يستطيع الناس في معظم الاحيان التعايش - وان كان ذلك على مضض- مع امراض الحساسية التي يعانون منها، لكن في القصة التي ترويها لنا كاتي غرين التي تبلغ من العمر اربعة وعشرين عاما سنجد اننا امام نوع آخر من الحساسية النادرة والعدوانية التي اضطرت تلك الفتاة الى ان تعيش معظم طفولتها ومراهقتها في الظلام حتى تتجنب الضوء في جميع الاوقات. وفي الحقيقة ان ما اسماه العلم بحساسية الشمس أحالت حياة كاتي غرين الى جحيم. وكانت تلك الفتاة لا تستطيع الخروج الى أي مكان ولا تستطيع ارتداد الا ملابس معينة، وقد لقبت بفتاة القناع لأنها ظلت طوال فترة المعاناة لا تستطيع خلعه الا في مناسبات نادرة .وكانت مجرد ان تتعرض بشكل بسيط الى الشمس تكون حياتها في خطر.وقد عانت كاتي من مشاكل عديدة من بينها الصلع وانعدام الاصدقاء. وهنا تروي كاتي بنفسها تفاصيل حياتها بسبب هذا النوع.
تقول كاتي: منذ اليوم الذي ولدت فيه في يوم من أيام يوليو القائظة ادركت والدتي ان هناك شيئا ما خطأ أشكو منه ،حيث كنت أصرخ بلا توقف، ويأخذ لون جلدي بالتحول الى الأحمرار من شدة الحك.
وفي البداية عزا الأطباء الحالة الى نوع من اليرقان وأوصوا بوجوب تعرضي لكميات كبيرة من أشعة الشمس. لكن عند خروجي الى حديقة منزلنا الذي يقع في ستانلي ،في فلينتشير، في ويلز، تطورت الحالة اكثر وتفجرت عناقيد من الغضب كانت عبارة عن قيح جلدي.
وعندما أصبحت في الشهر الثامن من عمري تمت احالتي إلى طبيب اخصائي في الجلد في غلاسكو. وقد تم تشخيص الحالة بأنها حالة خلقية منذ الولادة تعرف بورفيريا الكريات الحمر، وهي نوع نادر من حساسية الضوء. كما ان الأشعة فوق البنفسجية المتولدة من أشعة الشمس، تعد الأكثر خطورة بالنسبة لحالة كاتي . وفي ذلك الوقت الذي ظهرت فيه حالتي لم يكن هناك سوى 52 حالة تم تسجيلها في جميع أنحاء العالم.
ومنذ تلك اللحظة كان بيتنا قد تحول إلى كهف مظلم. جميع النوافذ مغطاة مع مرشحات للأشعة فوق البنفسجية وتم تغطيتها بستائر سوداء اللون غامقة.
وكانت والدتي تستخدم المصابيح الكهربائية ذات الواطية المنخفضة جدا فضلا عن المصابيح المكتبية التي تكون مختفية ومن دون ضوء مباشر، كما اني كنت اشاهد التلفزيون بسطوع خافت. ولم تكن بشرتي فقط عرضة للحرق، وانما حياتي كانت في خطر.
وكان على الطحال ان يعمل على نحو اضافي لمساعدة جسمي على مكافحة العدوى الناجمة عن التعرض للضوء. وهذا من شأنه أن يضع ضغوطا على أجهزة الجسم الأخرى، وكان من الممكن أن أتعرض الى الغيبوبة في أي وقت.
ومع ذلك كنت طفلة سعيدة لانني لم أعرف حقيقة ما أشكو منه. كانت والدتي تأخذني إلى الشاطىء أو الى الحديقة لكن بعد حلول الظلام فقط. وقامت باستئجار المسبح المحلي للمدينة التي نسكنها وذلك بعد اغلاقه حتى استطيع ممارسة السباحة عندما تكون الأضواء قد أطفئت فيه.
وذات يوم استطاعا ان تقنع مدير حديقة الحيوان ان يفتح ابوابها من اجلي لليلة واحدة حتى استطيع ان اتجول عندما لا تكون هناك اية اضواء. وفعلا حينها شعرت أني من مستوى كبار الشخصيات.
