منتدى السواليف والضحك

العاب يوتيوب تلفزيون الحوادث والجريمة منتدى قصة وقصيدة منتدى القصص والروايات

 

العاب بنات

يوتيوب

قناة بث مباشر

games

 


قصص » قصص وروايات عالمية » ذات الخمار (قضايا بوارو المبكرة) اجاثا كريستي

 ذات الخمار (قضايا بوارو المبكرة) اجاثا كريستي  أضيف في: 6-8-1428هـ

لاحظت مؤخرا أن بوارو قد أصبح منذ بعض الوقت غير قانع وقلقا متبرما بشكل متزايد. لم تأتنا مؤخرا
قضايا مثيرة لم يأتنا شئ يمكن لصديقي أن يمارس من خلاله مواهبه العقلية الحادة وقدراته الاستنتاجية
البارزة. لقد قذف صباح اليوم بالصحيفة مطلقا لفظة "تشاه!" الدالة على نفاذ صبره, وهي لفظة عجب
مفضلة لديه يبدو عندما يطلقها كقطة تعطس. أطلق تلك اللفظة وقال: انهم يخشونني يا هيستنغز مجرمو
بلدك -بريطانيا- يخشونني! عندما يكون القط موجودا فان الفئران الصغيرة لا تقترب الجبن!

- لا أحسب أن الغالبية العظمى منهم تعرف بوجودك.

نظر بوارو الي مؤنبا. انه يتصور دوما أن العالم كله يفكر ويتحدث عن هيركيول بوارو. لا شك أنه حقق
لنفسه شهرة في لندن ولكنني لا أعتقد بأن وجوده يدب الذعر في عالم الاجرام. سألته: ماذا عن حادث
السطو على الجواهر الذي حصل في شارع بوند في وضح النهار قبل أيام؟

أجاب بوارو باستحسان: ضربة مميتة... مع أنها لا تقع ضمن اختصاصي. خطوة رشيقة نتيجة جرأتها على


الأقل! رجل يحمل عصا ثقيلة يهشم زجاج واجهة محل للجواهر وينتزع عددا من الأحجار الكريمة. يمسكه
مواطنون غيورون فورا ويصل شرطي, وبعدها يتبين بأن الأحجار الكريمة التي بحوزته مزيفة فقد مرر
الأحجار الحقيقية الى شريك له كان من المواطنين الغيورين سالفي الذكر. سيذهب الرجل الى السجن, هذا
صحيح, ولكن عندما يخرج فانه سيجد ثروة رائعة صغيرة بانتظاره. نعم, قضية فيها خيال لا بأس به
ولكنني لا أستطيع القيام بما هو أفضل من ذلك. انني أشعر أحيانا -يا هيستنغز- بالأسف لامتلاكي هذه
النزعة الأخلاقية فالعمل ضد القانون سيكون أمرا مسليا على سبيل التغيير.

- ابتهج يا بوارو؛ فأنت تعلم أنك فريد في حقل اختصاصك.

- ولكن أين هي القضايا المتوفرة في حقل اختصاصي؟

أخذت الصحيفة, ثم قلت: هاهو رجل انجليزي قتل بشكل غامض في هولندا.

- انهم يقولون ذلك دوما وبعدها يجدون انه قد تناول سمكا معلبا فاسدا وأن وفاته طبيعية تماما.

- حسنا, هذا شأنك ان كنت مصرا على التذمر.

قال بوارو بعد أن مشى حتى وصل النافذة: مرحى! هاهي في الشارع من تسمى في الروايات "بذات الخمار


السابغ". انها تصعد الدرج... لا بد أنها آتية لاستشارتنا. هاهي فرصة لوجود شئ مثير.
عندما تكون المرأة الشابة هكذا فانها لا تضع خمارا على وجهها الا لأمر عظيم.

