منتدى السواليف والضحك

العاب يوتيوب تلفزيون الحوادث والجريمة منتدى قصة وقصيدة منتدى القصص والروايات

 

العاب بنات

يوتيوب

قناة بث مباشر

games

 


قصص » قصص وروايات عالمية » العميل السري - أجاثا كريستي 1

 العميل السري - أجاثا كريستي 1  أضيف في: 6-8-1428هـ

،:،:، لمحبي قصص المغامرات والجاسوسية والمخابرات ،:،:،

،:،:، تدور أحداثها حول الحرب مع ألمانيا ومحاولة كشف ،:،:،

،:،:، المراكز وعملاء العدو الموكلة لهم مهمة تكوين الطابور ،:،:،

،:،:، الخامس في بريطانيا ،:،:،



*
*
* * *
* *
*


:: الفصل الأول ::



نحن في ربيع عام 1940
رفعت مسز " بروسفورد" ووجهها إلى زوجها حين دخل الغرفة وقالت:
-لست أدري سببا يا عزيزي " تومي " يجعلك متجهم الوجه على هذه الصورة .. ماذا هناك؟
- لم أجد عملا حتى الآن .. سواء في الجيش أو البحرية أو الطيران أو حتى وزارة الخارجية .. إن الجميع يجيبون على سؤالي بنفس الإجابة ( فيما بعد .. قد محتاج إليك ) حتى أصبحت لا أطيق سماع تلك الإجابات .. رجل في السادسة والأربعين .. يعامل كأنما لا مقدرة له على العمل .. هذا أمر لا يطاق ..!
- إنها نفس المسألة بالنسبة إلي .. إنهم لا يريدون ممرضات في مثل سني .. انهم يأخذون فتيات لم يرين جرحا في حياتهن .. لقد نسوا أنني عملت ممرضة من عام 1915 إلى عام 1918 وأنني عملت أيضا في قيادة السيارات ..
- يعزيني أن ابنتنا " ديبورا " قد وجدت عملا فيها .. وكذلك ولدنا " ديريك " ولو أن المساعدة المالية التي يمدني بها تحز في نفسي وتشعرني أنني أصبحت ذلك الرجل المسن .. هل أصبحنا لا فائدة ترجى منا.. ؟ اني افكر احيانا ان القطار قد فاتنا .
فظهرت أمارات الغضب على وجع توبنس وتركت كرة الصوف تتدحرج من حجرها ثم قالت :
- هل فاتنا القطار حقيقة .. رباه !!
- ربما .. ولكن يعزيني أننا كنا موضع اهتمام الجميع في وقت من الأوقات.. فقد اختطفني الألمان كما تذكرين، واحتلت للنجاة بمعجزة، كما تتبعت آثار ذلك المجرم الخطير حتى قبض عليه.. وتلك الفتاة التي أنقذنا حياتها.. وأوراق المعاهدة السرية الهامة.. لقد شكرتنا الأمة والدولة حينذاك..
- والآن أصبح مستر و مسز " برسفورد " لا يحتاج أحد إلى مجهوداهما..
- لا فائدة من هذا الحزن يا عزيزتي .. إنه يؤذيك..
- لقد أخلف مستر كارتر ظننا فيه..
- لا تنسي أنه كتب لنا خطابا غاية في الرقة ..
- لم يكن فيه ما يبعث على الأمل..
- لست أظن أنه يستطيع أن يفعل شيئا في هذه الأيام .. ثم أنه يقيم في اسكتلندا الآن ليسلي نفسه بصيد السمك ..! لقد أصبح هو الآخر مسنا.
- ربما يحتاجون إلينا في عمل بإدارة الاستعلامات؟
- لا أظن، فإن أعصابنا لن تعد تحتمل ..

ورن جرس باب الشقة .. فقامت توبنس وفتحت الباب ..
وقال القادم :
- مسز برسفورد؟
- نعم ..
- إنني جرانت .. أحد أصدقاء لورد ايسامتون.. وقد طلب مني زيارتكما أنت وزوجك ..
- أوه .. تفضل بالدخول ..

وسارت أمامه إلى حجرة الجلوس .. ثم قالت :
- هذا زوجي .. وهذا مستر جرانت انه صديق مستر كارتر . أعني لورد ايسامتون..

وكان اسم مستر كارتر رئيس إدارة الاستعلامات السابق أسهل نطقا من لقبه الجديد لورد ايسامتون وبعد أن تبادل الجميع التحيات .. قدمت توبنس كؤوس النبيذ للرجلين.. وكان مستر جرانت رحلا لطيف الحديث.. قال بعد فترة:
- سمعت يا برسفورد أنك تبحث عن عمل؟
- أجل .. هل تعني..؟
- لا .. فإن الأعمال يحسن أن تترك للشباب .. أو على الأقل لأولئك الذين تمرسوا فيها عدة سنوات دون انقطاع .. إنما كل ما اعرضه عليك الآن .. هو عمل في أحد المكاتب.. تخريم أوراق وحفظها في ملفاتها .. وما أشبه ذلك ..
- أوه ..
- انه شيء أحسن من لا شيء على كل حال.. ومع ذلك أرجو أن تزورني في مكتبي بالغرفة رقم 22 بوزارة المهمات الحربية.. وهناك نستطيع أن نتفاهم..

ورن التليفون ، فأسرعت توبنس ورفعت السماعة..
- هالو .. نعم .. ماذا؟
وسمع من الطرف الآخر صوت يتكلم في جزع ولهفة.. وتغير وجه توبنس ..
- متى ؟ أواه .. عزيزتي طبعا .. إني سأحضر إليك حالا..
ووضعت السماعة ثم قالت لزوجها :
- تومي .. إنها مورين ..
- لقد خمنت ذلك .. فقد عرفت صوتها..
- آسفة جدا .. يا مستر جرانت إنها صديقتي .. التوت قدمها وليس معها من يعني بها .. ويجب أن اذهب إليها .. أرجو أن تلتمس لي العذر في الانسحاب ..
- طبعا.. مسز برسفورد .. إنني أقدر ذلك ..

ابتسمت له مسلمة .. وتناولت معطفها وخرجت من الحجرة.. وسمع الرجلان باب الغرفة يوصد بعنف.. وصب تومي قدحا من النبيذ لضيفه فتناوله .. وبعد لحظة قال :
- هل تعلم؟ إن خروج زوجتك المفاجئ قد خدمنا .. فانه سيوفر الوقت..
لقد اقترح ايسامتون اسمك.. وقال لنا انك الوحيد الذي يصلح لتلك المهمة.
- أية مهمة ..!
- طبعا.. أنت تفهم .. إن ما سأقوله لك سري جدا.. حتى زوجتك يجب ألا تعلم عنه أي شيء..
- لا بأس .. مادمتم تريدون ذلك.. ولكن لقد اشتركت مع زوجتي دائما.
- اني أعلم ذلك. ولكن هذه المهمة بالذات لك وحدك ..
- وهو كذلك ..
- وكما سبق أن قلت لك.. ستزعم أمام الجميع أنك كلفت بعمل كتابي في جهة ما باسكتلندا، جهة محظور عليك ذكر اسمها، ولا يمكن أن ترافقك زوجتك إليها.. ولكنك في الواقع ستذهب إلى جهة أخرى.. لاشك أنك قرأت في الصحف عن الطابور الخامس، وتدرك طبعا ماذا يعني هذا التعبير..
- العدو الذي بيننا..
- بالضبط.. وأحب بهذه المناسبة أن اقول يا برسفورد ان هذه الحرب بدأت وحالة الشعب النفسية متأثرة بنوع من التفاؤل المصطنع.. وإني لا أقصد طبعا أولئك الذين يدركون الأمور على حقيقتها مثلنا.. فإننا نفهم بلا شك ما وراءنا وما أمامنا كمقدرة العدو العامة وقواته الحربية ولكني اعني الشعب رجل الشارع الذي تأثر بما سمع أو بما يريد أن يسمع من ألمانيا سوف تتصدع عما قريب.. وأنها على أبواب الثورة وان عدتها الحربية قد صنعت من القصدير وأن جنودها يتساقطون من فرط الجوع.. إلى غير ذلك.. بينما الواقع يجري على العكس دائما..
- هذا ما يدركه كل عاقل..
- بالضبط ولا تنس إننا بدأنا في أوائل الحرب بلا نظام يلم شعبنا.. وكانت استعداداتنا في غاية النقص، ولعل ذلك يرجع إلى أننا لم نكن نرغب في الحرب ، فلم ننظر الى شتى الاحتمالات بشكل جدي ولم نحسن الاستعداد لمجابهتها.. وان كنا.. بعد مرور أكثر من سنة قد صححنا هذه الأوضاع على حد كبير، ووضعنا كلا في مكانه الذي يناسبه، وأصبحنا نوجه الدفة كما يجب أن توجه. ويمكننا أن نكسب الحرب وهذا لا شك فيه – إذا لم نرتكب الخطأ الأول.. ونحن لا ننظر الى الخسارة كنتيجة لأعمال العدو الظاهرة، كقوة قاذفات القنابل ولا في تسلط ألمانيا الشامل على البلاد التي تستغلها لمصالحها الاقتصادية واستعمال الألمان لتلك البلاد كمراكز للقفز علينا.. لا هذا ولا ذاك.. ولكن الخطر الذي نخشاه يأتي من الداخل.. من قصة طروادة.. والحصان الخشبي الذي أدخل إلى أسوارها .. وتستطيع أن تسميه الطابور الخامس إذا أردت .. وهو يتألف من نساء ومن رجال يشغل بعضهم مراكز عالية والبعض الاخر مراكز من كل لون.. ولكنهم جميعا يؤمنون بالعقيدة النازية.. ويعملون جاهدين على احلالها محل وسائلنا البسيطة في الحياة الديمقراطية.. وأهم من هذا كله.. أننا لا تعرف من هم هؤلاء..
ولكن بكل تأكيد ..
- نستطيع أن نصل إلى العصافير الصغيرة.. فهذا من السهولة بمكان.. ولكن العقبان والنسور.. هي التي تهمنا.. فهناك اثنان على الأقل يشغلان وظائف كبرى في البحرية، وأكاد أجزم بان احدهما يعمل في مكتب الجنرال ( ج ).. كما نعلم أن ثلاثة أو أكثر في أهم مراكز سلاح الطيران، وأن اثنين على الأقل في إدارة المخابرات يطلعان باستمرار على قرارات مجلس الوزراء السرية.. إننا نعلم كل هذا لان الطريقة التي تتسرب لها أخبارنا إلى العدو تدل عليه..
- ولكن .. إنني لا أعرف أحدا من هؤلاء..
- بالضبط.. كما أن أحدا منهم لا يعرفك وهذا هو ما يهمنا.. فهؤلاء القوم.. ذوو المراكز العالية يعرفون رجالنا جميعا ,, وقد أرهقتنا محاولات كشفهم أو حتى تضليلهم، حتى وصلنا إلى حالة من اليأس لا نحسد عليها .. فذهبنا الى ايسامتون نستشيره.. ورغم أنه لا يعتبر من رجالنا نظرا لمرضه.. ولكنه يعتبر ألمع ذهن عرفناه.. ففكر فيك وقال ان عشرين سنة قد مضت منذ تركت العمل في هذه الإدارة.. وانقطعت صلتك بها كما ان شبهك لا يعرفه أحد .. فما رأيك ؟
- أقبل..! طبعا.. ولكن.. ولكن لا أدري كيف يمكن لي أن أفيدكم..
- يا عزيزي برسفورد .. ان تفكير الهواة وتصرفاتهم هو ما نريد.. فالأمور تتعقد بالنسبة إلى المحترف.. ثم لا يحفى عليك أنك ستحل محل أقدر رجالنا..
- ماذا؟
- نعم .. فقد توقي فاركوهار المسكين في مستشفى بريدجت يوم الثلاثاء الماضي.. بصدمة لوري، وعاش بضع ساعات بعد الصدمة.. وقد يخيل للعابر أنها حادثة طريق.. ولكنها ليست كذلك .
- أ متأكد أنت؟
- طبعا.. وهذا ما يجعلنا نعتقد أنه كان وراءه أثر هام.. وقد بقى فاقد الوعي بعد الصدمة، وقبل الوفاة بلحظات حاول أن يقول شيئا.. وكان كل ما سمعناه منه هذه العبارة: ( ن.. او.. م.. سونج سوزي..).
- لا أعتقد أن في هذا ما ينير السبيل..!
- قد يكون فيه أكثر مما تظن.. فإن ( ن او م ) هو رمز سمعناه قبل تلك اللحظة وهو ينبئ عن اثنين من أهم وكلاء الألمان.. وقد عرفنا بعض الشيء عن نشاطيهما في البلاد الأخرى.. وليس لدينا عنهما معلومات كثيرة .. ولكننا نعلم أن مهمتهما هي الاشراف على تكوين الطوابير الخامسة في البلاد المختلفة، وهما يقومان بمهمة ضابط الاتصال بين ألمانيا وبين الطابور الخامس في أي بلد من البلاد المختلفة ، وأغلب الظن أن ( ن ) رجل وأن ( م ) سيدة ، وأنهما أعظم من وثق بهما هتلر بين مبعوثية.. وقد استطعنا الحصول في مستهل الحرب على صورة برقية أرسلت من برخستجادن جاء فيها " أرى تعيين ( ن ) أو ( م ) لانجلترا على أن يمنحا كل السلطات.. ".
- وماذا عن فاركوهار؟
- أظن أنه تتبع أثر أحدهما أو كليهما.. ولم نعلم أيهما لسوء الحظ، أما عن كلمة ( سونج سوزي ) فأطن أنها حرفة، نظرا لما نعلمه من عدم تمكن فاركوهار من اللغة الفرنسية، وقد وجدنا في أحد جيوبه تذكرة عودة الى مقاطعة ليهامتن على الساحل الجنوبي.. وفي تلك المنطقة كثير من البنسيونات والاستراحات والفنادق الخاصة,, وبعد التحري وجدنا أن أحدها يسمى ( سان سوسي ).
- هكذا .. ( سونج سوزي ) .. ( سان سوسي ).. فهمت.. وعلي أن اذهب الى هناك .. وأرى ماذا أستطيع أن اعمل ..
- تماما..
- لكن المسألة فيما أرى غير واضحة المعالم. فاني لا أكاد اعلم ما الذي أبحث عنه؟
- وأنا شخصيا لا أعلمه.. وعليك أن تجده، وعسى أن يساعدك الحظ..
- حدثني عن ذلك المكان.. أعني ( سان سوسي) .
- ربما كان كوخا.. وربما كان شيئا آخر.. ولعل فاركوهار كان يفكر في أمر أبعد عن كل ما نفكر فيه.. ان المسألة لا تعدو ان تكون تخمينا مجردا..
- وماذا عن ليهامتن نفسها؟
- إنها كأي مثيلاتها.. مجموعات من الأكواخ والعشش والفيلات والمنازل الصغيرة، تقيم فيها سيدات مسنات وضباط متقاعدون وعوانس طاهرات.. ورواد غامضون وربما بعض الجواسيس.. وبعض الأجانب .. إنها تبدو كحقيبة الطباخ..
- و ( ن ) أو ( م ) بين كل هؤلاء؟
- ليس ذلك ما يمكن الجزم به.. فربما وجدت أحد أعوانهما. ولكني أرجح ان يكون ( ن أو م ) هناك .. فالمكان لا يرقى إليه الشك .. بيت منعزل في بقعة ساحلية.
- أليس لديك فكرة.. عما إذا كان الشخص الذي سأبحث عنه رجلا أو امرأة؟
- كلا .. وأتمنى لك حظا سعيدا يا برسفورد.. والآن إلى التفاصيل..
عادت توبنس بعد نصف ساعة فوجدت زوجها وحيدا يصفر لحنا وقد بدت عليه أمارات الشك ، فقال لها:
- حسن.. لقد حصلت على عمل مكتبي.. في اسكتلندا .. حفظ مستندات وما شابه ذلك.. انه لا يبدو عملا مثيرا..
- لكلينا .. أم لك وحدك ؟
- أخشى أن يكون لي وحدي..
- اللعنة.. كيف يعاملنا مستر كارتر بهذه الوسائل الـ..
- ان اختلاط الجنسين غير مسموح به في مثل هذه الأعمال يا توبتس .. والا صعب على الموظفين تركيز تفكيرهم في العمل ..
- يظهر انه من تلك الأعمال التي ترهق الأعصاب .. كذلك الذي تقوم به ديبورا ابنتي.. واني أرجو ألا ترهق نفسك يا تومي بقدر الامكان فتحطم أعصابك..
- لست من هؤلاء كما تعلمين..
- أرجو ذلك.. ولو أنني اعتقد انك عرضة لما أقول.. ألا يمكن ان آتي معك؟ لا كزميلة في العمل.. وإنما .. كزوجة فقط.. تعد لك طعام العشاء .. و.
- إني آسف.. وكم يؤلمني أن أتركك يا عزيزتي.. على أي حال تستطيعين ان تشغلي نفسك بالـ.. تريكو..
- التريكو .. التريكو..
وقذفت بالكرة الصوفية و الإبر الى الارض ، ثم استطردت :
- اني اكره الصوف.. الكاكي و الازرق .. وكل الالوان التي يرتدونها في هذه الحرب..
وبعد قليل ، عادت توبنس إلى حالتها العادية .. وقالت إنها تستطيع أن تجد عملا باحدى جماعات الاسعاف..

