منتدى السواليف والضحك

العاب يوتيوب تلفزيون الحوادث والجريمة منتدى قصة وقصيدة منتدى القصص والروايات

 

العاب بنات

يوتيوب

قناة بث مباشر

games

 


قصص » قصص وروايات عالمية » الأربعة الكبار .......... من روائع اجاثا كريستي (2)

 الأربعة الكبار .......... من روائع اجاثا كريستي (2)  أضيف في: 6-8-1428هـ

الفصل الخامس

عندما برأ المحلفون روبرت غرانت صاحب السجل المنحول لبيغز من جريمة قتل جوناثان والي كان ذلك مخالفة لظنون المفتش ميدوز الذي لم يكن قانعا ببراءته , فهو صاحب سجل إجرامي , و التماثيل وجدت في حقيبته , و حذاءه جاء مطابقا للآثار التي خلفتها قدما الجاني , كل هذا في الحقيقة يدعو إلى قلق المفتش الكبير

لكن بوارو استطاع إقناع هيئة المحلفين بعد أن فرض بقوة شهادته ضد رغبة المفتش , فقد قدم شاهدين رأيا عربة الجزار و هي تسير نحو بيت البنغالو صباح ذاك الاثنين الذي تمت فيه الجريمة , و عند استجواب الجزار اعترف أن عربته تذهب هناك يومي الأربعاء و الجمعة فقط

و اعترفت إحدى نساء القرية أنها رأت الرجل الجزار و هو يغادر البنغالو , و هي لم تستطع أن تقدم وصفا مفيدا له, لكنها ما زالت تذكر شيئا قد علق في ذهنها :أنه رجل أوسط الطول حليق اللحية أشبه بالجزار تماما

قال بوارو لي بعد المحكمة :
- تماما كما أخبرتك يا هيستنغز , أن هذا الرجل فنان لا يخفي شخصيته بلحية مزيفة و نظارة سوداء فحسب , فهذا أقل دور يتبعه الرجل المحترف , بل يستطيع أن يعيش متقمصا دوره بإتقان و عناية

أجد في نفسي رغبة أن أعترف أن الرجل الذي زارنا من هانويل استطاع خداعي , لقد بدا ظاهره يليق تماما بوظيفة قيم المصحة العقلية , لم يخطر ببالي ذرة من الشك في صدق شخصيته

كان كل شيء يثير الشك , لكن خبرتنا الضئيلة في دارتمور لم تسعفنا بتاتا , حاولت أن أجادل بوارو و لكنه لم يكن يعترف أننا لم نكتسب شيئا البتة و قال :
- نحن نتقدم يوما فيوم ,كلما تماسسنا مع هذا الرجل تعلمنا شيئا جديدا عن أسلوبه و تفكيره و هو لا يعرف عنا و لا عن خطتنا شيئا

قلت أعارضه :
- صراحة لا يبدو أن عندك خطة , كل ما في الأمر انك تجلس تنتظره أن يفعل هو شيئا ..

تبسم بوارو ابتسامة فيها سخرية ثم قال :
- يا صديقي , أنت كما أنت, لن تتغير يا هيستنغز .. - و سمع طرقا على الباب - .. ربما تكون هي فرصتك , لعله صاحبنا المنتظر !

ضحك بوارو من خيبتي عندما دخل المفتش جاب و معه رجل , قال المفتش :
- مساء الخير يا سيد بوارو , اسمح لي أن أعرفك الكابتن كنت رجل الاستخبارات السرية الأمريكية

كان الكابتن كنت رجلا طويلا نحيفا , له وجه ذو ملامح جامدة كأنه نحت من الخشب , قال و هو يصافحنا بقوة :
- تسرني رؤيتكما أيها السيدان

أضاف بوارو قليلا من الحطب في الموقد المشتعل و جلب كراسي أخرى أكثر راحة و ذهبت أنا أحضر عصير البرتقال ..
قال الكابتن بعد أن رشف رشفة عميقة من العصير البارد :
- القانون عندكم ميزته الثبات , فهو لم يتغير منذ فترة طويلة

قال جاب : و الآن إلى العمل أيها السادة , لقد طلب مني السيد بوارو أن أخبره – في أي وقت – إذا ذكر اسم الأربعة الكبار في عملي الرسمي , و لم أهتم كثيرا بهذا , لكنني ذكرت حين جاءني الكابتن كنت و قص علي قصة غامضة تثير التساؤل فقررت عندها أن نأتي سريعا إلى بيت بوارو

نظر بوارو إلى الكابتن الأمريكي بإمعان عندما بدأ يسرد القصة :
- لعلك تتذكر يا سيد بوارو أن عددا من المدمرات و قوارب الطوربيد غرقت في البحر اثر اندفاعها الغريب ناحية الساحل الصخري على شواطئ أمريكا , و كان ذلك عقب الزلزال الياباني تماما كان التأويل العام لتلك الحادثة يومئذ أنها كانت نتيجة لموجة بحرية شديدة أعقبت ذاك الزلزال الرهيب , و لكن قبل و قت قصير اعتقلت شرذمة من المحتالين و القراصنة , و ضبط في حوزتهم بعض الوثائق التي أدت إلى فتح ملف القضية مرة أخرى و أخذت المسألة بعدا أخر أظهر أن الوثائق تخص منظمة مخفية تدعى ((الأربعة الكبار ))

لقد احتوت تلك الوثائق وصفا غير واف لبعض المنشآت اللاسلكية التي تعمل من أجل تركيز قوة مغناطيسية هائلة على بعد مسافة معينة أبعد من أي مسافة معينة أبعد من أي مسافة بلغتها , و هي قادرة على تركيز إشارة لاسلكية ذات تردد عال فوق منطقة ما , لقد بدت هذه المزاعم حول إنجاز كهذا أقرب إلى الخيال , لكنني حولتها إلى القيادة من أجل الاطلاع و الدراسة , ثم تولى الأمر عالم أمريكي كبير لدراسته و كشف حقيقته

الجدير بالذكر أن أحد علمائكم الإنكليز أنجز بحثا في هذا الأمر أمام الجمعية البريطانية , و لم يقدر زملاؤه خطر هذا الأمر حق التقدير , و كانوا جميعا على رأي واحد : أن هذا خيال حتما

لكن هذا العالم ظل عرضة للهجوم و الملاحقة لا سيما حين أعلن أنه يوشك أ ينجح

بوارو – باهتمام بالغ - : حسنا , أكمل يا كابتن ..

- أشير علي أن أزور إنكلترا من أجل مقابلة هذا الرجل العالم – و اسمه هاليدي – صاحب الخبرة الغزيرة في هذا الشأن من أجل أن أعلم كيف يمكنه أن ينفذ نظريته

سألته بلهفة : و هل تم ذلك ؟
- كلا لم أستطع رؤية الخبير هاليدي اختفى في ظرف غامض
- متى ؟
- قبل شهرين
- هل أبلغتم الشرطة ؟
- حتما لقد أقبلت زوجته علينا و هي في اضطراب و قلق شديد , و حاولنا أن نبذل كل ما في طاقتنا لكنني كنت أعلم أن ذلك عديم الجدوى
- عديم الجدوى ؟ لماذا ؟

طرقت عينا جاب قبل أن يتكلم :
- عديم الجدوى إذا اختفى رجل هكذا بهذه الطريقة
- أية طريقة ؟
- إنها باريس !
- هاليدي إذن اختفى في باريس ؟
- أجل ذهب إليها في مهمة علمية , هكذا أخبر زوجته . لكننا نفهم معنى اختفاء رجل في باريس , فإما أن يكون اعترضه قاطع طريق فانتهى أمره , أو انه اختفى بإرادته هو , و هذا يبدو أرجح : رجل مولع بالملذات الباريسية , سئم الحياة في وطنه ؛ لأن هاليدي قد تنازع مع زوجته قبل سفره و هذا وضح الحكاية

قال بوارو و على وجهه علامة الاستنكار :
- هذا شيء عجيب !

كان الرجل الأمريكي ينظر إلى بوارو بشيء من الفضل ثم تكلف في لهجته و هو يطرح سؤاله :
- هل لك يا سيدي أن تخبرنا من هم الأربعة الكبار ؟
- الأربعة الكبار منظمة دولية زعيمها صيني يدعى رقم ((1)) أما رقم ((2)) فهو رجل أمريكي ثري , رقم ((3)) امرأة فرنسية , رقم ((4))المدمر , رجل إنكليزي

صفر كنت عجبا و قال :
- امرأة فرنسية و هاليدي قد اختفى في فرنسا ! ربما كان بينهما علاقة , ما اسمها ؟
- لا أدري , إني لا أعرف عنها شيئا
- لكنها نظرة جديرة بالملاحظة , أليس كذلك ؟

هز بوارو رأسه موافقا و يده تمتد إلى الطاولة الصغيرة تصف كؤوس العصير , تلك هي عادته : يحب النظام و التنسيق ! و قال كنت :
- هل الأربعة الكبار من عمل الألمان ؟ وهل لهذه المنظمة علاقة بغرق الزوارق ؟
- الأربعة الكبار يعملون من أنفسهم و من أجل مصالحهم فقط أيها الكابتن , هدفهم هو الهيمنة على العالم

انفجر الأمريكي بضحكة صاخبة لكنه قطعها حين لمحت عيناه وجه بوارو صارما جادا , و قال بوارو بتهكم و سخرية :
- أنت تضحك يا سيد , أنت لا تفكر , أنت لا تستعمل خلايا دماغك الرمادية

قال جاب : و الآن بعدما سمعت قصة الكابتن هل أستطيع خدمتك بشيء ؟
- نعم , أريد عنوان السيدة هاليدي و تعريفا موجزا لها إن سمحت

في صباح اليوم التالي كنا نحث الخطى إلى شيت ويندلودج قرب قرية شوبهام , حيث كان في استقبالنا السيدة هاليدي فورا , كانت امرأة طويلة شقراء , حادة المزاج و الحركة , معها طفلتها الصغيرة الجميلة في الخامسة من عمرها . سمى بوارو نفسه و أوضح سبب الزيارة ..


- ها ! سيد بوارو , كم يسعدني مقدمك! أشكرك أشكرك , لقد سمعت عنك كثيرا , فأنت تختلف كثيرا عن رجال سكوتلانديارد هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون الحقيقة , و الشرطةالفرنسية و هم أسوأ , كلهم مقتنعون أن زوجي قد هم زوجي هو عمله المخبري , نصف شجارنا كان من أجل ذلك , فهو يحفل بعمله و لا يحفل بي !

