First Published 2009-09-05


النصر على الأعداء..الديجيتال

القبض على أسامة بن لادن

 
ألعاب الفيديو تتيح للجيل الجديد من الأطفال الأميركيين تنفيس عقدتهم مما حدث في هجمات سبتمبر.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: أشرف شتيوي

خبراء لعب الأطفال سخروا كل جهدهم وخبرتهم، وأبدعوا في وضع الخطط التي يستطيع الأطفال ـ أو الكبار ـ من خلالها أن يهزموا هؤلاء الذين دمروا مركز التجارة العالمي، وكادوا يفتكون بالبنتاغون، وأن يلقوا القبض على بن لادن!

إنها لعبة سهلة للغاية، متاهات ومطبات هوائية، وصواريخ قادمة من أماكن يسهل توقعها، كل تلك الأهوال تمر بها الطائرة التي يستقلها بطل اللعبة الطيب حتى يصل إلى مكان ترك فيه الإرهابيون خريطة تحتوي على الطرق التي سيسلكونها للوصول إلى هدفهم.

ويحصل البطل السوبر مان على الخريطة التي توضح كل شيء، والتي من خلالها يستطيع اللاعب أن يصل إلى برجي مركز التجارة قبل أن تصل إليهما طائرات الأعداء، لتبدأ المعركة التي استعد لها بطل اللعبة بشراء الدروع والدانات والقنابل والصواريخ والذخيرة، من أماكن في الطريق حددتها الخريطة، وتحميها طائرات معادية، كلما أجهز على كل طائرات الحراسة، يستطيع الهبوط، للتعامل بمسدسه مع من يحرسون مخازن الذخيرة، و المسدس يحتوي على رصاصات بضعف عدد الحراس، وبعد مناورات تساعده فيها الخريطة التي تحدد أماكن اختباء الحراس، يستطيع البطل أن يصل إلى مخازن السلاح ليأخذ منها كل ما يريد!

بين الأسلحة، ما يجعل طائرة البطل مختفية عن أعين الإرهابيين وبينها ما يجعلها تصطدم بأي شئ دون أن تصاب بأذى، ومع البطل ما يمكنه من تحصين المباني بدروع لا تستطيع الطائرات أو الصواريخ اختراقها وكل ذلك يجري استخدامه في المعركة التي لا تنتهي فقط بإنقاذ البرجين، بل وبنجاح البطل في ضرب خزانات الطائرات المدنية، وإجبارها على الهبوط الاضطراري لتبدأ بعدها مرحلة جديدة نم اللعبة، التي تخفي فيها البطل ويقتحم الطائرات، واحدة تلو الأخرى فيقضي على مختطفيها، ويحرر المدنيين المختطفين بها وهنا تنتهي اللعبة بحصول البطل على نيشان، على خلفية من موسيقى السلام الوطني الأميركي!

والجنود أيضاً يلعبون!

هذه اللعبة نموذج لألعاب كثيرة انتشرت في الآونة الأخيرة بين الأطفال الأميركيين وقد يبدو ذلك منطقياً أو رد فعل طبيعياً نصح به علماء نفس وخبراء سلوكيون حتى لا يخرج إلى الحياة أطفال معقدون نتيجة ما شاهدوه أو ما سمعوه عما لحق بالولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر.

لكن غير الطبيعي، والذي يصلح كنكتة تضاف إلى النكات الأميركية الشهيرة، هو استعانة الجيش الأميركي، عبر معهد التكنولوجيا الإبداعية، بل غيتس شخصياً، ليبتكر لهم ألعاب كمبيوتر تساعد في تدريب الجنود الأميركيين!

هذا ما حدث، وبالطبع نجح جيتس في المهمة الموكلة إليه، واستطاع ـ طبقاً لما ورد في الموقع الرسمي لمايكروسوفت ـ ابتكار لعبة تضع الجنود في أجواء حرب افتراضية وتمكنهم من القتال كما لو كانوا في ميدان المعركة، وهي اللعبة التي عرضها معهد التكنولوجيا الإبداعية وثيق الصلة بالقوات المسلحة الأميركية.

اللعبة التي ساهمت في ابتكارها جامعة سذرن كاليفورنيا وشركات سينمائية في هوليود، هي واحدة من الألعاب التي تعتمد على التكنولوجيا التفاعلية، حيث صممت من أجل تدريب الجنود الأميركيين وقادة الفصائل على أهوال الحرب دون أن يغادروا قاعات الدرس، وقد بدأت تلك الألعاب في الظهور بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقبيل ذهاب الجنود الأميركيين إلى أفغانستان.

وهناك سلسلة من عدة سيناريوهات تعرض على شاشة سينما عملاقة مزودة بإمكانات صوتية تحاكي أجواء حرب شرسة أو كوارث طبيعية وعمليات "حفظ سلام".

وعلى الموقع قال واضعو تصميمات اللعبة الجديدة بأنها أصبحت ضرورية الآن من أجل تدريب الجنود سريعاً على الحرب.

مهم هنا أن نشير إلى أن معهد التكنولوجيا الإبداعية تأسس في لوس أنجلوس عام 1999 بمنحة قدرها 45 مليون دولار من الجيش كمشروع شراكة بين المؤسسات العلمية ومنتجي ألعاب الفيديو ومبدعي هوليود لتصميم "واقع افتراضي "متقدم وأنظمة محاكاة لتدريب القوات المسلحة.