وبعد ثلاثة أيام رحل تومي إلى ابردين .. وودعته زوجته توبنس على المحظة متجلدة، صابرة.. ولكنه أحس – بعد أن تحرك القطار وتضاءل شبحها الرقيق – أنه افتقدها .. غير أنه تمالك نفسه فالأوامر هي الأوامر..
وبعد وصوله إلى اسكتلندا سافر في اليوم التالي إلى مانشستر وفي اليوم الثالث وصل به القطار الى ليهامتن .. فتوجه فورا الى الفندق الرئيسي.. وفي اليوم التالي طاف بجميع الاستراحات والفنادق الخاصة، يسأل عن غرفة خالية وعن أسعار الإقامة لمدة طويلة ، وكانت سان سوسي عبارة عن فيلا حمراء على الطراز الفيكتوري، أقيمت على سفح أحد التلال وتطل نوافذها العليا على نظر البحر الجميل، ورغم أن أثاثها كان جميلا، إلا أنه كان قديما.. وقابل تومي صاحبتها برينا.. وهي سيدة في منتصف العمر تعلو رأسها هالة مخيفة من الشعر الأسود المجعد وقد لوثت وجهها ببعض المساحيق وبدت أسنانها البيضاء اللامعة مرعبة من خلال ابتسامتها المصطنعة.. وفي حديثه معها ذكر اسم مس ميدوز ابنة عمه الكبرى التي أقامت في سان سوسي منذ سنتين .. وتذكرت مسز برينا ابنة العم هذه وتحدثت عن ظرفها.. فأجابها تومي في حرص على تعليقاتها عن قريبته المزعومة، رغم أنه يعلم أن ادارة المخابرات كانت على ثقة من المعلومات التي زودته بها عن مس ميدوز.. ولما سئل عن أحوال قريبته، أجاب أنها توفيت، فأظهرت مسز برينا أسفها وألمها .. ثم عرضت على تومي غرفة قالت انها تناسبه كل المناسبة، فهي تطل على منظر البحر اللطيف.. وحددت لها أجرا أسبوعيا نظير الإقامة والأكل ، فأظهر تومي فزعة من ارتفاع الشعر ولكنها شرحت له أسباب ذلك ، فأجابها ان دخله قد نقص كثيرا عن ذي قبل.. ثم تطرق الحديث عن ذلك الرجل هتلر ، فقال تومي :
- انه يجب شنق ذلك الإنسان.. انه رجل مجنون.. نعم مجنون ولا شك..
فوافقته مسز برينا على رأيه، وقالت انها تجد مصاعب جمة في الحصول على مواد التموين من لحم و خبز وغيرهما، وان مأكولات كثيرة اختفت من الأسواق.. وان .. وان .. ولكن مادام مستر ميدوز ابن عم صديقتها المرحومة فإنها ستنقص المبلغ نصف جنيه.. فطلب تومي إمهاله يوما يفكر فيما اذا كان دخله يحتمل هذا المبلغ.. فرافقته مسز بريتا حتى الباب الخارجي وشيعته بكل ما تستطيع من تحيات ومجاملات..

وساءل تومي نفسه.. ماذا تكون جنسية تلك السيدة.. انها لا يمكن ان تكون إنجليزية.. فالاسم اما ان يكون أسبانيا أو برتغاليا.. ولكن .. ان احدى هاتين جنسية الزوج.. أما هي .. فربما تكون ايرلندية.. وأخيرا، صمم على أن ينتقل في اليوم التالي – باعتباره مستر ميدوز – إلى سان سوسي .
وفي الساعة السادسة من مساء اليوم التالي وصل الى فيلا سان سوسي فقابلته مسز برينا في البهو الخارجي بالترحاب ثم أصدر عدة أوامر تتعلق بحقائبه الى خادمة تظهر عليها أمارات الغباء.. ثم قادته الى غرفة الجلوس العامة وهي تقول :
- إنني أقوم بتقديم نزلائي بعضهم البعض .. هذا هو مستر ميدوز نزيلنا الجديد .. مسز أوروك .. ماجور بلتشلي .. مستر فون دينيم .. مس منتون .. مسز بلنكسوب ..
وكان تومي ينحني في أدب عند تقديم كل من الحاضرين إليه، ورأى في مسز أوروك سيدة بدينة قد خط شاربها بشكل مثير للضحك ، أما الماجور بلتشلي فقد فحص تومي بنظره كأنما يثمن الضيف الجديد ، ثم أحنى رأسه له .. وكان مستر فون دينيم شابا صلب العود أشقر الشعر ، أزرق العينين ، وقف على قدميه ثم انحنى كأنما يؤدي التحية العسكرية، أما مس منتون فكانت سيدة مسنة تعبث بإبر التريكو، وقد ابتسمت وهمهمت ببعض ألفاظ التحية ، وما أن رفعت رأسها لتحية القادم حتى توقف تنفس تومي.. ودارت به الغرفة..
كانت مسز بلنكنسوب هي توبنس.. زوجته.. ان هذا مستحيل ولا يمكن تصديقه.. ولكنها قابلته بعينين فيهما الأدب والتحفظ المتبادل بين الأغراب.. وهز رأسها..



:: الفصل الثاني ::



لم يدري تومي كيف قضى ليلته الاولى في سان سوسي اذ كان من الصعب عليه ان يوجه نظراته ناحية مسز بلنكنسوب وظهر في ساعة الغذاء – في اليوم التالي – ثلاثة آخرون من الفيلا ، هم مستر و مسز كايلي وسيدة شابة تدعى مسز سبرون اصطحبت طفلتها الصغيرة معها.. وكان يبدو عليها دائما، عدم رضاها من إقامتها الإجبارية مع تلك الطفلة في سان سوسي وتصادفت ان جلست الى المائدة الكبرى الى جوار تومي وأخذت ترمقه بعينيها من وقت إلى آخر.. ثم قالت مستفسرة:
- ألا تظن أن الحالة أصبحت أكثر أمنا في هذين اليومين؟
وقبل أن يجيب تومي ردت السيدة التي تجلس الى يساره:
- لا أعتقد .. وقد سمعت ان هتلر ينوي الهجوم على بريطانيا في الأيام القليلة القادمة كما سمعت ان الهجوم سيكون بغاز من نوع جديد...
فقاطعها الماجور بلتشلي قائلا:
- ما أكثر الهراء الذي يتحدثون به عن الغازات .. إنهم لن يضيعوا وقتهم ليهاجمونا بالغازات إنما الهجوم سيكون بالقنابل المدمرة والحارقة فقد جربوها في أسبانيا..
وهكذا بدأ المستمعون يتناقشون وكل يلي برأيه وسمع تومي صوت توبنس الرفيع يقول :
- ان ولدي دوجلاس يقول في أحد خطاباته لي ..
وعجب تومي في نفسه.. لماذا يا ترى اختارت اسم دوجلاس لولدها..! وبد تناول الغذاء انصرف الجميع الى غرفة الاستراحة وبدأت السيدات يقتلن الوقت بالتريكو.. واضطر تومي ان يستمع الى حديث الماجور بلتشلي عن مغامرته في الحرب الاولى في الجبهة الغربية.. وبعد هينة انصرف الشاب الأشقر، وبعد ان انحنى لجميع من كانوا في الغرفة فقال الماجور بلتشلي لتومي :
- ان هذا الشاب الذي خرج توا.. أحد اللاجئين .. فقد خرج من ألمانيا هاربا قبل إعلان الحرب بشهر واحد..
- هل هو ألماني؟
- نعم.. ولكنه ليس يهوديا. وقد قتل والده ، لأنه انتقد النظام النازي وله أخوان في المعتقلات هناك، فقد خرج من الجحيم في الوقت المناسب.
وخرج تومي في الصباح التالي مبكرا، وأخذ يتمشى ذهابا وجيئة.. في الحديقة المحيطة بالفيلا حتى لمح شخصا آتيا من الناحية المقبلة فرفع قبعته محييا ثم قال :
- صباح الخير.. مسز بلنكنسوب فيما أذكر..
ولما لم يكن هناك من يستمع إلى الحديث، فأجابت توبنس متهكمة.
- ومن أنت؟ الدكتور ليفنجستون؟
- كيف أتيت إلى هنا ؟ أي توبنس.. انها وأيم الحق لمعجزة...
- ليس في الأمر معجزة قط.. كل ما في المسألة أنني أعملت ذهني وبأبسط الوسائل .. حتى أعطيكما .. أنت والسيد جرانت درسا لا تنسيانه أبدا..
- وكيف حدث هذا .. ؟
- الأمر في غاية البساطة.. عندما كان جرانت يتحدث معك وذكر اسم كارتر استنتجت ان العمل الذي يعرض عليك لا يمكن أن يكون عملا مكتبيا عاديا.. وقد أحسست أنه من نوع لن أشترك فيه.. ولما كان هذا ضد رغبتي فقد انتهزت فرصة خروجي لإحضار الشراب لكما ونزلت إلى شقة جارتنا مسز براون ومن هناك طلبت من صديقتي مورين تليفونيا ورجوتها أن تطلبني بعد لحظات، وأفهمتها ماذا تقول.. وقد نفذت تعليماتي حرفيا.. ومثلت دوري بعد ذلك ببراعة. اذ انسحبت لنجدة صديقتي كما خيل إليكما وقفلت باب الشقة بعنف حتى تعتقدا أنني خرجت.. بينما تسللت إلى غرفة النوم، وأخذت أنصت إلى حديثكما من خلف الباب..
- لا ذنب لي فيما حدث ، فمستر جرانت وحده هو المسئول..
- لم يكن جديرا بمستر كارتر أن يعاملني هكذا.. ان ادارة المباحث تغيرت كثيرا عما كانت في أيامنا..
- لاشك أنها ستعود كما كانت، ما دمنا قد عاودنا نشاطنا.. ولكن.. لم اخترت اسم بلنكنسوب هذا ؟
- ولم لا ؟
- غريب أن يقع اختيارك على هذا الاسم بالذات..
- إن حرب ( ب ) في بلنكنسوب يقوم مقام حرف الـ ( ب ) في برسفورد أيها الغبي .. وهذه الحروف مطرزة على جميع ملابسي الداخلية .. وأنت .. ما الذي دعاك إلى اختيار اسم ميدوز انه الغباء المعهود.. فيما أظن.
أنا لم أختره وإنما اختير لي والمستر ميدوز الحقيقي رجل له ماض ناصع حفظته عن ظهر قلب..
- هذا عظيم.. وهل أنت عازب.. أم متزوج ؟
- إنني أرمل .. توفيت زوجتي منذ عشر سنوات في سنغافورة..
وإذا افترضنا أن أحدا سعى للكشف عن حقيقة السيد بلنكنسوب المزعوم هذا..
- إن أولادي ليسوا من بلنكنسوب فهو زوجي الثاني.. أما زوجي الأول فاسمه هيل وانك لتجد ثلاث صفحات كاملة في دليل التليفونات تشترك كلها في اسم هيل ..
- انها دائما نفس المسألة.. فأنت تحبين تعقيد الأمور دائما.. زوجان.. وثلاثة أبناء .. اني اعتقد أنك ستناقضين نفسك بنفسك، اذا سئلت بعض التفاصيل..
- أبدا.. بل على العكس .. إنني سأنتفع بهؤلاء الأبناء .. ثم، لا تنس أنني حرة، لا أتلقى أوامر أحد .. وقد اشتركت في هذا العمل لأسلي نفسي.. وسأسليها ..
- يبدو أن الأمر بالنسبة إليك مجرد تسلية.. لعمري انها مهزلة..
- لماذا تقول ذلك؟
- حسن.. لقد أقمت بسان سوسي مدة أطول من إقامتي أنا بها.. فهل ترين في كل من كانوا معنا بالأمس، من يصح اعتباره من عملاء الأعداء.. ؟
- لعل الأمر صعب التصديق حقا.. ومع ذلك فهناك ذلك الشاب الأشقر..
- تقصدين كارل فون دينيم؟ انه أحد اللاجئين.. والبوليس يتحرى عنهم جميعا.. ومع ذلك فإنه يصلح .. ألا ترى أنه جذاب؟
- تقصدين أن الفتيات سيتعلقن به، ويدلين إليه بأخبار وأحاديث؟
- كفى هذرا يا تومي .. إننا ندرس جديا الآن..
- إني جاد تماما فيما أقول.. وأظننا نجري وراء سراب..
- ما رأيك في مسز برينا نفسها ؟
- نعم مسز برينا.. انها موضع نظر .. وتحتاج إلى شيء من الدراسة..
- وماذا عنا.. أعني كيف نتعاون .. ؟
- لا يجب طبعا أن نرى سويا ..
- كما يجب أن يتجاهل بعضنا البعض، فلا يظهر أن ثمة علاقات سابقة بيننا.. وما أريده هو تنظيم مبدأ للعمل.. وإني أقترح " الملاحقة" .
- الملاحقة..! ماذا تعني؟
- أن ألاحقك في كل مكان.. وأن تبذل جهودك في التخلص مني ولكنك – كجميع الرجال – لا تنجح دائما في الهروب.. ولا تنس أنني تزوجت مرتين ، وفي حاجة إلى زوج ثالث.. وعليك أن تمثل دور الأرمل المتبوع.. فإذا رآنا أحد سويا فلن يقول سوى .. انظر .. مستر ميدوز المسكين .. لعل السنارة قد شبكت ..
وفجأة أمسك تومي بذراعها، وقال هامسا:
- انظري .. انظري أمامك مباشرة..
- إنه كارل فون دينيم .. ولعمري .. من هذه الفتاة التي انهمك في الحديث معها هكذا ؟
- انها فتاة جميلة جدا على أية حال..

