الصديقان ليبحثا عن العصي,بينما ظل عبدالرحمن وصهيب يتناوبان على الحفر بفأس واحدة, مبتدئين بإحدى زوايا الغرفة والتي خمنا أنها ربما تكون قبالة المكتبة التي وضع بها الجد كتبه آنذاك..

أما بدر الذي شعر بأنه قد خرج من معتقل للتو..فقد راح يأخذ أنفاسه بعمق.نظر إليه سامي وقال له مبتسماً:

- ما أحلى الحرية !!..

ردّ بدر :

- كدت أختنق,لكنني كتمت الأمر عليكم,كي لاتتّهموني بالجبن,أو التراجع عن اتفاقنا..

أجابه سامي:

لابأس,لم يبقَ إلا القليل..والآن علينا أن نبحث بسرعة عن عصيّ غليظة .

استعرض بدر المكان من حوله,وعندما لمح شيئاً من بعيد..قال وهو يشير بيده صوب مارآه:

- انظر هناك ياسامي..ألا ترى ذاك البيت المحاط بسور خشبي؟؟.

نظر سامي ناحية البيت,وكأنّه فهم مايقصده بدر..فأجاب صديقه:

- نعم أراه..ولنّ فكرتك مرفوضة..من العيب أن نقتلع أخشاب السور..

ضحك بدر وقال:

- لم تفهمني..إنما قصدت أن نستعير منهم معاول ومجارف..

أجابه سامي:

- لا,سيشكّون في أمرنا.وخصوصاً أننا غرباء عن القرية.

حكّ بدر رأسه مفكراً..واستعرض المكان حواليه,ولمّا لم يجد أملاً في العثور على أيّ غصن أو خشبة..قال:

- ليس أمامنا سوى أن نذهب إلى بيت العمّ سالم ونطلب منهم عدّة للحفر..

فكّر سامي بهذه الفكرة قبل أن يجيب:

- لا بأس من ذلك..وسنُفهم العمّ سالم عندما يعود من عمله ما جئنا من أجله,بعد أن نكون قد انتهينا من مهمّتنا..

هزّ بدر رأسه مسحسناً ماتوصّلا إليه..ثم أمسك بيد صديقه,وانطلقا إلى بيت العمّ سالم لينفّذا فكرتهما..











* * *







شبّـيك لـبّيك..عدّة الحفر بين يديك



ملّ عبدالرحمن وصهيب من انتظار صديقيهما سامي وبدر,الّلذين خرجا ليبحثا عن عصيّ لعدة الحفر, وبعد أن عجزا عن حفر شبر واحد في أرضية الغرفة ,نتيجة قساوة التربة من جهة,ونحافة عصا آلة الحفر التي يحفرون بهامن جهة أخرى..خرج الصديقان ليستنشقا هواء نقياً,وليريحا نفسيهما من الإرهاق الذي أصابهما ..

وقف عبدالرحمن متأمّلاً المنظر الذي أمامه..مستعرضا الأرض الخضراء الممتدة على شكل بساط أبدع الخالق في فرشه ..وقال:

- سبحان الله..ما أحلى المنظر!! وما أعذب الجو هنا!!..كم تعجبني حياة الريف والقرية!!..

نظر إليه صهيب وابتسم قائلاً:

- تحنّ لأصلك طبعاً,لأنك ابن الريف أصلاً..

أجاب عبدالرحمن بفخر:

- طبعاً..رغم أنني لاأذكر شيئاً عن طفولتي في هذا المكان ..ولكن ألا ترى معي أنّ الجوّ هنا صحيّ.. والهواء نقيّ..وكل شيء يبعث على الهدوء والراحةوالانتعاش؟..

قبل أن يجيب صهيب بأي كلمة,لمح شيئا أثار انتباهه,فهرع إليه قائلاً:

- ماهذا!! تعال لأريك شيئاً..

اقترب عبدالرحمن من صديقه الجالس إلى الأرض متأمّلاً مارآه أمامه..فصعق هو الآخر لهذه المفاجأة وقال:

- ياإلهي!!..إنها عدّة حفر..هذا مانبحث عنه ..

تمتم صهيب:

- مالذي جاء بها إلى هنا ؟؟

أجابه عبدالرحمن:

- أيعقل أن يكون بدر وسامي قد أحضراها وراحا يبحثان عن عدّة أخرى؟؟

ردّ صهيب:

- طبعاً لا. أولاً لأن ّعدّة الحفر هذه تكفيينا جميعاً.وثانياً لأنّهما لن يرمياها خارج البيت هكذا,من غير أن يسلماها إلينا,لنواصل العمل على الأقل..