دخلت ضيفتنا بعد دقيقة أو نحوها. وكما قال بوارو كان خمارها سابغا حقا وكان من المستحيل تمييز
ملامحها حتى رفعت خمارها الأسود الحريري وعندها أدركت أن حدس بوارو كان صحيحا فقد كانت المرأة


بارعة الجمال شقراء الشعر زرقاء العينين. وقد استنتجت على الفور -من البساطة المكلفة لملابسها- بأنها
تنتمي الى الطبقات العليا في المجتمع.

قالت السيدة بصوت موسيقي ناعم: سيد بوارو, انني أعيش مشكلة كبرى. لا أعتقد أن بامكانك مساعدتي
ولكنني سمعت عنك أشياء رائعة دفعتني الى القدوم اليك باعتبارك الأمل الأخير... متوسلة اليك أن تفعل
المستحيل.

- المستحيل... انه أمر لطالما يسرني. استمري -أرجوك- يا آنستي.

ترددت ضيفتنا الشقراء, فأضاف بوارو مستدركا: ولكن ينبغي أن تكوني صريحة. يجب أن لا تتركيني
جاهلا تجاه أية نقطة.

قالت الفتاة فجأة: سأثق بك. هل سمعت بالليدي ميليسنت كاسل فوغان؟

التفت اليها باهتمام شديد فقد ظهر اعلان خطبة الليدي ميليسنت لدوق ساوثشير الشاب قبل بضعة أيام.
وعملت أنها كانت الابنة الخامسة لشريف ايرلندي مفلس وأن دوق ساوثشير كان واحدا من أفضل الأكفاء
لها في انكلترا.

استمرت الفتاة قائلة: أنا الليدي ميليسنت. ربما تكون قد قرأت عن خطوبتي. يفترض أنني من أسعد الفتيات
ولكن... آه يا سيد بوارو... انني في ورطة فظيعة! بسبب رجل, رجل رهيب... اسمه لافينغتن, وهو... لا
أكاد أعرف كيف أخبرك. المشكلة في رسالة كتبتها. كنت وقتها في السادسة عشرة من عمري فقط, وهو...
وهو...

- رسالة كتبتها لهذا السيد لافينغتن؟

- آه, كلا... ليس له! بل الى جندي شاب كنت مغرمة جدا به وقد قتل في الحرب!

قال بوارو بلطف: نعم, فهمت.

- كانت رسالة حمقاء, رسالة طائشة, ولكنها لم تكن -فعلا- أكثر من ذلك يا سيد بوارو. ولكن فيها عبارات
قد... قد تحمل تفسيرات متباينة.

- نعم, وقد جاءت تلك الرسالة لتقع في حوزة السيد لافينغتن؟

- نعم, وقد أخذ يهدد. الم أدفع له مبلغا هائلا من المال, مبلغا يستحيل علي تماما أن أجمعه فانه سيرسلها
الى الدوق.

هتفت فجأة: الخنزير القذر... أستميحك عذرا يا آنسة ميلسنت.

قال بوارو: أليس من الحكمة أن تعترفي بكل شئ لزوج المستقبل؟

- لا أجرؤ على ذلك يا سيد بوارو. ان الدوق ذو شخصية فريدة بعض الشئ غيور وشكاك ويميل الى
تصديق أسوأ التفسيرات. قد يؤدي ذلك الى فسخ خطوبتي على الفور.

قال بوارو بتودد معبر: يا عزيزتي المسكينة, وما الذي تريدين مني فعله؟

- ظننت أنه ربما كان بوسعي أن أطلب من السيد لافنغتن أن يزورك. أستطيع أن أخبره بأنني خولتك
بمناقشة الأمر معه. ربما كان بوسعك أن تخفف من مطالبه.

- ما المبلغ الذي يطلبه؟

- عشرين ألف جنيه... أمر مستحيل. انني أشك في قدرتي حتى على جمع ألف واحدة.

- ربما كان بوسعك أن تقترضي مالا اعتمادا على زواجك المقبل المأمول, ولكنني أشك في امكانية
حصولك على نصف ذلك المبلغ. وبالاضافة الى ذلك فانه لأمر بغيض -بالنسبة لي- أن تضطري للدفع! لا,
ان عبقرية هيركيول بوارو ستهز أعداءك! أرسلي لي هذا السيد لافينغتن. هل يحتمل أن يحضر الرسالة
معه؟

هزت الفتاة رأسها بالنفي وقالت: لا أظن ذلك؛ فهو حذر جدا.