وراقبت توبنس الشابين فرأت وجه الفتاة الأسمر وهي تتحدث في حماسة إلى كارل الذي كان منصتا إلى حديثها بشغف واضح، ثم قالت توبنس :
- يحسن بنا أن نفترق الان ..

وبدأ تومي يسير في اتجاه مضاد .. حتى قابل الماجور بلتشلي الذي رمقه بنظرة فاحصة ثم قال :
- صباح الخير .. أرى أنك مثلي .. ممن يبكرون في اليقظة ..
ودار بينهما حديث طويل قص فيه تومي على الماجور كيف قابل مسز بلنكنسوب وعلم منها أنها أرملة بلا زوج. فحذره الآخر من حبائل الأرامل.. ثم اتجها سويا الى سان سوسي لتناول طعام الإفطار.. وفي الوقت نفسه سارت توبنس في طريقها ومرت بالقرب من الزاوية التي اختلى فيها الشابان، وكانت الفتاة هي التي تتحدث وسمعتها توبنس تقول :
- ولكن.. يجب أن تكون على حذر يا كارل .. فأقل شك..
ولم تستطع توبنس أن تقف لتستمع على بقية الحديث فسارت إلى نهاية الممر وعادت لتسمع من جديد..
- **************** .. هذا الجنس الإنجليزي البغيض..
وارتفع حاجبا مسز بلنكنسوب . ان السيد كارل فون دينيم لاجئ ألماني.. آوته بريطانيا لهربه من الوحشية النازية، فلم يكن جديرا به أبدا أن يتفوه بمثل هذه الألفاظ.. وعادت توبنس من جديد لتمر بجوارهما، ولكنهما كان قد افترقا، فقد اتجهت الفتاة إلى ناحية البحر بينما سار كارل فون دينيم في الاتجاه المضاد وقابل توبنس.. فوقف وضم كعبيه بطريقة عسكرية، ثم انحنى لها .. فقالت :
- صباح الخير يا مستر فون دينيم.. إن الجو جميل هذا الصباح!
- نعم.. ان الطقس بديع ..
- بقد اجتذبني للخروج .. فليس من عادتي اليقظة المبكرة .. أو على الأقل الخروج قبل تناول طعام الإفطار .. ولكني لم أنم جيدا بالأمس.. ان المرء لا يتمتع بالنوم في مكان جديد عليه.. ولابد أن يمر بعض الوقت حتى يألف الإنسان المكان.. وقد أفدت فعلا من السير هذا الصباح .. وتفتحت شهيتي للإفطار..
- أ ذاهبة أنت إلى سان سوسي الان ؟ إذا سمحت.. رافقتك إلى هنا:..
وسار إلى جنبها .. فقالت توبنس ::
- هل خرجت أنت أيضا رغبة في فتح الشهية ؟
- لا .. أبدا .. لقد تناولت إفطاري .. وأنا في طريقي إلى العمل .. إني كيميائي..
وبعد لحظة سكون استطرد يقول..
- لقد تركت بلادي هربا من الاضطهاد النازي .. وليس لدي مال كثير .. كما أني بلا صديق .. ولذلك أقوم بالعمل النافع الوحيد الذي أجيده.. إن أخواي في المعتقلات وقد توفي والدي في أحدها .. أما والدتي فقد ماتت من الحزن والرعب..
ومر بهما رجلان سمعت توبنس أحدهما يقول :
- أراهنك أن هذا الشاب ألماني..
فلاحظت توبنس الدماء تتصاعد إلى وجنتي كارل فون دينيم وفجأة فقد السيطرة على أعصابه.. وظهرت عواطفه الحبيسة فجأة فقال :
- أسمعت؟ أسمعت ؟ هذا هو ما يقولون .. إنني ..
- يا ولدي العزيز.. لا تكن غبيا .. انك لا تستطيع أن تملك ناصية الأمور أنت لاجئ .. ويجب عليك أن تحتمل السيئة والحسنة .. ولا تنس أنك حي وحر في نفس الوقت.. ولا تنتظر من رجل الشارع أن يميز بين الألماني الطيب والألماني الخبيث. .
- الحق معك .. وحتى أكون ألمانيا طيبا.. يجب أن أكون في عملي الآن.. فلا تؤاخذيني .. سعدت صباحا ..
ثم انحنى لها تلك الانحناءة التقليدية وانصرف..
كانت أبواب ردهة سان سوسي مفتوحة.. وسمعت وهي تقترب صوت مسز برينا تقول :
- لا تنس أن تطالبه بالكمية الأخيرة من الزبد الصناعي.. أوه .. صباح الخير يا مسز بلنكنسوب .. أرى أنك تبكرين في اليقظة .. أقدم لك ابنتي " شيلا " كانت على سفر ولم تحضر سوى مساء أمس ..
فتمتمت توبنس بألفاظ التحية المعتادة واتجهت إلى قاعة الطعام.. وكانت مسز سبروت هناك ومعها طفلتها .. و مسز أوروك فتبادلن جميعا تحية الصباح .. وكانت مسز سبروت تطعم الطفلة .. التي ما أن رأت توبنس حتى اتجهت نحوها بكل حواسها..
فقالت مسز سبروت لتوبنس :
- انها تحبك .. رغم أنها أحيانا تكون في غاية الخجل من الغرباء ..
وعادت بتي سبروت تصيح بكلمات غير مفهومة فسألت مسز أوروك في شغف :
- وماذا يا ترى تعني بهذا ؟
- إنها لا تنطق الألفاظ جيدا.. فعمرها أمثر من سنتين بأيام.. ولعل أكثر ما تقول لا معنى له.. ولو أنها تستطيع أن تقول ماما ,, أليس كذلك يا حبيبتي؟
وعادت بتي بعد أن نظرت إلى أمها طويلا تنطق بكلماتها المحرفة الغريبة..
فقالت مسز أوروك :
- ان للأطفال لغتهم الخاصة .. انها لغة الملائكة الصغار.. والآن يا بتي العزيزة قولي .. ما .. ما ..
فنظرت بتي إلى مسز أوروك ثم قالت في تأكيد :
- نازير..
ولعل مسز أوروك العجوز تضايقت من عدم استماع بتي لحديثها، وانصرفت من الحجرة غاضبة بعد أن رمقت الطفلة بنظرة غيظ..!
فضحكت الطفلة .. وكأنما ارتاحت إلى خروج العجوز.. وأخذت تضرب بالملعقة على منضدة الأكل ..
وقالت توبنس :
- ترى ماذا تعني بكلمة " نازير " ..
فأجابت مسز سبروت :
- انها .. فيما اعتقد الكلمة التي تقولها بتي عندما تكون كارهة لشخص ما .. أو لشيء ما ..
وضحكتا .. وعادت مسز سبروت تقول :
- على كل حال .. أعتقد أن مسز أوروك لا تظهر سوى الحنو نحو الفتاة.. ولكن يظهر أن طريقتها في ذلك لا تعجب بتي .. خاصة وأن ذلك الشعر النامي على وجهها ليس مما يسر بتي أن تراه..!
وأخذت بتي تصيح نحو توبنس .. فقالت مسز سبروت :
- لقد ألفتك يا مسز بلنكنسوب ..
وفي تلك اللحظة فتح باب الردهة ودخل الماجور بلتشلي وتومي فصاحت توبنس :
- مستر ميدوز .. ليس للغائب نصيب .. ولم يبق لك من طعام الإفطار إلا القليل ثم أشارت إلى المقعد المجاور لها كأنها تدعوه ..
فقال تومي ، وهو يجلس على مقعد في طرف المائدة الآخر:
- أوه .. شكرا .. شكرا ..
وحدثت توبنس نفسها.. لا بد أن يكون هناك خطا.. لا يمكن أن يكون هناك خطأ.. لا يمكن أن يكون هنا شيء .. أبدا .. أية عقلية تستطيع تصديق أن في سان سوسي مركزا لقيادة الطابور الخامس ؟

:: الفصل الثالث ::



تمت علاقات وطيدة بين تومي والماجور بلتشلي ورغب كلاهما في لعب الجولف سويا فذهبا إلى النادي الوحيد القريب .. وكانت النتيجة أن ربح الماجور فقال :
- انه شوط عظيم.. يا ميدوز ,, ولعل سوء الحظ الذي لازمك هذه المرة يتركك في المرة القادمة.. إذ يجب أن نعاود اللعب من وقت إلى آخر .. والآن تعال معي .. لأقدمك لبعض الصحاب من أعضاء هذا النادي .. آه .. هذا هايدوك .. انه سيروقك ولا شك فهو ضابط بحار متقاعد .. وهو يملك ذلك المنزل المطل على قمة .. كما أنه مراقب الغارات الجوية في هذه المنطقة..
كان الكوماندوز هايدوك رجلا ضخما سليم الطوية لفح وجهه جو البحار الذي عاش فيه متنقلا .. فحيا تومي بحماسة وقال :
- وأخيرا وجد بلتشلي من يصاحبه في سان سوسي وسيتخلص من ذلك المستنقع الحريمي الذي كان يغوص فيه .. أليس كذلك يا بلتشلي ؟
- انني كما تعلم لست زير نساء ..
- المسألة أنك لم تجد الصنف الذي يروقك .. هذا كل ما هنالك.. ان ما ترى هناك جماعة من العجائز .. كل همهمت الثرثرة والتريكو ...
- انك لا تنسى مس برينا ..
- آه .. شيلا .. انها فتاة جذابة بلا شك .. بل انها في رأيي نموذج للجمال ..