فكّر عبدالرحمن:

- كيف لم يلحظ بدر وسامي هذه الأشياء وهي قريبة من البيت ؟

أجاب صهيب :

- إذا كنت تقصد أنها كانت موجودة هنا قبل أن يذهبا للبحث عن عصي..فأنت واهم,لأنّ هذا يعني أنّها كانت موجودة في الأصل عندما كنّا جميعاً نقف بالقرب منها.وهذا مستحيل طبعاً.

هزّ رأسه عبدالرحمن متمتماً:

- معك حقّ,إذن لم يبقَ مايبرّر وجودها هنا,غير أنّ صديقينا وضعاها هنا,وانصرفا لأمر ثان..ترى ماهو؟؟

حمل صهيب العدّة قائلاً:

- سنعرف كل شيء عندما يعودان ,تعال ساعدني في حمل هذه الأشياء..يبدو أنها ثقيلة..وهذا ماسيسهّل علينا عملية الحفر.لاكالعدة التي أتعبت نفسك بحملها .تبدو كأنها لعب أطفال.

تعاون الصديقان على حمل العدة الثقيلة من معاول ومجارف وفؤوس,ودخلا البيت ليستغلاّ الوقت بالحفر .

أما الصديقان سامي وبدر فقد خابت آمالهما في الحصول على عدة للحفر تفي بالغرض ,سوى فأس صغيرة كالتي معهم,أعطتها لهما أم ماجد وهي تقول لهما :

- متأسّفة جداً يأ أولادي,فكلّ مايتعلّق بالحفر من أدوات وعدد,موجودة في المزرعةوليس هنا في البيت..

ثم استغربت طلبهما هذا وسألتهما:

- ولكن لم تخبراني مالذي تنوون عمله..وماذا ستحفرون؟؟

ارتبك سامي..ثم أجاب:

- سنشرح لكم كل شيء ياخالة,ولكن في المساء إن شاء الله,عندما يعود العمّ سالم وماجد أيضاً ..

حمل الصديقان الفأس الصغيرة,وقرّرا العودة بسرعة إلى البيت المهجور,حيث عبدالرحمن وصهيب ينتظرانهما هناك ..

ولكن..عندما وصلا إلى البيت..أصيبا بالدهشة.

-(( ماذا تقول يا صهيب ؟)).

سأل سامي.وهو يتمعّن بالعدّة التي كان عبدالرحمن وصهيب يحفران أرض الغرفة بها,وكادا أن ينتهيا من حفر نصفها ..فأجابه صهيب:

- أقول ما سمعته يا عزيزي..لقد بحثتما في كل مكان,ولكنّكما لم تبحثا قرب هذا البيت..

لم يصدّق بدر وسامي هذا الكلام,وراحا يسترجعان المشهد,كأنه شريط سينمائي..كيف خرجا من البيت..وكيف مشيا بالقرب منه..حتى قرّرا الذهاب لبيت العمّ سالم .لاحظ عبدالرحمن أنّ الصديقين مايزالان غير مستوعبين الأمر بشكل جدّي..فقال:

- نعم..لقد كانت هذه الأشياء موجودة على بعد أمتار قليلة من باب البيت..

لكنّ بدر أكّد لأصدقائه شيئاً:

- هذا مستحيل..لقد درنا حول البيت أكثر من مرّة,ولم نجد حتى غصن شجرة.لا بد أن في الأمر سرّاً.

وأردف بدر:

- عدّة الحفر هذه وضعت بعد خروجنا من البيت.

وقال صهيب:

- نعم.. هذا ماكنت أعنيه.
أسهم عبدالرحمن مفكّرا..وقال:
- هذه يثير القلق فعلاً !

ثم انبرى سامي ليقول:

- أنا أعتقد أن العمّ سالم هو الذي فعل ذلك..

فأجابه صهيب:

- لا.. هذا مستحيل..لأنّه لم يعرف شيئاً عن موضوع الكنز..

نظر عبدالرحمن إلى الأرض المحفورة أمامه..وقال:

- هل سنبقى نتناقش في هذا الموضوع..ونضيع الوقت سدىً ؟

تناول صهيب المجرفة من على الأرض وأجاب:

- لاطبعاً..سنكمل الحفر قبل أن تغيب الشمس ويحلّ الظلام..