- والمفترض أن الرسالة معه بلا شك, أليس كذلك؟

- لقد أراني اياها عندما ذهبت الى بيته.

- ذهبت الى بيته؟... كان ذلك تصرفا طائشا يا سيدتي.

- حقا؟ لقد كنت يائسة جدا. كنت آمل أن تحركه توسلاتي.

- آه! لا, لا!! ان من شاكلة هذا الرجل لا تحركهم التوسلات! بل انه قد يرحب بها لأنها تظهر مدى الأهمية
التي تعلقينها على الوثيقة. أين يعيش هذا السيد الظريف؟

- في منزل يدعى بونا فيستا في ويمبلدون. ذهبت اليه هناك بعد حلول الظلام. قلت له انني سأبلغ الشرطة
في نهاية الأمر, ولكنه اكتفى بالضحك بطريقة بغيضة هازئة وقال: "بكل ترحيب يا عزيزتي الليدي
ميليسنت, افعلي ذلك ان أردت".

- نعم, انها قضية يصعب ايكالها للشرطة.

- بعد ذلك مضى قائلا: "أعتقد انك أكثر حكمة من أن تبلغي الشرطة. اُنظري هاهي رسالتك في صندوق
الألغاز الصيني هذا!" ورفعها بحيث أستطيع رؤيتها. حاولت أن أخطفها منه ولكنه كان أسرع مني. طواها
وهو يبتسم ابتسامته الكريهة وأعادها الى الصندوق الخشبي الصغير وقال: "ستكون آمنة جدا هنا أؤكد لك
ذلك كما أن الصندوق نفسه موضوع في مكان خفي بحيث لن تجديه أبدا". وعندما تحولت عيناي الى
الخزنة الجدارية الصغيرة هز رأسه وضحك وقال: "كلا, ان لدي خزنة أفضل من هذه". آه, لقد كان
بغيضا! هل تعتقد يا سيد بوارو أن بوسعك مساعدتي؟

- ضعي ثقتك في "بابا بوارو"... سأجد طريقة لمساعدتك.

وعندما ودع بوارو زبونته مصطحبا ايها الى أسفل الدرج, فكرت بأن تأكيداته تلك كانت كلها أمرا لا بأس
به ولكن بدا لي أن أمامنا صخرة صلدة علينا أن نناطحها. قلت ذلك لبوارو عندما عاد الى الغرفة فهز رأسه


بحزن وقال: نعم, فالحل لا يبدو ظاهرا للعيان. وهذا السيد لافنغتن هو صاحب الأفضلية واليد العليا ولست
أرى الآن كيف يمكن لنا أن نحتال عليه.

زارنا السيد لافنتغن عصر ذلك اليوم. كانت الليدي ميليسنت محقة عندما وصفته بأنه بغيض
فقد شعرت بوخز حقيقي في نهاية قدمي يدفعني بشدة لأركله من أعلى الدرج. كان صخابا متغطرسا في
أسلوبه وقد عامل مقترحات بوارو اللطيفة بمنتهى الازدراء وفرض نفسه -بشكل عام- سيدا للموقف. ولم
أستطع تجنب الاحساس بأن بوارو لم يكن في أحسن حالاته, اذ بدا خائبا مكتئبا.

قال لافنتغن وهو يتناول قبعته: حسنا أيها السادة. يبدو أننا لا نتقدم كثيرا. القضية الآن هي كما يلي: سأحرر


الليدي ميليسنت من هذا الأمر لقاء ثمن بخس كونها شابة رائعة الجمال. ولنقل: ثمانية عشر ألفا. سأسافر
الى باريس اليوم فلدي عمل بسيط علي الاعتناء به هناك وسوف أعود يوم الثلاثاء. وما لم تدفع الأموال
مساء الثلاثاء فستذهب الرسالة الى الدوق. لا تقولا لي ان الليدي ميليسنت لا تستطيع جمع المبلغ؛ فبعض
أصدقائها من الرجال سيكونون على أتم الاستعداد لتطويق عنق امرأة فاتنة كهذه بدين يبذلونه لها... ان
اتبعت الطريقة المناسبة في ذلك.

