منتدى السواليف والضحك

العاب يوتيوب تلفزيون الحوادث والجريمة منتدى قصة وقصيدة منتدى القصص والروايات

 

العاب بنات

يوتيوب

قناة بث مباشر

games

 


قصص » قصص وروايات عالمية » الأربعة الكبار .......... من روائع اجاثا كريستي (4)

 الأربعة الكبار .......... من روائع اجاثا كريستي (4)  أضيف في: 6-8-1428هـ

الفصل الثالث عشر


تمر بالمرء أشياء نادرة في حياته يشعر فيها أنه يقف على حافة الموت , و هذا واحد منها , فقد على حافة الموت و هذا واحد منها , فقد أيقنت أنني أعيش لحظاتي الأخيرة !

لكنني دهشت من الحارس يعيدني إلى مقعدي أمام الرجل العظيم , الذي خاطبني قائلا :
- أنت رجل شجاع يا كابتن هيستنغز , و نحن – معشر الشرقيين – نحترم الشجعان و نقدر الشجاعة ؛ يمكن أن أقول إنني كنت أتوقع منك فعل ما فعلت , و هذا ينقلنا إلى الفصل الثاني من المأساة : انك تضطرنا لاتخاذ مسلك آخر , فهل أنت قادر على احتمال موت امرئ يهمك كثيرا بنفس القدر من الشجاعة ؟

أصابتني رعدة قاتلة و شعرت بالرعب يعتريني فقلت بصوت مخنوق :

- ماذا تقصد ؟
- لا أظن أنك نسيت زهرة الحديقة و أنها في قبضتنا

نظرت إليه نظرة أبله شارد يفيض ألما و كآبة , و قال :

- أظن يا كابتن هيستنغز أنك الآن على استعداد لكتابة الرسالة المطلوبة . . عندي نموذج للرسالة , ما عليك إلا أن تكتب ما أمليه عليك , و اعلم أنك أمام خيارين : حياة زوجتك أو موتها

تصبب العرق من جبيني و أنا أرى نفس منساقا لإرادة هذا المجرم الكبير في حين كان يبتسم بخبث و ينطق بنعومة قاتلة :

القلم جاهز في يدك , ما عليك سوى أن تكتب , و إذا لم تفعل . . .

- و إذا لم أفعل ؟
- إذا لم تفعل فان تلك السيدة التي تحبها ستموت موتا بطيئا . إن سيدي لي شانغ ين يمتع نفسه في أوقات فراغه باختراع أساليب جديدة و بارعة في التعذيب

صحت : يا الهي ! أيها الشيطان !هذا لن يكون .. انك لن تفعل ذلك

- هل أسرد عليك بعضا من أساليبه ؟

و أخذ غير مكترث باحتجاجاتي يتدفق في حديثه بهدوء و سكون حتى سددت بيدي أذني و أنا أصيح فزعا :

- هذا يكفي
- حسنا .. خذ القلم و اكتب
- انك لا تجرؤ . .
- كلامك حماقة و أنت تدرك ذلك جيدا . خذا القلم و اكتب
- فلو فعلت فما تعدني ؟
- سوف تصبح زوجتك طليقة , سوف أرسل فورا برقية لتنفيد ذلك
- و كيف أصدقك ؟
- أقسم بقداسة أضرحة أسلافي العظام , ثم لقد تحقق هدفنا من حبسها فلا حاجة لنا بها
- و . . بوارو ؟
- سوف نبقيه لدينا لحين الفراغ من عملياتنا حيث سنطلقه بعد ذلك
- هل ستقسم على ذلك أيضا بحق أضرحة أسلافك العظماء ؟
- لقد أقسمت مرة و هذا يكفي

غاص قلبي بين أضلعي . . كيف أخون صديقي العزيز ؟

ترددت هنيهة ثم لم تلبث أن برزت أمام ناظري صورة زوجتي يعذبها هؤلاء الأشرار تعذيبا بطيئا حتى الموت . أمسكت بالقلم . . ربما أمكنني أن أوصل لبوارو تحذيرا مناسبا عن طريق صياغة بعض الكلمات في الرسالة . و ارتفع صوت الرجل الصيني بلباقة و أدب :

- اسمح لي أن أملي عليك : (( عزيزي بوارو . . أظن أنني أطارد رقم ((4)) , جاء رجل صيني بعد ظهر اليوم و أغراني برسالة كاذبة , و من حسن الحظ أدركت لعبته الصغيرة في الوقت المناسب و أفلت منه , ثم قلبت الطاولة عليه , و قررت أن أتعقبه على عاتقي حتى أشبع غروري

إنني أرسل إليك فتى شابا ذكيا يحمل إليك هذه الرسالة , أعطه نصف كروان , لقد وعدته بذلك إن هو سلمها بأمانة . إنني أراقب البيت و لا أستطيع مغادرته , سوف أنتظرك حتى السادسة , فان لم تأت أحاول الدخول إلى البيت بنفسي , إنها فرصة جيدة لا يصح أن نضيعها , و ربما لا يجدك الفتى , و لكن إن وجدك فدعه يأتي بك هنا فورا و اطمس شاربك حتى لا يعرفك من يراقب البيت

المستعجل أ . هـ ))

كنت أزداد يأسا مع كل كلمة , و شعرت أنها حيلة ماكرة ذكية بارعة . . لقد أدركت أهمية جمع المعلومات عن حياتنا بالتفصيل فقد صاغوا هذه الرسالة بالطريقة ذاتها التي كان يمكن لي أن أصوغها

الاعتراف بأن الرجل الصيني الذي زارني بعد ظهر ذلك اليوم قد سعى إلى إغوائي يذهب بالأثر المرجو لتركي الكتب الأربعة على الأرض و قطع الفحم الأربع في الموقد . الوقت أيضا حدد بذكاء : سوف يندفع بوارو بسرعة مع دليله البريء المظهر لدى استلامه الرسالة , و علمت يقينا إن إصراري على دخول البيت سيدفعه إلى القدوم بأقصى سرعة .

لقد أبدى على الدوام ارتيابا في قدراتي و يخاجله شعور بأنني أندفع إلى الخطر و أنا دون مستوى الحدث فيسرع للتدخل في الوقت الملائم !

و شعرت أني عاجز أن أفعل أي شيء ينقذ بوارو !

أخذ الرجل الرسالة فقرأها و هز رأسه بالرضى ثم أعطاها إلى أحد الخدم الصامتين فاختفى بها خلف الستارة المعلقة على الجدار

و التقط الرجل نموذج برقية سلمها إلي فقرأت فيها : (( أطلق سراح الطائر الأبيض بسرعة ))

تنهدت بارتياح و أنا أسأل سترسلها على الفور !

ابتسم وهو يهز رأسه نافيا :

- فقط عندما يصبح السيد بوارو في أيدينا ليس قبل ذلك
- و لكنك وعدت . . .
- ربما فشلت الخطة , و عند ذلك سنحتاج أن يقنعك طائرنا الأبيض ببذل مجهود أكبر

ازددت شحوبا و سيطر علي الغضب :

- يا إلهي ! . . لو أنك . . .
- كن مطمئنا . لن تفشل هذه الخطة , وسوف يقع السيد بوارو في أيدينا و أبر بقسمي , و حتى ذلك الحين أنت في ضيافتنا وسوف يهتم خدمي بتنفيذ احتياجاتك في غيابي

و تركوني في قبو تحت الأرض وحدي حيث كنت أسمع حركات الخدم و هم ينتقلون , و تنازعتني الهواجس , قلبي على زوجتي التي تعاني من قبضة هؤلاء الأشرار , و في نفسي شعور بالذنب القاتل نحو صديقي بوارو , ثم إنني أخاف هؤلاء الشياطين الذين اتخذوا الخداع دينا و لا يردعهم وازع و لا ضمير

قدموا لي الطعام و الشراب لكنني أزحته جانبا و قد أصابني الغثيان !

و ظهر الرجل الصيني مرة أخرى , كان طويلا جليلا يرفل في ثوبه الحريري الطويل , كان يوجه العمليات بحركات من يده الصفراء

أخرجوني من القبو إلى الغرفة الأولى , و كانت قريبة من الشارع يستطيع القاعد فيها مراقبة الطريق من خلال فتحات الشبابيك . .

لمحت عجوزا يلبس أسمالا بالية يشير بيده إلى المنزل فعرفت أنه من العصابة . قال صاحبنا الصيني :

- هذا حسن , فقد وقع بوارو في الفخ , انه جاء وحده مع الغلام الذي يرشده , الآن حان دورك يا كابتن , عليك أن تقوم لتظهر أمامه فيراك و تشير إليه ليدخل , فهو لن يفعل حتى يراك تصنع ذلك

صحت ثائرا :
- ماذا ؟

فقال بحزم :

- تذكر ثمن الفشل , إذا لم يدخل بوارو فان زوجتك ستموت سبعين مرة , هيا بسرعة

و نظرت بقلب يخفق و إحساس بالغثيان من خلال الشباك فعرفت صديقي الذي كان يمشي على طول الجانب المقابل من الشارع رغم أن ياقة معطفه كانت مرفوعة و اللفاع الأصفر الثخين يغطي أسفل وجهه , لكن تلك المشية هي مشية بوارو و ذاك الرأس البيضاوي هو رأس بوارو

كان بوارو قادما قطعا ليساعدني بوفاء و شهامة لا يشك بأن في الأمر حيلة , و إلى جنبه كان يمشي غلام لندني وجهه متجهم و عليه ثوب بال ٍ

توقف بوارو و كان ينظر ناحية البيت بينما كان الولد يتكلم بلهفة و يشير , و كان الوقت قد حان لألعب دوري

خرجت إلى القاعة , و بإشارة من الرجل الصيني فتح أحد الخدم مزلاج الباب , و همس عدوي :
- تذكر ثمن الفشل

خرجت عند العتبة , أشرت إلى بوارو بيدي فأسرع يقطع الشارع ناحيتي :

- ها . . إذن فكل أمورك كما يرام يا صديقي ؟ لقد بدأت أقلق , هل دخلت البيت ؟ هل البيت خالي ؟

قلت بهمس أجتهد أن أجعله مطمئنا :
- أجل , لا بد أن فيه طريقا سريا , ادخل و دعنا نلتمسه

عدت إلى درجات العتبة , و هم بوارو ليتبعني ببراءة . . ثم بدا أن شيئا ما يدور في رأسي , إنني أحاكي دور يهوذا الاسخريوطي الذي وشى بالسيد المسيح , و فجأة صرخت :

- ارجع يا بوارو ! ارجع من أجل حياتك , انه فخ , لا تهتم بي , اهرب في الحال !

