غدت التيتانيك رمزاً من رموز الفاجعة، فهي على رغم ضخامتها افترسها الموج ووشم الماء المالح خشبها العملاق بالهزيمة المفاجئة، فتحوَّلت جزءاً من أسطورة المياه، التي لولا انسحابها، لما تكوَّنت القارّات ونمت شجرة يعدّ إنسان عمره يوماً فيوماً في ظلالها. «تيتانيكات افريقية} رواية تظهّر آلام شعب بل شعوب وتضيئها عارية من الظلال واللّبس في مرآة الوجود.
ليس في أفريقيا التي يموت أهلها فرائس الفقر سفن ماردة تنازل جبال الموج، وركابها يشربون نبيذ الرحلة وهم مرتاحون لسمفونية الهدير، إنما فيها ناس يتحدّون مصائرهم وأقدارهم السّود، فيركبون هزيل الخشب وفقيره محاولين امتطاء الموج الى البعيد البعيد، حيث تترك الحياة لكل إنسان تحت وسادته رغيفاً، غير أن هزيل الخشب الذي يسعى الى التعديل في مجاري الأقدار، يقوده سماسرة بشر وتجّار أرواح تمتلئ جيوبهم وبطون الحيتان والأسماك المفترسة معاً؛ هؤلاء السماسرة ليسوا ينشدون حلاًّ ونهاية لمأساة الشعوب إنّما يلمّون ذهبهم من تحت أقدام الزمان المتوحّش ويستثمرون مأساة الآخرين، فتُرفع لهم أبراج قصور. في «تيتانيكات إفريقية» يتجرد الراوي أبو بكر حامل كهّال من «أناه» التي تخصّه وحده، ويعتنق الـ{أنا» الأوسع، ليصير مدوّن حكاية شعب بكامله، فليس له تيتانيك ليجول الأرض بهدف الاستكشاف والمتعة والسَّفر الجميل، إنما هو ابن إرتريا المصابة بلعنة الهجرة، اللاجئ أهلها الى ظهور الحيتان هرباً من لسعات أفاعي الفقر القاتلة.
يظهر الراوي في بداية النص صاحب ألقاب كثيرة، كلها ذات دلالات على الطقس التيتانيكي المواكب مسار الرواية من أوّلها الى آخرها. فهو الأواكس والخفاش والشمّام والأمبسا... يحصي التيتانيكات المبحرة من أفريقيا الى أوروبا. يولد الأفريقي حاملاً جرثومة الفقر في دمه، وعيناه مشدودتان الى دنيا الحلم البعيدة التي لا توطأ أرضها بلا مغامرة طويلة، غالباً ما يكون ثمنها حياة الإنسان. للهجرة الإفريقية جدليَّة مؤلمة، فأجراس سحريَّة يحاول رنينها ثني الأفريقيين عن الهجرة لأسباب روحية وعاطفية تتعلق بالانتماء الى الأرض، وأجراس أخرى تقتلع أولاد الأرض الفقراء من ترابهم الحميم وتغريهم بذهب الغربة وخرافية حكاياتها. ها هو «مالوك» الليبيريّ يروي أخبار «كاجي» الذي جابه السفر ودعا الى أن يكون الناس أيقونات أرضهم، «فكاجمكور» استطاع اقناع «بوارا» الإبن بالبقاء في الوطن، وارثاً للأغنيات، متشبثاً بما لا يقاس بالثروة وهو الانتماء. فطالما الأغنيات أطفأت لمعان ذهب الهجرة وكانت وطناً آخر داخل الوطن. يلجأ الراوي الى البصارة، ربّما لأنّ الغيب الذي يواجهه أكثر من مجهول، والرحلة محاولة انتحار أو محاولة حياة. انطلقت الرحلة، وبدأت الأخطار تنكشف، وأوّلها «الهمباتا»، أو مجموعة القراصنة الذين يطلّون من اتساع الصحراء ويسلبون ويقتلون.
تعرض المهاجرون لإطلاق النار وحاول سائق السيارة التخلص من قطّاع الطرق الى الحياة والحلم، فأضاع الطريق وبدأ ما يشبه الجوّ الملحمي يطغى على الرواية.