كانت المشروبات قد أعدت .. وجلسوا جميعا في شرفة النادي .. وأعاد هايدوك سؤاله من جديد ، فأجاب الماجور بلتشلي في عنف ..
- انه ذلك الفتى الالماني .. الذي يزعجني .. فهي تقابله كثيرا ..
- هل تريد أن تقول انها مغرمة به ؟ هذا أمر سيء للغاية .. والواقع أنه شاب جميل المظهر ولكن العلاقة يجب ألا تسيير في هذا الطريق. فنحن لا نرضى عن مثل ذلك يا بلتشلي .. انها ستؤدي إلى التعاون مع الأعداء .. أليس كذلك ؟
- ان شيلا فتاة غريبة في الواقع .. ثم انها تتصرف تصرفات مهمة .
- ان الدم الاسباني يجري في عروقها .. هل تعلم أن اباها نصف اسباني ؟
- لا أدري .. ولو أن الاسم كما أرى يدل على ذلك..
ونظر الكوماندوز في ساعته ثم قال :
- انه وقت اذاعة الأخبار .. فهيا نستمع إلى ما هنالك ..

ولم تقدم المناقشة أكثر من ذلك ، لان بلتشلي وتومي كانا مضطرين للذهاب الى سان سوسي فقد حل موعد الغذاء .. وقد دعا هايدوك تومي في حرارة الى زيارته في منزله الصغير المسمى استراحة المهربين قائلا انه مكان لطيف يطل على البحر وفيه كل ما يسلي كما طلب الى بلتشلي أن يأتي معه .. فاتفق تومي والماجور على ان يذهبا اليه في مساء اليوم التالي ...

ومر العصر في سان سوسي بأمن وسلام ، اذ ذهب المستر كايلي ليستريح مع زوجته الجميلة ، أما مسز بلنكنسوب فقد ذهبت بإرشاد مس منتون لتشتري بعض الحاجات التي قالت انها سترسلها الى ابنائها في الجبهة .. أما المستر ميدوز فقد خرج من سان سوسي في هدوء. وسار في الطريق الممتد حتى نهاية مدينة ليهامتون .. وابتاع علبة سجاير وعددا من مجلة "بنش" .. ولما وصل إلى المرفأ الصغير ، قفز الى أحد القوارب العامة التي تنقل الركاب بين الحين والحين الى سائر المدن الصغيرة المتناثرة على الساحل في تلك المنطقة .. ولم يكن بالقارب سوى بضعة أطفال يصيحون، ورجل مسن جلس في مؤخرة القارب يتسلى بصيد السمك .. فاتجه إليه مستر ميدوز وسأله في أدب :
- هل اصطدت شيئا؟
فهز الرجل رأسه قائلا :
- لا جديد حتى الان . وماذا فعلت أنت؟
- لا شيء حتى الان يا مستر جرانت.. سوى انني اندمجت في الجو .. واعتقد انني وصلت الى معلومات لا بأس بها .. و أظنك تعرف اسماء نزلاء سان سوسي ..
- نعم ..
- لقد وطدت الصداقة بيني وبين الماجور بلتشلي ولعبنا الجولف سويا هذا الصباح .. ويظهر انه يمثل الضابط المتقاعد العادي.. أما كايلي فانه يمثل المريض المخبول وقد قص علي بمحض ارادته انه كان في ألمانيا مدة طويلة قبل الحرب.
- هذه مسألة هامة..
- ثم هناك فون دينيم..
- نعم.. واني لا أوصيك .. ان دينيم هو الشخص الذي يهمني أمره..
- هل تظن انه ( ن ) ؟
- لا .. لا اظن .. ففي رأيي أن ( ن ) لا يرى من الحكمة أن يظهر في المجتمع في ثياب الالمان.. ثم اننا سنعتقل كل رعايا الاعداء، الذين تتراوح سنهم بين السادسة عشرة والستين، وسواء أكان خصومنا قد حسبوا حساب هذا أم لم يحسبوه، فلا بد أن يدركوا جواز حدوثه في أية لحظة.. وبناء على ذلك يستحيل ان يجازفوا بعميد منظمتهم فيتركوه عرضة للاعتقال. ولذلك أرجح ان يكون ( ن ) من رعايا البلاد المحايدة او انجليزيا صميما.. وينطبق نفس الشيء على ( م ) أما فون دينيم فقد يكون في حلقات السلسلة ومن الجائز الا يكون ( ن ) أو ( م ) في سان سوسي وربما يكون فون دينيم هو رسولهما هناك .. وعن طريقه نستطيع أن نصل اليهما وأظن أن هذا أقرب الفروض إلى الصواب..
- أعتقد أنكم تحريتم عن كل نزلاء سان سوسي..
- كلا .. فان هذا مستحيل .. رغم انه يمكنني بلا شك أن أطلب من الادارة القيام به.. ولكني لا أخاطر بذلك يا برسفورد.. خاصة وأنك تعلم أن الادارة نفسها موبوءة .. ولو ذكرت أي همسة عن سان سوسي فسيعلم بها الأعداء في الحال وهذا هو الذي دفعنا الى استخدمك لأنك غريب عن الادارة، فيجب عليك ان تعمل في الظلام دون انتظار مساعدة منا .. ومع ذلك فقد تحرينا عن واحد منهم ..
- ومن هو يا سيدي ؟
- انه كارل فون دينيم نفسه .. اني استطيع بكل بساطة أن أفعل به ما يروقني .. باعتباره من رعايا الأعداء ..
- وماذا كانت النتيجة .. ؟
- ان كل ما يقوله السيد كارل صحيح .. فقد ظهر أن أباه مات في أحد المعتقلات وان اخويه ما زالا سجينين، وماتت أمه في السنة الماضية بتأثير ارهاق عقلي عنيف وقد صرح الفتى حال وصوله برغبته في مساعدة هذه البلاد .. وقد ثبت أن عمله في معمل البحوث الكيميائية لا غبار عليه.. كما أنه استطاع أن يكشف وسائل مفيدة تقي البلاد من شر بعض أنواع الغازات السامة ..
- وعلى ذلك ترى أنه لاشك فيه ؟
- ليس ذلك ضروريا .. ان اصدقاءنا الالمان، اشتهروا بدقتهم في كل تصرفاتهم فان كان فون دينيم قد أرسل كعميل لهم فلا بد انهم قد اتخذوا الحيطة حتى يكون كل ما يعرف عنه مطابق لشخصيته.. وهناك احتمالان : الأول أن تكون عائلة فون دينيم قد اندمجت جميعها في الترتيبات .. والثاني أن يكون هذا الشخص رجلا آخر تقمص شخصية كارل فون دينيم ..
- ربما . ولو أنه في نظري شاب في غاية اللطف ..
- أجل .. انهم يظهرون كذلك دائما .. ولعمري .. ما أغرب عملنا هذا فنحن نحترم خصومنا وهو يحترموننا .. وقد جرت العادة أن تقدر خصمك وتعمل في نفس الوقت جاهدا على هدمه..
- ولكن هناك فئة لا نحترمها ولا نقدرها..
- نعم يا سيدي .. فئة الخونة الذين يقيمون بيننا .. أولئك الذين رضوا أن يبيعوا وطنهم، وواجبنا أن نستأصل شأفتهم ونبيذهم عن أخرهم على أن يتم ذلك بأسرع ما يمكن .. والا فاتنا القطار..
- لن يفوتنا القطار يا سيدي .. بكل تأكيد ..
- ماذا يدفعك الى هذا التأكيد ؟
- أنت يا سيدي .. فقد قلت ان واجبنا ان نستأصلهم بأسرع ما يكن .. فنظر اليه جرانت في اعجاب وتمتم قائلا :
- عظيم .. ولكن ما رأيك في سيدات سان سوسي؟ هل ترى فيهن من يشتبه في أمرها .. ؟
- اني أرى بعض الغرابة في سلوك صاحبة المكان ..
- مسز برينا ؟
- نعم .. أتعلم أي شيء عنها ؟
- سأحاول أن اتحرى عنها رغم ما في ذلك من مخاطرة ..
- نعم .. فهي الوحيدة بين النساء التي تحوم حولها شكوكي.. أما الباقيات .. فهناك أم شابة وعانس كثيرة الكلام .. وامرأة مخبولة وسواسة .. وهناك أيضا امرأة ايرلندية مخيفة المنظر .. وكلهن فيها أرى لا ضرر منهن ..
- وغير هؤلاء ؟
- هناك مسز بلنكنسوب التي وصلت منذ ثلاثة أيام فقط ..
- وماذا عنها ؟
- ان مسز بلنكنسوب .. هي .. زوجتي ..
- ماذا ...!؟
وصاح جرانت وهو يدور حول نفسه متفرسا في تومي بغضب شديد:
- امرأتك يا تومي .. لا تنبس بكلمة واحدة لزوجتك ..!
- نعم يا سيدي ، وقد فعلت .. ولكن اذا أعرتني سمعك قليلا..
وفي ايجاز روى تومي كل ما حدث دون أن يجرؤ على النظر إلى محدثه، ومرت فترى سكون بعد أن أتم القصة، وتبع ذلك ضحكات بل قهقهة المستر جرانت التي استمرت دقائق.. ثم قال :
- اني أحني هامتي لهذه السيدة.. انك لا تجد واحدة في الالف مثلها ..
- انها زوجتي يا سيدي .. و انا فخور بها ..
- سيضحك ايسامتون ملء شدقيه عندما يسمع هذه القصة، فقد تنبأ بها ، وحذرني من تهيئة فرصة لها للعمل تحت امرتي حتى لا تفوز علي.. ولكنني لم أهتم بما قال وكنت أنوي الاتصال بها قريبا لتكليفها لمهمة أخرى... ولكن هذا الحادث رغم انه في صالحنا فانه يرينا الى أي حد يجب أن نكون على حذر .. فقد ظنت يوم زرتك انني اتخذت كل احتياطاتي لأمنع أي مخلوق من الانصات إلى حديثنا.. وأقنعت نفسي أولا بأنك وزوجتك وحدكما في الشقة.. كما انني سمعت ذلك الصوت الحاد في التليفون فلم يساورني فيه أي شك، ورغم كل ذلك فقد خدعت بلعبة الباب المصفوق القديمة.. أجل انها سيدة بارعة..
وسكت لحظة ثم قال:
- بلغها عن لساني أني أعترف لها بالغلبة، وأني أعتبرها معنا في العمل.. ولعمري انها معنا سواء أردنا أم لم نرد.. فبلغها أن الادارة تتشرف باشتراكها معنا في هذه المهمة..
- سأبلغها ذلك يا سيدي..
- ولكن المسألة خطيرة إلى حد كبير فإذا حدث وكشفوا أمرك .. أو أمرها ..
- اني أفهم هذا جيدا يا سيدي.. ولكننا اعتدنا منذ زواجنا أن نشترك في كل شيء ...

:: الفصل الرابع ::



عندما دخلت توبنس غرفة الاستراحة في سان سوسي كانت مسز أوروك وحدها تتطلع من النافذة إلى الخارج فخيل لتوبنس انها أشبه الأشياء بتمثال بوذا الضخم.. فقطعت توبنس عليها تيار أحلامها وسألتها :
- هل تعتقدين أن مسز برينا أيرلندية ؟
- أجل.. ولست أشك في ذلك.. فإنني أعرف الناس بسيدات بلادي .. وإنني أستطيع تحديد المنطقة التي تنتمي اليها.. رغم انها تدعي في كل وقت انها انجليزية وان زوجها اسباني..

وانقطع الحديث عندما دخلت القاعة مسز سبروت يتبعها تومي فسارعت توبنس الى تمثيل دور الاهتمام به وقالت:
- مساء الخير يا مستر ميدوز.. يبدو عليك النشاط الليلة..
- يرجع السر في ذلك إلى الرياضة المتواصلة.. فقد لعبت شوط جولف في هذا الصباح وقمت بجولة طويلة بعد الظهر ..
وقالت مسز سبروت :
- أما أنا فقد صحبت الطفلة الى الشاطيء وكانت تود النزل في أحد القوارب ولكنني خفت عليها البرد فساعدتها في بناء بيوت من الرمال .. وأهملت التريكو..