وقد هيأت العائلة لي كلما تستطيع حيث كان لي معلم خاص يأتي الى البيت لمساعدتي، وبينما كانت أختي الكبرى جولي، وبنات عمي يضمني الى كل شيء يقيمنه، في حين كنت أتوق الى تكوين أصدقاء وان يدعوني الى حفلاتهم.
وعندما صرت اكبر سنا تكوَن في داخلي المزيد من الإحباط. و صباح احد الايام وعندما كانت والدتي تنشر الغسيل في الخارج ركضت ومن دون ان ادري إلى الحديقة. وفي الحقيقة انني لم اتحرك سوى مسافة قصيرة جدا لا تتعدى بضع اقدام عن البوابة حيث سارعت والدتي الى الامساك بي حتى لا تأخذ الامور طابعا آخر على جلدي حيث بدا وكأنه قد احترق في غضون هذه الثواني القليلة. وقد أحالني ذلك الى الاصابة بحالة من الهلع لشدة المرض، وقد وضعت والدتي الضمادات القطنية في كل مكان من الجسم لتخفيف حدة التقيحات.
وعندما بلغت الحادية عشرة من العمر تدخلت السلطات المحلية واتخذت قرارا يقضي بوجوب أن أتفاعل واتبادل العلاقات مع غيري من الاطفال. وفعلا قد تم ترتيب غرفة لي في المدرسة الثانوية المحلية، وزودوا النوافذ بمرشحات الأشعة فوق البنفسجية وبدأت امارس بعض النشاطات. وقد تم صنع مظلة واقية مصنوع من المطاط لتغطي رأسي والكتفين وصولا الى صدري مع مرشحة صغيرة حمراء للأشعة فوق البنفسجية عبر القناع الواقي لعيني الذي يتيح لي النظر من خلاله.
وأثناء اليوم الأول لالتحاقي في المدرسة اقدم صبي على ضربي في وجهي، ووصفني بمصاصة الدماء. وقد أصبحت أُعرَف باسم فتاة القناع بسب المظلة المطاطية التي ارتديها.
وبالرغم من انني كنت أختبيء تحت قناعي، الا أنني دائما ما ارتب شعري واضع بعض مساحيق التجميل. وكنت أحب الموضة لكني لا استطيع أن أرتدي التنورة أو السترة لذلك كنت اشتري المعاطف بدلا من ذلك. وظللت أسيرة الظلمة طوال فترة طفولتي ومراهقتي وكان الضوء الذي يحبه الناس هو العدو الاول الذي استطاع ان يحيل حياتي الى جحيم.
وعندما بلغت السادسة عشرة من العمر تغيرت حياتي للأبد. لقد بدأت أعمل في مقصف للحلويات في داخل المدرسة خلال فترة دراستي في المستوى الاول. وكان المقصف عبارة عن غرفة مظلمة بنافذة صغيرة.
وكنت أعلم انها تجربة محفوفة بالمخاطر ولكن كنت أخلع القناع لمدة ساعة اذا شعرت بأن الجو حار جدا بالنسبة لي. غير ان المذهل في الامر ان جلدي لم يصب بتلك التقرحات القديمة. وهنا سمحت لنفسي بأن أعطيها بصيصا من الأمل عبر ذلك التحسن الذي بدأ يطرأ على حالتي.
وبعد بضعة أشهر قليلة وعندما كنت أتجول في البلدة في حوالي الساعة السادسة مساء، شعرت بأن هناك حاجة ملحة في داخلي تدفعني إلى اتخاذ قرار بإزالة القناع من رأسي . ومنذ تلك اللحظة ظللت أخضع نفسي للاختبار تلو الاختبار لعدة أشهر وذلك من خلال فتح النوافذ والوقوف بالقرب منها ولاحظت ان بشرتي وجلدي بخير ولم أشعر بحصول أي تغيير.