تناول بدر هو الآخر معولاً..وضحك بسخرية قائلاً:

- على أية حال..من فعل ذلك يستحق منا كل الشكر على هذه المساعدة..

في الخارج ..وبالتحديد تحت نافذة غرفة الجدّ ..جلس أبو اللّيل ومرهون..وهما يتضاحكان بخلسة ,بعد أن سمعا من الأصدقاء مادار بينهم ..قال أبو الليل بخبث:

- ما رأيك بفكرتي هذه ؟

أجاب مرهون:

- أنت عبقري يا أبالليل..المساكين سيجنّ جنونهم..

تابع أبو الليل:

- سندعهم يحفرون ويحفرون..وحين يظهر الكنزسنهجم عليهم،ونحصل عليه دونما تعب...

فرك مرهون راحتي كفّيه ببعضهما,ثم قال ضاحكاً :

- ستخيب آمالهم..

كان العرق يتصبّب من الأصدقاء المنهمكين بالحفر,ولقد كان لعدّة الحفر الفخمة التي حصلوا عليها من مجهول,الفضل في تسريع عملية الحفر .فجأة توقّفوا حينما تبادر إلى أسماعهم عواء كلب شرس..قال سامي:

- ياإلهي!! ..يبدو أن الكلبة عادت ..

أشار عبدالرحمن لصهيب صوب الباب المفتوح قائلاً :

- بسرعة أغلق الباب ياصهيب,قبل أن تشعر بوجودنا..

أسرع صهيب لغلق الباب..لكنّه حينما حاول ذلك,وجد صعوبة في إغلاقه ..فصار يدفع الباب مستعينا بجسمه..قائلاً:

- الباب لاتنغلق ..

- أسرع سامي وعبدالرحن لينضمّا إلى صديقهما,ويساعداه في دفع الباب بقوة,في حين كانت الكلبة قد اقتربت من الغرفة,وكأنها قد أحسّت بوجود ضيوف غرباء في بيتها..راحت تنبح بأعلى صوتها.. صرخ سامي بأعلى صوته:

- أرجوك أن تتحمّلينا بضع ساعات.لن نؤذي صغارك.

ردّ عبدالرحمن:

- المسكينة قلقة على صغارها.

تصاعد نباح الكلبة أكثروأكثر,ممّا أثار الفزع في قلوب الأصدقاء وضاعف قواهم,مما جعل الباب تنغلق بشدّة,محدثة صوتاً مدوّياً,وارتجاجاً فظيعاً,سقط إثره دولاب خشبي صغير معلّق في صدر الغرفة.لم ينتبه لوجوده الأصدقاء باديء الأمر.وخرجت منه أعداد هائلة من الفئران والجرذان .

صرخ سمي مذعوراً:

- يا إلهي!!. إنها جرذان.. جرذان ملأت المكان..

لم يعرف الأصدقاء كيف ينقذون أنفسهم من هذا المنظر المرعب,فراح كل منهم يجد له طريقة .فهذا الذي احتمى بالجدار,وذاك الذي أغمض عينيه مرتعشاً..لكن بدر صرخ لسامي الواقف قرب الباب:

- افتح الباب بسرعة ياسامي لتخرج منه ..

من غير شعور منه قال سامي:

- والكلبة ؟؟

أجابه مشمئزّا:

- مواجهة الكلبة أهون عليّ من مواجهة جيش الفئران هذا ..

لملم سامي كلّ قواه..وسحب الباب إليه بقوّة حتى فتحت ..وبدل أن يساعد الفئران في الخروج , خرج هو قبلها..صارخاً:

- اعذروني ,لم أطق التحمّل أكثر من هذا..

وراح عبدالرحمن وبدر وصهيب يبعدون الفئران,مستعينين بعدّة الحفر التي يمسكونها بأيديهم .قال بدر وهو يتابع تنطط الفئران أمامه :

- إنه منظر مقرف,لم أشهد مثله في حياتي.

وبعد قليل كانت الفئران قد ولّت هاربة من الغرفة .خارت قوى الأصدقاء وأنهكهم التعب..قال بدر بصوت مرتعش من التعب:

- الحمد لله...لقد هربت جميعها..

تلفّت صهيب حوله,وأحسّ بعدم وجود صديقهم سامي ..فسأل:

- ولكن.. أين عبدالرحمن ؟

أجاب عبدالرحمن:

- صحيح !!.. لقد نسيناه.. إنه في الخارج..

ابتسم صهيب قائلاً:

المسكين كان في حالة فظيعة من الخوف والرعب.سيرتاح بضعة دقائق ويعود لينضم إلينا .