في اللحظة التي تكلمت أو صرخت محذرا أمسكت بي يد كأنها كماشة , و قفز أحد الخدم الصينيين أمامي لكي يمسك بوارو

و قفز بوارو إلى الخلف و رفع يده , ثم فجأة تصاعد دخان كثيف حولي يخنقني , يقتلني , أحسست أني أنهار . . كان هذا هو الموت

ثم عدت إلى وعيي و أنا أتألم , رأسي يدور , رأيت أول ما رأيت وجه بوارو يقعد مقابلي يراقبني بوجه قلق , صرخ فرحا حين رآني أنظر إليه :

- آه لقد عاد وعيك , كل شيء جيد يا صديقي المسكين !
- أين أنا ؟
- أين ؟ في بيتنا

نظرت حولي . . أجل , هذا المحيط أعرفه , و في الموقد كانت قطع الفحم الأربع التي نثرتها

- نعم , لقد أحسنت صنعا , كانت هذه الفكرة ممتازة هي و كرة الكتب , لو أنهم قالوا لي : (( إن صديقك هيستنغز غير واسع العقل , أليس كذلك ؟ )) فسوف أقول : كلا , بل أنتم مخطئون
- إذن فقد فهمتها ؟
- أجل , لقد أخذت حذري و أنفقت الوقت اللازم لكي أحكم خطتي , نقلك الأربعة الكبار بالقوة , لماذا ؟ ليس لأنهم يخافونك و يريدون أن يبعدوك عن الطريق , كلا , بل جعلوك طعما ليصطادوا به بوارو العظيم . . كنت أنتظر هذا منذ زمن فأعددت له

و لما وصل الصغير البريء رسولا منهم فهمت كل شيء و أسرعت معه , و من حسن الحظ أن سمحوا لك أن تقف على العتبة , فقد كنت أخشى أن أفشل في العثور عليك بعد أن أتخلص منهم

قلت بوهن :
- هل قلت : تتخلص منهم ؟ وحدك ؟
- لا شيء من أمرهم يحتاج ذكاءً , إذا استعد المرء من قبل فكل شيء عندئذ يهون , ذلك شعار الكشافة . . انهم يقولون : (( كن مستعدا )) أليس كذلك ؟

منذ وقت غير بعيد قدمت خدمة لكيمياوي شهير له عمل في الغازات السامة أثناء الحرب , فابتدع لي قنبلة صغيرة بسيطة يسهل حملها و ما علي إلا أن أرميها فتنفجر , يتصاعد منها دخان ثم يكون فقد الوعي . .

و في الحال صفرت قليلا فأسرع بعض زملاء جاب – و كانوا يراقبون البيت قبل أن يصل الولد إلى بيتنا و تتبعوا طريقنا حتى لا يم هاوس – حيث تولوا الأمر برمته !

- لكن لماذا لم تفقد أنت وعيك ؟
- صاحبنا رقم ((4)) الذي ألف تلك الرسالة المحبوكة ذكر ملاحظة ساخرة عن شاربي فأخفيته – و معه كمامة التنفس – تحت وشاحي الأصفر

صحت بلهفة :
- إنني أتذكر . .

و مع كلمة أتذكر عادني الرعب و الخوف على سندريلا , تراجعت و أنا أئن ! لا بد أني فقدت وعيي مرة أخرى بعض الوقت , صحوت فإذا بوارو يدفع لي كأس الليمون . .

- ماذا هناك يا صديقي ؟ ماذا هناك ؟ قل لي

أخبرته بالأمر كلمة كلمة و أنا أرتعش , صاح بوارو :

- يا صديقي ! لقد عانيت كثيرا لكنني لم أكن أعرف شيئا من هذا فاطمئن , كل شيء على ما يرام
- هل ستجدها ؟ لكنها في أمريكا الجنوبية و حين نصلها تكون قد ماتت منذ زمن طويل , و الله وحده يعلم كيف ستموت
- لا , لا , انك لم تفهم , بل هي آمنة و في صحة حسنة , بل لم تقع في أيديهم بتاتا . .
- لكن البرقية من برونسين ؟
- لا , أنت لم تستلم منه برقية , ربما استلمت برقية من أمريكا الجنوبية باسم برونسين , هذا مختلف , قل لي : ألم يظهر لك أن منظمة مثل هذه ذات فروع في كل أنحاء العالم يمكن أن تضغط علينا بواسطة فتاة صغيرة مثل سندريلا التي تحبها كثيرا ؟
- لا , أبدا
- حسنا , أما أنا فقد عرفت ذلك و لم أقل لك شيئا لأنني لم أرد أن أزعجك من غير ضرورة , لكني اتخذت إجراءاتي الخاصة

إن رسائل زوجتك تبدو كأنها كتبت كلها من المزرعة , لكنها كانت في مكان آمن دبرته أنا منذ ثلاثة شهور . .

نظرت إليه طويلا . .

- حقا ؟
- أجل , إنما عذبوك بكذبة !

أدرت رأسي , وضع بوارو يده على كتفي , كان في صوته شيء ما لم أسمعه أبدا من قبل :

- أنت لا تحب أن أعانقك . . سوف أتصرف على الطريقة الإنكليزية , لن أقول شيئا أبدا , لكن دعني أقل : ما أسعد رجلا عنده صديق مثل صديقي !

الفصل الرابع عشر

خاب ظني كثيرا من نتيجة هجوم بوارو بالقنبلة على البيت في الحي الصيني , فقد هرب رأس العصابة !

عندما هرع رجال جاب لما صفر بوارو وجدوا أربعة رجال صينيين في القاعة فقدوا وعيهم , لكن الذي هددني بالموت لم يكن فيهم , فتذكرت حينئذ أنني حين أجبرت على الخروج إلى عتبة البيت بقي هذا الرجل في المؤخرة , و بذلك ظل خارج منطقة الخطر الذي أحدثته القنبلة ففر من مخرج من المخارج الكثيرة التي عرفناها فيما بعد

لم نعلم من الأربعة الذين وقعوا في قبضتنا شيئا , و التحقيق الواسع الذي أجرته الشرطة لم يكشف صلة لأحدهم بالأربعة الكبار

لقد كانوا فقراء من الحي , و قد ادعوا جهلا تاما باسم لي شانغ ين , إنما استأجرهم رجل صيني للخدمة في البيت , و لم يكونوا يعلمون شيئا من شؤونه الخاصة !

في اليوم التالي تعافيت تماما من أثر القنبلة إلا من صداع خفيف , فنزلنا إلى الحي الصيني و تفحصنا البيت الذي استُنقذت ُ منه . .

كان المبنى يتألف من بيتين مصعدين متصلين معا بممر من تحت الأرض , كانا مهجورين لا فرش فيهما , و قد غطيت الشبابيك المكسورة فيهما بستائر بالية . .

اطلع جاب على الأقبية و كشف المدخل المؤدي إلى القبو الذي لبثت فيه نصف ساعة عسيرة , و أكد التحقيق أنها غرفة جهزت خصيصا من أجلي في الليلة السابقة

الحرير الذي كسا الحيطان و الأريكة و السجاد الممدود على الأرض كان متقنا . قد لا أكون من الخبراء العارفين في الفن الصيني إلا قليلا , و لكني أملك أن أجزم أن كل قطعة في تلك الغرفة كانت بالغة القيمة عظيمة الشأن !

أجرينا تفتيشا دقيقا للبيت , و كنت أرجو أن نجد وثائق هامة , ربما قائمة بأسماء عملاء الأربعة الكبار , أو رسائل في خططهم , لكننا لم نجد شيئا إلا رسائل كان الرجل الصيني يرجع إليها عندما كان يملي علي رسالتي إلى بوارو , كانت تتألف من سجل كبير عن كل عمل عملناه و عن شخصيتنا و مكامن ضعفنا !

كان بوارو مبتهجا من هذا جدا , كأنه طفل , أما أنا فلم أحسب أنها ذات لا سيما أن الرجل الذي جمعها – كائنا من كان – قد أخطأ في بعض آرائه بصورة مضحكة , و قد أوضحت ذلك لصديقي و نحن راجعان إلى بيتنا , قلت :

- بوارو , أنت تعرف الآن ماذا يظننا خصمنا ؟ يبدو أنه بالغ كثيرا في تقدير قوتك العقلية و استخف بي ! لا أدري كيف يمكن أن تنفعنا هذه المعرفة ؟

ضحك بوارو بطريقة مزعجة :

- أنت لم تفهم يا هيستنغز , إننا نستطيع الآن أن نعد أنفسنا لمواجهة أساليبهم في الهجوم حيث أدركنا بعض أخطائنا , مثلا يا صديقي : نعلم أنك يجب أن تفكر قبل أن تعمل , فإذا رأيت مرة أخرى فتاة ذات شعر أحمر في مشكلة فيجب أن تنظر إليها بارتياب , أليس كذلك ؟

كان في رسائلهم إشارات سخيفة عن تهوري المحتمل , و أشاروا أنني كنت سريع التأثر بالفتيات ذوات الشعر الأحمر , و كان فيها إشارة تعني بوارو فقدرت على الرد عليه :

- و ماذا عنك ؟ هل ستعالج (( غرورك المفرط )) و (( أناقتك الشديدة )) ؟

لم يكن بوارو مسرورا من ردي السريع

- بلا ريب يا هيستنغز انهم يخدعون أنفسهم في بعض الأمور , و سيعلمون ذلك في الوقت المناسب , و في غضون ذلك علمنا بعض الأشياء و عرفنا أنه يلزمنا الاستعداد

كانت الكلمة الأخيرة هذه البديهية المفضلة لديه منذ عهد قريب , و قد بدأت أكره معناها , و ما زال قائلا :

- هيستنغز , إننا نعرف شيئا ما و هذا فيه خير , لكن ينبغي أن نعرف أكثر
- في أي اتجاه ؟

استرخى بوارو في كرسيه و عدل علبة الكبريت التي ألقيتها على الطاولة بإهمال , و أحسست أنه يستعد لإلقاء خطبة طويلة :

- يجب يا هيستنغز أن نواجه أربعة أعداء , أربعة أشخاص مختلفين , رقم ((1)) عرفناه و لم نعامله , بالمناسبة , لقد بدأت يا هيستنغز أفهمه فهما حسنا : عقل شرقي حاذق , إن كل ما لقيناه كان من تدبير عقل لي شانغ ين

رقم ((2)) و رقم ((3)) لهما نفوذ و مرتبة عليا , و هما لذلك في حصانة من هجومنا , غير أن هذا سلاح ذو حدين: انهما مكشوفان فينبغي أن يقدرا حركاتهما بعناية , و هما – مع ذلك – قادران على النجاح لما لهما من شهرة و منصب . أما رقم ((4)) . . .