تورد وجهي خجلا وحنقا, وتقدمت خطوة للأمام ولكن لافنغتن كان قد غادر الغرفة فور انهاء كلامه.

صحت قائلا: يا الهي! لابد أن نفعل شيئا. انك تبدو وكأنك ستقبل ذلك صاغرا يا بوارو.

- ان لك قلبا بالغ الطيبة يا صديقي, ولكن خلايا دماغك الرمادية بحالة يرثى لها. لم تكن لدي الرغبة بابهار
السيد لافنغتن بقدراتي. كلما رأى في مزيدا من الجبن كان ذلك أفضل.

- لماذا؟

تمتم بوارو متذكرا: انه لمن الغريب أنني عبرت عن رغبة بالعمل ضد القانون مباشرة قبل وصول الليدي
ميليسنت!

قلت بلهفة: هل ستسطو على منزله وهو مسافر؟

- أحيانا يكون تفكيرك يا هيستنغز سريعا الى حد مدهش.

- واذا افترضنا أنه أخذ الرسالة معه؟

هز بوارو رأسه مشككا وقال: احتمال ضعيف تماما. من الواضح أن لديه مخبأ في منزله يظنه حصينا جدا.

- ومتى نقوم... بالفعلة؟

- ليلة غد. سننطلق من هنا في نحو الحادية عشرة ليلا.

في الموعد المحدد كنت جاهزا للانطلاق وقد ارتديت بدلة سوداء وقبعة سوداء رقيقة. أشرق وجه بوارو
وقال ملاطفا: أراك ارتديت ما يناسب الدور. هيا, دعنا نستقل قطار الأنفاق الى ويمبلدن.

- ألن نأخذ معنا أدوات لمعالجة الباب واقتحام المنزل؟

- يا عزيزي هيستنغز! ان هيركيول بوارو لا يلجأ الى وسائل بدائية كهذه.

تراجعت وقد خذلتني ملاحظته, ولكن فضولي كان يقظا مشحوذا. كانت الساعة تمام الثانية عشرة ليلا عندما


دخلنا الحديقة الصغيرة للمنزل المسمى بونا فيستا الواقع في ضواحي المدينة. كان البيت مظلما ساكنا, وقد
مضى بوارو مباشرة الى نافذة خلف المنزل, حيث رفع اطار زجاجها بهدوء وأومأ لي بالدخول.

همست وقد بدا الأمر لي بالغ الغرابة: كيف عرفت بأن هذه النافذة ستكون مفتوحة؟

- لأنني نشرت مزلاجها بالمنشار صباح اليوم.

- ماذا؟

- نعم. كان ذلك أسهل ما يكون, فقد زرت هذا البيت وقدمت بطاقة تعريف مزيفة كواحدة من بطاقات
المفتش جاب الرسمية. وقد قلت بأنني أرسلت بناء على توصية من سكوتلانديارد لكي أعنى بتركيب الأقفال


التي تستعمل ضد السطو والتي طلب السيد لافنغتن تركيبها أثناء غيابه, وقد رحبت بي مدبرة المنزل بكل
حماسة. ويبدو أنهم تعرضوا لمحاولتي سطو هنا مؤخرا دون فقدان شئ ذي قيمة, فمن الواضح أن فكرتنا
الصغيرة هذه قد خطرت لأناس آخرين من المتعاملين مع السيد لافنغتن. وهكذا تفحصت جميع النوافذ وقمت


بهذا الترتيب البسيط وحرمت على الخدم لمس النوافذ حتى يوم غد باعتبارها موصولة بالتيار الكهربائي, ثم


انسحبت بكل احترام.

- أنت حقا رائع يا بوارو.

- يا صديقي, كان ذلك من أبسط الأمور. والآن, الى العمل! ان الخدم ينامون في الطابق العلوي من
المنزل, ولذلك ينبغي أن لا نجازف بايقاظهم.