ابتسم الجميع ثم عادوا للعمل من جديد.

وبعد ساعة كاد عبد الرحمن وبدر وصهيب ينتهون من عملهم لولا أنهم استبطأوا عودة صديقهم الهارب من الفئران..نشّف عبدالرحمن العرق المتصبب من جبينه..وهو يقول:

- لقد تأخّر سامي جداً,الشمس قاربت على المغيب.

رمى بدر فأسه على الأرض قائلاً:

- لقد قلقت عليه..أنا خارج لأناديه ..

ابتسم صهيب وقال:

- أخبره بأن المعركة حسمت لصالحنا,وانسحب جيش الفئران مدحوراً..

ضحك الجميع..وواصل عبدالرحمن وصهيب عملهما.بعد أن تركهما بدر ليتبيّن ماحلّ بصديقهم سامي.





* * *



صديق..في مأزق





- ((رصاصة واحدة تكفي لأن تهشّم رأسك)).

قالها أبو الليل وهو يضع المسدس على رأس سامي ,ويغلق فمه بيده الخشنة .تناول مرهون قطعة قماش متّسخة,وربط بها فم سامي,وهو يقول له:

- إيّاك أن تصدر أي صوت,وإلا فستندم.

لم يكد سامي يرتاح مما أصابه من رعب بعد مهاجمة الفئران لهم,ليجد نفسه مقبوضاً عليه من قبل عصابة لم يحسب لها حساباً.

ثم انتزع أبو الليل حزامه من بنطلونه,وقيّد يديّ سامي من الخلف,لكي يمنعه من الحركة أيضاً.قائلاً بسخرية:

- لاتقلق..لن نقتلك إذا حافظت على هدوئك..ثم إن الأمر لن يطول كثيراً,فقد شارف أصحابك على العثور على الكنز,عندها سنهاجمهم ونستولي على حصّتنا من الكنز والتي قدّرناها بنسبة مئة بالمئة.

ثم أطلق ضحكة ساخرة خبيثة,لم يتوقف عنها حتى سمع صوتاً من بعيد ينادي:

- ((سامي ..أين أنت ياسامي ..تعال ياصديقي ..لقد هربت كل الفئران ..لاتخشَ شيئاً ..))

انتبه سامي المكمّم بشريط من القماش,جعل تنفّسه صعباً إلى الصوت الذي يناديه..إنّه صوت صديقه بدر..ولكن كيف له أن يجيب..صار يلتقط أنفاسه بصعوبة,حتى إنّه كاد يختنق بالفعل ..انتبه له أبو الليل ,وخشي أن يقع في جريمة قتل,إذا مافارق هذا الفتى الحياة,فاضطرّ أن يخفّف من شدّة ربط الشريط على فمه..مع تهديد بقتله إذا مانبس بأي كلمة..وخصوصاً أنّ الصوت صار يقترب ناحيتهم شيئاً فشيئاً..

سحب سامي نفسه بعمق,بعد أن أحسّ أنّه عاد للحياة من جديد .ثم تطلّع مليّاً في وجهي أبي اللّيل ومرهون..همس له أبو اللّيل واضعاً سبّابته على أنفه قائلاً بنبرة مهدّدة:

- هس..هس..كلمة واحدة وتكون الرصاصة قد اخترقت دماغك .فهمت؟؟

لم يعر سامي أهميته لما سمعه,بقدر ماراح يتأمّل أين يكون قد رأى هذا الوجه من قبل..انتبه مرهون لنظرات سامي فسأله:

- مابالك تنظر إلينا هكذا ؟الاتخاف منّا ياولد؟؟

أجاب سامي وهو يتفحص تقاسيم وجهيهما :

- لقد رأيتكم قبل هذه المرة ..ولكن أين ..أين ..

أجاب مرهون ساخراً:

- في التلفزيون ..فأنا توم..وهذا جيري ..

ثم ضحك ضحكة خبيثة.وتناول الشريط القماشي ليعيد إغلاق فم سامي من جديد..قائلاَ:

- هل فتحنا فمك لتقول مثل هذه التفاهات ؟؟ سأغلقه لك ونرتاح من تصريحاتك السخيفة.

