عرف الدكتور ستيفان إيفرز، من عيادة الجملة العصبية في جامعة مونستر الألمانية، الصداع الجنسي بأنه نوبات صداع نابضة يرتبط ظهورها بطقوس ممارسة الجنس وتحول متعة الرجل ( أو المرأة ) إلى كابوس.
وذكر إيفرز أمام المختصين في " مؤتمر الألم " الدولي المنعقد في برلين أن الصداع الجنسي ينتشر بين الرجال أكثر من النساء بنسبة 3 أو 4 مرات. عدا ذلك فإن دراسة حديثة أجراها فريق عمل يقوده إيفرز في مونستر تثبت أن نسبة الإصابة بالصداع الجنسي ازدادت باطراد بين الرجال خلال العشرين سنة الماضية، وحسب تعبير خبير الألم الألماني فإن الصداع الجنسي يطيح بعدد من الزيجات الناجحة بسبب تحويله الحياة الجنسية للزوجين إلى جحيم، وتكشف الدراسة أيضاً، حسب صحيفة الشرق الأوسط، عن علاقة وثيقة بين الصداع الجنسي والصداع النصفي ( الشقيقة )، الأمر الذي قد يكشف إمكانية معالجة الصداع الجنسي بأدوية الشقيقة.
ليس الليلة يا حبيبتي
وهناك تشابه في آلام الحالتين وخصوصا من ناحية الشدة وارتباطها ببعض العوامل المؤثرة، وأشار إيفرز إلى أن 50% من الذين يعانون من الصداع الجنسي هم من مرضى داء الشقيقة، هذا مع وجود استعداد عائلي للإصابة بالصداع الجنسي عند البعض، واحتمال أن يلعب ارتفاع ضغط الدم دورا آخر في تطور الحالة لدى البعض الآخر، وحول هذا المرض كثيرا ما يضحك الأمريكيون لدى سماعهم عبارة من طرفة أمريكية قديمة تقول " ليس الليلة يا حبيبتي.. فأنا سأعاني من الصداع"، وبغض النظر عن جانب الطرافة هذا، فإن نصف مليون أمريكي لا يرون في الطرفة شيئاً يستدعي الضحك لأنهم حقيقة يعانون مما يسمى الصداع الجنسي الذي يقلب المتعة إلى ألم ومعاناة، ويصف د.ديفيد هاس هذا الصداع بأنه شديد ويأتي بسرعة.. ويوقفك في وسط الطريق. وعلى الرغم من العديد من النظريات والكثير من الأبحاث، فإنه لم يتوفر حتى الآن إجماع علمي أو طبي على سبب الصداع المرتبط بالجنس، لأنه لم يظهر تفسير يدعم بالأدلة يشير إلى سبب بعينه أو إلى آلية تطلق هذا الصداع الشديد، لكن من الثابت تقريبا أن الرجال الذين يشتكون من هذه المعضلة معرضون إلى أنواع أخرى من الصداع مثل الشقيقة، أو الصداع المرتبط بالتوتر الجهدي. وعادة ما يشبّه المرضى هذا الصداع بقصف الرعد، وهو يبدأ في قاعدة الجمجمة عند أو قرب لحظة الرعشة الجنسية، مما يؤدي إلى انقلاب المتعة إلى ألم خلال ثوان قليلة، وربما يستمر الصداع الشديد من 10 إلى 15 دقيقة، بينما تبقى آثاره الخفيفة قرابة ساعة أو ساعتين.
رهاب الجنس
ويشار أحياناً إلى هذا النوع من الصداع بـ "صداع الجماع"، لكن هذه التسمية غير دقيقة تماما، وتشير الدراسات إلى أن هذا الصداع يعاني منه الرجال والنساء على حد سواء، لكن نسبة الرجال تزيد على النساء بـ 80%.
أما لماذا يصيب الرجال أكثر من النساء، فلا يزال السبب مجهولا ولا يستطيع الأطباء الإجابة عنه في الوقت الراهن، خصوصاً أنه لا يوجد إجماع على تفسير ذلك أيضاً، وعلى الرغم من أن هذا الصداع قابل للعلاج بنجاح في معظم الحالات، إلا أن الاهتمام به والتركيز عليه ليس آتيا من آلامه، بل من آثاره النفسية التي ربما تصل إلى حد الخوف من الجنس ( رهاب الجنس ).
قابلة للحل
وتقول د. جينيتا رينز التي أجرت الكثير من الأبحاث المتعلقة بالصداع والنوم: " إنك تتحدث عن شيء هو فيزيولوجي، لكن له تأثيراً نفسياً أكبر، إنه لشيء شديد التأثير إذا ما تعرضت إليه، وقد يفضي إلى خلق حالة خوف وقلق إلى حد تجنب ممارسة الجنس.
لكن د.رينز تعود لتؤكد أن مشكلة الصداع قابلة للحل من الناحيتين الفيزيولوجية والنفسية، أما العلاج على المستوى النفسي، فتبدأ أولى خطواته بالامتناع عن الجنس لمدة معينة، ربما لأسبوعين مثلا، وهذا ضروري لأنه يشبه حالة فارس سقط عن صهوة جواده، فمن الأفضل له ألا يحاول ركوب الجواد حال سقوطه، ويُنصح المصابون باتخاذ إجراءات وقائية ربما تكون مفيدة مثل تغيير الأوضاع الجنسية وتجريب أوضاع جديدة تؤدي إلى تقليل الإجهاد، إضافة إلى تحسين الصحة العامة وتخفيض الوزن.. الخ، والسيطرة على ضغط الدم لدى المصابين بارتفاع التوتر الشرياني، وتحسين الدوران الدموي.
وهناك بعض الأدوية التي ربما تساعد، مثل بروسيرانولول واندوميتاسين وايبوبروفين، وإلى جانب ذلك، هناك طرق غير طبية مثل الاسترخاء.
لا يمارسون الجنس
كما يؤكد د.سيمور دياموند، مدير المؤسسة الوطنية للصداع، الذي نصح باستشارة الطبيب قبل أن يقرر المصاب أنه يعاني من الصداع الجنسي، وذلك لنفي وجود أعراض حقيقية تقف خلف الصداع، مثل أمراض الدماغ التي تؤدي إلى صداع متكرر كالأورام وأمهات الدم في أوعية الدماغ.
ويعبر د.ديموند عن خشيته من أن كثيرا من الأطباء لا يأخذون هذه الشكوى على محمل الجد، فقد تشكو امرأة لطبيب الأمراض النسائية عن صداع تعاني منه أثناء ممارسة الجنس، فيجيبها الطبيب بأن ذلك غير مهم، أما عدد الذين يعانون من هذه المشكلة، فيقدروه د.دياموند بحوالي نصف مليون أمريكي، لكن يعتقد أن هذا لا يعبر عن الرقم الحقيقي الذي هو أكثر من ذلك، وهذا ما يؤكده البروفيسور هاس لأنه يرى أن الكثيرين ربما لا يمارسون الجنس لأسبوع أو أكثر لسبب ما فيختفي الصداع، وبالتالي لا يخبر هؤلاء أطباءهم لأنهم لم يصلوا إلى عتبة تحريض الألم.
ويختتم البروفيسور هاس رأيه بالقول: إن ما وصلت إليه العلوم الطبية الحديثة في ما يخص الصداع لا يزال في بدايته ومن الصعب معرفته بعمق، لأن كل شيء يحدث في صندوق مغلق بإحكام هو الجمجمة، فيما يتفاعل 20 إلى 40 بليون عصبون في الدماغ البشري المعقد، وهذا ليس تحديا سهلاً على الإطلاق.