بوارو – بهدوء - : هم كذلك الرجال الإنكليز : انشغال في العمل أو الرياضة , انهم يحملون الأمور بجد كبير ! و الآن يا مدام هلا سردت علي القصة بشيء من التفصيل و الدقة و بما رأيت و سمعت قدر استطاعتك و ظروف الاختفاء إذا أمكنك ذلك ؟

- زوجي ذهب إلى باريس يوم الخميس 20/7 , كان يريد مقابلة رجال كثر لهم صلة بعمله و زيارتهم , و منهم مدام أوليفير ..

هز بوارو رأسه لما سمع اسم الكيمياوية الفرنسية الشهيرة التي فاقت شهرتها العملية شهرة مدام كوري بما أنجزت بذكاء , لقد قلدتها الحكومة الفرنسية وساما رفيعا و أصبحت أبرز علماء فرنسا المعروفين .

- وصل باريس في المساء و قصد من فوره فندق كاستيج ليون و في صبيحة اليوم التالي كان على موعد مع الخبير بورجونوا الذي وفى بوعده كان سلوكه عاديا و بهيجا , و كان بينهما حديث جاد هام , ثم كان ضروريا أن يذهب زوجي إلى مختبر الخبير في اليوم التالي كي يرى تجاربه

أكل الغذاء في مقهى رويال وحده , ثم ذهب يتمشى في بوا , ثم زار مدام أوليفير في بيتها في باسي , و كان هناك طبيعيا تماما , ثم غادر منزلها في الساعة السادسة و لم يعرف أحد أين أكل عشاءه , ربما في أحد المطاعم وحده !

وصل الفندق حوالي الساعة الحادية عشرة , و ذهب إلى غرفته بعد أن سأل إن كانت قد وصلته أي رسائل , ثم في صباح اليوم التالي خرج من الفندق ماشيا و لم يشاهد بعدها !

- متى غادر الفندق ؟ في الساعة المعتادة لكي يلتزم بموعده في مختبر الخبير بورجونوا ؟
- لا نعرف على وجه الدقة ,لم يره أحد و هو يغادر الفندق , لكن طعام الإفطار لم يقدم له إذن فقد خرج مبكرا ..
- أليس يجوز أنه خرج مرة أخرى في الليلة التي عاد فيها ؟
- لا أظن , لقد ظهر من سريره أنه نام عليه , ناهيك أن موظف الفندق لا بد أن يلمح أي زبون يخرج في هذه الساعة المتأخرة من الليل
- تلك مجرد ملاحظة مجردة يا مدام ,لعلنا نعتمد الرأي القائل بأنه خرج مبكرا , و هذا فيه طمأنينة من جهة واحدة : أنه لم يقع ضحية قطاع الطرق في باريس , لكن هل ترك خلفه أمتعته كلها ؟

بدت السيدة هاليدي كأنها كرهت الجواب لكنها قالت أخيرا :
- لا بد أنه أخد معه حقيبة الأوراق الصغيرة

قال بوارو و هو شارد في برهة تفكير عميق :
- عجبا ! أين كان ذلك المساء ؟ لو أجيب هذا السؤال كشفنا أشياء كثيرة , من الذين قابلهم ذلك المساء ؟ هنا يكمن الغموض , ليس علي أن أقبل رأي الشرطة , فهم – غالبا – يبحثون عن المرأة , لكن شيئا قد وقع في تلك الليلة فغير زوجك برنامجه .. قولي لي : حين سأل عن الرسائل حين عودته إلى الفندق ألم يستلم رسالة ؟
- واحدة فقط, الرسالة التي كتبتها له يوم سافر من إنكلترا

ظل بوارو في تفكيره لحظات , ثم نهض فجأة و انتصب قائلا :
- حسنا يا مدام , السر في باريس , و لكي نجد الحل لا بد من السفر إلى باريس , سوف أذهب أنا هناك
- لقد انقضى زمن طويل منذ ذلك يا سيد بوارو !
- نعم , لكن ينبغي أن نبحث هناك

و قام إلى الباب مغادرا لكنه التفت بعدما أمسك مقبض الباب قائلا :
- ألا تذكرين يا مدام أن زوجك ذكر كلمة ((الأربعة الكبار )) ؟

- .. ((الأربعة الكبار )) .. ((الأربعة الكبار )) .. كلا لا أذكر

الفصل السادس

بدأنا صباح اليوم التالي رحلتنا باتجاه باريس , و قال لي بوارو بكآبة :
- الأربعة الكبار يدفعونني إلى العمل دفعا , أصعد و أنزل في كل مكان مثل صديقنا القديم صائد الثعالب

كان يقصد جيرود أكثر رجال الأمن شهرة في فرنسا و الذي قابله أكثر من مرة , فقلت :
- ربما تقابله في باريس !

تجهم وجه بوارو ثم قال :
- أرجو الله خالصا ألا أنعم برؤيته , فأنا لم أكن على وفاق مع ذلك الرجل و هو لا يحبني !
- و لكن مهمتك يا بوارو شاقة إذ تبحث عن رجل إنكليزي مجهول مضى على اختفائه نحو شهرين
- بالتأكيد يا صديقي , إنها مهمة صعبة جدا ! لكنك لا تعرف جيدا أن بوارو رجل يعشق المغامرة و يهوى الصعاب و يستمتع بحلها !
- هل تظن أن الأربعة الكبار هم الذين اختطفوه ؟
- نعم

كان ضروريا أن نزور الأماكن و نتأكد من المعلومات و التحقيقات القديمة , لكننا لم نستطع الزيادة على ما أخبرتنا به مدام هاليدي
بوارو التقى الخبير بورجونوا مطولا من أجل معرفة أي شيء عن برنامج هاليدي لقضاء ذاك المساء المشؤوم لكن دون جدوى

المحطة الثانية هي مدام أوليفير ..
كان المكان مثيرا , شعرت بإحساس غريب يسيطر علي و نحن نصعد عتبات قصرها الجميل في باسي , و قد أصابني ذهول أن امرأة تصل إلى هذا الحد البعيد من العلوم البحتة , كنت أحسب أن هذا الميدان حكر على الرجال , و أن هذا الإنجاز العلمي لا يتقنه إلا عقول الرجال

فتح الباب خادم فتى صغير لم يتجاوز السابعة عشر فذكرت صورة مساعد الكاهن من طريقته و حركاته التي تشبه الطقوس الدينية الكهنوتية

هذه المقابلة تمت بعد جهد كبير لتثبيت موعد مع مدام أوليفير ؛التي لا تكاد تستقبل أحدا , فهي في شغل دائم بحثا و تجارب طوال اليوم

دخلنا القصر و سرنا نحو صالة صغيرة , و في الحال جاءت سيدة القصر تستقبلنا .. طويلة , فارعة الطول , عليها رداء أبيض طويل أضفى عليها بهاء و مهابة , و كانت تعتمر بقلنسوة ممرضة

كان وجهها يميل إلى الطول و فيه شحوب مميز , عيناها سوداوان بنظرات ثاقبة تشتعل نزقا و حدة

بدت عندئذ كأنها قديسة أتت من التاريخ لا امرأة فرنسية عصرية , و كان أحد خديها ذا أثر من جرح أو حرق فذكرت ذاك الحادث الذي أدى إلى مقتل زوجها و اثنين من العاملين معه اثر انفجار في مختبره قبل ثلاثة أعوام و قد أصيبت هي بحروق بالغة , و منذ ذلك الحين اعتزلت الناس و انصرفت لأبحاثها العلمية بطاقة عجيبة و عزيمة ملتهبة

كان استقبالها مؤدبا و فاترا بعض الفتور , ثم قالت بوقار :
- قابلني رجال الشرطة عديدا أيها السيدان , و يبدو أنني لا أستطيع لكما عونا ؛لأن ليس عندي غير هذا
- مدام أوليفير , ربما أسألك أسئلة مختلفة تماما , و لكي لا نضيع الوقت دعيني أسأل هذا السؤال : فيم كنت تتحدثين أنت و السيد هاليدي ؟

تفاجأت من سؤاله :
- في عملي قطعا و في عمله كذلك
- هل خاض نظرياته التي كانت ضمن بحثه الذي قدمه أمام الجمعية البريطانية أخيرا ؟
- قطعا , هذا كان أساس حديثنا
- كانت أفكاره خيالا أليس كذلك ؟
- كثير من الناس يظنون ذلك لكني لا أوافقهم
- إذن أنت تعدينها قابلة للتطبيق ..
- حتما , حتما , و بصورة نموذجية و هذا هو محور أبحاثي التي أعكف عليها لأنجزها مع اختلاف في الطريقة , ذات مرة كنت أعالج أشعة جاما بمادة تدعى (راديوم سي ) و هي عنصر غازي ناتج عن الراديوم فرأيت نتيجة عجبا أثارت اهتمامي , و هي في حقيقتها تتعلق بالطبيعة الفعلية للقوة التي نسميها القوة المغناطيسية , لكن الوقت لم يحن لإعلان أبحاثي هذه على الملأ . و لقد أفدت من السيد هاليدي ووجهات نظره التي أثارت اهتمامي كثيرا

هز بوارو رأسه موافقا ثم سألها سؤالا أثار دهشتي :
- مدام أوليفير أين تباحثتما ؟ هنا في هذا المكان ؟
- كلا يا سيد بوارو بل في المختبر
- هلا نظرت إلى المكان ؟
- بالتأكيد , تفضل

و سارت أمامنا إلى الباب الذي دخلت منه , حيث عبرنا ممرا قصيرا يؤدي إلى المختبر الكبير الذي كان يمتلئ بالأدوات المخبرية و الأكواب الزجاجية و الأجهزة التي لا أستطيع حفظ أسمائها , و كان فيه شخصان منشغلان سمتهما مدام أوليفير لنا :
- الآنسة كلودي إحدى مساعداتي القديرات ..