أما بدر,فبعد أن خاب أمله في العثور على صديقه المختفي,وبعد أن أقنع نفسه بأنّه ربما يكون قد لجأ إلى بيت العمّ سالم ليرتاح به قليلاً ,أو أنّه ينتظر قدومهم هناك.قرّر أن يعود لأصدقائه ويقنعهم بما توصّل إليه .دخل البيت,وعندما صار عند الأصدقاء المتشوّقين لمعرفة ماحلّ بصديقهم سامي,كانت أول جملة سمعها هي :

- ((يبدو أنه لا وجود لهذا الكنز..))

أصابه الإحباط..عندما سمع عبد الرحمن يرمي بفأسه على الأرض يائساً ,فدنى منه مشجّعاً إياه:

- لاياعبدالرحمن..لاتشعر باليأس..لقد تعبنا وعانينا فعلاً,وهذا مايشجّعنا على أن نحصد ثمار التعب,لا أن نيأس..

ثم استعرض أرضية الغرفة المنبوشة.فوجد أن هناك زاوية مرتفعة بعض الشيء عن مستوى الأرض . ماتزال سليمة لم تمسسها فأس بعد..فتناول الفأس وتوجّه ناحيتها..وهو يقول :

- ارتح أنت قليلاً..ريثما أحفر هذه البقعة التي كانت من حصة سامي..سامحه الله.

أدرك عبدالرحمن وصهيب أنهما نسيا أن يسألا بدر عمّا حل بصديقهم سامي..فقالو:

- صحيح..ماذا حلّ به؟؟.نسينا أن نسألك عنه.

أجابهم بدر وهو منهمك بالحفر, بعد أن تجدّد نشاطه قليلاً:

- يبدو أنّه عاد لبيت العمّ سالم, بعد أن شعر باليأس,مثلك تماماً ياعبدالرحمن.

هزّ عبد الرحمن رأسه.وضحك ضحكة خفيفة,ثمّ سرعان ماتناول الفأس,وعاد للعمل من جديد,ليلتحق مع بدر في حفر البقعة التي أشار إليها .

تحت نافذة الغرفة..كان مرهون وأبو الّليل يجلسان منتظرين ..وإلى جانبهما تمددّ سامي مقيّد اليدين,مكمّم الفم .نظر مرهون إلى ساعته ..وقال:

- لقد تأخّروا كثيراً..وأخشى أن تغيب الشمس,ويحلّ الليل ونحن مانزال هنا ..

كان أبو اللّيل قلقاً هو الآخر..لكنّه اضطر إن يصبّر صاحبه بالقول:

- مضى الكثير ولم يبقَ إلا القليل..

وبسذاجة طرح مرهون سؤاله على أبي اللّيل:

- ما رأيك لو اقتحمنا المكان لنقيدهم,ونأخذ نحن على عاتقنا مهمّة البحث عن الكنز ؟؟

ضحك أبو اللّيل مما سمعه ..ثم قال:

- أنت دائما تثبت لي غباءك..

خجل مرهون من توبيخ أبي الليّل له أمام مرأى ومسمع الفتى..ثم أردف أبو اللّيل ساخراً من فكرة صديقه:

- بالنسبة لي فأنا أعاني من ألم في فقراتي منذ سنوات,ولاأستطيع حمل أي شيء..أما إذا أردت أن تتبرّع أنت بمساعدتهم ..فتفضّل.لتحلّ محل هذا الفتى..ولكن لاتنسَ أن تخبرهم بأنه محتجز عندنا رهينة ريثما نهرب بالكنز .

لم يكن أمام مرهون خيار غير انتظار ماستؤول إليه الأمور.لكن انتظاره لم يدم طويلاً .إذ سمع من خلال النافذة صوتا ًيقول:

- (( ماهذا!! لقد ارتطمت فأسي بشيء ما )).

رفع أبو اللّيل جسمه قليلاً ..وراح يختلس النظر من خلال النافذة.كان بدر يحفر بكلتا يديه يساعده في ذلك عبدالرحمن وصهيب..وهم متلهفون لرؤية ما سيظهر لهم من تحت التراب..وفجأة صرخ بدر:

- إنه صندوق حديدي,لقد تحسّست جوانبه ..

تلعثمت الكلمات في فم عبدالرحمن وهو يسأل:

- ماذا تقول !!! صندوووووق حديدي؟؟!!

كاد أن يفقد وعيه..لكنّ اقتحام أبي اللّيل للغرفة وقفزه من النافذه..جعله يرتعد خوفاً ..

- ((اتركوا كلّ شيء مثلما هو ..وإلا قتلتكم الواحد تلو الآخر)).