تغير صوت بوارو قليلا و تابع :

- أما رقم ((4)) فان نجاحه في تخفيه . . من هو ؟ لا أحد يعرف ! ما هو شكله ؟ لا أحد يعرف ! كم مرة رأيناه ؟ خمسا , أليس كذلك ؟ فهل يستطيع أحدنا أن يجزم بأنه سيعرفه إذا رآه ؟

تذكرت الرجال الخمسة المختلفين : حارس المصحة القوي الجسم , جيمس الرجل الذي كان يلبس المعطف المزرر في باريس , الخادم , الطبيب الشاب الباسم في قضية الياسمين الأصفر , و البروفيسور الروسي . . لم يشبه أي واحد من هؤلاء الخمسة الآخر , فقلت :

- لا , لا دليل عندنا بتاتا !

ابتسم بوارو :

- أرجوك لا تدع لهذا اليأس الشديد سبيلا إليك , إننا علمنا شيئا أو شيئين . . علمنا أنه رجل متوسط الطول أشقر الشعر قليلا , لو كان رجلا طويلا أسمر ما استطاع أن يخدعنا في هيئة الطبيب الأشقر القصير , و لابد أن يكون أنفه صغيرا مستقيما , لأن الأنف الكبير لا يصير صغيرا , ثم لا بد أن يكون رجلا شابا ليس أكبر من الخامسة و الثلاثين , إذن فقد وصلنا إلى شيئا ما : رجل بين الثلاثين و الخامسة و الثلاثين , متوسط الطول , لونه طبيعي , خبير في ( الماكياج ) , ليس لديه أسنان طبيعية
- ماذا ؟
- أجل يا هيستنغز , الحارس كانت أسنانه مكسورة صفراء , و في باريس كانت أسنانه بيضاء مستوية , و حين كان طبيبا كانت أسنانه بارزة قليلا , و لما كان سافرونوف كانت أنيابه طويلة , لا شيء يغير الوجه مثل طقم مختلف من الأسنان , هل ترى أين يقودنا كل هذا ؟
- لا أدري
- يقولون : (( حرفة الرجل مكتوبة في وجهه )) . .
- مجرم ؟
- خبير في فن الماكياج أو أنه كان ممثلا في يوم ما
- ممثل ؟
- أجل , فنان بارع , الممثلون صنفان : صنف يطيعه دوره و صنف يطيع دوره , صنف يؤثر في الدور و صنف يتأثر به و يقلب شخصيته حسب دوره . يجب أن نبحث عن رقم ((4)) بين ذلك الصنف السابق , انه فنان بارع يلبس الدور الذي يمثله بإتقان
- إذن أنت تظن أنك تقدر أن تتبعه في المسرح ؟ وددت لو أن هذه الفكرة جاءتك من قبل , لقد ضيعنا الكثير من الوقت
- كلا يا صديقي , لم نضيع وقتنا , عملائي مشغولون بالبحث منذ بضعة شهور , جوزيف ايرونز واحد منهم , هل تذكره ؟ لقد جمعوا قائمة بالرجال الذين تنطبق عليهم الأوصاف المطلوبة : شباب في الثلاثين : ذوو موهبة في التمثيل , تركوا المسرح في السنين الثلاث الأخيرة بصورة قاطعة

فقلت بتشوق :
- حسنا؟
- كانت القائمة طويلة , منذ زمن و نحن مشغولون بالحذف و أخيرا أخرجنا منها أربعة أسماء . . . هاهي يا صديقي

أعطاني قصاصة من الورق قرأتها جهرة :

إيرنست لوتريل : ابن كاهن في الشمال , غريب الأطوار , طرد من مدرسته , ذهب ليعمل في المسرح و هو في الثالثة و العشرين , مدمن مخدرات , يفترض أنه سافر إلى أستراليا قبل أربع سنين و لم نستطع متابعته منذ أن غادر إنكلترا , عمره الآن اثنان و ثلاثون عاما , طوله 5 أقدام و 10 بوصات , حليق , شعره بني , أنفه مستقيم , البشرة شقراء , العينان رماديتان

جون سانت مور : اسم منحول , الاسم الصريح مجهول , كأنه من أصل لندني , عمل في المسرح منذ أن كان طفلا حيث كان يؤدي أدواره في مسرح المنوعات , انقطعت أخباره منذ ثلاث سنوات , في الثالثة و الثلاثين , طوله 5 أقدام و 10 بوصات , نحيف , عيناه زرقاوان , لونه أشقر

أوستين لي : اسم منحول , اسمه الصريح أوستين فولي من أسرة طيبة , كان يحب شكلا واحدا من التمثيل , و كون لنفسه شخصية متميزة , له سجل حربي متألق , مثل في مسرحيات عدة , كان يتحمس لتثميل قصص الجريمة , أصابه انهيار عصبي شديد من حادث سيارة قبل ثلاث سنوات و نصف و لم يظهر على المسرح بعدها , لا أثر له يدل على مكانه الآن , عمره 35 سنة , طوله 5 أقدام و 9 بوصات و نصف , بشرته شقراء و شعره بني و عيناه زرقاوان

كلود داريل : يفترض أنه اسمه الصريح , أصله مجهول , مثل في مسرح المنوعات و مسرح الذخائر , ليس له أصحاب مقربون , كان في الصين عام 1919 , عاد عن طريق أمريكا , مثل أدوارا قليلة في نيويورك , في إحدى الليالي لم يظهر على خشبة المسرح و لم يسمع عنه شيء بعدها , تقول شرطة نيويورك بأن اختفاءه غامض جدا , عمره 33 سنة , شعره بني , بشرته شقراء , عيناه رماديتان , طوله 5 أقدام و 10 بوصات و نصف

قلت و أنا أضع الورقة :
- هذا مثير مدهش ! اذن فهذه نتيجة التحقيق الذي دام شهورا ؟ و هذه الأسماء الأربعة , أي منها تشك فيه ؟

أشار بوارو بيده بإيماءة نصيحة :
- يا صديقي . . إن هذا سؤال مبكر في الوقت الراهن . لا بد أنك لاحظت أن كلود داريل كان في أمريكا و الصين , و هي حقيقة ذات دلالة , ربما , و لكن لا يجدر أن نسمح لأنفسنا بالتحيز لهذه النقطة تحيزا مفرطا , ربما كان ذلك مجرد صدفة
- و ما هي الخطوات التالية ؟
- الأمور تسير بنظام , ستظهر كل يوم إعلانات مكتوبة بحذر , أصدقاء و أقرباء أحد هؤلاء الأربعة سيتصل بمحامي في مكتبه , حتى اليوم يمكن أن يكون . . . أوه . . انه التلفون يرن , ربما يكون الرقم خطأ كالعادة و سوف يعتذرون عن الإزعاج , و ربما يكون شيء قد ظهر

عبرت الغرفة و رفعت السماعة :

- نعم , نعم , هنا بيت السيد بوارو , أنا كابتن هيستنغز , ها ! السيد ماكنيل ؟ نعم , الآن أخبره و نأتي حالا

رددت السماعة و رجعت إلى بوارو :

- بوارو , محاميك السيد ماكنيل اتصل : امرأة صديقة لكلود داريل ! الآنسة فلوسي مونرو ! ماكنيل يريد أن تذهب إليه

صاح بوارو :
- فورا

و اختفى في غرفة نومه ليعود و على رأسه القبعة . و في الحال ركبنا سيارة حملتنا إلى وجهتنا , و دخلنا مكتب السيد ماكنيل الخاص

على المقعد المواجه للمحامي كانت امرأة دميمة تجاوزت سن الشباب , شعرها أصفر مقزز فيه خصلات مجعدة فوق كل أذن , جفناها مصبوغان بالسواد , لكنها لم تنس على كل حال وضع الحمرة و أحمر الشفاه

ماكنيل :
- هاهو السيد بوارو , سيد بوارو , هاهي الآنسة مونرو التي تلطفت كثيرا بنا و استجابت لنا
- ها . . ذلك لطف كبير !

ثم تقدم بوارو و قال بحماس غير آبه بمشاعر السيد ماكنيل :

- إن الآنسة تزهر كالوردة في هذا المكتب الممل العتيق !

احمر وجه الآنسة مونرو خجلا و ابتسمت ابتسامة متكلفة و هي تعلق قائلة :
- لا تمزح يا سيد بوارو , إني أعرفكم أيها الفرنسيون
- يا آنسة , نحن لسنا كالإنكليز بلهاء أمام الجمال , و أنا لست فرنسيا , أنا بلجيكي
- لقد ذهبت إلى أوستند بنفسي
- إذن فأخبرينا عن السيد كلود داريل
- عرفت السيد كلود داريل يوما ما , و قد رأيت إعلانك , و حيث إنني لا أعمل الآن في المحل , قلت لنفسي : انهم يريدون أن يعرفوا عن المسكين العجوز كلودي , فلعل وراءه ثروة لم يعرفوا وارثها , يجب أن أذهب في الحال

نهض السيد ماكنيل :

- حسنا يا سيد بوارو هل أترككم وحدكم ؟
- أنت لطيف جدا , لكن ساعة الغذاء تقترب و قد خطرت ببالي فكرة صغيرة , ربما تريد الآنسة أن تأتي معي لتناول الغذاء

تلألأت عيناها , و خطرت ببالي أنها كانت في ضائقة مالية و أن وجبة مشبعة لا ترفض

و خرجنا جميعنا في سيارة أجرة نحو أحد مطاعم لندن الفاخرة , و عندما وصلنا طلب بوارو غذاء لذيذا

بدأت تأكل وجبتها بشهية فيما طرق بوارو بحذر موضوعه المهم :

- مسكين السيد داريل , انني آسف لأنه ليس معنا الآن

تنهدت الآنسة مونرو :
- صدقت , الحق أنه ولد مسكين ! ترى ماذا جرى له ؟
- قد مضى وقت طويل على رؤيتك له , أليس كذلك ؟
- آه ! منذ سنين ! لم أره منذ الحرب . . كلودي كان ولدا مرحا لم يتحدث عن نفسه أبدا , لكن كل شيء سيبين اذا كان هو وريثا مفقودا . . و هل هو إرث شرعي يا سيد بوارو ؟
- للأسف مجرد تركة , و المسألة هي في تحديد الهوية , لذلك يلزمنا البحث عن شخص كان يعرفه جيدا , أنت كنت تعرفينه جيدا , أليس كذلك يا آنسة ؟
- لا بأس يا سيد بوارو , فأنت رجل لطيف تحسن اختيار طعام السيدات بأفضل من صغار هذه الأيام السفهاء , و أظن كونك فرنسيا غير مخيف . . آه ! أنتم – أشارت بأصبعها نحوه – أيها الفرنسيون أشرار , أشرار