وبعد لحظات وصل بقية النزلاء .. ثم دق ناقوس العشاء.. ودار الحديث بين الجميع على المائدة في موضوعات الحرب والجاسوسية والتموين.. وبعد العشاء خرجت توبنس وتبعها تومي وسارا قليلا فترة من الوقت استعرضا فيها شكوكهما بالنسبة لكل نزلاء سان سوسي .. ثم تركت تومي وفي طريقها الى الفيلا اشترت طوابع البريد ودخلت أحد أكشاك التليفون العامة وطلبت مستر فراداي وكانت هذه هي الوسيلة التي اتفق عليها تومي للاتصال بمستر جرانت وخرجت من كشك التليفون باسمة ثم اشترت بعض الصوف اللازم لأشغال التريكو ..
وفكرت وهي تسير في طريقها الى الفيلا في شخصية مسز بلنكنسوب التي تقمصتها شخصية السيدة التي لا تجيد التريكو .. ولكن تقضي أغلب وقتها فيه ، وفي كتابة الخطابات لأبنائها.. ثم فكرت أيضا في أنها كثيرا ما تتعمد ترك هذه الخطابات في غرفتها قبل الانتهاء منها.. ووصلت توبنس الى قمة التل المطل على سان سوسي.. وسارت في الطريق المؤدي إليها ذلك الطريق الذي ينتهي من الناحية الاخرى بمنزل الكوماندوز هايدوك المسنى استراحة المهربين وأخذت تتسلى بقراءة أسماء الفيلات حتى قاربت سان سوسي رأت منظرا أثار دهشتها..
كان هناك خيال امرأة واقفة الى جوار سور الفيلا الحديدي تتلصص بالنظر الى داخلها في شكل مريب.. وبدون وعي أخفت توبنس صوت خطواتها وسارت باحتراس خلفها تماما.. فاستدارت..
كانت امرأة طويلة القامة متوسطة السن، ترتدي ثيابا ****************ة وكان هناك تباين واضح بين جمال وجهها وحقارة ملابسها، وأحسن توبنس لأول وهلة ان هذا الوجه ليس غريبا عليها ولكن هذا الاحساس سرعان ما اختفى عندما أجفلت المرأة وظهرت على وجهها علامات الذعر والفزع .. فسألتها توبنس في هدوء:
- لا تؤاخذيني .. هل تبحثين عن شخص ما .. ؟
وأجابت المرأة ببطء وبلهجة أجنبية .. وكانت تنطق الكلمات كما لو كانت قطعة محفوظات:
- هذا المنزل يدعى سان سوسي؟
- نعم .. وأنا من ساكناته.. هل تطلبين أحدا منهم ؟
- أتسمحين ؟ هل هناك من يدى المستر روزنستاين ؟
- مستر روزنستاين؟ لا .. أخشى الا يكون هذا الاسم هنا .. وربما كان .. فإذا أردت بحثنا لك عنه في سجلات الفيلا .. أو نسأل صاحبتها..
- لا .. لا ضرورة... فقد اخطأت .. لا تؤاخذيني من فضلك..

وأسرعت فاستدارت وانحدرت مع التل..
والتفتت توبنس تتطلع خلفها وقد ثارت شكوكها فان هناك تباينا عظيما بين كلمات تلك المرأة ومظهرها.. واسم روزنستاين هذا .. لقد اخترعته في الحال.. ثم بدأت تهبط التل خلف تلك الغريبة.. ولكنها ما كادت تخطو عدة خطوات حتى توقفت وفكرت في انها لو سارت خلفها فإنها ستجذب الأنظار إلى نفسها فربما كان هناك من رآها وهي على أهبة الدخول إلى سان سوسي.. فإذا رؤيت بعد ذلك مباشرة وهي تتبع هذه المرأة فإنها ستثير الشكوك نحوها.. وبخاصة اذا كانت تلك الغريبة من عصبة الأعداء.. فصممت على أن تعود بالتالي الى سان سوسي وعندما دخلت الى الردهة الخارجية لم تر أحدا. وسمعت بعد لحظة صوتا ليس غريبا عليها فانه أحد الأصوات التي تعرفها جيدا..
كان التليفون في فيلا سان سوسي موضوعا في الردهة الخارجية ولم يكن هناك من يتكل فيه.. ولكنها سمعت صوتا هو صوت وضع السماعة أو رفعها عن آلة فرعية في مكان ما.. وكانت توبنس تعلم تماما أن آلة فرعية واحدة في المكان، وأنها في غرفة مسز برينا.. ولو كان تومي في هذا الموقف لما جرؤ وما أقدم على ما فعلت توبنس ولكنها لم تتردد فقد سارت في خفة إلى موضع التليفون ورفعت السماعة بهدوء، واستمعت الى ما يدور من حديث.. كان هناك من يتكلم انه صوت رجل وكان يقول:
- كل شيء يسير على ما يرام.. اذن في الرابع .. كما هو المتفق عليه ؟
وأجاب صوت نسائي:
- نعم ، لنواصل العمل..
ووضعت السماعة ..
وقفت توبنس تفكر لحظة... هل يكون ذلك صوت مسز برينا ؟ من الصعب التأكد من ذلك.. وتمنت لو استمر الحديث فترة أطول.. ولكن .. أليس من الممكن أن يكون حديثا عاديا لا قيمة له؟
ولاح خيال على أحد الأبواب فأسرعت توبنس ووضعت السماعة مكانها، وعندئذ سمعت صوت مسز برينا تقول :
- ما أجمل الجو الان .. هل أنت خارجة يا مسز بلنكنسوب أم قادمة ؟
وأجابت توبنس بأنها قضت الوقت في الخارج وأنها في طريقها إلى غرفتها.. واستنتجت توبنس أن التي تحدثت في التليفون لم تكن مسز برينا فان المسافة من غرفتها الى الردهة لا يمكن أن تقطع في تلك اللحظات القصار بعد ختام الحديث التليفوني وظهورها في الردهة ..
وخيل لتوبنس أن مسز برينا تتحرك خلفها ببطء فالتفتت ورأت مسز أوروك في أعلى الدرج تسد عليها الطريق بجسمها الضخم .. وفي تلك اللحظة الحرجة، مرقت من خلف مسز أوروك بتي الصغيرة وكانت تصيح..
وتعلقت بتي بتوبنس فأكملت صعود الدرج وقابلت مسز سبروت على باب غرفتها وكانت قد بدأت تعنف الطفلة فدخلت توبنس غرفة مسز سبروت ورأت ملابس الطفلة منتثرة هنا وهناك مختلطة بلعبها وكتبها، كما لاحظت صورة لمستر سبروت موضوعة فوق صيوان الملابس .. وكان كل ما في الغرفة على حال من الفوضى لا حد له ، وأدركت توبنس الأسباب التي تدعو مسز سبروت إلى العزوف عن استقبال أحد في غرفتها.. انها هذه الفوضى الدائمة بلا شك.. حقا ان كل ما في سان سوسي يبدو طبيعيا.. ولابد أنها أعصاب توبنس المرهقة التي تصورت لها ما صورت.. ولكن .. ان شخصا ما كان يتكلم في التليفون .. من غرفة نوم مسز برينا بالتأكيد .. ويتحدث الرابع .. هل كانت مسز أوروك ؟ .. ان ذلك يبدو مستبعدا..
قد لا تعني هذه الكلمات شيئا.. وقد تعني أشياء خطيرة ..
الرابع.. هل هو تاريخ .. الرابع من الشهر مثلا.. أو . أي شيء .. ان تحقيق ذلك مستحيل .. ولعل المسألة لا تعدو أن تكون أمر عاديا جدا.. كأن تكون مسز برينا قد سمحت لمسز أوروك باستعمال التليفون الموجود في غرفة نومها في أي لحظة تشاء ..


:: الفصل الخامس ::



ظهر أن الكوماندوز هايدوك مضيف من الطراز الاول .. فقد قابل المستر ميدوز والماجور بلتشلي بحماسة وصمم أن يطوف بالأول كل أرجاء منزله الصغير المسمى استراحة المهربين ولم تكن هذه الاستراحة في أول أمرها سوى كوخين من أكواخ حراس الشواطئ يقعان على قمة تشرف على الشاطئ اشتراهما أحد رجال الأعمال وربط بينهما وحاول أن يزرع حديقة في الأرض المحيطة بأحدهما اذ أن الجهة الأخرى كانت هوة لا يخاطر بالاقتراب منها الا المخاطرون من الشباب ..

وكان رجل الاعمال هذا لا يزور تلك الناحية الا في شهر الصيف ثم يتركها فتبقى بلا ساكن عدة سنوات وكانت تؤجر في شهور الصيف فقط ..
وقال هايدوك يكمل قصة منزله:
- ثم اشتراها رجل يدعى هاهن وكان ألمانيا وإذا سألتني عن صناعته فلن أجد لها وصفا سوى أنه كان جاسوسا لا أقل ولا أكثر ..
- جاسوس .. انها لقصة مثيرة..
- نعم .. وهم قوم بعيدو النظر.. خذ مثلا موقع هذا المكان .. انه أحسن مكان مناسب لإرسال الاشارات عبر البحر .. ولديك مرفأ تستطيع أن تخفي فيه قاربك البخاري.. لو أردت .. وقد صرف هاهن على المكان كله مبالغ طائلة.. فقد أنشأ سلما حجريا ضخما يصل المكان بالشاطئ.. والغريب في الأمر أن جميع الانشاءات التي أجراها والتحسينات التي تمت في البناية نفسها لم يقم بها أي مواطن.. فقد كان جميع العمال من الأجانب..
! أمر غريب ولا شك..
- وكنت أقيم في هذه المنطقة حينذاك وقد أثار اهتمامي ما كان يفعله الرجل فكنت أخر من منزلي وآتي الى هنا أرقب العمال الالمان.. ولما تحققت من غرابة الاعمال التي يقومون بها اتصلت برجال البوليس وأوضحت لهم شكوكي ولكنهم لم يعيروا قولي أي التفات.. فان الحرب مع ألمانيا كانت أمرا بعيدا عن تصورهم .. وقد اعتبروني حينئذ من الرجعيين أو مجنوني الحرب.. ولكنني كنت أعلم.. أعلم أن أصدقاءنا الألمان قوم شديدو الصبر. يعدون العدة لأي أمر من الامور في تؤدة وعلى مهل .. ولم تعجبني اطلاقا أحوال ذلك الرجل هاهن فأخذت أتحدث عن شكوكي لكل معارفي .. وأخيرا تركت أحاديثي بعض الأثر، وتعرفت الى أحد رجال البوليس وأقنعته بشكوكي فلم يجد غضاضة في مراقبة هاهن ويظهر أن هذا أحس بالمراقبة، فاختفى نهائيا، فصدر الأمر لرجال البوليس بتفتيش المكان فوجدوا لاسلكيا، أخفي بمهارة في حائط حجرة الطعام .. كما وجدوا أوراقا ذات أهمية عظمى وخزانا ضخما للبترول تحت الجراج.. وغير ذلك.. وفي النهاية عرض المنزل للبيع، فاشتريته.. واني أود أن ترى ما فيه .. هيا يا ميدوز..
- أشكرك .. اني أود أن أراه..

وقام الرجلان وقد أظهر هايدوك حماسة الطفولة وهو يري ضيفه مكان جهاز اللاسلكي المدفون في حائط حجرة الطعام .. وكذلك مخزن البنزين تحت الجراج ثم الحمامين الجميلين و أدواتهما الغريبة ووسائل الانارة المختلفة.. وبعد ذلك رأى الطريق الحجري المدرج الموصل إلى شاطئ البحر.. وعاد هايدوك يحدث ضيفه من جديد عن قيمة المكان كله من الوجهة الحربية .. ولم يدر الماجور بلتشلي مع الرجلين دورتهما هذه، ولكنه مكث حيث كان في الشرفة، يجرع كئوس الشراب وقد أدرك تومي أن الماجور لم يترك واحدا من أصدقائه دوم أن يحدثه عن الجاسوس الذي اكتشفه.. وبعد فترة قام بلتشلي وصحب تومي الى سان سوسي .. وقال الماجور وهما في الطريق :
- ان هايدوك هذا رجل طيب .. ومع ذلك فانه لا يترك الامور تمر ببساطة، فقد سمعنا منه قصة الجاسوسية هذه مئات المرات.

ثم راح بلتشلي نفسه يقص على تومي احدى مخاطراته الخاصة ولم يكن تومي على استعداد لتتبع تفاصيل هذه القصة اذ كان قد سرح بأفكاره الخاصة ..

وكان تومي قد آمن حينئذ أن المرحوم فاركوهار الذي حل هو محله.. كان يسير في الطريق الصحيح عندما ذكر سان سوسي قبل وفاته.. كما تأكد بعد ان رأى ما رآه في استراحة المهربين وتلك الاستعدادات التي أعدها هاهن الاماني ان تلك المنطقة من المناطق التي يهتم بها العدو منذ عهد بعيد.. وان نشاط هاهن لم يكتشف الا بطريق الصدفة ونتيجة لمجهودات الكوماندوز المتواصلة..
وتذكر تومي قصة مسز برينا ان زوجها كما تقول اشترى سان سوسي منذ اربعه اعوام تقريبا.. فهل هذه هي الحلقة الثانية؟ ان كل شيء جائز ومحتمل.. و فكر في ذلك السكون والهدوء السطحي الذي يمتاز به سان سوسي.. انه سكون ظاهري يخفي وراءه كثيرا، وميز برينا في نظره هي البؤرة التي تتجمع فيها كل الاشاعات فيجب مراقبتها.. و اذا كانت مسز برينا هي السيدة التي يرمز اليها بالحرف ( م ) فإنها تكون زعيمة أعمال الجاسوسية والطابور الخامس في هذا البلد.. ولابد أن شخصيتها ليست معروفة الا لرؤسائها .. ولكن .. لا بد أنها تتصل بالطبقة التي تليها في الاهمية وعلى تومي و توبنس ان يكتشفا هذه الطبقة.. ثم ان الانتفاع باستراحة المهربين ليس بالأمر المستحيل .. ففي الوقت المناسب يستطيع اسياد سان سوسي ان يجعلوه تحت تصرفهم.. لكن اللحظة المناسبة لم تأت..

