First Published 2009-07-08


الشاطئ الزلطي

ليس شرطا أن تكون عاريا في برايتون

 
لم يكن الشاطئ مزدحما، ولكن تنوع البشر واختلاف ألوانهم وعاداتهم وجنسياتهم هو الذي جذب أنظاري.

ميدل ايست اونلاين
برايتون (بريطانيا) ـ من أحمد فضل شبلول

على الرغم من الأمطار المتواصلة على لندن هذه الأيام، فإننا توجهنا إلى مدينة برايتون الساحلية التي تقع على القنال الإنجليزي (بحر المانش) وتبعد حوالي 70 كيلومترا جنوب العاصمة البريطانية، ويبلغ عدد سكانها حوالي 125,000 نسمة.

توجهنا إلى محطة مترو الأنفاق "غلوستر رود" القريبة من مكان إقامتنا، وقطعنا تذكرتين لجميع المواصلات لكامل اليوم: مترو أنفاق، وباصات، وقطار برايتون ذهابا وإيابا، (ثمن الواحدة 24 جنيها استرلينيا). ومن غلوستر رود توجهنا إلى محطة فيكتوريا (أو فيكتوريا استيشن) التي تعد جمَّاع المواصلات في لندن، ومنها بالقطار إلى برايتون التي وصلنا إليها في حوالي الحادية عشرة صباحا.

سألنا أين البحر؟ فقالوا في آخر الشارع، فمشينا في مسافة تقترب من المسافة بين سينما مترو بشارع صفية زغلول في الإسكندرية وحتى طريق الكورنيش، كان يوم أحد ومعظم المحلات لم تفتح أبوابها بعد، والطريق لم يزل غير مزدحم بالناس، على الرغم من أنه يقال إن ثمانية ملايين سائح يزورون برايتون في السنة.

قبل أن نذهب إلى برايتون قال لنا الأصدقاء في لندن إن برايتون تكون في العادة مزدحمة جدا بالبشر والسائحين والمصطافين في فصل الصيف وخاصة في عطلة نهاية الأسبوع (السبت والأحد) حيث ينضم إليهم البريطانيون وخاصة اللندنيون، ولكننا لم نجد هذا الازدحام بعد، كما حذرنا أحدهم (غامزا) من الذهاب إلى شواطئ معينة، هي شواطئ العراة المنتشرة في أماكن معينة في برايتون، والتي أصبح الدخول إليها بالمجان، وليس شرطا أن تكون عاريا لكي تدخل إليها، وإنما تلك الشواطئ فتحت أبوابها للجميع عراة وغير عراة، حيث أصبح الكل متساويا، ووعدناه ألا نذهب إلى هناك، وبالفعل لم نذهب.

في الطريق إلى الشاطئ وجدنا نصبا تذكاريا للملكة فيكتوريا، فأخذنا صورا تذكارية بجواره، وأكملنا المسير حتى بدأ بحر الشمال يظهر لنا ويرحب بنا، فقفزت إلى ذهني على الفور الإسكندرية، وأنت تقترب من محطة الرمل من ناحية شارع صفية زغلول، حيث تنعشك رائحة اليود وتحتفل بك النوارس التي حلقت في سماء برايتون، فتذكرت أنني في إنجلترا ولست في مصر، ويبدو أن مشهد النوارس المألوف والمحبوب للناس هنا، جعلهم يطلقون على فريق كرة القدم المحلي بفريق "النوارس".

اقترحت على صديق الرحلة حسن الأشقر أن نتناول إفطارنا في إحدى الكافتيريات والمطاعم التي لاحت لنا بطريق الكورنيش قبل أن نتوجه إلى شاطئ البحر ونسبح في مياهه الزرقاء، فطلبنا بعض الساندويتشات، وطلب حسن شايا، وطلبت أنا قهوة (تركية سكر مضبوط في فنجان)، لم تفهم الشقراء البولندية التي تقوم على خدمتنا طلبي، ولكن لمعت عيناها الزرقاوان وهزت رأسها، ومضت، وبعد قليل وجدت أربع شقراوات وحسناوات حولي يسألن عن اسم المشروب الذي أريده، فأفهمتهن إنني أريد (قهوة تركية سكر مضبوط في فنجان)، فاعتذرت إحداهن وقالت إن هذا الطلب غير موجود في الكافتيريا، وإنما يوجد نوع آخر من القهوة هو القهوة الإكسبريسو.