عارضها بوارو متلطفا :

- لا , لا يا آنسة , لا تقولي ذلك . الآن هلا وصفت لي السيد داريل هذا ؟
- ليس بالطويل و لا بالقصير , أنيق , عيناه رماديتان فيهما زرقة , شعره أشقر , فنان و أي فنان ! لم أر مثله في الناس , و لو لا الغيرة لأصبح رجلا مشهورا , آه يا سيد بوارو , كم نعاني نحن الفنانين من الغيرة و الحسد , أذكر مرة في مانشستر . .
- هذا كلام جميل يا آنسة في أمر السيد داريل , النساء لا ينسين شيئا و يلاحظن ما يفوت الرجال , لقد عرفت امرأة عرفت رجلا من بين اثني عشر رجلا , هل تدرين كيف ؟ لقد لاحظت سمة مميزة تظهر على أنفه إذا غضب ! هل في الرجال من يلاحظ شيئا كهذا ؟

صرخت مونرو :
- ألا نستيطع ذلك ؟ نعم , نحن نلاحظه . . أتذكر كلودي , الآن بدأت أفكر بذلك : كان كثير العبث بالخبز الذي على الطاولة , كان يضع قطعة صغيرة بين أصابعه و يفركها ليأكل لب الرغيف , قلد رأيته يفعل ذلك مئة مرة , و أستطيع أن أعرفه من هذه العادة التي فيه
- و هل تحدثت معه عن عادته هذه يا آنسة ؟
- لا؛ فأنت تعرف طبع الرجال : لا يحبون أن تنتقدهم لا سيما ان بدا لهم أنك تنهاهم عن فعلها , لم أقل كلمة واحدة البتة , لكني كنت أضحك في سري كثيرا , انه لم يكن يشعر بفعله

هز بوارو رأسه موافقا , و رأيت يده ترتعش قليلا حين مدها إلى صحنه , قال :

- و خط اليد وسيلة لتحديد الهوية , لا شك أن عندك رسالة كتبها السيد داريل . .

هزت رأسها أسفا :
- لم يكتب لي سطرا في حياته أبدا
- هذا مؤسف

قالت مونرو فجأة :
- لكن عندي صورة . .
- عندك صورة ؟

قفز بوارو من كرسيه مذهولا :

- صورة قديمة , حين كان عمره ثمانية أعوام . .
- لا ضير ان كانت عتيقة أو باهتة , هلا أعطيتني إياها يا آنسة ؟
- أجل
- ربما تأذنين أن أستنسخ منها , إن ذلك لا يأخذ وقتا
- أجل إذا كنت تحب ذلك

نهضت مونرو , قالت بمكر :

- يجب أن أنصرف , أسعدني لقاؤك أنت و صاحبك يا سيد بوارو . .
- و الصورة ؟
- سأبحث عنها هذه الليلة , أظن أنني أعلم مكانها , سوف أرسلها لك فورا
- ألف شكر يا آنسة , أنت لطيفة جدا , أرجو أن نأكل الغذاء معا في وقت قريب !
- أنا على استعداد متى شئت . .
- لكني أجهل عنوانك

و بكبرياء شامخة سحبت مونرو بطاقة من حقيبتها و أعطتها له , كانت بطاقة وسخة بعض الشيء , و كان العنوان المطبوع مشطوبا كتب فوقه عنوان آخر بقلم رصاص . ثم مع انحناء ودعنا المرأة و ذهبنا , و سألت أنا بوارو :

- هل تظن حقا أن هذه الصورة خطيرة ؟
- نعم يا صديقي . . (( الكاميرا لا تكذب )) , نستطيع أن نكبر الصورة و نضبط النقاط البارزة , و نعلم كثيرا من التفاصيل : الأذن التي لا يستطيع أن يصفها لك أحد , حقا , ماأعظم هذه الفرصة التي جاءت لنا , من أجل هذا اتخذت احتياطاتي

عبر نحو الهاتف و طلب رقم وكالة التحري الخاصة , أوامره كانت واضحة و حاسمة : اثنان من الرجال يذهبان الى عنوان ذكره و يراقبان مونرو , يتابعانها حيث تروح و تجيء , و يؤمنان لها الحماية اللازمة

رد بوارو السماعة و عاد إلي

- و هل هذا لازم يا بوارو ؟
- ربما , لا ريب أنني أنا و أنت مراقبان , و سوف يعرفون من كان يأكل معنا غذاء اليوم , ربما أحس رقم ((4)) بالخطر

مضت عشرون دقيقة , رن الهاتف , و عندما أجبت عليه سمعت على الطرف الآخر صوتا جافا :

- أهذا هو السيد بوارو ؟ هنا مستشفى سانت جيمس , قبل عشر دقائق أحضرت لنا امرأة شابة , الآنسة فلوسي مونرو . . حادث سيارة . . إنها تسأل عن السيد بوارو بإلحاح , يجب أن يأتي حالا , فربما لا تعيش طويلا

أخبرت بوارو , أصبح وجهه شاحبا :

- هيا يا هيستنغز , هيا ننطلق كالبرق

و في غضون عشر دقائق وصلنا إلى المستشفى , سألنا عن مونرو , صعدنا إلى جناح الحوادث لكن الممرضة قابلتنا عند الباب . . قرأ بوارو الخبر في وجهها !

- ماتت ؟
- قبل ست دقائق

وقف بوارو مصعوقا و بدأت الممرضة تكلمه بلطف و هي لا تدري حقيقة حزنه :

- إنها لم تعان ألما , ظلت فاقدة للوعي , دهمتها سيارة , و لم يتوقف السائق . . آمل أن أحدا سجل رقم سيارته

قال بوارو همسا : الأحداث تتسارع ضدنا !
- تود أن تراها ؟

تقدمتنا الممرضة و تبعناها . . المسكينة فلوسي مونرو : ممددة و الحمرة على شفتيها و شعرها المصبوغ ! إنها ترقد بسلام و على وجهها بسمة ! . . همس بوارو :
- أجل . . الأحداث تجري ضدنا

و فجأة رفع رأسه كأن فكرة ما خطرت له و قال : لقد اقتربت نهاية هؤلاء الأشرار ! أقسم لك و أنا أقف هنا جنب جثة هذه المسكينة أني لن أرحمهم عندما يحين الوقت !

- ماذا تقصد ؟

لم يجب بوارو بشيء , بل التفت إلى الممرضة و هو يطلب بلهفة بعض المعلومات , و أخذ أخيرا أخيرا قائمة بالأغراض التي وجدت في حقيبتها . صاح بوارو صيحة مكبوتة و هو يقرأها . .

- هل ترى يا هيستنغز ؟ هل ترى ؟ لا ذكر لمفتاح المزلاج , و لا شك أن معها مفتاحا
لا , لقد صرعت بدم بارد و أول رجل انحنى فوقها أخذ المفتاح من حقيبتها , لكن الوقت ما زال معنا , فقد لا يجد ما يريده في الحال

و حملتنا سيارة أخرى إلى عنوانها : بيوت قذرة متجاورة في حي قديم !

مضى وقت طويل حتى أذن لنا أن ندخل بيتها , لكننا كنا قانعين أن أحدا لا يستطيع أن يغادر و نحن نرقب البيت من الخارج

أخيرا دخلنا , و كان واضحا أن شخصا قد دخل قبلنا هنا ؛ لأن محتوى الأدراج و الخزائن كله مبعثر منثور , و الأقفال مكسورة و الطاولات مقلوبة , كانت عجلة الباحث قبلنا عنيفة جدا

بدأ بوارو البحث في الحطام . . فجأة , وقف منتصبا يصرخ و يمسك إطارا عتيقا لصورة فوتوغرافية . . أما الصورة نفسها فقد اختفت ! قلبه ببطء . . كان على ظهر الإطار لاصق مدور صغير , ملصق يبين السعر , قلت له :

- ثمنه أربع شلنات
- أبصر جيدا يا عزيزي هيستنغز , انه لاصق جديد , ألصقه الرجل الذي نزع الصورة و الذي سبقنا هنا , كان يعلم أننا سنحضر , لذلك ترك هذه لنا . . انه رقم ((4)) . . كلود داريل بالتأكيد !


الفصل الخامس عشر


بدأت أدرك أن بوارو قد تغير بعد الوفاة المأساوية لمونرو . حتى ذلك الحين كانت ثقته بنفسه التي لا تهتز قد قاومت التجربة , لكن الإجهاد الطويل أخذ منه مأخذا فكان يبدو مهموما كئيبا كأنما أعصابه توشك أن تنهار

في هذه الأيام كان هائجا كأنه قط يتجنب كل نقاش في الأربعة الكبار , لكني كنت أعلم أنه كان نشيطا في المسألة سرا

كان يزوره كثيرا رجال غرباء , لكنه لم يتعطف علي بأي بيان لهذا النشاط الخفي , و فهمت أنه كان يبني دفاعا جديدا و سلاحا مواجهة بمساعدة هؤلاء الرجال ذوي المظاهر المثيرة للاشمئزاز

و ذات مرة – مصادفة – رأيت ما هو مدون في دفتر حساباته المصرفي , و كان قد طلب مني أن أتحقق من أمر ما , فعرفت أنه قد دفع مبلغا كبيرا من المال , كبيرا جدا حتى على بوارو الذي يكسب المال عادة بسرعة , دفعه لرجل روسي ما أطول اسمه !

و مازال يكتم الأمر , كان يكرر دوما قوله : (( إياك ألا تقدر عدوك يا صديقي , تذكر ذلك دائما )) ففهمت أن ذلك كان الشرك الذي يجتهد أن يتجنبه بأي ثمن

و هكذا سارت الأمور حتى نهاية آذار , و في أحد الأيام قال بوارو كلاما أرعبني :

- هذا الصباح يا صديقي عليك أن تلبس أفضل ثيابك , سنزور وزير الداخلية
- حقا ؟ هذا مدهش ! و هل هو الذي استدعاك ؟
- كلا , بل أنا طلبت مقابلته , لعلك تذكر أنني قد أديت له خدمة و هو متحمس بسببها و سوف ينفعني حماسه , و كما تعرف , رئيس وزراء فرنسا السيد ديسحارديو يزور لندن الآن , و سوف يحضر اجتماعنا الصغير هذا الصباح

اللورد سيدني مراوثر وزير الداخلية رجل معروف مشهور , في الخمسين من عمره , ذو أسلوب مرح و عيون رمادية لاذعة , استقبلنا بتلك الطريقة المرحة الأنيسة , و كان في البيت رجل طويل نحيف يقف و ظهره إلى الموقد , ذو لحية سوداء ووجه رقيق

قال كراو ثر :
- سيد ديساجرديو , هدا هو السيد هيركيول بوارو , لعلك سمعت به

انحنى الرجل الفرنسي و مد يده يصافحه , و قال بفكاهة :

- أجل قد سمعت بالسيد بوارو , و من ذا لا يعرفه ؟

احمر وجه بوارو من البهجة , قال :

- هدا لطف منك سيدي !