- أفترض أن الخزنة مبنية داخل أحد الجدران في مكان ما, أليس كذلك؟

- الخزنة؟ هراء! لاتوجد خزنة؛ فالسيد لافنغتن رجل زكي. وسترى بأنه قد ابتكر مخبأ أذكى بكثير من
الخزنة. فالخزنة هي أول ما يبحث عنه الجميع.

وهكذا بدأ بوارو بحثا منظما في البيت كله. ولكن بعد بضع ساعات من التفتيش الدقيق للمنزل لم يكن بحثنا
قد حقق أي جدوى, ورأيت أعراض الغضب تتجمع على وجه بوارو وقال: آه! تبا! هل سيغلب بوارو؟ أبدا!


دعنا نهدأ قليلا. دعنا نفكر ونستخدم المنطق. دعنا -أخيرا!- نستخدم خلايا دماغنا الرمادية!

ثم صمت بضع دقائق وقد قطب جبينه لأغراض التذكير, وبعدها التمع في عينيه ذلك الضوء الأخضر الذي


أعرفه جيدا, ثم قال: لقد كنت أحمق... المطبخ!

- المطبخ؟ ولكن ذلك مستحيل. والخدم؟!

- بالضبط. هذا من شأنه أن يقوله تسعة وتسعون بالمئة من الناس! ولهذا السبب بالذات فان المطبخ هو
الخيار المثالي, فهو مليء بالأواني المنزلية المختلفة. امض قدما الى المطبخ!

تبعته وأنا مرتاب تماما, ووقفت أراقبه وهو يغوص برأسه في حاويات الخبز والقوارير والأواني, ويدخل
رأسه في فرن الغاز. وفي النهاية سئمت من مراقبته فعدت الى غرفة المكتب. كنت مقتنعا بأننا لن نجد
بغيتنا الا هناك, وهناك فقط. أجريت تفتيشا دقيقا آخر ولاحظت أن الساعة قد بلغت عندئذ الرابعة والربع
وبالتالي فان الفجر قد بات وشيكا, ثم عدت المطبخ.

وقد كان من دواعي دهشتي الكاملة أن أجد بوارو واقفا في وسط سلة الفحم تماما مفسدا بذلك بدلته الأنيقة
ذات اللون الفاتح. أومأ الي وقال: نعم يا صديقي... ان افساد بدلتي على هذا النحو مناقض لكل طبائعي,
ولكن ماذا عساني أفعل؟

- ولكن من غير الممكن أن يكون لافنغتن قد دفنها تحت الفحم؟

- لو أنك استخدمت عينيك لرأيت أن ما أتفحصه ليس الفحم.

رأيت على رف خلف حاوية الفحم بعض جذوع الحطب المكومة. كان بوارو ينزل تلك الجذوع ببراعة
واحدا بعد الآخر, وفجأة هتف بصوت منخفض: أعطني سكينك يا هيستنغز!

أعطيته اياها. وبدا وكأنه يدخلها في الجذع الخشبي, وفجأة انفلقت الحطبة الى نصفين. كانت قد نشرت
بشكل متقن من المنتصف وحفرت فجوة في وسطها. أخرج بوارو من تلك الفجوة علبة خشبية صغيرة
صينية الصنع.

صحت وقد نسيت نفسي: أحسنت صنعا!

- بهدوء يا هيستنغز! لا ترفع صوتك أكثر. تعال, دعنا ننصرف قبل أن يداهمنا ضوء النهار.

دس العلبة الخشبية في جيبه, وقفز بخفة من سلة الفحم, ونفض الأوساخ عن ثيابه قدر المستطاع. وبعد أن
غادرنا المنزل -بنفس الطريقة التي دخلناه بها- انطلقنا بسرعة باتجاه لندن.

قلت: ولكن يا له من مخبأ غريب! كان يمكن لأي واحد أن يستخدم الحطبة للوقود.