هكذا هدّد أبو الليل الأصدقاء..الذين رفعوا أيدبهم إلى الأعلى بشكل لاإرادي.ّوفجأة رفس مرهون باب الغرفة ممسكاً بصديقهم المقيّد سامي.صعق الحميع من هذا المنظر..وقالوا بصوت واحد:

- سامي!!

ضحك أبو اللّيل ساخرا ًوهو يقول:

- إنه بطلكم الرابع..مصارع الفئران ..اسمع أنت و..وهو .وهو..ستقفون مثلما أنتم هكذا..بينما يبدأ مرهون بربط أياديكم وأفواهكم..وأنا شخصياً لا أنصحكم باللّعب مع الكبار..واضح؟؟

عرف عبدالرحمن صاحب هذا الوجه فورا ً..فقال:

- أنت من جديد؟؟..كنت أشكّ في أمرك منذ أن رأيتك عند بائع الكتب في السوق..

هزّ سامي رأسه وكأنّه تذكّر أين شاهد هذا الوجه من قبل..أمّا أبو الليل فقد أومأ لمرهون أن يقيّد الرهائن الجدد..وماكان من عبدالرحمن إلا أن يوجّه سؤاله البريء إلى أبي اللّيل ,قائلاً:

- مارأيك لو منحتك مبلغاً لابأس به من المال,لتبدأ مع صاحبك هذا حياة شريفة,وتتوبوا إلى الله,والله يحبّ التوّابين ؟.

ضحك أبو اللّيل من هذا الاقتراح..وقال ساخراً :

- ما رأيك أنت لو منحنك مبلغاَ تافهاً من المال وتكرمنا بسكوتك؟؟

أراد عبدالرحمن أن يكمل حديثه,لكنّ أبا اللّيل زمجر بوجهه :

- اخرس ..لاأريد أن أسمع شيئاً ..

لم يكن أمام الأصدقاء إلا أن ينفذوا أمر هذين المعتوهين ..وراح مرهون يقيّدهم الواحد تلو الآخر..ولكن ّبدر لمح خيالاً من خلال النافذة .لم يُرد أن يتمعّن أكثر من ذلك .كي لاينتبه أبو اللّيل إليه,وفعلا..بعد لحظة,كانت عصا غليظة قد هوت على رأس أبي الليل..ليسقط على الأرض مغمى عليه من أثر الصدمة ..

اندهش الأصدقاء وهم يرون العم سالم..وهو يقتحم الغرفة من نافذتها,ولينقذهم من هذا الموقف الذي يتعرّضون إليه..تناول العمّ سالم المسدس الساقط على الأرض ,وأمر مرهون :

- فكّ قيدهم بسرعة, ولاتضطرني أن أستعمل مسدسكم القذر هذا .

نفّذ مرهون ماأمره به العمّ سالم وهو يرتعش خوفاً..ثم قال:

- مالذي ستفعلونه بنا؟؟

أجاب العمّ سالم :

- ستنالان ماتستحقانه من عقاب,والشرطة هي التي ستتكّفل بهذا الأمر .

ثمّ طلب العمّ سالم من سامي أن يقيّد مرهون مثلما قيّدوه ..أما عبدالرحمن فقد راح يقيّد أباالليل قبل أن يفيق من غيبوبته..نظر العمّ سالم في وجوه الأصدقاء نظرات لاتخلو من العتب,لكنّ عبدالرحمن قال له:

- فضّلت أن أطلعكم على الأمر بعد أن نتأكّد منه تماماً ..

سأل العمّ سالم:

- أيّ أمر ؟ فبصراحة أنا لم أفهم شيئا أبدا ؟؟كلّ ما أعرفه أنكم طلبتم من أمّ ماجد عدّة للحفر.. وجئت لأطمئن عليكم.

أجاب بدر :

- هذا صحيح..وكنت قد وعدتها أننا سنقصّ عليكم الحكاية عندما نعود مساء.

ابتسم العمّ سالم وهو يقول:

- أي حكاية ؟ أنا لاأفهم شيئاً.

بسرعة وإيجاز قصّ عبدالرحمن للعمّ سالم قصة الكنز الذي تركه له جدّه,مدفونا ًفي هذه الغرفة..وكيف تعاونوا جميعا ًفي البحث عنه..وأعجب العمّ سالم بشجاعة عبدالرحمن وأصحابه..وتمنّى لهم التوفيق في حياتهم المستقبلية,لكنه في الوقت نفسه,لم يستطع أن يخفي استغرابه من أمر الكنز المزعوم. إذ كيف يمكن للأستاذ راشد أن يجمع كل هذه الثروة؟ ومن أين؟؟ولماذا لم يسدّد الديون التي تراكمت عليهم آنذاك, من غير أن يضطروا لبيع المزرعة والبيت؟ لكّنه فضل أن يحتفظ بهذه الأسئلة لنفسه,من غير أن يجرح مشاعر عبدالرحمن الذي يكنّ لجدّه وذكراه كلّ التقدير.