ثم تقدم رجل من زاوية بجانب خزانة كتب طويلة . . كان ذاك هو السيد إنغليز صديقنا القديم , و صافحه بوارو بشدة . قال كراوثر :

- و الآن , سيد بوارو , نحن في خدمتك , لقد فهمت أن لديك معلومات في غاية الأهمية تريد إطلاعنا عليها
- أجل يا سيدي . . . في هذا العالم اليوم منظمة واسعة في الجريمة رؤوسها أربعة أفراد اسمهم الأربعة الكبار , رقم ((1)) رجل صيني اسمه لي شانغ ين , رقم ((2)) المليونير الأمريكي آبي ريلاند , رقم ((3)) امرأة فرنسية , أما رقم ((4)) فلدي من الأسباب ما يدعوني الى الاعتقاد بأنه الممثل الإنكليزي الغامض كلود داريل

و هؤلاء الأربعة قد اتحدوا لكي ينشروا الفوضى و يقوضوا النظام الاجتماعي القائم في العالم و يستبدلوا به نظاما استبداديا تكون لهم من خلاله السيطرة

همس الفرنسي :

- مستحيل أن يتورط ريلاند في شيء كهذا ! الفكرة خيال بالتأكيد

استمع إلي يا سيدي أسرد عليك بعض أفعالهم

كان الوصف الذي قدمه بوارو ساحرا , و لقد كنت أعرف كلامه تفصيلا لكنه أثارني من جديد و أنا أسمع وصف مغامرتنا الخطرة !

نظر السيد ديسجاردريو في صاحبه كراوثر بعد أن أنهى بوارو حديثه , و أجاب كرواثر على النظرة :

- نعم يا سيد ديسجاردريو يجب علينا أن نقر بوجود الأربعة الكبار , لقد سخرت سكوتلانديارد من لك في البداية , و زعمت الشرطة أن السيد بوارو يبالغ كثيرا , غير أني شخصيا أشعر أن كلامه صحيح , و قد أجبرت الشرطة و سكوتلانديارد على التسليم بأكثر من هده الفرضيات

بين بوارو لهما عشر نقاط بارزة طلب مني أن لا أعلنها , و تضمنت الكوارث التي أصابت الغواصات و سلسلة حوادث الطائرة و هبوطها الإجباري , و حسب كلام بوارو كانت جميعا من فعل الأربعة الكبار , و شهد بان عندهم أسرار علمية لا يعرفها العالم كله , و هذا جعل رئيس وزراء فرنسا يسأل بوارو سؤالا كنت أنتظره :

- قلت بأن العضو الثالث من هذه المنظمة امرأة فرنسية , هل تعرف اسمها ؟
- انه اسم مشهور جدا يا سيدي , اسم ذائع الصيت , رقم ((3)) ليس إلا مدام أوليفير !

و لما ذكر اسم العالمة الكبيرة خليفة المدام كوري قفز السيد ديسجاردريو من كرسيه , احمر وجهه و قال :
- مدام أوليفير ؟ مستحيل ! هذا سخف ! ان الذي تقوله إهانة . .

هز بوارو رأسه بلطف لكنه لم يجبه . نظر ديسجاردريو إليه مذهولا لبضع دقائق , ثم التفت إلى وزير الداخلية و ضرب على جبينه بصورة ذات دلالة , قال :

- السيد بوارو رجل عظيم , لكن حتى العظماء يصيبهم الهوس أحيانا , هذا معروف , أليس كذلك يا سيد كراوثر ؟

صمت وزير الداخلية قليلا ثم أجابه بلسان ثقيل :

- لا أدري , كنت دائما و ما زلت أثق بالسيد بوارو , لكن هذا جدير بالملاحظة !
- ديسجاردريو : لي شانغ ين أيضا , من ذا سمع به من قبل ؟

و جاء الصوت من السيد إنغليز على غير توقع :

- أنا سمعت . .

حدق إليه الرجل الفرنس ثم نظر بهدوء كأنه وثن صيني , أوضح وزير الداخلية :

- السيد إنغليز هو أعظم مرجع لدينا في شؤون الصين
- إنغليز : لقد ظننت أنني الرجل الوحيد في إنكلترا الذي يعرف عنه , إلى أن جاءني السيد بوارو . لا تخطئ يا سيد ديسجاردريو , في الصين رجل واحد ذو أثر اليوم : لي شانغ ين , و قد يكون أذكى دماغ في العالم اليوم على الإطلاق

جلس السيد ديسجاردريو كالمصعوق , لكنه ملك قواه و قال :

- ربما يصح شيء مما تقول يا سيد بوارو , و لكنك مخطئ بالتأكيد فيما يتعلق بمدام أوليفير . . إنها ابنة فرنسا المخلصة للعلم !

هز بوارو كتفيه استهجانا و لم يجب

ران الصمت بعض الوقت , ثم نهض صديقي و عليه ملامح الوقار :

- هذا كل ما أردت قوله يا سادة , إني أحذركم , دار في خلدي أنكم ربما لا تصدقونني , لكنكم قد تصبحون أكثر حذرا , إن كلماتي ستدخل في الأعماق و كل جديد سيؤكد لكم الحقيقة , كان ضروريا أن أتحدث الآن إليكم , فلعلي لا أستطيع لقاءكم بعد هذا اليوم !
- تقصد . . ؟
- أقصد أنني أصبحت في خطر دائم مند فضحت اسم رقم ((4)) , سوف يسعى لتدميري بأي ثمن , و ليس اسمه ((المدمر)) من فراغ أو ضعف يا سادة . أسلم عليكم , و إليك يا سيد كراوثر هذا المفتاح و هذا الظرف , كتبت كل ملاحظاتي عن القضية و أفكاري حول أحسن السبل لمواجهة الخطر الذي قد يعم العالم يوما ما و وضعتها في خزانة , فإن قتلت يا سيد كراوثر فأنت صاحب الحق للتصرف بتلك الأوراق , يوما طيبا !

خرجنا و خرج إنغليز معنا , و قال بوارو و نحن نسير :

- ما خاب ظني في المقابلة لم أتوقع إقناع ديسجاردريو , لكنني ضمنت أنني اذا مت فإن معرفتي لا تموت , لقد أقنعت واحدا من اثنين . . . لا بأس !
- إنغليز : إنني معك كما تعرف , و وسوف أسافر إلى الصين إن نجوت بنفسي
- هل هدا عمل حكيم ؟
- لا , لكنه واجب , و علي أن أعمل ما أستطيع
- آه إنك رجل شجاع , و لو لم نكن في الشارع لعانقتك

ظننت أن إنغليز بدا مطمئنا . . و هدر قائلا :

- قد لا أكون في خطر و أنا في الصين أكثر من الخطر الذي تواجهه أنت في لندن
- ربما , أرجو أن لا يذبحوا هيستنغز أيضا . . إن هذا يزعجني كثيرا !

قاطعت حديثهما اللطيف لأقول بأنني لا أعتزم ترك نفسي تدبح , و بعد ذلك بقليل تركنا إنغليز , سرنا بصمت بعض الوقت لكن بوارو قطعه و قال عبارة مفاجأة تماما , قال :

- أظن أن علي أن أقحم أخي في هذه القضية
- أخوك ؟ لم أعرف أن لك أخا من قبل
- يا هيستنغز , ألا تعلم أن رجال التحري جميعا لهم إخوة ؟

بوارو له طريقة عجيبة أحيانا تجعل المرء في حيرة مايدري أجاد هو أم هازل ! سألته و أنا أحاول أن أوافقه :

- و ما اسم أخيك ؟
- أشيلي , يعيش قرب منتجع صحي في بلجيكا
- و ماذا يعمل ؟
- لا شيء ؛ لأنه مريض , لكن قدرته على الاستنتاج ليست دون قدرتي
- و هل يشبهك ؟
- أجل لكنه ليس أنيقا و يحلق شاربه
- أكبر منك ؟
- لقد صادف أنه ولد في نفس اليوم الذي ولدت فيه !

صحت مندهشا : توأمان !

- تماما يا هيستنغز , إنك تقفز إلى النتيجة الصحيحة بدقة ! ها نحن قد عدنا إلى البيت ثانية , دعنا نشتغل في الحال بتلك القضية السهلة , قضية عقد الدوقة

لكن قدر لقضية عقد الدوقة أن تتأجل بعض الوقت , فقد كان عندنا قضية من نوع آخر , فما إن دخلنا إلى البيت حتى جاءت السيدة بيرسون و أخبرتنا أن ممرضة اتصلت و أنها تريد رؤية بوارو

دخلنا فوجدناها تجلس على مقعد كبير تقابل الشباك . . امرأة جميلة في ربيع العمر , عليها زي كحلي , كرهت الحديث في المسألة قليلا لكن بوارو طمأنها فأخذت تحكي قصتها :

- أرسلني مستشفى لارك سيتر هود لكي أمرض عجوزا في هيرتفوردشير اسمه السيد تيمبلتون , و كان بيته يثير البهجة و أهله فرحون , الزوجة : مدام تيمبلتون أصغر كثيرا من زوجها , و له ابن من زواجه الأول يعيش هناك , و لكنه لم يكن على وفاق تام مع زوجة أبيه , و هو لم يكن مختلا تماما و لكنه من النوع البطيء التفكير

حسنا . . لقد كان العجوز مريضا , و بدا لي مرضه مند البداية غامضا , و في ذلك الوقت بدا سليما معافى , ثم – فجأة – أصابته نوبة معوية مع ألم و تقيؤ , لكن طبيبه بدا راضيا عن حالته و لم أستطع أن أقول شيئا , بيد أني لم أملك نفسي من التفكير في حالته ثم . .

سكتت و احمر وجهها , و قال بوارو :

- حدث شيء أثار شكوكك ؟
- نعم

ثم سكتت و قد بدا أن الاستمرار صار صعبا عليها . .

- عرفت أن الخدم ينقلون كلاما أيضا . .
- عن مرض السيد تيمبلتون ؟
- آه ! كلا , بل عن هدا الشيء الآخر !
- السيدة تيمبلتون ؟
- نعم
- ربما مع السيدة تيمبلتون مع الطبيب ؟

كان بوارو ذا حاسة خارقة في هده الأمور . . . ألقت الممرضة عليه نظرت شكر و أكملت :

- كانوا ينقلون كلاما , ثم ذات يوم رأيتهما بعيني في الحديقة . .