وتذكرت أنني عندما كنت في مدينة ليماسول القبرصية في العام الماضي وطلبت قهوة تركية، غضبت الفتاة العاملة بالكافتيريا وقالت لي إن اسمها قهوة يونانية وليست تركية، فقلت للعاملة في كافتيريا برايتون: إذن أريد قهوة يونانية، فضحكت وقالت: ولا هذا موجود، فاضطررت للموافقة على إحضار القهوة الإكسبريسو بديلا عن القهوة التركية، التي لم أشربها في لندن إلا في كافتيريات أجوارد رود، وهو الشارع الذي يعد شارعا عربيا حيث تنتشر المقاهي والكافتيريات التي تقدم الشيشة والقهوة والمشروبات والمأكولات العربية المعروفة.

احتسينا الشاي والقهوة ثم تقدمنا إلى الشاطئ عن طريق نفق تحت الأرض (ذكرني بنفق جليم أو نفق الشاطبي في الإسكندرية) وفوجئت أنه لا يوجد بالشاطئ رمال مثل شواطئ الإسكندرية أو الغردقة أو شرم الشيخ أو مرسى مطروح، ولكنه يحتوي على أحجار رخامية صغيرة وملونة (نسميها بالعامية المصرية زلط)، ومن ثم أسمينا هذا الشاطئ بالشاطئ الزلطي (وعرفنا بعد ذلك أنه يسمى تل الحجر)، واحتفظنا ببعض الزلط للذكرى، خاصة أن من بين هذه الأحجار الرخامية ما يشكل هندسة فنية بديعة، وكأن يد فنان صنعته أثناء التقطيع.

لم يكن الشاطئ مزدحما، ولكن تنوع البشر واختلاف ألوانهم وعاداتهم وجنسياتهم هو الذي جذب أنظاري. كما لفت أسماعي الموسيقى التي بدأت تصدح في أجواء الشاطئ، وبعض الشباب كان يقلد المطرب الراحل مايكل جاكسون في حركاته ورقصاته، فتجمع حولهم عدد كبير من الفتيات والشباب، وبعضهم كان يبكي وكأنه فقد عزيزا عليه، خاصة أن وفاته كانت مباغتة وسريعة.

لم تكن هناك شماسي أو كراسي بحر في برايتون كالتي نراها على شواطئ البحر في الإسكندرية، وإنما الناس هنا يجلسون على تلك الأحجار الرخامية الصغيرة، حيث الشمس كانت حانية جدا، ويبدو أن أمطار لندن في هذه الأيام الصيفية، وعدم سطوع الشمس بها، جعل شمس برايتون تشرق في حنو بالغ، أو تشرق وهي مكسوفة من غيابها في لندن، فلم يحتج الناس هنا إلى شماسي تحميهم أو تقيهم من الشمس. كما أن عدم وجود رمال جعلهم يجلسون مرتاحين على الأحجار الصغيرة الأنيقة الناعمة.

ولاحظت بعض الفتيات السمراوات يلعبن بتلك الأحجار الصغيرة لعبة كنا نلعبها بالبلي ونحن صغار وهي (جوز ولا فرد) وغيرها من الألعاب المماثلة، فأدركت أن تراث الشعوب يكاد يتقارب.

في نهاية اليوم سمعنا موسيقى تصدح من بعض الشوارع الجانبية، فذهبنا إليها، فوجدنا بعض الفرق تؤدي بروفات في ساحات بعض هذ الشوارع استعدادا لكرنفال برايتون الذي سيبدأ على الشاطئ يوم 12 يوليو/تموز الجاري.

أحمد فضل شبلول ـ برايتون