انحنت لنا , كانت فتاة طويلة شابة ذات وجه حاد ..
- السيد هنري : صديق قديم ثقة

كان شابا قصيرا أسمرا , انحنى لنا باحترام كان بوارو يستطلع المكان بعينيه فرأى بابين آخرين للمختبر يوصل أحدهما إلى حديقة القصر الخلفية , و الآخر إلى غرفة أبحاث أخرى صغيرة

أعرب بوارو عن شكره لمدام أوليفير و تساءل و هو يعود إلى الصالون :
- مدام , هل كنتما وحدكما أثناء اللقاء ؟
- نعم , مساعداي كانا في غرفة الأبحاث الصغيرة
- و هل أمكنهما الاستماع إلى حديثكما هما أو غيرهما ؟
- لا أظن , ذلك حتما غير جائز , الأبواب كلها كانت مغلقة
- ربما يختبئ شخص ما في هذا المكان
- في الزاوية هناك خزانة كبيرة لكنها فكرة سخيفة
- حسنا , بقي لدي سؤال: هل ذكر السيد هاليدي أي ملاحظة عن برنامجه ذاك المساء ؟
- بتاتا , لم يذكر شيئا من هذا

قام بوارو شاكرا يودعها بلطف و احترام , و اعتذر إن كان قد أحدث إزعاجا مفاجئا بما يلي عليه واجبه نحو عمله الشاق المضني

كنا نهم بالخروج من الصالة عندما دخلت من باب القصر امرأة صعدت بسرعة نحو الدرج دون أن تبدي بنا اهتماما , و قد دل ثوبها الأسود على أنها أرملة فرنسية

أثارت طريقة دخول هذه المرأة إلى المنزل اهتمام بوارو فأبدى استغرابا:
- امرأة غير طبيعية , تثير التساؤل و العجب !
- مدام أوليفير ؟ نعم إنها ..
- كلا يا هيستنغز لا أعني مدام أوليفير , تلك المرأة نادرة ذات شخصية فذة ربما يفتقد العالم أمثالها , لكني أعني هذه المرأة التي رأيناها على الدرج

قلت بدهشة :
- لكنني لم أستطع رؤية وجهها و لا أظنك كنت قادرا أن تستبين ملامحها , إنها لم تلتفت إلينا ...

بوارو –بهدوء- : هذا هو السبب الذي جعلني أقول ذلك .. امرأة تدخل البيت كأنه بيتها , معها مفتاح الباب , و تركض بسرعة نحو أعلى الدرج دون أن تنتبه لزائرين غريبين في البيت . هذا أمر غير طبيعي يدعو إلى الإثارة و الدهشة ,أمر غريب حقا !

امتدت يد بوارو نحوي بقوة و جذبني بسرعة إلى الخلف في وقت مناسب تماما فقد انهالت شجرة سرو ضخمة كانت تنتصب في صف الأشجار الذي يحادي الممر الذي كنا نسير فيه و كادت تهوي على رأسينا , جمدنا في المكان و كلنا رعب و دهشة , كان وجه بوارو شاحبا ثم قال بانزعاج :
- كانت قريبة منا جدا ذلك عمل أحمق طائش , لم أكن أتوقعه يوما لكن عيني كانت بالمرصاد , كاد بوارو أن يختفي من الوجود فتحل عندئذ في العالم كارثة مفجعه ! و أنت أيضا يا صديقي , لكن موتك لن يكون مصابا وطنيا على كل حال

فقلت ببرود :
- شكرا على هذا التقدير , دعنا من هذه الثرثة الجوفاء , ماذا تريد أن تفعل الآن ؟
- الآن , نعم نعم , يجب أن نفكر لندرب خلايانا الرمادية , هل كان السيد هاليدي في باريس حقا ؟ نعم ؛ لأن الخبير بورجونوا الذي يعرفه رآه و كلمه صباح الجمعة , و كانت آخر مرة شوهد فيها الساعة الحادية عشر من مساء الجمعة , لكن هل شوهد وقتئذ حقا ؟ و من ذا رآه ؟
- حمال الفندق ..
- حمال المناوبة الليلية الذي لم ير هاليدي من قبل ؟ انه رأى رجلا يشبه هاليدي تماما , إنني أثق بقدرة رقم ((4)) على تقمص هذا الدور .. يسأل عن الرسائل , يصعد إلى أعلى يحمل حقيبة أوراق صغيرة , ثم ينسل في صباح اليوم التالي باكرا , لم يشاهد أحد السيد هاليدي مساء يوم الجمعة ؛ لأنه كان قد وقع في أيدي أعدائه !

هل كان الرجل الذي التقته مدام أوليفير هو هاليدي ؟ نعم رغم أنها لم تكن تعرفه من قبل , لأنه من الصعب على الذي ينتحل شخصيته أن يخدعها في شأنها العلمي المتخصص , جاء هنا و قابلها ثم غادر , فماذا بعد ذلك ؟

أمسك بوارو بذراعي و عاد أدراجه إلى الخلف ..
- الآن تخيل أن هذا اليوم هو الذي أعقب يوم اختفائه , دعنا نتتبع أثر الأقدام , أنت تحب آثار الأقدام , أليس كذلك ؟ انظر هنا , هذه قدم رجل تتجه نحو اليمين تتبعه قدم صغيرة مسرعة , قدم امرأة شابة تلبس حجاب الأرملة تلحقه و تناديه : (( سيدي , مدام أوليفير تريد أن تتحدث معك )) , يتوقف فيدور , تقوده المرأة الشابة , لكن , إلى أين ؟

لم يكن مصادفة أن المكان الذي لحقت به فيه هو الذي يتفرع منه ممر آخر , قالت له : (( هذه الطريق أقصر يا سيدي ))

عن اليمين حديقة بيت مدام أوليفير , و عن اليسار حديقة منزل الجيران , و من تلك الحديقة سقطت شجرة .. بابا الحديقتين يفتحان على الممر .. الكمين هناك : رجال يخرجون و يغلبونه و يحملونه إلى الفيلا الغريبة !

صرخت مذهولا :
- تريد مقابلة مدام أوليفير مرة أخرى ؟

تبسم بوارو باستخفاف :
- كلا يا هيستنغز , بل مقابلة المرأة التي رأيناها على الدرج
- من تراها تكون قريبة مدام أوليفير ؟
- الغالب أنها سكرتيرتها , وربما وظفت من زمن قريب
- هلا أخبرتني باسم الأرملة التي دخلت قبل قليل ؟
- مدام فيرونوا سكرتيرة المدام ؟
- نعم هي , هلا طلبت منها أن تظهر قليلا لنحدثها ؟

توارى الفتى قليلا ثم أتى مرة أخرى

- عذرا , مدام فيرونوا ليست هنا !
- بل هنا , لكن أخبرها اسمي هيركيول بوارو و قل لها : من الضروري أن أراها الآن ؛ إني ذاهب إلى مدير الشرطة حالا ..

دخل الرسول مرة أخرى , و بعد برهة جاءت المرأة و دخلت المجلس فتبعناها , أماطت حجابها فكشف وجها نعرفه : إنها الخصم القديم – الكونتيسة الروسية – العقل المدبر لعملية سرقة المجوهرات الكبيرة في لندن , قالت :
- أصارحكما , عندما نظرت إليكما في الصالة توقعت العاقبة الأسوأ !
- عزيزتي الكونتيسة روساكوف ...

هزت رأسها معترضة :
- الآن أنا إنز فيرونوا , إسبانية متزوجة من فرنسي .. ماذا تريد مني يا سيد بوارو؟ قد سبق أن اصطدتني في لندن و الآن تلاحقني في باريس ؟ هل ستخبر مدام أوليفير ؟ نحن الروس مساكين لنا حق العيش أيضا !
- الأمر شديد الخطورة , أعتزم أن أدخل بيت الجيران و أحرر السيد هاليدي إن كان حيا , أنا عرفت كل شيء ..

لاحظت شحوبا قاتلا على وجهها , عصف بها ذهول قوي لكنها ملكت نفسها بعزم :
- انه ما زال حيا لكنه ليس هنا , ما قولك أن نبرم بيننا عهدا : لي الحرية و لك السيد هاليدي حيا في صحة جيدة ؟
- موافق , كنت أوشك أن أقول هذا لكن لدي سؤالا : هل تشتغلين للأربعة الكبار يا مدام ؟

رأيت الشحوب على وجهها مرة أخرى , لكنها تجاهلت سؤاله و قالت :
- هل تأذن لي بالاتصال بالهاتف ؟

أجرت مكالمة هاتفية حيث السيد هاليدي محبوس , قالت :
- هل أنت أندريه ؟ أنا إنز .. إن البلجيكي ذا القامة القصيرة قد عرف كل شيء , أرسل هاليدي إلى الفندق ثم غادر المكان

ردت السماعة و جاءت إلينا تبتسم فقال لها بوارو :
- سترافقيننا إلى الفندق يا مدام
- توقعت طلبك , أنا جاهزة

أحضرت سيارة أجرة و انطلقنا معا إلى الفندق , كنت أرى القلق على وجه بوارو , و كان الاضطراب و التوتر يسيطران على الجو و الحذر يشمل الجميع , لكن الأمر تم سهلا , فحين وصلنا إلى ساحة الفندق جاء حمال – و قد عرف بوارو – فقال مستعجلا :
- الآن وصل رجل مريض و سأل عنك , انه في غرفتك , أما ممرضته فقد خرجت سريعا من دون انتظار ..
- لا عليك , انه صديقي

و صعدنا مسرعين إلى الغرفة فوجدنا شابا هزيلا منهكا تظهر عليه علامات الإعياء و الإرهاق يجلس عند الشباك خائر القوى مبدد الحول لا يستطيع كلاما و لا حركة !

سأله بوارو :
- أنت السيد جن هاليدي ؟

هز رأسه ..
- أرني ذراعك اليسرى ..

كان تحت كوعه الأيسر شامة ..
كأس من الليمون المثلج أنعش هاليدي قليلا .. همس :
- يا إلهي .. كنت في جحيم ! .. هؤلاء زمرة من الشياطين ! .. أين زوجتي ؟ لقد أخبروني أنها تظن .. ؟
- كلا , هي لا تظن ذلك البتة , إنها تثق بك كثيرا , ما زالت تنتظرك
- أشكر الله , لا أصدق أني حر طليق !
- الآن أنت معافى يا سيدي , هلا قصصت القصة من أولها ؟

أصابت الرجل حالة ذعر و ارتباك و تغير وجهه ثم قال :
- إنني لا أذكر شيئا
- ماذا ؟
- هل سمعت بالأربعة الكبار ؟
- قليلا عنهم ..
- أنت لا تعرف ما أعرفه , إن لديهم قوة غير محدودة , و إذا بقيت صامتا فسوف أظل في أمان و إذا ما نطقت بكلمة فلن أشعر بالأمان لحظة واحدة , و لن يشعر بالأمن أقربائي و كل أعزائي , فلا تحاول الجدال معي ؛ أنا على يقين من أمر واحد : إنني لا أذكر شيئا !