توقفت المسألة هكذا ,لقد كانت زبونتنا في كرب شديد لأنها انتهكت الحشمة , فلم نسألها مادا رأت حياء , لكنها حتما قد رأت ما فيه برهان

- النوبة ساءت و ساءت , الدكتور تريفز زعم أن كل مايصيب العجوز طبيعي متوقع و أنه ربما لا يعيش طويلا , لكنني لم أر شيئا من هدا أبدا من قبل طوال خبيرتي في التمريض , بل بدا لي أنه شكلا من . .

أطرقت مرة أخرى و هي مترددة , فتدخل بوارو مساعدا :

- التسمم الزرنيخي . .

هوت رأسها موافقة

- و المريض قال بعد ذلك شيئا عجبا , قال (( سيقتلونني أربعتهم ! سيقتلونني ! ))
- ماذا ؟!
- كانت هذه هي كلمته يا سيد بوارو , كان يكابد ألما عظيما آنذاك و لا يعي – على الأغلب – ما يقول
- مذدا تظنين معنى قوله (( أربعتهم )) ؟
- لست أدري , لعله كان يقصد زوجته و ابنه و الطبيب و الآنسة كلارك صاحبة زوجته , ربما كان يتوهم أنهم جميعا متحدون عليه
- نعم , ربما . . و ماذا عن الطعام ؟ ألم تأخذي حذرك في شأنه ؟
- إنني دائما أفعل ما أستطيع لكن السيدة تيبلتون تلح أحيانا كي تطبخه هي بيدها , ثم أحيانا أكون في عطلة
- تماما , و أنت لست على يقين من الأمر كي تبلغي الشرطة

أظهر وجه الممرضة خوفها عند هدا السؤال . .

- أصابت السيد تيمبلتون نوبة بعد شربه صحنا من المرق , فأخذت حثالة المرق و أحضرتها معي , لقد ألغيت اليوم زيارة إلى أمي المريضة من أجله . .

أخرجت قنينة ملئت سائلا قاتما و أعطتها بوارو :

- أحسنت يا آنسة , سوف نحللها الآن , إذا رجعت بعد ساعة فنكون قد حسمنا شكوكك

و كتب بوارو اسمها و بعض المعلومات عن مؤهلاتها ثم سطر رسالة و بعثها مع قنينة المرقة , و بينما كنا ننتظر النتيجة كان بوارو يسلي نفسه بالتحقيق في أوراق الممرضة مما أدهشني , فقال :

- أنا أعمل جيدا يا صديقي كي أكون حذرا , لا تنس أن الأربعة الكبار يتعقبوننا

عرف بوارو أن اسمها مابل بالمر , كانت تعمل في مهد لارك , ترى لماذا أرسلت إلى تيمبلتون ؟ قال و عينيه تلمع :

- حسنا و الآن هاهي بالمر قد رجعت و هاهو بيان التحليل . .
- هل فيه زرنيخ يا سيد بوارو ؟
- لا !

دهشت أنا و الممرضة كثيرا , و أكمل بوارو :

- ليس فيه زرنيخ لكن فيه أنتيمون , سنذهب حالا إلى هيرتفوردشير , أدعو الله ألا نكون متأخرين

لقد قرر بوارو أن يقدم نفسه كرجل تحر , لكن حجته الظاهرة أنه أتى يسأل مدام تيمبلتون عن خادمة كانت تعمل عندها , و يزعم أن لها علاقة بسرقة الجواهر

وصلنا بيتهم المسمى (( إلمستيد ))في ساعة متأخرة , بعدما سمحنا للممرضة أن تسبقنا بعشرين دقيقة حتى لا تثار شكوك حول وصولنا سوية

السيدة تيمبلتون امرأة طويلة عبوس يبدو في عينيها القلق

استقبلتنا و لاحظت مسحة من الخوف سرت على وجهها عندما أعلن بوارو عن هويته . لكنها أجابت سؤاله في شأن الخادمة بجلد , ثم بدأ بوارو حديثه في تاريخ طويل لقضية تسميم وصفتها امرأة مذنبة , عيناه لم تغادر وجهها وهو يتحدث و قد حاولت هي كبت هيجانها الدي كان يزيد , ثم فجأة , أسرعت من الغرفة بعذر ضعيف . .

لم نترك وحدنا طويلا , فقد دخل علينا رجل قوي الجسم شاربه أحمر خفيف و على أنفه نظارة , قدم نفسه قائلا :

- دكتور تريفيز . طلبت مني مدام تيمبلتون أن أعتذر لكما فهي في حالة سيئة , إنها متوترة بسبب قلقها على زوجها و قد نصحت لها أن تذهب للنوم حالا , لكنها ترجوكما أن تبقيا ! لقد سمعت بك يا سيد بوارو و نريد أن ننتفع بحضورك . . ها هو ميكي . .

و دخل علينا فتى بطيئ الحركة , يدل وجهه المدور و حاجباه المرتفعان على حماقة و دهشة دائمة , ابتسم بصورة عجيبة وهو يصافحنا . يبدو أنه كان ذلك الابن (( بطيء التفكير )) !

و قمنا جميعا لوجبة العشاء , و عندما انصرف الدكتور ليأتي ببعض الطعام , صارت ملامح وجه الفتى متغيرة بصورة مخيفة : مال للأمام وهو يحدق ببوارو , و قال وهو يهز رأسه :

- أنت جئت من أجل أبي , أعرف . . أعرف أشياء كثيرة , لكن لا أحد يظنني أعرف , أمي ستفرح حين يموت أبي , وتستطيع أن تتزوج الدكتور تريفيز , إنها ليست أمي . . إني لا أحبها

كان كل شيء مرعبا , و من حسن الحظ أن عاد الدكتور تريفيز قبل أن يلفظ بوارو كلمة معه , و كان علينا أن ننشغل بحديث آخر

و فجأة أسند بوارو ظهره إلى الكرسي و جعل يتأوه ووجهه يتلوى من الألم . . صرخ الدكتور :

- سيدي العزيز , ماذا أصابك ؟
- تشنج مفاجئ . . إنني معتاد عليه . لا , لا أحتاج إلى مساعدة منك يا دكتور , هل يمكن أن أستريح في الطابق الأعلى ؟

قبل طلبه فورا و صحبته إلى الأعلى حيث سقط على سريره و هو يئن بشدة , لقد ذهلت قليلا لكني فهمت بسرعة أن بوارو كان يمثل و أن غايته أن يترك وحده في الطابق الأعلى بجوار غرفة المريض , و لقد كنت مستعدا حين قفز واقفا في اللحظة التي كنا وحدنا :

- أسرع يا هيستنغز , الشباك . . . اللبلاب هناك في الخارج , نستطيع أن ننزلق عليه إلى الأسفل لنهرب قبل أن يشكوا في غيابنا !
- ننزل إلى أسفل ؟
- أجل , لا بد أن نخرج من هنا حالا , هل رأيته في العشاء ؟
- الطبيب ؟
- لا , تيمبلتون الفتى , عادته العجيبة في الخبز ! ألا تذكر ما قالته مونرو لنا ؟ قالت بأن كلود داريل كان فيه عادة تفتيت الخبز على الطاولة ليأكل لب الرغيف , إنها مؤامرة محكمة يا هيستنغز , و هذا الفتى المعتوه هو عدونا الخبيث . . رقم ((4)) . . . أسرع !

انزلقنا على نبات اللبلاب و نزلنا بسكون و بالكاد أدركنا قطار الساعة 8,34 الأخير الذي أوصلنا إلى البلدة في الساعة الحادية عشرة مساء

قال بوارو متأملا : مؤامرة ! ترى كم واحدا منهم شارك فيها ؟ أشك في أن أسرة تيمبلتون جميعا ليسوا سوا عملاء للأربعة الكبار , هل أرادوا هكذا بسهولة أن نقع في شركهم أم أنها كانت أكثر مكرا ؟ هل كانوا . . ماذا ؟ إنني أتساءل !

ظل يفكر كثيرا . .

و عندما وصلنا إلى مسكننا أبقاني عند باب غرفة الجلوس :

- تنبه يا هيستنغز , عندي شكوك , دعني أدخل أولا . .

دخل , ثم دهب حول الغرفة كأنه قطة غريبة بحذر و هدوء تام , و راقبته قليلا و أنا في مكاني جانب الحائط , قلت و قد نفذ صبري :

- كل شيء على ما يرام يا بوارو
- عسى أنه كذلك لكن دعنا نتأكد
- سأشعل نارا و أدخن بغليوني . . هاهي أعواد الثقاب قد تركتها أنت هذه المرة و لم تعدها إلى مكانها , و هو الأمر الذي كنت تعيبه علي

مددت يدي , فسمعت صرخة بوارو , قفز نحوي , لمست يدي علبة الكبريت . . ثم . . وميض من اللهب الأزرق . . ضربة على الأذن , و ظلام !

وعيت لأجد صديقنا الدكتور ريدغوي يجثو على ركبتيه فوقي تلمح في وجهه الطمأنينة , قال :

- كن هادئا , لقد وقع حادث , أنت بخير
- و بوارو ؟
- أنت في بيتي اطمئن

شعرت خيفة , هروبه من الجواب ألقى في نفسي خوفا رهيبا . .

- بوارو ؟ أين بوارو ؟

أدرك أن علي أن أسمع جوبا فقال :

- لقد نجوت بمعجزة , أما بوارو فلم ينج

انفجرت صرخة من بين شفتي :

- لم يمت ؟ لم يمت ؟

حنى ريدغوي رأسه . . و جلست أنا و قلت بضعف :

- ربما يكون بوارو قد مات . . لكن روحه . . ستعيش ! سأتابع عمله , الموت للأربعة الكبار ! ثم سقطت على ظهري فاقدا الوعي


الفصل السادس عشر


لا أحتمل الكتابة عن تلك الأيام التي حدثت من شهر آذار . . بوارو مات ! لقد كان في علبة الكبريت لمسة شيطانية , كان محتما أن تفلت أعوادها غير المرتبة اهتمامه فيسرع لكي ينسق أعوادها المبعثرة , و هكذا سببت اللمسة الانفجار !

الحق أنني أنا الذي عجلت في الكارثة , و هدا ملأني ندما لا ينفع و لا يدفع !

قال الدكتور ريدغوي بأن نجاتي كانت معجزة , لكن ارتجاجا طفيفا أصابني , و بعد أن استرجعت وعيي مشيت مترنحا إلى الغرفة المجاورة قبل حلول ظلام اليوم الذي تبع الحادث , و رأيت بحزن عميق تابوتا من خشب الدردار ترقد فيه بقايا واحد من أروع الرجال الذين عرفتهم !