نظر عبدالرحمن بوجه مبتسم إلى العمّ سالم, وقال له:

- لولاك لضاع كلّ شيء ..الكنز ..وحياتنا.فشكراً لك ياعمّي.

هزّ العمّ سالم رأسه مبتسماً..بينماتابع عبدالرحمن بمعيّة أصدقائه سامي وبدر وصهيب ماتبّقى من مهمّة البحث عن الكنز,بعد أن لاحت لهم بوادر العثور عليه..فلم يجد العمّ سالم نفسه إلا أن ينضمّ إليهم ويساعدهم في إخراج الصندوق,الذي لم يظهر منه إلاغطاؤه الحديديّ الذي أكله الصدأ ..

في هذه اللحظات كان أبو اللّيل قد أفاق من غيبوبته.وراح يراقب مايحدث أمامه..بعد أن رأى نفسه مقيّد اليدين, ولايستطيع الحراك..فصار يتوسّل بالأصدقاء:

- أرجوكم ..لاتسلّموني للشرطة..أعدكم أن لاأعود لمثل هذه الأعمال ..

لكنّ الجميع كان منهمكاً بإخراج الصندوق الحديديّ من مكانه..

تابع أبو الليل توسّلاته ..وهو يوجّه كلامه لعبدالرحمن:

- ألم تعدني أن تعطيني مبلغاً من المال لأبدأ به حياة جديدة ؟؟ أنا موافق ..

نظر عبدالرحمن إليه نظرة ساخرة ..ثم قال له:

- اخرس ..دعنا نشتغل..

تابع أبو الليل:

- - ولكن وعد الحرّ دين .

أجاب عبدالرحمن وهو مايزال منهمكا ًبالعمل:

- فات الأوان أيها المحتالان..

وبعد قليل بانت جوانب الصندوق جميعها,فمدّ العمّ سالم كلتا يديه..وبصعوبة بالغة استطاع أن يخرج الصندوق الحديدىّ المتآكل..تنفّس الجميع الصعداء, بعد أن تكلّلت مهمّتهم بالنجاح..وارتموا على الأرض ليريحوا أجسادهم بعد عناء وتعب دام ساعات طويلة,,وبعد أن لاحظوا أن ّمهمة أخرى تنتظرهم,,وهي كيفية فتح الصندوق . سال لعاب أبو اللّيل ومرهون وهما يحدّقان في الصندوق الذي طال انتظارهما له, وصار الآن أمامهما .قال مرهون لصاحبه:

- بخططك الفاشلة أفسدت كلّ شيء ..

رمقه أبو الليل بنظرة محتقرة ,وقال له :

- اخرس ياوجه النحس..كلّ مصائب الدنيا تنهال عليّ بمجرّد أن تكون معي ..

نهض عبد الرحمن وتناول شرائط القماش التي كان أبو اللّيل ومرهون قد ربطا بها أفواههما,ليربط فميهما..وهو يقول لهما مقلدّا ًصوت أبي اللّيل :

- أكرمانا بسكوتكما..

ثم قال لهما سامي :

- سيكون مصيركما السجن..لنطهّر المجتمع من أمثالكما..

تفحّص العمّ سالم الصندوق من كلّ جوانبه,علّه يجد له طريقة لفتحه..وهو يفكّر مع نفسه:

- (( إنه صندوق بالفعل.يعني أن الأمر صار جدّياً ,ترى لماذا تكتّم الأستاذ راشد على هذا الأمر؟!.))

لاحظ عبدالرحمن أنّ العمّ سالم على غير عادته .فسأله:

- ماذا هناك ياعمي؟؟..كنت تشكّ في صدق كلامي,والآن تأكّدت..أليس كذلك ؟

هزّ العمّ سالم رأسه قائلاً:

- لا ..لا أبدا.ولكنّني كنت أفكّر كيف لنا أن نفتح الصندوق من غير أن نهشّمه .

أجابه عبدالرحمن وهو لم يقتنع بهذا التبرير لشرود ذهنه.

- ليس عندنا خيار آخر..