كتبت توبنس خطابا لابنتها ديبورا وآخر لديريك ولدها وخرجت بنفسها لتودعهما صندوق البريد وفي عودتها مرت بقمة التل المجاورة لسان سوسي فاسترعى انتباهها شبحان وقفا يتبادلان الحديث فتسمرت توبنس في مكانها لما تبينت أن هذين الشبحين هو المرأة الغريبة التي رأتها بالأمس.. وأن الشبح الآخر هو كارل فون دينيم..
وضايق توبنس عدم وجود مكان تستطيع الاختفاء فيه، كما لم يكن في استطاعتها الاقتراب منهما لتسمع ما يدور بينهما من حديث دون ان يرياها.. وفوق ذلك فقد أدار الشاب الاماني رأسه في تلك اللحظة ورآها.. فهمس بكلمات قلائل للمرأة الغريبة فافترقا.. وانحدرت المرأة مع التل بسرعة عابرة الطريق الرئيسي مارة بتوبنس التي كانت في الناحية الاخرى..
أما كارل فون دينيم فقد انتظر حيث كان الى ان وصلت توبنس فألقى إليها التحية بلهجة تنم عن الاسى,, فقالت توبنس على الفور:
- ما أشد غرابة مظهر هذه السيدة التي كنت تتحدث اليها يا مستر دينيم..
- نعم انها من اواسط اوروبا . انها بولندية ..
- أحقا.. أهي صديقة لك ؟
- أبدا .. فأنا لم أرها قبل هذه اللحظة..
- لقد ظننت ..
- كانت تسألني عن الطريق .. وكان حديثنا بالألمانية.. لأنها لا تكاد تفهم الانجليزية ..
- كانت تسألك عن الطريق؟
- وسألتني ما اذا كنت أعرف مسز جودليب فأجبتها بالنفي .. فقالت انها ربما أخطأت العنوان..

ورمقت توبنس كارل وهو يسير إلى جوارها .. وفكرت في هذه المرأة.. التي تسأل ساعة عن مستر روزنستاين .. وساعة أخرى عن مسز جودليب .. وأحست بشكوك لا نهاية لها.. وخيل اليها أن الحديث بين كارل وتلك المرأة لا بد قد استغرق وقتا طويلا.. واستعادت ذاكرتها حديث كارل وشيلا.. لما قالت له " يجب أن تكون على حذر " .. وشارت توبنس الى غرفة نومها وهي تفكر في كارل وشيلا ومسز برينا صاحبة الفيلا..

وقبل أن تذهب الى فراشها، اتجهت الى مكتبها الصغير وفتحت أحد الأدراج وكان به صندوق صغير.. فلبست قفازها وفتحت الصندوق.. ان به مجموعة من الخطابات وفوقها جميعا ذلك الخطاب الذي تسلمته في الصباح من ابنها المزعوم "رايموند " ففتحته توبنس باحتياط ثم ضمت شفتيها قطبت وجهها.. ان الرمش الصغير الذي كان بين طيات الخطاب قد اختفى فذهبت بالخطاب الى منضدة الزينة واستعانت بأحد المساحيق الغامقة التي تستعملها في تظليل جفونها فرشته على الخطاب ثم نفضته.. فلم يظهر أي أثر لبصمات الأصابع.. فهزت توبنس رأسها في تأكيد .. كان لابد من وجود بصمات.. بصمات توبنس نفسها على الأقل .. وقالت لنفسها.. يجوز أن يقرأ أحد الخدم خطاباتها بدافع حب الاستطلاع مثلا.. ولو أن ذلك مستبعد.. ولكن الخادم لا يفكر مطلقا في ازالة آثار بصمات الاصابع .. هل هي مسز برينا ؟ أم شيلا ؟ أم شخص آخر؟ انه على كل خال شخص يهم بحركات القوات البريطانية..
وبدأت تفكر في الاحتمالات المختلفة.. وفي وجوب اجراء تجربة لمعرفة الشخص أو الاشخاص الذي يهتمون بحركات هذه القوات..
وقضت توبنس الصباح التالي في فراشها.. حتى دخلت بتي إليها.. وكانت توبنس تحب الطفلة وصعدت الطفلة على الفراش الى جوار توبنس وألقت إليها بكتاب من كتب الأطفال عنوانه أحلام ساندريلا وأخذت توبنس تمازح الطفلة وتداعبها وتروي لها بعض طرائف الكتاب ..
وفجأة اندفعت مسز سبروت الى الحجرة وهي تقول:
- هاهي العزيزة بحثت عنك في كل مكان أيتها الشيطانة الصغيرة .. كم أنا آسفة يا مسز بلنكنسوب ..
كانت بتي قد حلت أربطة الحذاء وبللتها جميعا في كوب اللبن وأخذت تعبث بها وجلست توبنس في فراشها تضحك ثم قالت تقاطع مسز سبروت التي انهالت اهتذاراتها:
- لا داعي لكل هذا يا مسز سبروت فالأربطة يمكن تجفيفها وأنا التي اخطأت اذ لم ألاحظ ما تفعل..
- اذا سمحت.. سآتي لك بأربطة أخرى ..
- لا لا .. أشكرك .. فلدي غيرها.. كما أن هذه ستجف بلا شك ..
وسحبت مسز سبروت الطفلة من يدها .. وقامت توبنس من الفراش لتنفذ ما عزمت عليه ..



:: الفصل السادس ::



نظر تومي بعجب الى الحزمة التي ألقت بها توبنس إليه وسأل :
- هل هي هذه ؟
- نعم..
وتشمم رائحة الحزمة الغريبة فقالت توبنس :
- ابعدها عن ملابسك بقدر ما تستطيع.. والا فلن تقترب منك أية فتاة..

وتوالت الحوادث بعد ذلك فقد ظهرت رائحة غريبة في حجرة مستر ميدوز .. وكان معروفا بين نزلاء سان سوسي أنه رجل قانع قليل الشكوى.. ومع ذلك فانه تحدث عن تلك الرائحة لمسز برينا التي استغربتها ، ثم قالت:
- ربما هناك ثقب في احدى أنابيب الغاز..
وتتبع مستر ميدوز أنابيب الغاز في غرفته دون جدوى وقال:
- لابد ان يكون هناك فأر ميت في الغرفة..
ولكن مسز برينا شكت في الامر.. فان فأرا واحدا لم يسبق له ان دخل سان سوسي .. وتناقش الرجل طويلا مع صاحبة المنزل.. وأخيرا قال:
- انني لا أستطيع أن أبيت ليلة أخرى في هذه الغرفة..
- لك الحق في ذلك.. ولكن يؤسفني جدا أنه لم يبق في المنزل كله غرفة لائقة، فان الغرفة الوحيدة الخالية قد لا تروقك فهي لا تطل على البحر .. ولكن اذا وافقت على الانتقال اليها مؤقتا فتفضل..
ولم يكن لدى مستر ميدوز أي مانع فقبل الانتقال لان غرضه هو الابتعاد بقدر الامكان عن هذه الرائحة الكريهة.. وقادته مسز برينا الى غرفة تصادف انها تقابل غرفة مسز بلنكنسوب ..
أما الحادث الثاني فان مستر ميدوز المسكين أصيب بأعراض الانفلونزا في تلك الليلة ..
وأخذ يعطس ويغير مناديله طول الوقت.. ولم ير أحد طبعا شرائح البصل فيرع اذ كان قد عطر جميع المناديل بماء الكولونيا الذي يستعمله في حلاقة ذقته.. وأخيرا اضطر مستر ميدوز المسكين.. أن يعتكف في غرفته تحت وطأة هذه الانفلونزا الحادة..

وفي الصباح وصل مسز بلنكنسوب خطاب من ولدها دوجلاس.. وقد هلل عندما تسلمت هذا الخطاب الى خد أن علم به كل من كان في سان سوسي.. وكانت قد أشاعت ان هذا الخطاب لم يمر مطلقا على الرقيب فقد سلمه اليها أحد اصدقاء ولدها.. وهكذا استطاع دوجلاس العزيز ان يكتب لها بحرية.. واستطاعت هي بدورها ان تعرف من الحقائق ما لن تصرح به ولن تذيعه.. ان كل ما يقال ويشاع ليس شيئا الى جانب ما عرفت..

وبعد أن تناولت كعام الافطار، صعدت الى غرفتها.. ثم فتحت صندوق الخطابات وأدعته خطاب دوجلاس بعدها رشت عليه قليلا من مسحوق الأرز .. وضغطت عليه بأصابعها .. وخرجت من غرفتها وهي ( تسعل ) .. فسمعت من الغرفة المقابلة سعالا آخر ..

ثم أذاعت في سان سوسي أنها ذاهبة الى محاميها في لندن وأنها ستشتري بعض الحاجات من العاصمة.. فكلفها بعض النزلاء بشراء أشياء لا يجدونها في حوانيت ليهامتن..

وبينما هي خارجة من باب الحديقة قابلت كارل فون دينيم .. واقفا وقد عقد يديه فوق صدره.. وأطرق مفكرا.. ولما رآها انحنى محييا في وجوم وأدب .. فسألته :
- ماذا بك اليوم ؟ هل هناك من مشكلة ؟
- مشاكل كثيرة.. ان مثلي كمثل من يمسك بالنار ولا يريد أن يحترق.. اني لا استطيع الاستمرار على هذه الحال.. والوسيلة الوحيدة .. هي ان انتهي من كل شيء..
- ماذا تعني؟
- انك تفهمين ما أعني.. لقد أظهرت حنانك لي .. وتعلمين أنني هربت من بلادي لانعدام العدالة فيها.. وللقسوة التي يعامل بها الاحرار هناك.. وق اتيت الى هذه البلاد لأجد الحرية .. وحقا اني أكره ألمانيا النازية ولكن .. لا استطيع ابدا ان اتجرد من ألمانيتي .. انني ألماني .. ألماني ..
- يظهر أن هناك متاعب من هذه الناحية .. ؟
- انها متاعب نفسية .. فعندما أسمع عن طائراتكم تضرب مدننا.. وعن الجنود الألمان الذي يقتلون.. وعن الطائرات الألمانية التي تحترق والمصانع التي تدمر .. وهي مصانع أهلي وعشيرتي .. وعندما أسمع ذلك الماجور .. آكل النار .. يقول وهو يقرأ صحيفته .. هؤلاء الملاعين هؤلاء الخنازير .. يصل بي الغضب إلى حد لا أستطيع احتماله .. وعلى هذا ترين أنني أفكر جديا في الانتهاء من كل شيء..
- هذا كلام لا معنى له.. أنا معك من ناحية .. فاحساساتك ملكك افعل بها ما تشاء .. ولكن يجب ان تقاوم .. فلا حيلة لك في تغيير الأوضاع ..
- كم أود أن أعتقل على الأقل.. ان هذا ليريحني كثيرا ..
- ربما .. ولكنك فيما علمت . تقوم بعمل له أهميته .. وهو ليس عملا نافعا لبريطانيا وحدها .. ولكنه نافع للانسانية كلها ..
- نعم .. وأظنني وفقت الى بعض الاكتشافات ..
- هذا جميل مادمت تعمل لخير الانسانية.. أما من ناحية الشتائم التي تسمعها فنحن معذورون في ذلك.. ولا تنس انهم يفعلون نفس الشيء في ألمانيا..
وتناول كارل يدها وقبلها .. ثم قال :
- اني أشكرك .. ان كل ما تقولين حق .. ولا بد لي من الاستعانة بالصبر والجلد..

وسارت توبنس الى المحطة وهي تفكر .. ان اقرب نزلاء سان سوسي الى قلبها هو هذا الشاب.. ولكنه ألماني بكل أسف .. ورغم انها لم تكن راغبة في الذهاب الى لندن الا انها رأت وجوب ذلك .. فقد اذاعت الخبر .. وقد يحدث بالصدفة اذا لم تذهب ان يراها أحد في أي مكان آخر ، فيشاع ذلك فورا في سان سوسي..
فيجب أن تذهب .. وما ان غادرت شباك التذاكر حتى قابلتها شيلا برينا ..
- هالو .. الى اين انت ذاهبة ؟ لقد حضرت لأتسلم طردا,,
- الى لندن..
- اه .. نعم .. نعم سمعتك تذكرين ذلك .. سأتسلم الطرد وآتي لمرافقتك الى القطار..

وذهبت الفتاة ثم عادت لتبقى مع توبنس حتى تحرك القطار .. فجلست توبنس على مقعدها تفكر .. هل كان ذلك مصادفة ! أم أن مسز برينا أرسلت ابنتها خصيصا للتأكد من سفر مسز بلنكنسوب ؟ وأن الامر ليبدو كذلك ..
ولم تستطع توبنس الاختلاء بتومي .. حتى كان صباح اليوم التالي .. وكانا قد اتفقا على الا يتقابلا في سان سوسي . فخرج مستر ميدوز بعد أن خفت عنه وطأة الزكام يتمشى الى جوار الشاطئ ثم جلس على أحد المقاعد الحجرية المنتثرة .. وهناك رأته مسز بلنكنسوب مصادفة .. وقالت بعد أن تأكدت الا رقيب هناك :
- ماذا وراءك ؟
- لقد قضيت يوما من أصعب الأيام اذ كاد عنقي يكسر من طول المراقبة.. ولكني عرفت أشياء لا بأس بها على كل حال ..
- لا بأس على عنقك .. حدثني ما عرفت ..
- دخل الخدم طبعا ليرتبوا غرفتك كما هي العادة.. ودخلت مسز برينا لتعنف الخادمة وتتعجلها في عملها .. كما دخلت بتي..
- ثم من ؟
- ثم شخص آخر ..
- من ؟
- كارل فون دينيم
- كارل أوه .. متى ؟
- في وقت الغذاء .. رأيته يسير متلصصا في الشرفة ثم سار الى غرفتك ، ومكث هناك حوالي رقع ساعة ثم خرج ..
- آه ..
- ان هذا يكفي فيما أظن ..