ثم نهض و خرج من الغرفة في حين جعل بوارو ينظر إليه مذهولا مدهشا كأنه ذاق مرارة الهزيمة

مرة أخرى حاول أن ينطق بعض الكلام بغيظ واضح لكنها كانت مكتومة لا تكاد تسمع :
- إذن فالمسألة هكذا ؟ لقد ربح الأربعة الكبار مرة أخرى .. ما هذه الورقة بيدك يا هيستنغز ؟
- هذه ورقة كتبت عليها روساكوف قبل أن تغادر

أخذها و قرأها :
(( وداعا . ((iv انه رقم يرمز إلى رقم ((4)) باللاتينية , إنني أعجب يا هيستنغز , إنني أعجب !

الفصل السابع

كان الأنين المبعوث في أذني من غرفة جاري في الفندق قد أرق جفني فلم أنم , و كانت الشكوى المتقطعة التي أسمعها طوال الليل تحدث في نفسي أثرا عميقا يطرد عني النعاس و يملأ ليلتي أسفا و حزنا , إنها غرفة هاليدي التي نام فيها ليلة إطلاقه , بدا واضحا أن تجربته القاسية قد حطمت أعصابه و أخذت منه مأخذا عظيما !

و عجزنا في الصباح أ ننتزع من هاليدي شيئا , كان خائفا من انتقام هؤلاء الأشرار إذا تكلم , و كان متأكدا من القوة الهائلة التي يملكها الأربعة الكبار حتى بات يرفض النقاش في أمرهم

أكل غذاءه ثم سافر إلى إنكلترا حيث زوجته و طفلته الصغيرة

وجدت نفسي متحمسا للأحداث , و رأيت أن علي أن أواجه بوارو من قريب أو بعيد , لكن هدوءه الذي أزعجني جعلني أقول :
- أرجوك يا بوارو دعنا نفعل شيئا !
- حسنا يا صديقي فماذا نفعل ؟
- نخبرهم عن الأربعة الكبار
- نخبر من ؟
- الشرطة

تبسم بوارو ببرود ثم قال :
- انهم لن يصدقونا , سيتهموننا بالجنون ؛لأننا لا نملك دليلا نستدل به , دعنا ننتظر ..
- ماذا ننتظر ؟
- ننتظرهم حتى يقوموا بتجربة , انظر إلى لعبة الملاكمة , اللعبة المفضلة لديكم في إنكلترا : إذا لم يتحرك أحدهما فلا بد أن يتحرك الآخر و يسمح أحدهم لخصمه بالهجوم ليعرف طريقته و أسلوبه , و نحن الآن ندع الخصم يهجم ..

أوجست خوفا و ريبة من كلامه :
- هل تظن أنهم سيفعلون ؟
- بلا شك , لقد حاولوا إخراجي من إنكلترا . ثم جريمة دارتمور التي ترمز لها معان مقصودة , ثم دخلنا و أنقدنا ضحيتهم من المقصلة , و أمس تدخلنا مرة أخرى في خططهم , انهم لن يقفوا حتما ساكتين إزاء ما كل ما جرى

كنت في تفكيري أتأول كلمته حين طرق الباب , و من غير استئذان دخل رجل إلى الغرفة و أغلق الباب خلفه و جلس

كان رجلا طويلا نحيفا بشرته شاحبة أنفه معوج قليلا , كان يلبس معطفا مزررا حتى ذقنه و قبعة ناعمة تغطي عينيه . قال بصوت نام :
- عذرا أيها السيدان , قد دخلت دخولا غير لائق , لكن مهمتي خطيرة !

و جلس و هو يبتسم بخبث , فأثارني هذا الموقف و كدت أثب من مكاني لو لا أن بوارو منعني بإشارة من يده , ثم سأل هذا الزائر الثقيل :
- كان دخولك فظا كما قلت , فما هي مهمتك ؟
- عزيزي السيد بوارو , أريد أن أخبرك بصراحة , أنت تزعج أصحابي
- كيف ؟
- أنت تعرف كما أعرف يا سيد بوارو
- و من هم أصدقاؤك هؤلاء ؟

لم يجبه بل أدخل يده في جيبه فأخرج علبة لفائف سحب منها أربعا و نقرها على الطاولة ثم أعادها ..
- ها ها .. نعم , فالمسألة هكذا إذن ؟ و ماذا يقول أصدقاؤك ؟
- يقولون : (( عليك أن تعمل قدراتك الخارقة في غير هذا الشأن و أن تعود إلى حل مشاكل نساء المجتمع اللندني ))
- يبدو أنه برنامج سلمي ! و إذا لم أوافق ؟

حرك يده حركة فيها معنى مقصود واضح:
- طبعا ستأسف و تندم كثيرا , وسوف يحزن كل أصحاب السيد هيركيول بوارو العظيم حزنا لا ينفعهم لأن الحزن – مهما اشتد – لا يمكن أن يعيد للأموات الحياة !
- حسنا , هب أني موافق
- إذن أدفع لك تعويضا ..

و أخرج من جيبه المحفظة و أخرج منها عشرة أوراق كل واحدة من فئة العشرة آلاف فرنك ألقى بها إلى الطاولة ثم قال :
- هذا ضمان حسن النية فحسب , سوف تعطى عشرة أضعاف هذا !

أدركت أن الخصم بين أيدينا و أن الفرصة مناسبة لإخبار الشرطة من أجل أكبر انتصار في هذا الزمان , كان قلبي ينبض بقوة , شعرت بالهيجان و لم أعد أطيق انتظارا , و صرخت بعنف و أنا أقفز من مكاني :
- يا إلهي ! هل تظن ..؟

لكن بوارو أقعدني بقوة و قال بحزم :
- اجلس يا هيستنغز , اجلس مكانك .. ما رأيك يا سيد لو اتصلت الآن بالشرطة و صديقي يمنعك من الهروب ؟
- على كل حال افعل إن كنت تظنه من الحكمة ..
- صرخت : لا أستطيع أن أحتمل أكثر .. انظر ..

نهضت بسرعة و خطوت خطوات كبيرة إلى الباب و ألصقت ظهري به , همس بوارو :
يبدو أن هذه هي الطريقة المثلى

فقال زائرنا و هو يبتسم :
- لكنك لا تثق بها , أليس كذلك ؟

و قلت بإصرار و عزم :
- هيا يا بوارو لا تتأخر !

رفع بوارو السماعة فقفز الرجل قفزة مفزعة تشبه قفزة القط لكنها إلي , كنت على أهبة له فالتحمنا بعراك شديد أشبه بالمصارعة , و شعرت فجأة أنه ضعيف جعل يهوي بين يدي فزادني همة حتى طرحته أرضا و شعرت بنشوة النصر , و أخذ خيالي يطوف في نهاية مسرحية ..

ثم كان شيء غير عادي : وجدتني مقذوفا و رأسي يضرب بالحائط , نهضت مدهوشا أبحث عن خصمي الذي اختفى , ركضت نحو الباب فوجدته مقفلا علي , أسرعت إلى الهاتف :
- مكتب الاستقبال ؟ أمسكوا الرجل قبل أن يخرج , رجل طويل يلبس معطفا طويلا مزررا و قبعة ناعمة , انه مطلوب للشرطة

مضت بضع دقائق قبل أن أسمع صوت المفتاح في الباب , كان مدير الفندق , و صرخت صرخة مجنون :
- الرجل هل أمسكتموه ؟
- لا يا سيدي لم نر أحدا ..
- كيف وقد مر بك الآن ؟
- لا يمر بي أحد بتاتا ..
- بوارو : أظن أنكم مررتم بشخص ما ربما يكون موظفا هنا ؟
- نادل يحمل طبقا لا غير يا سيد
- نعم , هكذا إذن ..

كانت الدهشة تملأ جو الفندق و الحيرة تراها في وجوه المسؤولين و خاض الناس في شك وتكذيب , لكن المسألة قد فهمها بوارو فقال بثقة :
- من أجل هذا يلبس معطفا مزررا حتى ذقنه

همست بخجل و أنا أحس بالهزيمة :
- كنت أظن أني أسقطته أرضا !
- نعم كانت خدعة يابانية , لا تثريب عليك يا صديقي , كل شيء سار حسب الخطة , خطتهم قطعا , و هذا ما كنت أريده

صرخت حين رأيت محفظة على الأرض , التقطتها بلهفة , إنها من أثر المعركة , لا بد أنها سقطت من جيب زائرنا العزيز !

كان فيها فاتورة باسم السيد فليكس لون , وورقة أخرى صغيرة من دفتر الملاحظات كتب عليها بخط غير واضح بالرصاص , كانت هذه الكلمات مثيرة لنا :
(( اجتماع المجلس القادم يوم الجمعة , الساعة 11 صباحا : 34 – شارع إيشيلير))
و إمضاء رقم ((4)) بخط كبير

و كنا في يوم الجمعة , و الساعة 10.30 , صرخت بذهول :
- يا إلهي إنها فرصة ثمينة , الأمور الآن بأيدينا , يجب أن نبدأ من هذه اللحظة .. لعل الحظ في هذه المرة كان لنا

همس بوارو كأنما يحدث نفسه :
- انه جاء من أجل ذلك , أكاد أفهم كل شيء ..
- ماذا فهمت ؟ يا بوارو متى ستكف عن محادثة نفسك ؟

نظر بوارو إلي نظرة إشفاق ثم ابتسم :
- ((قالت العنكبوت للذبابة :هلا دخلت بيتي يا عزيزتي ؟ )) هذا نشيد الأطفال عندكم يا معشر الإنكليز , أليس كذلك ؟ الحذر الحذر يا صديقي , انهم ماكرون دهاة و لكن ليس بدهاء هيركيول بوارو
- لا أفهم شيئا مما تقوله يا بوارو !
- ما زلت أسائل نفسي عن زيارة الصباح هذه , هل كانوا يأملون بالنجاح في رشوتي أم هي زيارة ترهيب لأخافهم و أترك مهمتي ؟ لكني الآن فهمت الحقيقة , إنها خطة ماكرة بلا شك و محكمة في الوقت نفسه , الظاهر هو الرشوة أو الترهيب , و المعركة كانت من أجل أن يكون سقوط المحفظة أمرا محتوما و أخيرا المصيدة : شارع إيشيلير , الساعة 11 صباحا , لكن القبض على هيركيول بوارو ليس سهلا , فليعلموا !