و منذ أول لحظة عاد فيها وعيي كان عندي هدف واحد . .الانتقام لموت بوارو و أن أصيد الأربعة الكبار بلا رحمة . . و ظننت أن الدكتور ريدغوي يفكر مثلي , و لكن الطبيب الطيب بدا فاترا و لم أدر لماذا ؟ . . (( عد إلى أمريكا الجنوبية )) , هكذا ظل ينصحني . . لماذا ؟ لقد قال بأن بوارو الخارق قد فشل فهل أنجح أنا ؟

لكنني أصررت و تجاهلت كل تشكيك في قدراتي . . لقد عملت مع بوارو طويلا فعرفت منه أسلوبه , و شعرت بالقدرة التامة على متابعة العمل الذي رسمه . . لقد قتل صديقي قتلة قاسية , فهل علي أن أؤوب إلى أمريكا دون جهد لإحضار قتلته أمام العدالة ؟

قلت هذا كله و أكثر منه لريدغوي الذي كان ينصت لي قبل أن يعلق قائلا :

- مهما يكن فإني أنصحك , و لو كان بوارو نفسه بيننا لكان ألح عليك بالعودة , أتوسل إليك باسمه يا هيستنغز أن تترك هذه الفكرة المتهور و ترجع إلى مزرعتك !

و ما زلت على جوابي فلم يقل شيئا و هز رأسه بأسف !

و مضى شهر استعدت فيه عافيتي و عند نهاية شهر نيسان سعيت و عقدت لقاء مع وزير الداخلية فكان رأي السيد كراوثر يذكرني بكلام الدكتور ريدغوي , ففي حين كان يشكر لي كان يرفض عرضي بلطف و حذر , أوراق بوارو صارت في حوزته و قد أكد لي بأنه سيتخذ كل عمل جائز لمواجهة الخطر الذي يدنو و يقترب

و مع هذا العزاء البارد حملت على الاقتناع , أنهى السيد كراوثر اللقاء بأن ألح علي أن أعود إلى أمريكا . . لقد رأيت كل المسألة لا ترضيني . . و الآن يجب أن أصف جنازة بوارو

كان احتفالا وقورا مهيبا و كلمات الإجلال التي قيلت كانت فخمة جزيلة , لقد جاء المعزون من أماكن شتى و توافدوا إلى المكان الذي اختاره صديقي لنفسه . . بلد إقامته ! لقد غلبني الحزن و أنا أقف عند جانب المقبرة و ذكرت جميع تجاربنا المختلفة و الأيام السعيدة التي عشناها معا

في بداية شهر أيار رسمت خطة الحملة : لن أفعل خيرا من اتباع خطة بوارو في الإعلان من أجل جذب كلود داريل , و نشرت إعلانا في عدد من الصحف الصباحية , و كنت أجلس في مطعم صغير في سوهو و أرى تأثير الإعلان من خلال قراءتي للصحف

فجأة صدمتني فقرة صغير صدمة عنيفة . . (( اختفى السيد جون إنغليز من السفينة (( شنغهاي )) بعد مغادرتها ميناء مرسيليا بقليل , و رغم أن الجو كان هادئا تماما لكن يخشى أن الرجل المسكين قد سقط من السفينة )) , و انتهت الفقرة بحديث مقتضب حول خدمة السيد إنغليز الطويلة و المميزة في الصين

كان الخبر غير سار , أدركت أن وراء مقتل إنغليز دافعا شريرا , لم أصدق أبدا النظرية القائلة بأنه مات بحادث , قطعا كان موته من فعل الأربعة الكبار الملعونين !

و بينما كنت مذهولا من المصيبة أقلب المسألة كلها في دماغي داخلني خوف من سلوك الرجل الجالس مقابلتي و لم أكن قد أعرته كبير اهتمام . كان نحيفا أسمر متوسط العمر شاحب البشرة ذا لحية خفيفة , جلس مقابلي بهدوء تام حتى أنني لم أحس بقعوده , لكنه الآن صار يفعل فعلا غريبا قطعا : مال إلى الأمام و نثر عمدا أربع كومات من الملح حول حافة صحني , قال بصوت كثيب :

- اسمح لي : إنهم يقولون أن تقديم الملح هو نوع من المواساة للغريب , أرجو أن تكون فهمت . .

صنع – في دلالة مؤكدة – عند صحنه ما فعله لي , إن الرمز ((4)) كان واضحا !

نظرت إليه بإمعان , لم أستطع أن أرى أنه يشبه تيمبلتون الصغير و لا جيمس الخادم أو أيا كان من الشخصيات الأخرى المختلفة التي صادفتنا , لكنني كنت جازما بأنني أواجه رقم (( 4)) المروع نفسه , الصوت كان فيه شبه ضعيف من صوت الرجل الغريب ذي المعطف المزرر الذي زارنا في باريس

نظرت حولي مترددا حول رد فعلي المناسب , و بدا أنه يقرأ أفكاري , تبسم وهز رأسه بلطف و قال :

- لا أنصحك بهذا , تذكر ما حدث من العجلة في باريس , طريق هروبي مفتوحة تماما , أنت تضمر الشر قليلا يا كابتن هيستنغز . .

قلت و أنا أختنق من الغضب :

- تبا أيها الشيطان !
- غضبان . . أنت تافه غضبان , لا بد أن صاحبك الراحل أخبرك بأن الرجل الذي يظل هادئا يجني دائما منفعة عظيمة . .

صحت فيه :

- تجرؤ أن تتكلم عن الرجل الذي قتلته بتلك الطريقة القذرة . . .

قاطعني قائلا :

- جئت هنا من أجل هدف سلمي , لكي أنصحك أن تعود إلى أمريكا الجنوبية فورا , إن فعلت ذلك فستنتهي المسألة بقد ما يعني ذلك للأربعة الكبار و لن نؤذيك أنت و لا زوجتك , أعدك بذلك

ضحكت بازدراء :

- و إذا رفضت ؟
- هذا ليس أمرا , دعنا نقل بأنه . . تحذير , التحذير الأول , أنصحك أن لا تضيعه . .

ثم نهض و انسل خارجا بسرعة نحو الباب قبل أن أقدر نيته , لحقته لكن حظي كان تعيسا , فقد اصطدمت برجل بدين سد الطريق , و لما فككت نفسي منه كان طريدي يجتاز مدخل الباب , و قابلني نادل يحمل كومة كبيرة من الصحون صدمني أيضا دون إشعار , و ما إن وصلت الباب حتى كان الرجل قد اختفى !

كان اعتذار النادل سمجا , و الرجل البدين جلس بهدوء على طاولة و طلب غذاء , ربما كان كلا الحادثين مصادفة , لكنني كنت أعرف جيدا أن عيون الأربعة الكبار في كل مكان !

لقد شدني تحذير الرجل , لكنني سأعمل أو أموت من أجل قضية صالحة

و لم إجابات مفيدة عن الإعلانات , إنما وردتني إجابتان من ممثلين عملا مع داريل قليلا و لم يكونا يعرفانه عن قرب و لم يذكرا هويته أو مكانه !

مرت عشرة أيام و لم تظهر علامة أخرى من الأربعة الكبار , و كنت أقطع هايد بارك و أنا حيران أفكر , ناداني صوت امرأة جاهر , يبدو أنها أجنبية . .

- أنت كابتن هيستنغز , أليس كذلك ؟

توقفت سيارة أجرة فاخرة جنب الرصيف , و أطلت منها امرأة تلبس ثوبا أسود و عقدا من اللؤلؤ رائعا . . عرفتها : الكونتيسة فيرا روساكوف . . جندية الأربعة الكبار !

كان لبوارو ولع خفي بالكونتيسة , شيء ما فيها جذب الصغير , كان في لحظات الحماس يقول بأنها امرأة تساوي ألفا من النساء ولو كانت تعمل ضدنا . .

روساكوف : آه , لا تعبر الشارع , عندي شيء هام جدا و أريد أن تسمعه , و إياك أن تسعى إلى اعتقالي لأن ذلك سيكون غباء منك , أنت غبي لأنك عازم ألا تطيع تحذيرنا , و هذا هو تحذيرنا الثاني جاءك معي : (( غادر إنكلترا في الحال , قعودك لا يفيد , لن تجني شيئا هنا أبدا ))

- كلكم مهتمون بإخراجي من البلد , عجبا !

هزت روساكوف رأسها استهجانا . .

- أنا أظن أنك أحمق , كنت سأتركك هنا تعمل بسعادة , لكن الرؤساء يخافون كلمة منك ربما تساعد أولئك الذين هم أكثر ذكاء منك . .

كظمت غيظي , كلمتها هذه أزعجتني لأن فيها إشارة استخفاف بي . قالت :

- هذا ما سوف يكون , من السهل أن ينفوك , لكنني أشفق على الناس أحيانا , إنني أناشدك , إن لك زوجة صغيرة حسناء في مكان ما , أليس كذلك ؟ و لسوف يسعد الرجل الصغير في قبره أنك لم تمت , لقد كان يعجبني , كان ذكيا ! لو لم تكن قضية أربعة مقابل واحد لعظمناه كثيرا . . لقد كان بوارو أستاذي , لقد أرسلت إكليلا إلى الجنازة إعلانا بإعجابي , إكليلا كبيرا من الورود القرمزية التي أحبها

استمعت إليها في صمت و حقد و ما زالت تتكلم :

- أنت كالبغل , حين يحرك أذنيه و يرفس , حسنا , فقد أبلغتك تحذيري فتذكر , الإنذار الثالث سيأتي من يد المدمر . .

و أشارت إلى السائق فانطلقت السيارة , لاحظت رقمها لكن لا أرجو أملا من هذا ؛ الأربعة الكبار لا يتركون هذه التفصيلات

ذهبت إلى البيت هادئا قليلا , لقد عرفت من السيل الجارف نم كلماتها حقيقة واحدة : حياتي في خطر ! لا , لن أتخلى , بل أمضي بحذر شديد و أحترس . .

و بينما أنا أعرض كل هذه الحقائق و أدرس خير طريقة للعمل رن الهاتف :

- نعم .. مرحبا .. من يتكلم ؟
- مستشفى سانت جيلز , عندنا رجل صيني طعن بالسكين و أحضر إلينا , لن يعيش طويلا , لتصلنا بك لأننا وجدنا في جيبه قصاصة ورق عليها اسمك و عنوانك . .
- سأحضر فورا

كنت مذهولا !