ثم تناول الفأس ليهشّم بها الصندوق الحديدي..ولكنّ العمّ سالم استوقفه قائلاً:

- لحظة ياعبدالرحمن ..إليّ بالفأس. سأقوم أنا بهذه المهمّة..

ناول عبدالرحمن الفأس للعم ّسالم وشكره على مساعدته..وماكان من العمّ سالم إلا أن رفع الفأس إلى الأعلى,وبضربة واحدة هوى بها على غطاء الصندوق..فأحدث فيه فتحة كبيرة..ثم راح يوسّعها شيئاً فشيئاً بواسطة رأس الفأس..تحلّق الأصدقاء حول الصندوق,متلهّفين لرؤية مايحتويه.وكانت الفاجأة .

- (( ماذذذذااااا؟؟!!!!))

- قالوها بصوت واحد..وهم يرون أن الصندوق فارغ ..إلاّمن كتاب قديم توسّط قعره..بحذر شديد كي لاتجرح يده,مدّ عبدالرحمن وتناول الكتاب, وأخرجه بصعوبة من الفتحة العلوية التي أحدثوها في غطاء الصندوق ..

سأل صهيب مذهولاً:

- ماهذا ؟؟؟

أجاب عبدالرحمن:

- الكنز .

سأل بدر :

- ماذا تقصد؟!!

رفع عبدالرحمن واجهة الكتاب ليريه للجميع ..وهو يقول:

- لست أمزح..اقرأوا المكتوب على غلاف الكتاب..

- (( الكنز))..هذه الكلمة كانت تتوسّط غلاف الكتاب..الذي أمسك به عبدالرحمن وراح يقلّب صفحاته المهترئة بعناية ..فتح الصفحة الأولى وراح يقرأ:

((إلى حفيدي عبدالرحمن.. وإلى ولدي.. وإلى كلّ من ظنّ أن الكنز هو ثروة من المال والذهب.. أهدي لهم كتابي هذا.. وهو فصول من حياتي..)).

استطاع أبو اللّيل أن يفكّ الرباط من على فمه,بعد أن أحسّ أنه سيختنق من الضحك..وبعد أن نجح أطلق ضحكة مستفزة,شامتاً بالأصدقاء..ونظر لصاحبه مرهون..وقال له:

- يا لها من ثروة هائلة طائلة..جواهر ولآلىء..ياه ما أحلاها!! ..انظر إليها يامرهون ..إنها تتلألأ..

ثم استعرض الوجوه الواجمة أمامه..وقال ضاحكاً:

- انعموا بهاوحدكم ..ستغنيكم...

اقترب العمّ سالم من عبدالرحمن الذي صعق من هول المفاجأة..وربت على كتفه مواسياً إيّاه قائلاً:

- اقرأ ماكتبه جدّك ياعبدالرحمن في الكتاب الذي بين يديك,لتعرف المغزى وتفيد منه .

كان أبو اللّيل مايزال غاصّاً في ضحكة هستيرية..قائلاً:

- لقد ضاعت جهودكم وجهودنا من غير فائدة..من سيعوضني هذه الخسارة؟؟

لكنّ عبدالرحمن التفت إلى أصدقائه..وقال لهم:

- أما أنا وأنتم أيها الأصدقاء,فقد خرجنا من هذه المغامرة بفائدة عظيمة..أظنّكم تعرفونها..

نهض عبدالرحمن محتضناً كتاب جدّه..وراح يمشي بخطوات منهكة برفقة أصدقائه والعمّ سالم..تاركين أباللّيل مع قهقهاته الهستيرية,التي راحت تصدح في الغرفة..ويتردّد صداها في أرجاء الييت المهجور .

***النهاية***

الكاتب: ضرغام فاضل انقر هنا لمراسلة ضرغام فاضل أنقر هنا للإنتقال إلى موقع ضرغام فاضل إضافة للمفضلة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات القصة :  ارسل القصة لصديقك   طباعة القصة   حفظ القصة كملف Word   حفظ القصة كملف PDF



 

مكتبة الصور

مكتبة الصوتيات

مكتبة البطاقات

مكتبة الأخبار

مكتبة الفيديو

مكتبة الفلاشيات

مكتبة الجوال ألعاب الجوال نغمات الحمية والرجيم موسوعة الاعشاب تطوير الذات
ديوان الشعر عالم الجنس عالم المرأة الأذكار شرح البرامج

قنوات فضائية

الأدعية الصحيحة المنتديات مكتبة القصص موسوعة الطبخ

مجلة قصيمي نت

موسوعة الكتب