- في شهر تموز يا هيستنغز؟ كما أنها كانت في أسفل كومة الحطب... مخبأ عبقري جدا. آه, هاهي سيارة
أجرة قادمة! والآن الى البيت, وبعدها حمام يزيل الأوساخ ثم نومة تعيد النشاط.

بعد انفعلات تلك الليلة نمت الى وقت متأخر. وعندما توجهت أخيرا الى غرفة الجلوس قبيل الساعة الواحدة


ظهرا فوجئت برؤية بوارو وقد استند الى الخلف في أريكته, والعلبة الصينية مفتوحة بجانبه وهو يقرأ -
بهدوء- الرسالة التي أخرجها من العلبة.

ابتسم لي بمودة ونقر بأصابعه على الورقة التي يحملها وقال: لقد كانت الليدي ميليسنت صادقة تماما فيما
قالته. لم يكن الدوق ليغفر مثل هذه الرسالة! انها تحوي بعضا من أكثر عبارات الحب والعشق التي
صادفتها في حياتي تهورا واسرافا.

قلت بشئ من التقزز: لا أعتقد -فعلا- يا بوارو أن من حقك قراءة الرسالة؛ فمثل هذه الأمور ينبغي عدم
فعلها.

أجاب صديقي بهدوء: ان هيركيول بوارو يفعلها.

- وأمر آخر... فأنا أعتقد أن استخدام بطاقة تعريف خاصة بالمفتش جاب البارحة لم يكن أبدا من أصول
اللعبة.

- ولكنني لم أكن ألعب لعبة يا هيستنغز, بل كنت أحل قضية.

رفعت كتفي امتعاضا؛ فلا يمكن للمرء أن يحاجج في وجهة نظر مع بوارو, أما هو فقال: أسمع خطوات
على الدرج, لا بد أنها الليدي ميليسنت.

دخلت زبونتنا الحسناء وعلى وجهها تعبير لهفة تغير الى تعبير سعادة لدى رؤيتها الرسالة والعلبة اللتين
رفعهما بوارو أمامها. قالت: آه يا سيد بوارو. كم هو رائع منك ما فعلت! كيف فعلت ذلك؟

- بأساليب تستحق الشجب نوعا ما يا سيدتي. ولكن السيد لا فنغتن لم يمضي -بعد- في مضايقتك. هاهي
رسالتك, أليست هي؟

ألقت نظرة على الرسالة ثم قالت: بلى, كيف لي أن أشكرك! انك رجل رائع, رائع. أين كانت مخبأة؟

أخبرها بوارو بذلك, فقالت: "كم هو ذكي منك ما فعلته!", وتناولت العلبة الصغيرة عن الطاولة قائلة:
سأحتفظ بها تذكارا.

- كنت آمل -يا سيدتي- أن تسمحي لي بأن أحتفظ بها أنا... أيضا تذكارا.

- آمل أن أرسل لك تذكارا أفضل من هذا في يوم زواجي. سوف لن تجدني قليلة العرفان يا سيد بوارو.

- ان سعادتي في أداء خدمة لك أكبر من أي مال, ولذلك اسمحي لي بأن أحتفظ بالعلبة.

صاحت ميليسنت وهي تضحك: "آه, كلا يا سيد بوارو. علي -ببساطة- أن آخذ العلبة". ومدت يدها لتأخذها
ولكن بوارو سبقها فغطى العلبة بيده وقال بصوت تغيرت نبرته: لا أعتقد ذلك.

بدا وكأن صوتها يزداد حدة وهي تقول: ما الذي تعنيه؟

- اسمحي لي -على أي حال- أن نستخرج محتوياتها الأخرى. لعلك لاحظت بأن الفراغ الأصلي للعلبة تم
اختصاره بمعدل النصف. في النصف العلوي توجد الرسالة الغرامية, وفي النصف السفلي...

ثم قام بحركة رشيقة, مد بعدها يده وفي راحتها أربعة أحجار كريمة ضخمة براقة, ولؤلؤتان كبيرتان بلون
الحليب.

تمتم بوارو: الجواهر التي سرقت من شارع بوند قبل أيام كما يخيل الي... جاب سيخبرنا ان كانت كذلك.