مستشفى سات جيلز بجانب أحواض السفن , إذن فلعل الصيني يكون قد خرج لتوه من سفينة . . أم أن الأمر كله فخ ؟ مهما يكن فربما يكون لشانغ ين يد فيما يجري ! لن تضرني زيارة المستشفى , عسى أن يبوح لي الصيني المحتضر بشيء أستنير به , لكنني سأتكلف الحماقة و أنا – في الواقع – يقظان

وصلت المستشفى , و بعد أن عرفت بنفسي قادتني بعض الممرضات فورا إلى جناح الحوادث

رأيت الصيني راقدا بدون حركة , جفناه مغمضان و صدره ينبض نبضا ضعيفا يدل أنه مازال يتنفس . وقف عنده الطبيب و أصابعه تجس النبض , همس :

- كأنه ميت , هل تعرفه ؟
- لا , لم أره من قبل أبدا
- إذن ما شأن اسمك و عنوانك في جيبه ؟ أنت كابتن هيستنغز , أليس كذلك ؟
- بلى , و لكنني لا أدري . .
- عجبا ! أوراقه تثبت أنه كان خادما عند رجل يدعى إنغليز , موظف مدني مسرح , و أنت تعرفه , أليس كذلك ؟
- لقد رأيت خادم إنغليز من قبل لكني لا أستطيع أن أميز صينيا عن آخر , لابد أنه كان مع إنغليز في طريقه إلى الصين و بعد حصول الكارثة رجع هنا برسالة قد تكون خاصة بي , يجب أن أسمع الرسالة .. سألت الطبيب :

- هل هو في وعيه ؟ ألا يستطيع الكلام ؟ السيد إنغليز كان صديقي القديم و لعل هذا المسكين قد أحضر لي رسالة منه , إذ يعتقد أن السيد إنغليز قد اختفى عن ظهر سفين قبل عشرة أيام . .

- إنه واع لكن ربما لا يستطيع النطق , فقد دما كثيرا , أستطيع أن أعطيه حقنة منشطة لكننا عملنا كل ما بوسعنا

و حقنه الطبيب بإبرة تحت الجلد و بقيت عنده راجيا أن يتكلم كلمة واحدة أو إشارة ربما تكون هامة عندي , ولكن الدقائق مرت و لم يتحرك

و فجأة , خطرت ببالي فكرة مقلقة . .

ألم أكن قد وقعت في فخ ؟ فليكن هذا الرجل انتحل شخصية خادم إنغليز و أنه في الحقيقة جندي للأربعة الكبار , ألم أقرأ مرة أن كهنة في الصين يقدرون أن يتظاهروا بالموت ؟ أو أبعد من ذلك : لعل لي شانغ ين قد أمر جماعة من جنوده الذين يحبون أن يتظاهروا بذلك . . لا بد أن أحذر . .

في اللحظة هذه تحرك الرجل في سريره , فتح عينيه , همس كلاما و عينه علي , لم يقم بأي حركة تدل أنه عرفني , و لكني أدركت حالا أنه يريد أن يكلمني , وسواء كان صديقا أو عدوا , ينبغي أن أستمع إليه

انحنيت فوق السرير لكنني لم أفهم شيئا من صوته المتهدج , سمعت كلمة (( هاند )) و لم أفهمها , ثم سمعت كلمة أخرى (( لارغو )) , حدقت إليه بذهول و سألته :

- (( هاندلز لارغو )) ؟

طرف أجفانه بسرعة كأنه وافق , ثم أضاف كلمة إيطالية :

- (( كاروزا )) ؟

ثم تراجع فجأة . دفعني الطبيب جانبا , كان كل شيء قد انتهى , فالرجل قد مات !

خرجت مرة أخرى إلى الهواء و أنا في حيرة . . إذا كنت أذكر (( كاروزا )) بشكل جيد فمعناها باص . . ماذا وراء هذه الكلمات القليلة ؟ الرجل صيني و ليس إيطاليا فلماذا يتكلم الإيطالية ؟ فإن يكن هذا خادم إنغليز فلا بد أن يعرف الإنكليزية . . الأمر عجيب , يا ليت بوارو عندي لكي يحل هذه المشكلة !

و دخلت بعد أن فتحت الباب و صعدت ببطء إلى غرفتي , فوجدت على الطاولة رسالة , فتحتها فتحجرت في مكاني في الحال , كان بلاغا من شكرة المحامين , الرسالة تقول :

(( سيدي العزيز ,

حسب وصية موكلنا السيد هيركيول بوارو نرسل إليك هذه الرسالة المرفقة التي وصلتنا قبل اسبوع من وفاته و فيها أنه يجب علينا أن نرسلها إليك في تاريخ معين بعد وفاته . .

المخلص . . .))

قلبت الرسالة المرفقة مرة تلو الأخرى , حتما هي من بوارو , أنا أعرف كتابته , و بقلب مثقل و لهفة فتحتها . . .

(( صديقي العزيز المحب ,
لن أكون موجودا لدى استلامك هذه الرسالة لا تأسف علي و لكن اتبع أوامري :
عند استلامك هذه الرسالة عد إلى أمريكا الجنوبية فورا , لا تكن عنيدا , إنني لا أناشدك أن تنجز هذه الرحلة من أجل العاطفة , بل إنها ضرورية , جزء من خطة بوارو , و لعلك فهمت يا صديقي الذكي . .
. . فليسقط الأربعة الكبار !
هيركيول بوارو )) .


قرأت هذا البلاغ مرارا , شيء واحد كان واضحا : لقد أعد الرجل المذهل لكل وجه حتى أن موته لم يضرب تسلسل خطته : أنا العضو المنفذ وهو العقل المدبر , أعدائي سوف يحسبون أني أطعت تحذيرهم فلا ينشغلون بي , و أعود دون اشتباه و أدمرهم . .

وأرسلت برقية و حجزت على السفينة (( أنزونيا )) في طريقي إلى بيونس آيرس , و بعد أن غادرت السفينة مرفأها أحضر لي المضيف رسالة أخذها من رجل ضخم يلبس معطف فرو غادر السفينة قبل أن ترفع ألواح المعابر الخشبية , فتحتها . . كان فيها كلمتان :
أنت حكيم .
رقم {{4}}

و ضحكت في نفسي

البحر كان هادئا , واستمتعت بعشاء حسن , و رأيت – مثل سائر زملائي المسافرين – أن ألعب مباراة أو اثنتين في البريدج , ثم عدت ونمت كالقتيل , و هذا حالي كلما ركبت سفينة

و صحوت من إحساسي بأنني كنت أهتز مرارا , رأيت – و أنا مذهول – قبطانا يقف فوقي

- شكرا لله ! صحوت أخيرا ؟ هل تنام دائما في هذه الهيئة ؟
- ماذا في الأمر ؟ هل أصاب السفينة شيء ؟
- ظننت أنك تعرف . . إنها أوامر قيادة البحرية , مدمرة تنتظرك لتأخذك معها
- ماذا؟ في وسط المحيط ؟
- ليس هذا شأني , لقد أرسلوا إلى السفينة شابا يحل محلك , و قد أقسمنا جميعا على السرية . هلا نهضت و لبست ثيابك ؟

فعلت ما طلب مني و أنا عاجز عن كتمان عجبي

تم إنزال قارب و حملت على ظهر مدمرة , و استقبلوني بترحيب لكني لم أفهم شيئا , كانت أوامر القائد أن أنزل في بقعة ما على الساحل البلجيكي , هناك تنتهي معرفته و مسؤوليته

كل شيء كان كالحلم , لكن ما استقر في قلبي أن هذا لا بد أن يكون جزءا من خطة بوارو , ينبغي أن أسير كالأعمى واثقا من صديقي الذي مات !

هبطت في نقطة ما , كانت هناك سيارة تنتظرني , و في الحال عبرنا سهول فليميش المنبسطة , و نمت في تلك الليلة في فندق صغير في بروكسيل , و واصلنا المسير في اليوم التالي , و دخلنا الغابات و الجبال , و عرفت أننا على جبال الأردنيز . . و فجأة تذركت أن لبوارو أخا يعيش في منتجع , لكننا لم نذهب إليه

تركنا الطريق الرئيسي و عرجنا ناحية الهضاب في مكان ما منعزل حتى وصلنا إلى قرية صغيرة فيها دار منعزلة , وقفت السيارة أمام بابها الأخضر . .

نزلت من السيارة , كان على مدخل الباب عجوز ينحني لي , قال بالفرنسية :

- كابتن هيستنغز ؟ أرجوك اتبعني

و سار أمامنا عابرا القاعة , و فتح في نهايتها بابا كبيرا على مصراعيه , ووقف جانبا لكي يسمح لي بالدخول . .

طرفت عيناي قليلا لأن الغرفة كانت من جهة الغرب و كانت شمس الأصيل تخترق الغرفة , ثم فتحت عيني و رأيت رجلا يمد يده إلي . . كان ذلك الرجل . . آه ! مستحيل . . كيف ؟ لكن , نعم . . صحت : بوارو !

و لم أحاول التهرب من العناق الذي غمرني به

- نعم , نعم , ليس سهلا قتل بوارو . .
- ولكن , بوارو . . لماذا ؟
- الحرب يا صديقي خدعة , كل شيء الآن جاهز لانقلابنا الكبير !
- لماذا لم تخبرني ؟
- لا يا هيستنغز , لم أتمكن ؛ لأنك ما كان يمكن أن تمثل دورك في جنازتي عندئذ بالاتقان الذي سارت عليه الأمور
- لكن الذي كنت سأكشفه . .
- لقد رسمت خطة من أجلك, بعد الانفجار خطرت لي فكرة لامعة و ساعدني على تنفيذها ريدغوي الطيب فيها : أنا ميت و أنت ستعود إلى أمريكا الجنوبية , لكن هذا يا صديقي مالم تكن لتفعله , فكان علي في نهاية المسألة أن أدبر مسألة رسالة المحامي , لكن , على كل حال ها أنت هنا , ذاك هو الشيء العظيم , و الآن نحن نستلقي هنا بعيدين حتى تأتي خطة الانقلاب الكبير الأخير . . الإطاحة بالأربعة الكبار !

الكاتب: qassimy انقر هنا لمراسلة qassimy أنقر هنا للإنتقال إلى موقع qassimy إضافة للمفضلة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات القصة :  ارسل القصة لصديقك   طباعة القصة   حفظ القصة كملف Word   حفظ القصة كملف PDF



 

مكتبة الصور

مكتبة الصوتيات

مكتبة البطاقات

مكتبة الأخبار

مكتبة الفيديو

مكتبة الفلاشيات

مكتبة الجوال ألعاب الجوال نغمات الحمية والرجيم موسوعة الاعشاب تطوير الذات
ديوان الشعر عالم الجنس عالم المرأة الأذكار شرح البرامج

قنوات فضائية

الأدعية الصحيحة المنتديات مكتبة القصص موسوعة الطبخ

مجلة قصيمي نت

موسوعة الكتب