عرفت أني ساذج و بليد فقلت :
- يا إلهي! انهم يعلمون الشياطين المكر و الدهاء
- لكن فيها لغزا آخر : الوقت : لماذا لم يختاروا الليل ؟ أليس الليل أحسن لهم ؟ لماذا السعاة الحادية عشر صباحا ؟ هل في هذا الصباح كيد يدبرونه لا يريدون أن يعرفه بوارو ؟

كان بوارو في نوبة من الحيرة و القلق , ثم هز رأسه و قال :
- إنني ماكث هنا و لن أغادر هذا الصباح , دعنا ننتظر , سوف نرى

كان الزمن يمر بطيئا ثقيلا كأن الساعة لا تتحرك , كان في رأسي خيال كثير و حوادث , كنت أشعر أحيانا بالعجز و الضعف عن المواجهة , و أحيانا أخرى بالإخفاق في أن أفهم ما يجري

الساعة الآن الحادية عشر و النصف و لم يحدث أي جديد ..

طرق الخادم الباب و سلم ورقة صغيرة زرقاء اللون لبوارو .. إنها من مدام أوليفير تطلب منه الحضور فورا ..

و نهضنا مسرعين إلى مدام أوليفير دون تأخير , و استقبلتنا في المجلس الذي قعدنا فيه أمس , ووجدتني في دهشة مرة أخرى من شخصية هذه المرأة القوية صاحبة الوجه الذي يشبه وجه الراهبة , إنها سدت الخلل الذي كان وراء مدام كوري و بيكريل , ذات هالة علمية مذهلة و عين متوقدة تكاد تسيطر على محدثها بنظرة ثابتة من طرفها , بادرت بالقول :
- أمس قابلتماني من أجل هاليدي و بعد انتهاء المقابلة علمت أنكما دعوتما إينز سكرتيرتي , لكن دهشتي أنها غادرت القصر معكما و لم ترجع حتى الآن !
- هذه هي القضية أم عندك أمر آخر ؟
- كلا , بل الخطير أن اقتحاما تم الليلة الماضية للمختبر و اختفت أوراق و مذكرات قيمة , و لقد حاول اللصوص سرقة أي شيء آخر أشد خطرا , لكن الخزانة – من حسن الحظ – كانت مقفلة بإحكام ففشلوا أن يفتحوها !
- يجب أن علمي الحقيقة يا مدام : إن سكرتيرتك مدام فيرونوا هي الكونتيسة روساكوف اللصة المحتالة المشهورة , و هي المسؤولة عن اختفاء هاليدي , لكن كم مضى عليها و هي تعمل عندكم ؟
- منذ خمسة شهور تقريبا , ولكن هذا يدعو إلى الذهول !
- إنما هي الحقيقة , هل كان العثور على الأوراق سهلا أم أنه عمل يدل على معرفة سابقة ؟
- الأمر العجيب أن اللصوص كانوا يعرفون بغيتهم تماما , هل تظن أن مدام إينز .. ؟
- نعم لا شك أنها كانت الدليل , لكن ما هو الشيء الثمين الذي فشل اللصوص في سرقته ؟ جواهر ؟

هزت رأسها و هي تبتسم و قالت بصوت خافت :
- بل أثمن من الجواهر كثيرا يا سيد بوارو .. راديوم !
- راديوم ؟
- نعم , إنني الآن اقترب من النهاية القصوى في تجاربي , و عندي قدر قليل من الراديوم , و قد قدم لي قدر أكبر من أجل تمام أبحاثي , و هذا القدر لو كان ضئيلا فإنه بالنسبة إلى المخزون العالمي قدر عظيم تساوي قيمته ملايين الدولارات !
- و أين هو الآن ؟
- في الحقيبة الرصاصية من الخزانة المحكمة التي تبدو عتيقة لكنها – بصراحة – انتصار فني في حقل الصناعة , و هي جعلت اللصوص يفشلون !
- كم يصح أن تحفظي هذا القدر من الراديوم .
- لمدة يومين آخرين غير هذا اليوم ثم تنتهي تجاربي
- هل تفهم مدام فيرونوا هذا ؟
- نعم
- آها , إذن سيعود أصحابنا مرة أخرى , سوف أحمي ثروتك من الراديوم لكن لا تخبري أحدا .. هل عندك مفتاح للباب الذي يؤدي إلى المختبر من الحديقة ؟
- نعم , ها هو , عندي نسخة أخرى , و هذا مفتاح الباب الذي يؤدي إلى الممر الذي يطل على فيلا الجيران
- شكرا لك يا مدام , اذهبي إلى النوم و أنت مطمئنة كالعادة , لا تقولي شيئا لمساعديك لا سيما السكرتيرة , دعي الأمر لي

كان بوارو متهلل الوجه و هو يغادر بيت مدام أوليفير , و كان يفرك يديه فرحة بنصر مرتقب , كانت الأمور كأنما تشير إلى الأحسن , سألته :
- ماذا ستفعل الآن يا بوارو ؟
- الآن يا هيستنغز سوف نغادر باريس إلى إنكلترا
- ماذا ؟
- كما أقول لك , سوف نحزم أمتعتنا و نأكل غذاءنا و نذهب بالسيارة إلى جيردونورد ..
- و الراديوم ؟
- أقول : إننا سوف نسافر إلى إنكلترا , ولم أقل : إننا سنصل هناك ..

أعمل دماغك مرة يا هيستنغز , ألا تدري أنك مراقب ؟ يجب أن يطمئنوا أننا ذاهبون إلى إنكلترا , و لن يطمئنوا حتى يرونا نركب القطار و ننطلق ..

- و ننسل من القطار في آخر لحظة ؟
- كلا يا هيستنغز , بل لا يرضيهم أقل من المغادرة التي لا خداع فيها
- لكن القطار لا يتوقف إلا عند كاليه
- يقف في حالة واحد : إذا دفعنا له
- سوف يرفضون و لا يقبلون , كيف يقف قطار سريع ؟
- هناك حيلة , ما هي غرامة إساءة استعمال المقبض الصغير في القطار ؟ مائة فرنك ؟
- هل ستمسك مقبض الباب و تسحبه أنت يا بوارو ؟
- بل صديقي بيير كومبوا سيفعله , و سوف يثير ضجة كبيرة مع الحارس فيكون مشهدا يستحوذ على انتباه المسافرين فننسل في أثناء ذلك خارجين !

خطة بوارو سارت كما رسم لها بعد أن قبل صديق بوارو القديم – الذي كان على صلة ببوارو و معرفة بأسلوبه و منهاجه في العمل – و استطاع أن يصطنع ضجة كبيرة كأنها قنبلة دخانية سترت فرارنا من القطار دون أن يحس بنا أحد

و تنكرنا تماما بعدما اشترى بوارو ما يلزم ذلك ووضعه في حقيبة صغيرة , و أصبح من غير السهل أن يعرفنا أحد بعد أن رأيت مشهدنا يدل على اثنين متسكعين يلبس كلاهما قميصا ضيقا قذرا ذا ألون فاقعة تدعو إلى السخرية !

أكلنا غذاءنا في أحد مطاعم باريس المغمورة و انتظرنا مغيب الشمس و الليل يحل على شوارع باريس و أزقتها , و سيطر الظلام و أخذت مصابيح البيوت و الحوانيت تقطع الظلام الدامس على جوانب المكان

ووجدنا أنفسنا قريبين من منزل مدام أوليفير , نظرنا إلى أعلى المكان و أسفله , لم نر أحدا , تسللنا إلى الممر المغطى بالشجر الموحش المهجور , كنا متأكدين أن لا أحد يتعقبنا لكن همسات الريح البارد الذي كان يلامس أوراق الشجر فيها نسمات الذعر !

ربما نكون مقدمين على مواجهة مع هؤلاء اللصوص الخطرين الذين ألفوا الموت فضلا عن القسوة و القتل لأتفه الأسباب , همس بوارو :

- لا أظن أنهم قدموا إلى المكان حتى هذه اللحظة , و ربما لا يأتون اليوم , انهم يعلمون أن لديهم ليلتين حتى يسرقوا الراديوم ليس أبعد

أدار بوارو المفتاح في القفل بحذر شديد و دخلنا حديقة البين بخفة , لكن وجدنا أنفسنا في فك الذئب المرعب فوقعنا في الفخ ..

عشرة رجال كانوا يحيطون في الخفاء كالسوار , كانت المقاومة لا تنقع , أوثقونا ثم حمل أحدنا كما تحمل حزمة القش , فتح باب المختبر و زجونا فيه , و انحنى أحدهم أمام الخزانة الكبيرة و فتح بابها

شعرت برعدة خوف قاتلة تسري في عروقي و أيقنت أننا سنوضع في هذه الخزانة و لكن باب الخزانة و لدهشتي الشديدة انفتح عن درجات تنزل في ممر سري إلى الأسفل !

دفعنا على درجات بقوة إلى الأسفل , ثم غرفة سرية مرعبة و هناك رأينا قامة سوداء مهيبة : امرأة طويلة تلبس الثوب الأسود الطويل و تغطي وجهها بقناع من المخمل الأسود كذلك , كان واضحا أنها صاحبة السلطة و سيدة الموقف , و يدل على ذلك إشارتها الصامتة التي يمتثل لها الرجال الأشداء !

قذفنا الرجال على الأرض و تركونا وحدنا مع هذه المخلوقة الخفية خلف القناع الأسود , و لم يخامرني أدنى شك أن هذه المرأة هي رقم ((3)) الكبار الأربعة , المرأة الفرنسية المجهولة

جثت على ركبتيها و نزعت الكمامتين عن وجهينا ثم نهضت و انتصبت أمامنا , و بحركة مفاجأة و سريعة نزعت قناعها و كشفت الغموض ..

إنها مدام أوليفير !

قالت بتهكم و سخرية :
- سيد بوارو العظيم صاحب الذكاء الخرق , لقد أرسلت إليك تحذيرا صباح أمس لكنك لم تأبه له , و ظننت أنك تستطيع مواجهتنا بذكائك الخارق , أليس كذلك ؟ لكنك أتيت بقدميك إلى هذا الموضع الذي لا تحسد عليه !