وبعصبية وبحماس خلعت القناع من على رأسي. ولأنني قضيت كل حياتي الماضية خلف الستائر وفي الظلمة شعرت لحظتها كما لو أني عارية اسير وسط العالم. ثم مشيت مسافة قطعت خلالها خمسة محلات تجارية لأتأكد مما يدور حولي وغمرتني حالة من اللاتصديق لما يحدث. ثم انفجرت ضاحكة فرحة فيما كانت الدموع تهطل على وجهي. كنت الوحيدة في هذا العالم على الاطلاق التي تعيش الحياة من خلال نافذة صغيرة حمراء، أما الآن فإني أرى هذا العالم لأول مرة. وبدا كل شيءوكأنه ألوان فنية وانتابني شعور غامر بالفرح أحسست أنه مرعب الى حد الجمال.
وكانت الاخصائية التي تشرف على حالتي النادرة جدا سعيدة لمواصلتي الخروج من دون القناع لكنها آثرت ان تنصحني بالبقاء في الظل وارتداء نوع من النظارات الخاصة في جميع الأوقات. كنت أعرف أنها كانت على حق ولكن جزء مني، يشعرني بأنني ادرك الى اي مدى يمكن ان أدفع جسدي ومقدار ما استطيع تحمله. ولانني أُخبرتْ وانا ما أزال طفلة من ان عمري المتوقع ان اعيشه هو نصف ما سيعيشه الناس الآخرون، فأعتقد انه من الافضل العيش حياة كاملة حتى سن الاربعين بدلا من ان أعيش نصف حياة وأبلغ الثمانين من العمر.
وبدأت في أكثر الأحيان احاول الخروج من دون القناع، ودائما ما كنت ارتدي النظارات الخاصة من اجل تأمين الحماية اللازمة. حتى أنني استمتعت لأول مرة بحفلة شواء مع الأسرة. وكنت أقوم باختبارات الدم الاسبوعية للتأكد من أنني لا أتسبب بأي ضرر.
بعد ذلك ، وعندما اصبح عمري 18 سنة، حجزنا لقضاء عطلة عائلية في تينيريف. كنت اعرف جيدا ان أخذ اي حمامات شمسية ستكون نتائجه وخيمة بل ربما قاتلة لكن كان مجرد الجلوس في الظل، وارتداء التنانير الطويلة والبلوزات الخفيفة ذات الأزرار امرا في غاية المتعة بالنسبة لي اولا ومن ثم لجميع افراد العائلة. وذات مساء شاهدت الغروب من شرفتنا وتدفقت الدموع من عيني بسبب هذا المنظرالجميل الذي لم يدر في خلدي من انني سأنظر اليه يوما ما.
وعندما عدت الى الوطن أقمت كماً هائلا من العلاقات والأصدقاء. ولم أعد تلك الفتاة التي وصمت بفتاة القناع بل تغيرت تماما. وعندما صار عمري 20 سنة، التقيت بجيمي الذي اصبح شريك حياتي. وتزوجنا بعد ثلاث سنوات. وفي أغسطس 2003 - اصبحت حاملا منه. وقد حذرني الأطباء من صعوبة الولادة بالنسبة لي، لأن بشرتي تفتقر إلى المرونة اللازمة مما قد يتسبب ببعض المشاكل . وعندما انجبت ابنتي لوتي بعملية قيصرية، شعرت كما لو اني المرأة الاوفر حظا في هذه الدنيا.
وعندما انظر الى نفسي وحالتي الآن اعتقد أنني مثل أي فتاة أخرى في عمري.
ومع ذلك فاذا نظرنا عن كثب، الى جلد يدي فستجد انه منكمش جدا ولا يمكنني أن ألم أصابع يدي لأكور قبضة كما يفعل الناس كما ان اصابعي أقصر قليلا عما هي عليه عند الناس الآخرين بسبب الحروق التي تعرضت لها أيام الطفولة عندما كانت تلازمني حالات حساسية الجلد.
ان عدم التعرض الى ضوء الشمس يعني علميا ان هناك نقصا في فيتامينات سي ودي، وذلك من شأنه ان يجعل عظامي ضعيفة، وأسناني مشوهة فضلا عن معاناتي من تساقط الشعر. ولكن بعد ان قضيت الستة عشر عاما الأولى من حياتي في الظلام، فإن ذلك يجعل كل يوم أغلى من أي وقت مضى.
عن الديلي اكسبريس البريطانية.
تم إضافته يوم الأربعاء 29/07/2009 م - الموافق 7-8-1430 هـ الساعة 9:05 صباحاً