كان من دواعي دهشتي التامة أن يخرج جاب من غرفة نوم بوارو. قال بوارو يخاطب الليدي ميليسنت
بأدب: أعتقد أنه من أصدقائك القدامى.

قال الليدي ميليسنت وقد تغير سلوكها تماما: "اعتقلت والله! يا لك من شيطان عجوز لعين!". ثم نظرت الى
بوارو برهبة تكاد تصل حد الاعجاب.

قال لها جاب: حسنا يا عزيزتي غيرتي... أظن أن اللعبة انتهت هذه المرة. ما أروع أن أراك ثانية بهذه
السرعة! لقد وقع زميلك أيضا, الرجل الذي أتى الى هنا أمس وقد سمى نفسه لافنغتن. أما لافنغتن الحقيقي
نفسه,المعروف باسم كروكر أيضا, وباسم ريد, فلا أدري أي رجال العصابات طعنه بسكين قبل أيام في
هولندا. لقد ظننتِ أنه أخذ "البضاعة" معه, أليس كذلك؟ ولكنه لم يأخذها. لقد خدعك بشكل ذكي, وخبأ
الجواهر في بيته. ولقد استأجرت رجلين للبحث عنها, ثم اتصلت بالسيد بوارو هنا, وقد وجدها بضربة حظ
عجيبة.

قالت الليدي المزورة: انك تحب الكلام حقا, أليس كذلك؟ على رسلك, لا داعي للشدة. سأذهب معك
بهدوء... لا يمكنك الادعاء بأنني لست سيدة كاملة. وداعا جميعا!

قال بوارو حالماً فيما كنت أنا ذاهلا عن الكلام: كان الخطأ في حذائها. لقد جمعت كثيرا من الملاحظات
الصغيرة عن شعبك الانكليزي, ومن هذه الملاحظات أن سيدة ابنة عائلة ذات منبت كريم تكون -عادة-
شديدة الاهتمام بحذائها. قد تكون رثة الملابس ولكنها تكون -مع ذلك- جيدة الحذاء. أما هذه الليدي ميليسنت
فقد ارتدت ملابس أنيقة باهظة الثمن, وحذاء رخيصا.

لم يكن من المحتمل أن نكون أنا أو أنت قد رأينا الليدي ميليسنت الحقيقية؛ فهي نادرا ما تكون في لندن.
وهذه الفتاة لديها شبه ظاهري بها يمكن له أن يمرر الخدعة بشكل جيد. وكما قلت: لقد كان الحذاء هو أول
ما أيقظ شكوكي, ثم قصتها, وخمارها... كانا مؤثرين قليلا, أليس كذلك؟ ولا بد أن العلبة الصينية التي
تحوي الرسالة الغرامية المزيفة في فجوتها العليا كانت معروفة لكل العصابة, ولكن حطبة الخشب كانت
فكرة السيد لافنغتن الراحل.

آه, ولذلك يا هيستنغز فانني آمل أن لا تجرح مشاعري ثانية كما فعلت أمس بقولك انني غير معروف في
عالم الاجرام؛ فحتى المجرمون يلجؤون الي عندما يفشلون هم شخصيا!

الكاتب: qassimy انقر هنا لمراسلة qassimy أنقر هنا للإنتقال إلى موقع qassimy إضافة للمفضلة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات القصة :  ارسل القصة لصديقك   طباعة القصة   حفظ القصة كملف Word   حفظ القصة كملف PDF



 

مكتبة الصور

مكتبة الصوتيات

مكتبة البطاقات

مكتبة الأخبار

مكتبة الفيديو

مكتبة الفلاشيات

مكتبة الجوال ألعاب الجوال نغمات الحمية والرجيم موسوعة الاعشاب تطوير الذات
ديوان الشعر عالم الجنس عالم المرأة الأذكار شرح البرامج

قنوات فضائية

الأدعية الصحيحة المنتديات مكتبة القصص موسوعة الطبخ

مجلة قصيمي نت

موسوعة الكتب