لم يجب بوارو لكني رأيت فكه الأسفل يرتخي و هو يحدق إليها .. لا شك أن المفاجأة أذهلته, و قالت هي بلطف :
- حسنا هذه هي النهاية , لن نسمح لأحد أن يعترض خططنا , فاطلب طلبك الأخير ..

كنت أراقب الموقف و رأيت الموت أمامي , الموت له رائحة تعرفها تملأ المكان , لكن القتيل وحده هو الذي يشتم رائحته , و ذكرت زوجتي و أطفالي .. صور و خيال و شريط من الأحداث يمر سريعا في ذهني المكدود قبل أن أنظر إلى وجه بوارو , فوجئت بهيئة بوارو الهادئة , لا تبدو عليه آثار الخوف و الفزع و لم يغز الشحوب وجهه , كان رائعا حقا , عيناه على مدام أوليفير , قال بثبات :

- حسنا أيتها المرأة الفاضلة , إن فيك طبيعة مثيرة للاهتمام , لكن الوقت لا يسع لدراستها , لدي طلب بسيط , الرجل المدان يسمح له بالتدخين للمرة الأخيرة , في جيبي علبة لفائف لو تكرمت بالإذن ..

ثم نظر إلى القيد في يديه , فضحكت و هي تقول :
- تريدني أن أفك قيدك ؟ انك امرؤ ذكي بلا شك , لكني لن أفك قيدك و سأجد لك لفافة تبغ

مدت يدها إلى جيبه و أخرجت علبة اللفائف ثم أمسكت منها واحدة ووضعتها بين شفتيه و نهضت و قالت :
- والآن عود الثقاب , أليس كذلك ؟
- لا , ليس لازما , لا أحتاج إليه ..

كان في صوته جرس غريب أجفلني و أثار الريبة في نفس مدام أوليفير فارتعدت , فيما نطق هو بهدوء :
- لا تتحركي سوف تندمين إذا فعلت , انتبهي إلي جيدا ! أرجوك أظن أنك تعرفين مادة الكورار (مادة تستخرج من بعض النباتات لتسميم السهام ) , هنود أمريكا الجنوبية يدهنون بها سهامهم , ان خدشا بسيطا بها يعني الموت , بعض القبائل يستعملون أنبوب النفخ و هذا ما أملكه لكن على شكل لفافة تبغ , ما علي سوى أن أنفخ فيها .. إن هذه اللفافة مدهشة ؛ أنفخ فيها فيخرج سهم دقيق كعظمة السمكة نحو هدفه يطير سريعا كالبرق .. انك حتما لا تريدين الموت يا مدام , إذن عليك أن تحرري صديقي هيستنغز من قيوده .. تعلمين أنني أستطيع أن أدير رأسي في كل الاتجاهات و يداي مقيدتان , إياك أن تفكري في الطريق الخطأ , حذار حذار من الخطأ و إن يكن صغيرا !

رعشة رعب سيطرت عليها , يداها ترتعدان , وجهها مصفر كثيب , شفتاها تميلان نحو الزرقة , حركاتها تنطق بالحسد الأسود , و لكنها نفذت أمر بوارو بدقة !

ثم جاء صوت بوارو يستمر في الأوامر بعد أن أصبحت حرا من قيودي :
- سيد هيستنغز , قيد السيدة بسرعة , أحكم قيدها , تأكد من ذلك

ثم حررت بوارو من قيوده فورا و تلمسنا طريق الخروج فوجدناه مفتوحا , و كان جنودها خارج المكان , و قبل أن نفر من المكان اتجه بوارو نحو السيدة و أحنى ظهره و قال :
- هيركيول بوارو لا يقتل بسهولة يا مدام , ليلة طيبة !

و بعد ثلاث دقائق كنا نجتاز المكان مسرعين و مازلت أكذب نفسي أننا عدنا إلى الحياة مرة أخرى و ما زلت في ذهول تام و لساني معقود من الانطلاق .. هل كان حلما مزعجا ؟

اندفع بوارو يثرثر و قد انتابه هيجان مثير , يتكلم بمزاج حاد لا يكاد يضبط كلامه :
- أستحق كل الذي قالته لي المرأة , افني أحمق ثلاث مرات و أبله , و حيوان تعس غبي ستا و ثلاثين مرة ! ربما أستطيع أن أفخر بنفسي أنني نجوت منهم لكن تقديري كله كان خطأ , لقد نجحوا في خداعي ووقعت في الشرك كما أرادوا !

عرفوا أنني سأواصل حتى النهاية فصنعوا لذلك ما صنعوا , الآن أصبح كل شيء واضحا : السهولة التي استسلموا بها , و تسليم هاليدي , مدام أوليفير كانت هي الروح الحاكمة , فيرا روساكوف نائبتها , و قد استطاعت أن تتم أبحاثها بواسطة المعلومات التي أخذتها من هاليدي !

لقد عرفنا إذن من هو رقم ((3)) .. إنها أعظم امرأة في العالم !

الأربعة الكبار جماعة تضم عقل الشرق و عقل الغرب و قوتين أخريين مجهولتين .. يجب أن نعرفهما .. يجب ذلك يا هيستنغز !

سنعود إلى لندن لنبدأ البحث مرة أخرى !
- ألا تريد أن تخبر الشرطة عن مدام أوليفير ؟
- لن يصدقونني يا عزيزي , هذه المرأة هي رمز فرنسي , كما أننا لا نملك دليلا , سنكون محظوظين إن لم تبلغ هي الشرطة عنا
- ماذا ؟
- نعم لقد وجدونا في قصرها ليلا , و معنا مفتاحه , و لن يكفي أننا قيدناها و كممناها بشكل مدهش و استنقذنا أرواحنا من مخالب الموت ..


الفصل الثامن

بعد تلك المغامرة الرهيبة في فيلا باسي لم نعد نطيق المقام في باريس فانطلقنا مرتحلين إلى إنكلترا على عجل , و هناك وجد بوارو كومة من الرسائل بانتظاره , قرأ إحداها و البسمة على وجهه , ثم دفعها إلي و قال :
- اقرأ هذه الرسالة

كانت الرسالة مذيلة بإمضاء آبي ريلاند , فذكرت أنه ذاك الرجل الذي وصفه بوارو بأنه أغنى رجل في العالم , و كانت تعرب عن قلق ريلاند لأن بوارو تخلى عن قضية أمريكا الجنوبية في آخر لحظة , قال بوارو :
- هذه الرسالة تجعلني أبذل مزيدا من التفكير المتواصل العميق , أليس كذلك ؟
- لكن من الطبيعي أن يبدي الرجل أسفه , و له الحق أن يغضب
- لا يا هيستنغز , أنت ثقيل الفهم , ألا تذكر كلمات مايرلنغ , ذلك الرجل الذي فر إلينا من الموت ووجد الموت في انتظاره عندما قال : رقم ((2)) رمزه حرف (($)) و عليها خطان علامة الدولار الأمريكي أو شريطان و نجمة , و هكذا نحدس أن يكون أمريكيا و أنه يمثل قوة الثروة , زد عليه أنه عرض علي قدرا سخيا من المال من أجل إغرائي بالخروج من إنكلترا , ماذا تفهم من ذلك يا هيستنغز ؟

قلت و أنا أنظر إليه نظرة أبله :
- هل تقصد أنك تشك في آبي ريلاند صاحب الملايين أنه رقم ((2)) من الأربعة ؟
- قد بدأت تفهمني قليلا يا هيستنغز . نعم , إني أشك فيه , المشهور عن ريلاند أنه رجل ثري و قوي لكنه عديم الضمير , رجل يملك كل الثروة و سلطته لا حدود لها لكنه لئيم و غليظ في المعاملة , لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه لأن عنده قوة خارقة !
- متى كنت تجزم بهذا الاعتقاد ؟
- إنها فكرة مجردة تجول في خاطري , ليس لدي دليل يثبت هذه الفكرة , لكنني مستعد لأقدم كثيرا كثيرا من أجل معرفة ذلك , و أنا أظن أن النظرية التي تقول أن رقم ((2)) هو ريلاند سوف تساعدنا على الاقتراب من الهدف
- تستطيع أن تزوره و تعتذر منه
- ربما كان سهلا أن أفعل ذلك

بعد يومين عاد بوارو إلى المنزل و هو مصاب بالدهشة و الانفعال , ثم أمسك بي بكلتا يديه كما يفعل عادة عند تحمسه و قال :
- يا صديقي , إنها مناسبة مذهلة حقا ربما لا تتكرر أتت من غير تدبير , لكن فيها خطورة و مغامرة حتى إني أكاد لا أطلب منك المحاولة
- إذا كنت تحاول أن تلقي الروع في صدري فإني أظنك تسير في الاتجاه الخطأ يا بوارو

و بعد أن هدأ قليلا و خف تحمسه كشف خطته التي تقتضي أن أتقدم بطلب عمل لدى آبي ريلاند بعد أن أعلن أنه يحتاج سكرتيرا إنكليزيا من ذوي النمط الاجتماعي الراقي و ذوي الكفاءة العالية و الحضور المتميز . قال بوارو يعتذر :
- ربما أستطيع أنا أن أدبر نفسي , لكن الأمر يبدو صعبا : أن أتكلف دور المحتاج و أنكر شخصيتي المشهورة , ربما كنت أتكلم الإنكليزية بطلاقة و لكن سيكون علي أن أضحي بشاربي .. و حتى لو تخليت عن شاربي أيضا سأظل معروفا أنني هيركيول بوارو

وافقته أن الأمر عسير عليه و أعلنت استعدادي و رغبتي في اختراق بيت ريلاند و أنني أطمح للنجاح

- سوف أهيئ لك الشهادات التي تجعل ريلاند يلعق شفتيه , سآتيك بورقة من وزير الداخلية نفسه , سأجعله يحط على يدي كعصفور أتى لينقر كسرة الخبز

كانت الخطوة الأولى أن نذهب إلى فنان في المكياج . حدق المزين بي مليا و هو صامت , و كنت أنظر ألي رأسه الصغير و حجمه الضئيل مثل هيركيول بوارو , ثم بدأ صنعته بجد و همة

بعد ساعتين تقريبا قمت إلى المرآة فنظرت فأذهلني مشهد نفسي , حذاء خاص جعلني أطول بإنشين , و معطف طويل أبدو فيه نحيفا طويلا , لقد تغير شكل حاجبي و ملامح وجهي مختلفة تماما , اختفى شاربي و ظهر من جانب فكي الأيمن سن ذهبية , تحول لوني من السمرة إلى البياض , إن المظهر بلا شك ذو قدرة على الخداع , نظر بوارو و قال :

- اسمك هو آرثر نيفلي , يحفظك الله يا عزيزي , أرجو الله أن ينجيك من الخطر

في فندق سافوي , في الموعد الذي حدده آبي ريلاند قدمت نفسي ..