وأطرقت توبنس .. نعم ان هذا يكفي .. وتذكرت حديثها مع الشاب .. انه ممثل بارع ولا شك ، وكان على حق فيما قال.. انه رجل وطني .. يخدم دولته .. وقد يقدره الانسان لهذا السبب .. ولكنه يحطمه أيضا .. ووجدت توبنس نفسها تقول :
- كم يؤسفني ذلك !
- وأنا أيضا .. انه شاب طيب .. ولكن ..
- ان هذا هو ما نقوم به بالضبط لو كنا في ألمانيا,, ومهما كان الامر فقد عرفنا على الاقل طرف الخيط .. ان كارل يعمل بالاشتراك مع شيلا وأمها.. وربما تكون مسز برينا هي المرجع الاول.. ثم هناك تلك السيدة الغريبة التي كانت تحادث كارل..
- ماذا نفعل الان ؟
- يجب ان نزور غرفة مسز برينا فربما وجدنا بها ما يهمنا .. كما يجب ان نتعقبها لنعرف أين تذهب ومن تقابل .. تومي .. هيا نستدعي "ألبرت" ليساعدنا ..
- آه .. ألبرت .. انها فكرة .. وسأرى اذا كان ذلك ممكنا ,

كان ألبرت يعمل منذ سنوات في أحد الفنادق .. ثم انضم الى ادارة الامن العام ، ثم عمل تحت امرة آل برسفورد طوال السنوات الماضية ، ولما اعتزلوا العمل تركه هو الاخر وافتتح حانة صغيرة في جنوب لندن ..
وقالت توبنس :
- ان ألبرت سيدهش عندما نستدعيه .. دعه يستأجر غرفة في فندق المحطة .. ومن هناك يستطيع أن يقتفي أثر من نريد..
- هذا جميل.. خاصة لأنني ارى استحالة امكاننا مراقبة من نشتبه فيهم من سكان سان سوسي .. أما ألبرت فان أحدا لا يعرفه .. ثم يجب أن نبذل جهدا كبيرا لكشف القناع عن نشاط تلك المرأة البولندية التي تقولين انها كانت تحادث كارل.. اذ يخيل لي انها حلقة الاتصال بين كارل والجانب الاخر من العصابة..
- طبعا .. طبعا .. فهي اما ان تأتي الى هنا لتبلغ الاوامر او لتتسلم رسائل وتقارير .. وأرجو أن نوفق الى اقتفاء اثرها عند رؤيتها ثانية ..
- ثم لا تنسي ان علينا زيارة غرفة مسز برينا والسيد كارل..
- لا أظن أننا سنجد شيئا هاما في غرفة كارل.. ولا تنس انه ألماني.. والمفروض أنه معرض في أية لحظة لمهاجمة رجال البوليس ، والمعقول انه لا يحتفظ لديه بأي شيء يثير الشكوك .. أما دخول غرفة مسز برينا.. فهو من الصعوبة بمكان.. خاصة وأن ابنتها تحتل الغرفة في حالة غياب أمها .. ثم لا تنس أن بتي وأمها تنتقلان طوال النهار في كل مكان من الفيلا.. وكذلك مسز أوروك التي تقضي معظم وقتها في غرفتها وبابها مفتوح على مصراعيه ..
- أظن أن وقت الغذاء هو أنسب الأوقات ..
- كما استغله السيد كارل؟
- نعم .. واستطيع مثلا ادعاء اصابتي بصداع فجائي ثم اذهب الى غرفتي .. ولكن لا .. اذا ربما يتطوع بعضهم لمرافقتي وتمريضي .. اذم يحسن ان انسحب الى غرفتي في هدوء قبيل موعد تناول الغذاء دون أن اكلم احدا.. وإذا سئلت بعد ذلك أقول انه الصداع الذي احتجزني ؟
- من الأصوب أن أقوم أنا بهذه المأمورية، فمن السهل علي أن أدعي البحث عن قرص اسبرين اذا رآني أحد.. أما وجود سيد محترم يعبث في غرفة مسز برينا فانه أمر يدعوا الى الاشتباه..
- تعنين انه يؤدي الى فضيحة .. وهو كذلك .. انما يحب الاسراع فكما علمت اليوم .. يظهر ان هناك انباء سيئة ..

ثم تركها تومي وسار حتى مكتب البريد ومنه اتصل تليفونيا بمستر جرانت وقال له ان العملية الاخيرة تمت بنجاح وان ( ك ) غارق فيها الى اذنيه.. وبعد ذلك كتب تومي الى ألبرت ثم اشترى احدى المجلات وعاد الى سان سوسي..

وبينها هو في طريقة الى الفيلا سمع صوت الكوماندوز هايدوك المرح يناديه من سيارته الصغيرة ويعرض عليه ان يوصله الى حيث يريد.
فصعد تومي الى السيارة شاكرا.. وقال هايدوك:
- سمعت انك اصبت بنزلة برد؟
- كانت مجرد انفلونزا عارضة.. وهي تصيبني في مثل هذا الوقت من كل عام..
- ولكنك أحسن حالا.. هل لك في لعب الغولف؟
- طبعا .
- اذن موعدنا غدا في الساعة السادسة .. اذ اني ذاهب في الصباح لحضور اجتماع مقاومة من يهبطون بالبراشوت.. انه واجبي كما تعلم..
- وهو كذلك.. وشكرا..

وكانا قد وصلا الى ابواب سان سوسي.. فسأله هايدوك:
- ميدوز .. كيف حال شيلا الجميلة ؟
- بخير على ما أظن.. فاني لا أراها كثيرا..
- ها .. ها .. لا تراها كثيرا؟ .. انها فتاة جميلة .. ولكنها نفور.. وأظنها تقابل ذلك الفتى الاماني كثيرا .. ضاعت الوطنية.. ثم لم يبق لها حاجة بالمسنين أمثالي وأمثالك .. ومع ذلك فهناك شباب من رجالنا على كثير من الرشاقة .. يقبلون على الترفيه عنها.. ولكني لست أدري لم تترامى بين أحضان هذا الألماني الفظ..
- على رسلك.. انه قادم ..
- ليس يهمني في كثير أو قليل أن يسمع ما اقول.. وكم اود ان ألهب ظهر السيد كارل بالسياط فان أقل ألماني يدافع الآن عن بلاده ولا يتسكع هنا رعبا من القتال..
وهكذا اتضحت وطنية الكوماندوز هايدوك وهو يدور بسيارته الى استراحة المهربين..
أما توبنس فقد وصلت الى ابواب سان سوسي الخارجية في الساعة الثانية الا عشرين دقيقة وسارت في ممرات الحديقة حتى وصلت الى باب حجرة الانتظار ووقفت لحظة حتى مرت الخادمة عبر الممر .. ثم سارعت فصعدت الدرج بعد ان خلعت حذاءها ولبست خفا وسارت فورا الى حجرة مسز برينا.. وهناك اعتراها ضيق شديد .. فهذه العملية التي تقوم بها ليست محببة الى النفس.. ولكنها عادت فتذكرت انها الحرب.. وسارت قدنا الى منضدة التواليت، وفي سرعة عالجت فتح الادراج الا واحدا وجدته مغلقا ,, لعله هذا .. وكان نعها بضع ادوات استعارتها من تومي لإنهاء هذه المهمة .. وفتح الدرج ..
ووجدت فيه نحو عشرين جنيها ورقا، وبضع نقود فضة وحقيبة بها مجوهرات وحزمة اوراق.. فبدأت تفحصها واحدة واحدة في عجلة .. فليست لديها فرصة للتامين الطويل.. رأت عقد شراء سان سوسي .. فواتير .. حسابات البنك كمية من الخطابات .. ومر الوقت سريعا .. قرأت خطابيين من صديق في ايطاليا .. ليس فيهما شيء .. وخطابا من سيمون مورتيمر في لندن .. وغيره وغيره .. ثم خطابا من .. " بات " قرأت فيه : هذا آخر خطاب اكتبه لك يا عزيزتي ايلين ,, ولم تستطع توبنس متابعة القراءة فأعادت الخطاب كما كان بعد ان طوته في عجلة وردته الى مكانه من الدرج.. وفتح الباب .. ودخلت مسز برينا متجهة الى رف عليه بضع زجاجات..
ودارت توبتس وواجهت صاحبة الغرفة :
- أوه.. مسز برينا .. أرجو ألا تؤاخذيني لقد دخلت حجرتك تحت تأثير صداع عنيف.. لأبحث عن قرص من الاسبرين .. فقد ضاعت انبوبتي .. وكنت متأكدة أن لديك من هذا النوع.. فقد سمعتك تقولين ذلك لمس منتون ..
وشملت مسز برينا الغرفة بنظراتها ثم قالت في حدة:
- طبعا .. لدي منه كثير .. ولكن على أي حال .. لماذا لم تأتي إلي وتطلبي مني؟
- كان ذلك واجبا.. ولكني أعلم أنكم تتناولون طعام الغذاء ,, ولم أر من المناسب أزعجكم ..

فمرت مسز برينا أمام توبنس واتجهت الى أحد الرفوف وتناولت زجاجة الأسبرين وقالت :
- كم تريدين ؟
وأجابت مسز بلنكنسوب يكفيني ثلاث ..
وسارت فورا نحو حجرتها وطلبت من الخادمة بضع زجاجات من الماء الساخن..
وقالت مسز برينا :
- أذكر أن لديك كمية كبيرة من الأسبرين ,, في منضدة الزينة ..
- لست أدري أين وضعت الأنبوبة .. فقد بحثت عنها ولم أجدها ..
- آه .. اذن اذهبي واستريحي حتى موعد تناول الشاي..

وعادت توبنس الى غرفتها واستلقت على سريرها متوقعه دخول مسز برينا بين لحظة وأخرى رغم أن توبنس حسبت حساب الدرج الذي فتحته ولم تجد فرصة لإعادة غلقه .. كما أن الاوراق لم تنظم كما كانت ,, وأخذت توبنس تطمئن نفسها ,, لو شكت مسز برينا في اضطراب حاجاتها فستشك في الخدم لا في مسز بلنكنسوب المحترمة .. وحتى اذا شكت فيها فستعتقد انها ما عبثت في الغرفة الا تحت تأثير حب الاستطلاع المجرد عن الغرض .. ولكن .. اذا كانت مسز برينا هي تلك الجاسوسة التي يرمزون لها بحرف ( م ) فلا بد أنها سترى في مسز بلنكنسوب انها لم تذكر لمخلوق المكان الذي تحتفظ فيه بخطاباتها الخاصة .. اذن .. لابد أن هناك من يعبث بغرفتها .. ودقة بدقة ..!



*
*
* * *
* *
*


:: الفصل السابع ::



سافرت مسز سبروت في اليوم التالي الى لندن وتركت بتي في عناية سكان سان سوسي بعد ان نبهت على الطفلة بعدم ازعاج اهل الدار, وتعلقت بتي بتوبنس لتلاعبها.. ومنعت الامطار الشديدة خروجهما للنزهة، فلجـأتا الى حجرة نوم الفتاة واتجهت بتي الى حيث تحتفظ بلعبها فسألتها توبنس أي هذه اللعب تفضل فقالت بتي:
- احكي لي حكاية..
فجذبت توبنس ونظرت الى عنوان الكتاب ثم سألت بتي..
- هل تعجبك أحلام ساندريلا ؟
- كلا .. انه قذر ..
وتناولت بتي الكتاب وأعادته الى مكانه وسحبت كتابا آخر من نهاية الرف وكان بنفس العنوان.. فأدركت توبنس أن الكتب القديمة أهملت وأن مسز سبروت اشترت مجموعة جديدة للطفلة .. انها من الامهات اللاتي يتطيرن من القذارة .. ويخشين على أطفالهن من عواقبها.. وأخذت بتي تعبث بالكتاب ثم أعادته وتناولت غيره ثم غيره ، وكانت بتي تختطف الكتب من توبنس وتخبئها وتحاول هذه العثور عليها.. وهكذا انقضى الصباح دون ان تشعر بمرور الوقت ..

وبعد الغذاء ذهبت بتي الى سريرها، واستدعت مسز اوروك توبنس الى غرفتها وكانت غرفة ضل النظام طريقه اليها.. تفوح فيها روائح النعناع والنفتالين.. وانتثرت فيها الصور بغير نظام. صور ابناء وأبناء وأخوة وأبناء اخوة مسز أوروك حتى خيل لتوبنس انها في معرض للصور. أقيم في العصر الفيكتوري ..
وقالت مسز أوروك :
- ان لك طريقة عجيبة في معاملة الاطفال يا مسز بلنكنسوب
- ان ذلك يرجع الى طول المدة التي ربيت فيها ولدي
- ولديك ! سمعت انهم ثلاثة ..
- آه طبعا .. انهم ثلاثة .. نعم ثلاثة .. ولكن أعني ولدي المتقاربين في السن فقد كنت أقوم بتربيتهما وهما في هذه السن تقريبا معا .. هذا ما قصدت ..
- آه.. اجلسي يا مسز بلنكنسوب واعتبري نفسك في غرفتك...