مات البعض عطشاً والبعض الآخر في طريقه الى الموت. «ترحاس» امرأة صلبة، رطبت ببصامتها فم أحدهم وهو محشوّ رملاً وعطشاً وموتاً... «ترحاس» استغلت كل ما فيها من ماء، غير أنها انكسرت أمام إصرار الموت على افتراس أحد رفاق السفر القاتل. وبأعجوبة استطاع من نجا من مغامرة الصحراء الوصول الى مكان، ليس أكثر من محطة لمواصلة المغامرات. ينظر الراوي الى ترحاس نظرة آخر رجل الى آخر امرأة. لا شيء يُحظَّر حين تكون الدنيا على وشك الانتهاء. كان الجنس بعضاً من التضامن الوجودي تحت سماء مفترسة وأماكن لم يزر ترابها يوماً شجرٌ الأمان. باتت عيون الجميع على البحر. واحد يرى البحر غدّاراً، لن يكون منه نجاة، وآخر يخاطبه «زيّ السمن يا بحر زيّ السمن». المركب المنتظر هو أكثر من تيتانيك متأهبة للغرق، هو أقرب ما يكون الى سفينة نوح برمزّيته. أروع قصص البحر هي التي في صدر «مالوك» الحزين، صاحب الغيتار الذي يعالج ألم الروح بنسغ الوتر الجريح. حاول أحد أجداده الأوائل هزيمة البحر ببناء سفينة نوحيًّة الشكل وذلك ليبحر فيها ويسترجع امرأته السبيَّة، وفاجأه الموت قبل الانتهاء من بناء السفينة العملاقة.
العصافير
مالوك شاعر مسكون بالبحر وبعقدة المياه المالحة: «لو العصافير لا تذكّر بالسفر أو موت البحّارة». قبل الانطلاق من الرحلة البحرية، تداهم الشرطة المكان، ففرّ البعض الى جهة البحر وألقي القبض على البعض الآخر. نجا الراوي وترحاس ومالوك، وأمست بوصلة الرحلة تتجه نحو تونس الأقرب الى اليابسة الأوروبية. اجتياز الأسلاك على الحدود مسألة يلتبس فيه الموت والحياة: «كنا نقف متخذين أشكال أشجار يابسة». في تونس «سي الناجح» صاحب نزل طيب يسهّل الإقامة ونصيحته صريحة مفادها الحذر الشديد، لأنّ الوقت الصعب والحرج حمال احتمالات كثيرة لا تطمئن. وصل المركب المنتظر والربّان أعلن ثقته بنفسه: «في الليل أنا بارع في الملاحة، أعرف كيف أهتدي الى وجهتي عبر مواقع النجوم». لكنّ المشكلة لم تكن في الربّان، فالمركب مثقوب وعند أوّل الإبحار بدت الرحلة الجديدة مغامرة أكثر خطورة من سابقاتها. استطاع الماء الذهاب بأجزاء من المركب وبات راكباً ثقيل الظلّ لا يمكن رميه خارجاً. عبثاً حاول أهل المركب سدّ الثقب بألبستهم. تعطل المحرِّك. مرت أيام وأهل المركب يتأرجحون بين الحياة والموت وحصَّة الموت منهم كانت أوفر فمات اثنان. في اليوم الثامن عشر استبد العطش بالناس المحمولين على ظهر الماء. مات عشرون شخصاً. تجلّى الأمل الوحيد في ظهور حاملة نفط قريبة. لوَّح لها المنكوبون بالأيدي والجثث والصّوت. ما لبث الأمل أن صار ضحية إضافية. استمرت المأساة. غرق المركب وقفز منه من قفز. مالوك لا يزال يستنجد بالقصيدة لمعالجة روحه المثقوبة بمنقاد طائر الخيبة: «مراكبهم بلا أسماء/ مثل قبور مجهولة/ تواكبهم، دلافين فرحة/ وتظللهم غيمات نورس». حين داهمت الشرطة نزل «سي الناجح»، كان مالوك نجا لأنه خارج النزل. حمل غيتاره ومضى. الراوي وترحاس وغيرهما نُقلوا الى حبس «الوردية»، ورمي بهم الى الحدود، الى المنطقة الميتة بين البوابتين. من ليبيا عادت المرأة الصلبة بالطائرة وإلى جانبها الراوي «ابدار» صاحب الـ{أنا» المفجوعة على امتداد الرواية.
يقضي «مالوك» غرقاً في أحد المراكب، تتحول أخباره أسطورة هي امتداد لأساطير أجداده مع البحر الذي جعل حياتهم ملحمة تتحدى الوجود بالأغنية: «كان واقفاً فوق موجتين، تؤرجحان برفق جسده المنتصب».
«تيتانيكات افريقية» تجتاز الرواية بوجعها، هي جزء من ملحمة وجوديَّة تؤرِّخ آلام شعب عبثاً يسعى الى فتح أشرعته مخالفاً رياح الأقدار. الراوي ليس شاهداً بقدر ما هو شهيد. وما نهاية الرواية التي أعادت «أبدار» الى أرضه سوى إقرار بالهزيمة والانتصار في آن: الهزيمة هي بالعودة، والانتصار هو بالبقاء على قيد الحياة... والألم.
تم إضافته يوم الخميس 04/09/2008 م - الموافق 4-9-1429 هـ الساعة 8:15 مساءً