قادوني إلى غرفة علوية حيث كان يجلس رجل طويل خلف طاولة ضخمة , لقد بدا نحيفا طويلا و له ذقن بارزة و أنف معقوف قليلا , عيناه اللامعتان تكادان تختفيان تحت حاجبين غليظين . أما شعره فقد كان رماديا غزيرا , و كان في فمه سيغار طويل لا يكاد يتركه

كان يتكلم بطريقة فظة من طرف من فمه , و كان يمن على محدثه بعدد الكلمات , بل يشعره أنه يتفضل عليه بالحديث :
- اجلس

جلست و كان قلبي يدق عنيفا حتى خشيت أن يسمع دقه , كان أمامه رسالة يبدو أنها بخط وزير الداخلية :
- في هذه الرسالة أنك ثقة , فهل تجيد المجاملة الاجتماعية ؟
- أظن أنني أستطيع إرضاءك في هذا
- لو كان عندي جماعة فيهم الدوق و الأيرل و الفيكونت يجتمعون في بيتي الريفي , هل تستطيع أن تجلسهم كلا في مقعده المناسب ؟
- بكل سهولة يا سيدي

تبادل معي حديثا قصيرا ثم أشعرني بالموافقة , ووجدت نفسي مستخدما عنده , فقد كان ريلاند يريد سكرتيرا مطلعا على خفايا المجتمع الإنكليزي حيث كان عنده سكرتير آخر أمريكي و كاتبة اختزال

ثم بعد يومين توجهت إلى هاتون شيز مركز دوق مقاطعة لوشير الذي استأجره ريلاند ستة أشهر , و هناك لم أجد صعوبة في تأدية واجبي ؛ فقد عملت – ذا ت يوم – سكرتيرا لأحد أعضاء البرلمان

كان ريلاند يستضيف نخبة من كبار الناس في نهاية كل أسبوع , أما سائر أيام الأسبوع فكانت هادئة نسبيا , و كان في البيت ثلة من الموظفين : كبير الخدم و مدبرة المنزل و الطاهي و خدم و خادمات , و حاولت إمعان النظر فيهم جميعا و معرفتهم عن قرب , فكنت أشعر بالريبة بكبير الخدم , أما الشاب الأمريكي السيد أبلباي فقد بدا مرحا يثق بنفسه و يتقن عمله باقتدار

ديفز الخادم الخاص للسيد ريلاند الذي أحضره من نيويورك شخص غامض و نفسي تمتلئ شكوكا فيه , و كان عنده سيدة ثقة

و اجتهدت أن أتقرب من الآنسة مارتن كاتبة الاختزال , تلك الفتاة التي تسحرك . كانت في الثالثة و العشرين تقريبا , لها عينان عسليتان و شعر خروبي مسترسل , كانت فتاة لعوبا رغم محاولاتها أن تحتشم . حاولت كسب ثقتها لا سيما بعد أن تبين لي أنها تكره سيدها و لا تثق فيه

مكثت في هاتون شيز ثلاثة أسابيع , و كانت حياة هادئة لا حوادث فيها , حيث لم أستطع أن أعرف شيئا يستحق الذكر , و بدا ريلاند في نظري شخصية ذات مكانة اجتماعية متميزة لها القدرة على التأثير , و لا يبدو أنه على صلة بمنظمة الأربعة الكبار , و كانت تترسخ في نفسي قناعة أن بوارو قد أخطأ في ظنه الجائر الذي يربطه بهذه المنظمة المشبوهة الى أن سمعته مرة يذكر بوارو حين يأكل عشاءه في إحدى الأمسيات :

- يقولون انه رائع ذاك الرجل الصغير , لكني وجدته انهزاميا ! اتفقت معه على صفقة و لكنه رفضها في الدقيقة الأخيرة , إني لا أود معاملة صاحبك هيركيول بوارو مرة أخرى !

في تلك اللحظة شعرت بزيف ( المكياج ) الذي يكسو وجنتي ...

ثم حصلت على قصة مثيرة عندما سافر ريلاند و معه أبلباي , فقد كنت أسير في الحديقة مع الآنسة مارتن بعد شرب الشاي , كانت الفتاة تبدو طبيعية جدا و غير منفعلة , لكني كنت ألمح أسرارا و أحاديث تجول في رأسها , و أخيرا قالت :
- هل تعلم يا ميجر نيفلي أنني أفكر في الاستقالة من عملي في هذا المكان ؟

ظهرت علي علائم الدهشة فيما تابعت هي قائلة :
- آه ! أدرك أن كثيرا من الناس سينعتونني بالحماقة ؛ انهم يحسدونني على هذه الوظيفة , لكني ما عدت قادرة على التحمل المزيد من الشتائم , لا أحد يصدق أن مثل هذه الأفعال تصدر عن مثل هذا الشخص العظيم !
- و هل يسيء لك ريلاند ؟

هزت رأسها ثم قالت :
- انه سريع الغضب و ذو مزاج متقلب , و هذا شيء لا يحتمل , وهو إذا صار ثورا هائجا كاد يبطش بمن يلقاه لأتفه الأسباب , لا أحد يستطيع احتماله , إنها مشكلة تستعصي على الحل

قلت و أنا أرجو سماع المزيد :
- هل لك أن توضحي الأمور ؟
- كما تعلم فإنني أفتح رسائل السيد ريلاند فأسلم بعضها إلى أبلباي و الأخرى أقوم بالإجراءات التي تخصها بنفسي . و إذا فرزت الرسائل الأولى علي أن أتعامل بحذر مع نوع من هذه الرسائل , و هي التي تجيء مكتوبة على ورق أزرق و قد ظهر على أحد أطرافها الرمز – رقم ((4)) – بخط صغير

و عندها لم أستطع كبح صرخة ذهول انطلقت من أعماقي , لكني حاولت خنقها في مهدها مما جعلها تنظر إلي قائلة :
- عذرا , هل تريد أن تقول شيئا ؟
- لا , لا شيء بتاتا , أكملي ..
- حسنا , الرسائل التي تحمل هذا الرمز هناك أمر صارم بعدم فتحها , و يجب تسليمها إلى السيد ريلاند نفسه ..

و لقد حدث في صباح أمس أن فتحت إحدى هذه الرسائل خطأ فذهبت من فوري إلى السيد ريلاند و شرحت له الموقف و اعتذرت له كثيرا لكنه انقلب فجأة إلى صورة شيطانية مرعبة و كاد يفتك بي , كنت خائفة منه جدا !

- و هل كان الأمر يستحق هذه الثورة ؟ ماذا كان في الرسالة ؟
- لا شيء , و هذا مما يدعو إلى التساؤل و يثير الدهشة , لقد قرأتها قبل أن أكتشف خطئي و أذكرها كلمة كلمة , لم يكن فيها ما يدعو إلى القلق ..

شجعتها قائلا :
- هل تستطيعين تكرارها ؟
- نعم : (( سيدي العزيز , إن الأمر الضروري الآن هو رؤية الأملاك . إذا كنت تصر على تضمين المحجر فان سبعة عشر ألفا تبدو معقولة , إن 11% عمولة تبدو كثيرة , 4% قدر وافر ..
المخلص آرثر لافير شام ))

أصغيت إلى حديثها بكل عناية مع تظاهري بعدم الاهتمام , فيما تابعت قائلة :
- من الواضح أن السيد ريلاند كان يفكر في شراء بعض الأملاك , لكني في الحقيقة أشعر أن في الأمر ما يدعو لإثارة الفضول , انه يبدو رجلا خطيرا , فماذا تنصحني يا سيد نيفلي ؟ إن خبرتك في الحياة أكبر

حاولت تهدئة الفتاة قليلا مشيرا إلى أنه ربما كان يعاني من حالة صحية مؤثرة , و لقد بدا عليها الارتياح , لكني لم أشعر بالاطمئنان إلي السهولة التي تم بها الأمر

غادرت الفتاة المكان و جلست وحدي أفكر بهذه الرسالة الهامة التي دونت كلماتها على عجل . بدت الرسالة صادقة و ليس فيها ما يدعو للإثارة , فهل كانت تخفي صفقة تجارية ينوي ريلاند إنجازها . و هل هو حريص ألا تكشف أي أسرار منها قبل إنجازها ؟ ربما , فهذا جائز , لكن العلامة التي كانت تظهر على المغلفات هي موطن الإثارة .. رقم ((4)) بخط صغير !

مكثت طيلة اليوم و معظم نهار اليوم التالي و أنا أفكر في هذه الرسالة , و فجأة شعرت أني اهتديت إلى الحل , رقم ((4)) كان هو الدليل , فحين نقرأ كل رابع كلمة في الرسالة تظهر رسالة أخرى مختلفة :
((ضروري رؤيتك , المحجر , 17 , 11 , 4 ))

الأرقام كانت تعني بسهولة : 17 – أكتوبر و الذي يصادف غدا , 11 : الساعة , 4 : هو الإمضاء المعروف أما المحجر فهو إشارة إلى المحجر المهجور الذي يبعد نصف ميل عن بيت ريلاند و هو منطقة معزولة تصلح للقاءات السرية

شعرت بالانتصار عندما تمكنت من فهم اللغز , و شعرت بفرحة غامرة و سعادة في داخلي لأني ربما تفوقت في هذه المرة على بوارو , مما جعلني أفكر في مغامرة كشف هذا اللقاء وحدي , لكني في النهاية بعد تفكير و تردد قهرت هذا الإغراء و علمت أن هذا عمل كبير خطير ربما يعرض فرصة نجاحنا إلى الخطر , و لا بد من إعلام بوارو فهو يملك عقلا أفضل مني بالتأكيد

كتبت له رسالة تبين الحقائق , و أوضحت له ضرورة رصد ذلك اللقاء , و كشفت له رغبتي في إدارة اللعبة وحدي إذا رأى ذلك من الحكمة , ثم أخذت الرسالة بنفسي إلى محطة البريد و قد فصلت له كيفية القدوم إلى المكان إذا لم أستطع مقابلته في المحطة