وأحست توبنس بنوع من الضيق الذي يحسه المرء وهو في زيارة احدى الساحرات ..
وقالت مسز أوروك أخيرا:
- والآن يا عزيزتي .. ما رأيك في سان سوسي ؟
فأجابت توبنس بكلام عام .. ولكن مسز أوروك قاطعتها بقولها :
- أود أن اسألك ما اذا كنت قد لاحظت شيئا غريبا في سان سوسي؟
- شيئا غريبا! ماذا تعنين ؟ كلا .. لم ألحظ..
- حتى ولا عن مسز برينا ؟ فقد أدركت انك تراقبينها .. بل انك تشددين الرقابة عليها ..
واحمر وجه توبنس ولكنها تمالكت نفسها وقالت :
- انها .. انها .. سيدة حلوة المعشر..
- اذن هي ليست .. أعني انها سيدة مجتمعات .. اذا كان الظاهر كالباطن.. ولكن اذا لم تكن .. أ هذا هو رأيك ؟
- الواقع يا مسز أوروك انني لا أفهم .. سيدة مجتمعات.. تتظاهر.. لم تكن .. ماذا تعنين ؟
- ألم يخطر ببالك يوما ان أية واحدة منا قد تكون فعلا خلاف ما تتظاهر به أمام الناس؟ فالمستر ميدوز مثلا .. يبدو لي أنه رجل غريب التصرفات .. فأحيانا أراه يمثل الرجل الانجليزي الغبي المحدود الأفق وأحيانا أسمع منه كلمة أو أرى منه ما يدل على أنه أبعد الناس عن الغباء.. ألا ترين في هذا غرابة ؟
فأجابت توبنس بحزم :
- أوه . انني لا أرى في مستر ميدوز الا نموذجا للرجل العادي ..
- اذن هناك غيره .. وأظن أنك تعرفين واحدا منهم على الاقل ..
فهزت توبنس رأسها نفيا..
فعادت مسز أوروك تقول :
- ان الاسم الذي أصده يبدأ بحرف ( ش ) ..
ولم تستطع توبنس أن تتمالك أعصابها أكثر من ذلك .. وظهرت عليها أمارات الغضب ، فقد خيل إليها أنها في موقف استجواب .. وأن عليها أن تدافع عن شيء عزيز عليها فقال في حدة :
- ان كنت تقصدين شيلا فهي فتاة طائشة ثائرة,, وقد كنا جميعا كذلك في مثل سنها..
- لا .. لا . لا .. ليست هذه من أقصد .. ألا تعلمين أن اسم مس منتون الأول " شيرلي " ..
- أوه .. اذن تقصدين مس منتون ؟
- لا ,, ليس هذا ما أقصد .. ولكن ..

ولم تقو توبنس على احتمال الموقف أكثر من ذلك .. ان هذه السيدة تتلاعب بها كما يتلاعب القط بالفار.. فقامت توبنس من مكانها واتجهت نحو الشرفة تراقب نزول المطر وقد تضاربت الافكار في رأسها .. فكيف تتخلص من موقفها هذا ؟ وكيف سمحت لنفسها أن تقع في هذا الشرك .. وتوقف تفكيرها لحظة .. رأت خلال النافذة تلك المرأة التي كانت تحادث كارل فون دينيم منذ أيام .. وكانت تتلفت يمنة ويسرة بعينين جامدتين لا حياة فيهما .. حتى خيل لتوبنس انها تمثال يتحرك.. وكانت تتطلع وتتطلع الى نوافذ سان سوسي .. وليس في نظراتها أي معنى.. رباه.. بل هناك معنى واضح كل الوضوح انها نظرات مجنون وطافت برأس توبنس خيالات عديدة . ان هذه المرأة تمثل الاشباح التي تسكن البيوت المهجورة.. واستدارت توبنس لتواجه مسز أوروك وغمغمت ببضعة ألفاظ ثم اندفعت سريعا من باب الحجرة.. ونزلت الدرج .. فالحديقة .. فالطريق .. إلى قمة التل .. فلما وصلت كانت المرأة قد اختفت .. فعادت توبنس من جديد الى الحديقة وأخذت تجول فيها .. بين الشجيرات غير عابئة بما أصابها من هطول الامطار.. وكانت تقتفي آثار أقدام المرأة الغريبة متوقعة أن تقودها هذه الآثار إلى حيث اختفت فجأة .. وقادتها الآثار الى ابواب الفيلا ، فأحست توبنس باختناق لم تدر له سببا وشعرت ان نكبة ما وشيكة الوقوع فقد حدثها انقباض قلبها بذلك .. ولكمها لم تستطع ان تخمن ما هذه النكبة ؟ .. وما كان يخطر ببال مخلوق أن يخمن ..

وبعد أن اعتدل الجو وانقطع المطر ساعدت مس منتون بتي على ارتداء ملابس الخروج استعدادا لنزهة في المدينة القريبة.. ولتشتري مس منتون لبتي إوزة من البلاستيك ، وكانت بتي تصيح في أرجاء الدار جزلة ..
ولاحظت توبنس عندما دخلت باب الدار ان هناك عودين من الثقاب قد ألقيا على المنضدة التي تتوسط الردهة الخارجية في غير عناية ، فعرفت ان مستر ميدوز يقضي الوقت في مراقبة مسز برينا ، فاتجهت توبنس الى حجرة الانتظار ووجدت مستر ومسز كايلي وكان زوجها في حالة يرثى لها .. يشكو الضجيج الذي تحدثه الطفلة ويقول انه لم يأتي الى سان سوسي الى هربا من الضجيج..
فقالت توبنس :
- من الصعب التحكم في الاطفال وهم في هذه السن ..
- هه .. هذا كلام لا معنى له .. انها آفة العصر الحديث .. أن يترك الاطفال يعبثون كما يحلو لهم .
فقالت توبنس تغير مجرى الحديث :
- أود أن تحدثني عن رأيك الخاص في طرق المعيشة في ألمانيا ، فقد سمعت أنك قمت برحلات إلى بلاد كثيرة ..
- انني كما تقولين يا سيدتي العزيزة .. رجل ذو تجارب وخبرة وفي رأيي انه يجب ان تتفاهم بريطانيا وألمانيا .. فالنظام النازي في رأيي هو خير الأنظمة صلاحية للبلدين..
وقطع الحديث دخول مس منتون تتبعها الطفلة حاملة إوزتها الجديدة ..

وما هي الا لحظات حتى أعد الشاي.. وفي تلك الفترة رؤيت مسز سبروت داخلة بعد عودتها من لندن وهي تقول :
- أرجو الا تكون بتي قد أزعجت أحدا..
ثم وجهت الحديث للطفلة :
- كيف قضيت الوقت يا بتي؟
- قذر ..

ولم يعلق أحد على رد الطفلة اذ كان مفهوما أنها لا تعني ما تقول وأخذت مسز سبروت تتحدث عن مشترياتها من لندن خلال احتسائها الشاي.. وانتقل الجميع الى الشرفة فقد بدات الشمس تتسرب من تحت الغمام.. وكانت بتي تملأ الجو بدعابتها وجريها في كل مكان.. واستمر الحال كذلك .. والنزلاء يتحدثون عن الاشاعات وما ينتظر ان يحدث حتى قطعت مسز سبروت الحديث فجأة قائلة :
- انها السابعة اآن .. كان يجب ان تنام الطفلة منذ ساعات ... بتي .. بتي ..بتي ..
ولم يكن أحد يلحظ غياب الطفلة في أثناء الحديث .. وعادت مسز سبروت تصيح وقد تزايد قلقها ..
- بتي .. أين أنت؟
وقامت مسز سبروت تبحث عن الطفلة ..
وقاتل مس منتون ان الطفلة لا بد أن تكون في مكان ما..
وقالت توبنس لا بد انها اختبأت في المطبخ اذ كان أطفالها يختبئون فيه ..
ودار البحث في كل مكان .. ولكن بدون جدوى . فقد اختفت الطفلة اختفاء تاما..
وظهر الغضب على وجه مسز سبروت .. وقالت:
- ربما تكون قد خرجت من الفيلا .. ؟
فخرجت توبنس مع مسز سبروت ووقفتا تتلفتان هنا وهناك، ولكنهما لم يريا سوى صبي على دراجة يحادث خادمة الفيلا المواجهة لسان سوسي .. فتقدمت توبنس نحو الصبي وسألته اذا ما كان قد رأى فتاة صغيرة تخرج من الفيلا فأجابت الخادمة :
- أهي تلبس فستانا قصيرا أخضر اللون ؟ رأيتها منذ نحو نصف ساعة .. تسير في هذا الطريق مع سيدة ..
- سيدة ..! أي سيدة ..!
- انها سيدة .. غريبة الهيئة .. و على كتفيها شال رخيص .. فخيل الي انها احدى المتسولات .. واني اذكر اني رأيتها أكثر من مرة تحوم حول هذا المكان..
وتذكرت توبنس فورا ذلك الوجه الذي رأته يتلصص بعد الظهر في الحديقة ولكنها لم تكن ترى علاقة بينه وبين بتي .. ولم تترك مسز سبروت لها فرصة للتفكير أكثر من ذلك فصاحت :
- بتي .. عزيزتي بتي .. طفلتي.. لا بد أن تكون تلك المرأة احدى الغجريات .. فردت توبنس على الفور..
- لا .. لا .. ان وجهها لا يدل على ذلك.. فهي جميلة . ولا يمكن ان تكون من الغجريات..
فنظرت اليها مسز سبروت في عجب ودهشة مستفسرة ، فقالت توبنس :
- رأيت هذه المرأة بعد ظهر اليوم .. تتلصص خلال شجيرات الحديقة .. كما اذكر انني لمحتها مرة قبل ذلك .. تحادث كارل فون دينيم .. نعم لا بد أن تكون نفس المرأة ..
وقالت الخادمة تؤكد كلام توبنس :
- نعم .. نعم .. انها نفس المرأة .. ان شعرها الاشقر لا ينسى ..
فصاحت مسز سبروت :
- أواه .. يا ربي .. ماذا أفعل؟
فقالت توبنس وهي تضع ذراعها في ذراع مسز سبروت :
- تعالي الى الفيلا .. لنطلب البوليس ..
فسارت مسز سبروت معها وهي تقول :
- لست أدري كيف رضيت بتي أن تسير هكذا مع الغرباء .. دون أن تصيح ..
- انها صغيرة جدا كما تعلمين .. وقد تكون المرأة مخبولة ..

وكانت توبنس تقول هذا لتخفف وقع الصدمة على مسز سبروت اذ كانت تعلم ان المرأة الغريبة في كامل قواها العقلية وقد شكت في ان يكون لكارل علاقة بحادث الاختطاف هذا ، وقد تبددت شكوكها لما أقسم كارل ان لا علم له بأي شيء عن هذا الموضوع ، وقد استغربه كذلك الجميع .. وبعد أن شرحت توبنس كل ما تعلم قال الماجور بلتشلي موجها كلامه لمسز سبروت ..
- لا تقلقي يا سيدتي .. سأذهب حالا الى مركز البوليس ..
فقالت مسز سبروت :
- انتظر لحظة .. فقد تكون هناك ..
ثم جرت مسرعة الى غرفة بتي وعادت وهي تلهث وهجمت على الماجور بلتشلي وخطفت سماعة التليفون من يده وهي تقول :
- لا .. لا .. لا تبلغ البوليس . .يجب الا نبلغ البوليس ..
وتهاوت على أحد المقاعد وهي تبكي ، فالتفت الجميع حولها وقد اشتد بهم العجب يحاولون تهدئتها وبعد لحظة قالت بصوت خنقته العبرات وهي ترفع شيئا في يدها :
- وجدت هذه .. في حجرتي .. كانت مربوطة الى تمثال قطة من الحجر .. انها انذار لي ..
فتناول مستر ميدوز الورقة وقرأ فيه ا:
" لقد وضعنا يدنا على طفلتك وسنخبرك فيما بعد بما تفعلين ولكن .. اذا اتصلت بالبوليس سنقتل الطفلة .. أغلقي فمك وانتظري تعليماتنا والا .. "
وكانت موقعه بجمجمة وعظمتين متقاطعتين ..
وتكلم الجميع في نفس الوقت :
- القتلة المتوحشون .. الوحوش ...

ولكن صوت الماجور بلتشلي علا جميع الاصوات وهو يقول :
- كلام فارغ .. مستحيل .. يجب أن ابلغ البوليس حالا .. فهو وحده الذي يستطيع ان يضع حدا لهذه المهزلة ..
وتحرك ثانية متجها الى آله التليفون .. ولكن مسز سبروت صرخت ، فصاح بها :
- يا سيدتي العزيزة .. لا بد من ذلك .. فما هذا الانذار الا حيلة مبتذلة لمنعنا من اقتفاء اثر الخاطفين السفلة ..
- سيقتلونها ..
- مستحيل .. انهم لا يجرءون ..
- اني لا أسمح .. أنا أمها .. وأنا التي أقرر ..
- أنا أفهم .. فاهم .. ولكن استمعي الى نصيحتي يا سيدتي فتبليغ البوليس هو الحل الوحيد .. ألا توافقني يا مستر ميدوز ؟
فهز تومي رأسه ايجابا .. وعاد بلتشلي يقول :
- وأنت يا كايلي؟ اذن انظري يا مسز سبروت .. ميدوز وكايلي يوافقاني ..
-

الكاتب: qassimy انقر هنا لمراسلة qassimy أنقر هنا للإنتقال إلى موقع qassimy إضافة للمفضلة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات القصة :  ارسل القصة لصديقك   طباعة القصة   حفظ القصة كملف Word   حفظ القصة كملف PDF



 

مكتبة الصور

مكتبة الصوتيات

مكتبة البطاقات

مكتبة الأخبار

مكتبة الفيديو

مكتبة الفلاشيات

مكتبة الجوال ألعاب الجوال نغمات الحمية والرجيم موسوعة الاعشاب تطوير الذات
ديوان الشعر عالم الجنس عالم المرأة الأذكار شرح البرامج

قنوات فضائية

الأدعية الصحيحة المنتديات مكتبة القصص موسوعة الطبخ

مجلة قصيمي نت

موسوعة الكتب