كنت شديد الانفعال في مساء اليوم التالي و كان المنزل خاليا من الضيوف و لكني كنت مشغولا طيلة المساء مع السيد ريلاند , و قد فقدت الأمل أن أستطيع لقاء بوارو في المحطة , لكني كنت واثقا أنني سوف أغادر قبل الحادية عشر

كان عقرب الساعة يقترب من العاشرة و النصف عندما نظر ريلاند إلى ساعته , و أشار بأن العمل قد انتهى ذاك اليوم , ففهمت الإشارة و انسحبت بهدوء نحو الطابق العلوي كأنني أريد الاستعداد للنوم لكنني تسللت من الأسفل بهدوء عبر درج جانبي , ثم تسللت إلى الحديقة و قد أخذت حذري و لبست معطفا أسود طويلا

نظرت خلفي فجأة فوقعت عيناي على السيد ريلاند يخرج من نافذة مكتبه إلى الحديقة مسرعا لكي يفي بوعده , انطلقت مسرعا أكثر لكي أسبقه إلى المحجر , و هناك كان المكان خاليا , فتوجهت نحو شجيرات منعزلات في إحدى زوايا المحجر و قد تشابكت مع بعضها لأرقب الأحداث

و بعد عشر دقائق ظهر ريلاند يمشي بتشامخ , يلبس قبعته التي تدلت على عينيه و قد تدلى من فمه سيجاره الذي لا يفارقه , نظر حول المكان ثم نزل في حفر المحجر . سمعت همس رجال كان يصل إلى أذني مما يشير إلى أن الرجال الآخرين كانوا قد وصلوا إلى المكان أولا

خرجت من بين الشجيرات بهدوء شديد دون أي ضجيج , و تسللت منحدرا نحوهم ببطء و حذر شديدين , و اختفيت خلف صخرة كبيرة كانت تفصلني عنهم

كان الظلام يلف المكان , و كنت أسمع حديثهم بوضوح , و شعرت أني آمن في موقع استراتيجي غير مرصود , لكن المفاجأة المحتومة وقعت عندما نظرت إلى حافة الصخرة فوجدت نفسي فجأة أمام فوهة بندقية مصوبة نحوي , و إذا الرجل يكمن قرب الصخرة و قد وقعت في الشرك تماما .. ياللفزع !

صرخ في بلهجة مرعبة , و شعرت بفوهة البندقية الباردة على قفا عنقي !

قال ريلاند متشدقا : مرحبا , لقد كنت أنتظرك . ثم صاح بالرجل :
حسنا يا جورج , أحضره هنا

قادني الرجل و أنا أمتلئ غيظا و حنقا من هذا الفشل الكبير بعد أن تم تكميدي و تكبيلي بإحكام . و خاطبني ريلاند بلهجة حازمة كلها تهديد ووعيد :
- هذه هي نهايتكما , لقد حاولتما التدخل في شأن الأربعة الكبار أكثر من مرة , ولن يكون الأمر سهلا , هل سمعت بالانهيار الصخري ؟

لقد حدث مثل هذا الانهيار في هذا المكان قبل سنتين , و سيحدث آخر بعد قليل هنا أيضا , وسوف يتم ذلك بكل دقة و إحكام , لكن صديقك لا يحترم مواعيده بدقة كما يبدو , أليس كذلك ؟

اجتاحتني موجة رعب و شعرت بالرعدة تسري في جسدي حين ذكرت بوارو و أنه بعد لحظات سوف تقوده قدماه إلى الفخ و لا أملك أية وسيلة لتحذيره من هذا المصير المشؤوم , أستطيع فقط أن أدعو الله راجيا ألا يأتي هنا , و مع مرور الوقت كنت أشعر بالاطمئنان ..

فجأة اندفعا بسرعة بعد سماع وقع أقدام تقترب .. كان القادم هو بوارو , و صرخ ريلاند :
- ارفع يديك !

قفز ديفز مرافق ريلاند ف فاجأ بوارو من الخلف , لقد اكتمل الكمين . قال ريلاند :
- أنا مسرور بلقائك يا سيد بوارو

بدا بوارو ضابطا أعصابه بصورة عجيبة , لم يضعف و لم يهتز , لكني رأيت عيناه تبحثان يمنة و يسرة في الظلمة , سأل :
- صديقي هل هو لديكم ؟
- نعم , كلاكما في الفخ , فخ الأربعة الكبار !

ابتسم بوارو بسخرية ثم سأله :
- فخ ؟ أي فخ هذا ؟
- ألم تدرك ذلك حتى هذه اللحظة ؟
- أدرك أن هناك فخا لكنك مخطئ في ظنك يا سيد , أنت الذي وقع في الفخ لا أنا و صديقي !
- ماذا تقول ؟

رأيت الاضطراب على وجه ريلاند فيما راحت عيناه تبحثان في المكان و التطير بدأ يظهر في حركته و نبرة صوته ..

- إذا أطلقت النار فانك ترتكب جريمة قتل أما عشر عيون ترقب الحدث , سوف تشنق بسببها , المكان محاصر تماما , رجال سكوتلانديارد يحيطون بالمكان منذ ساعة سقط الملك في هذه الجولة يا سيد آبي ريلاند


ثم أصدر صفيرا مثيرا , و في برهة أصبح المكان يضج بحركة الرجال المسلحين حقا , كأن ذلك تم بطريقة سحرية , أمسكوا بريلاند و خادمه الخاص و جردوهما من السلاح , ثم تحدث بوارو بضع كلمات مع الضابط المسؤول , و بعد لحظات أصبح المكان خاليا من الرجال و الحركة , أقبل بوارو يعانقني كأني في حلم ليلي مرعب !
- انك لم تصب بأذى , هذا رائع , لقد لمت نفسي كثيرا لأني تركتك تذهب وحدك !
- إني في صحة تامة , لكنني مضطرب قليلا , لقد سقطت في شركهم الصغير , أليس كذلك ؟
- لكنني كنت أنتظره , و من أجل هذا كان عملك مع هذا الشخص . اسمك مزيف , و شخصيتك التضليلية لم يقصد منها الخداع أبدا يا عزيزي
- ماذا تقول ؟ هل أنت جاد في حديثك ؟ لماذا لم تخبرني بشيء عن هذا كله ؟

كانت الأسئلة تتبعثر من بين شفتي من الدهشة دون ضبط , و شعرت بعجزي عن فهم هذه اللعبة ..

- كما قلت لك يا هيستنغز , انك تتمتع ببراءة الأطفال يا صديقي , و إن لم تكن مخدوعا فيصعب عليك أن تخدع هؤلاء , لقد اكتشفت من أول لحظة و لقد توقعت كل ما حدث , إنها مسألة رياضية واضحة النتيجة لكل من يعمل خلاياه الرمادية بشكل صحيح , حاولوا أن يجعلوك طعما , وكانت الفتاة هي الوسيلة , فهل كان شعرها أحمر ؟
- إن كنت تقصد الآنسة مارتن , فان شعرها يحوي ظلا ناعما من اللون الخروبي , ولكن ..
- لقد درسوا شخصيتك بإمعان , انهم جماعة مدهشون !

نعم يا صديقي , كانت الفتاة متورطة تماما في المؤامرة , لقد كررت عليك الرسالة و هي تروي قصتها مع ريلاند , إنها طريقة ذكية بلا شك , و أنت استطعت تحليل الشفرة التي لم تكن صعبة على كل حال , لكن الشيء الذي لم يحسبوا حسابه أني كنت أنتظر هذا الفعل الذي سيقدمون عليه ثم تدبرت الأمور مع جاب و هكذا انتصرنا كما ترى

لم أشعر بالسرور تجاه ما حدث و لم أكن راضيا عن أسلوب بوارو هذا , و لقد علم شعوري

و في صباح اليوم التالي توجهنا إلى لندن في قطار الحليب الذي ينطلق مبكرا في رحلة غير مريحة على الإطلاق

خرجت من الحمام للتو غارقا في أحلامي بفطور لذيذ و إذا بصوت جاب ينبعث من غرفة الجلوس :
- لأول مرة أشعر أنك تندفع سريعا يا بوارو , ما هذا السراب الجميل الذي أوقعتنا فيه , حادثة سيئة بلا شك

كان بوارو في قمة دهشته ينظر إلى جاب بوجوم ثقيل و هو يتابع حديثه :
- لقد أخذنا اليد السوداء على محمل الجد , و إذا بذلك الشخص هو الخادم

صرخت فزعا :
- الخادم ؟
- نعم , انه جيمس أو أيا كان اسمه , انه يستطيع أن يمسك الرجل العجوز بأسنانه , وهو يستطيع أن يزوده بأشياء كثيرة عن الأربعة الكبار ..

صرخت بتشنج :
- مستحيل !
- لماذا لا تصدق ؟ لقد اقتدنا الرجل المحترم إلى هاتون شيز , و هناك وجدنا ريلاند الحقيقي نائما على سريره و معه كبير الخدم و الطاهي و الخادم الخاص , و الله يعلم كم ربح كل واحد منهم من هذا الرهان

بوارو – همسا - : ربما يكون إذن هو السبب في بقائه في الظل

نهض جاب و انصرف , كان الجو مليئا بالغموض و الذهول , نظر كل منا إلى الآخر بصمت و قال بوارو :
- إننا نعرف يا هيستنغز أن آبي ريلاند هو رقم ((2)) , و التنكر في دور الخادم كان هو الضمان الوحيد لخط الرجعة في حالة الطوارئ , أما الخادم ..

قلت و أنا ألتقط أنفاسي :
- نعم ؟

رد بوارو بهدوء :
- انه رقم ((4))

الكاتب: qassimy انقر هنا لمراسلة qassimy أنقر هنا للإنتقال إلى موقع qassimy إضافة للمفضلة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات القصة :  ارسل القصة لصديقك   طباعة القصة   حفظ القصة كملف Word   حفظ القصة كملف PDF



 

مكتبة الصور

مكتبة الصوتيات

مكتبة البطاقات

مكتبة الأخبار

مكتبة الفيديو

مكتبة الفلاشيات

مكتبة الجوال ألعاب الجوال نغمات الحمية والرجيم موسوعة الاعشاب تطوير الذات
ديوان الشعر عالم الجنس عالم المرأة الأذكار شرح البرامج

قنوات فضائية

الأدعية الصحيحة المنتديات مكتبة القصص موسوعة الطبخ

مجلة قصيمي نت

موسوعة الكتب