وما تلك الألعاب أو برامج التدريب المتاحة الآن إلا ثمرة مباشرة لجلسات النقاش السرية بين كتاب ومخرجي هوليود، وبين العسكريين وخبراء الألعاب.

وقد استعان المعهد في أواخر سبتمبر 2001 بالعديد من كتاب الأفلام والمخرجين لوضع سيناريوهات لطبيعة الهجمات التي قد تتعرض لها الولايات المتحدة من أعداء محتملين.

وتعليقاً على ذلك قال جيمس كوريس مدير المعهد "ما لم أتوقعه عندما بدأنا الأمر هو كيف ستكون هذه الألعاب مواكبة تماماً للتطورات في ضوء الهجمات "

أما عن اللعبة فقال وليام سوارتوت مدير التكنولوجيا في المعهد "إن التدريب بهذه الطريقة أصبح مسألة ضرورية بعد 11 سبتمبر، لأننا احتجنا وقتها إلى تجهيز الجنود بسرعة، ولم يكن في استطاعتنا أن نهيئ لهم أجواء حرب كتلك التي سيجدونها في ميادين القتال".

وأضاف "إن الجنود يتعاملون مع دول أجنبية، ويتعين عليهم أن يتعلموا بسرعة، وأن يتفهموا الاختلافات بين ثقافتهم والثقافة المحلية لتلك البلاد: ما هي المحرمات هناك؟ وما هي الأزمات التي قد يتعرضون لها، وهذه التدريبات لا يمكن إجراؤها على أرض الواقع، كما أنها ليست واردة في دليل التدريبات".

النصر على الأعداء..الديجيتال!

ونعود للعبة الجديدة ففيها يعيش اللاعبون أجواء الحرب تماماً بمساعدة مؤثرات إضاءة وصوت بالغي الدقة، ويتدرب الجنود على النقاش والتفاعل مع بشر مفترضين على شاشات عملاقة، وهؤلاء البشر يعرفون الاستراتيجية العسكرية ويظهرون مشاعرهم ويتعاملون مع نماذج من الأفكار المعقدة ويتخاطبون بطرق غير متوقعة في بعض الأحيان.

اللعبة يمكن تعديلها، لتقديم عدة مشكلات للاعب بحيث تمكنه من اختيار التعامل مع أي منها، ففي سيناريو البلقان ـ علي سبيل المثال ـ يمكن للاعب الضغط على الفأرة لتعديل مستوى الاستعداد الدفاعي المطلوب إذا ما كان في مواجهة ملازم مستكين، بحيث تظهر مجموعة من الظروف المحتملة المختلفة.

هذا بديل، أما إذا أراد المتدرب أن يغيره، فيمكنه أن يجعل الملازم يتخلى عن سلوك الاستكانة ليظهر كمتغطرس عدواني ويصيح وهو يكشر عن أنيابه "إنهم ينطلقون باتجاهنا، وسائقنا لا يراهم".

وبضغطه على الماوس يقفز الجندي عبر شاشة ضخمة إلى مقعد في مركبة ثقيلة تزمجر في طرق وعرة غائمة بقرية في البلقان حيث وقعت حادثة، وفي عرض الطريق يرقد طفل صغير في حالة خطرة، وقد أخذ أهالي القرية الغاضبون يحملقون فيه عند تقاطع طرق، في حين تحوم مروحيات في المنطقة..وهكذا تعطي اللعبة المتدرب فرصة للتعامل مع الأهالي المحليين بما في ذلك والدة الطفل الافتراضي الجريح التي جثت على ركبتيها وأخذ جسدها يرتجف بصورة هستيرية.

وتنظر شخصية افتراضية تحاكي ملازماً في الجيش الأميركي وهو يحس بالذنب، ثم يبدأ النقاش بشأن كيفية التصرف إذا كنت لاعباً وتقول، باعتبارك الجندي الافتراضي "سيدي يتعين علينا تأمين منطقة التجمع".

القبض على الشيخ اسامه بن لادن!

ومرة أخرى مع ألعاب الأطفال التي تفنن خبراؤها ومصمموها في ابتكار طرق يتمكن بها البطل الأميركي الخارق من تحقيق كل المستحيلات، ففي لعبة نجد مطاردة بن لادن تكتسب صيغة طرائفية، ونراه يحاول الاختباء في الرمال مرة وتحت بلاط الغرف مرة، بينما يقوم البطل الباحث عنه بتوقع أماكن اختفائه والأماكن التي يخبئ فيها أسلحته ليحصل على الأسلحة بالتدريج ويدمر بها الأماكن التي يتوقع اختباء بن لادن بها حتى تنهار كل السواتر ويبقي البطل وجهاً لوجه مع بن لادن الأعزل، وطبعاً يتمكن من أسرة وحبسه في القفص ليحصل اللاعب على مكافأته وهي عبارة عن موسيقى تقترب إلى حد بعيد من السلام المربع المعروف في الأفراح الشعبية المصرية.

التربية على الطريقة الأميركية!

بهذا الشكل، تصبح الفترة التي يقضيها المجند في الجيش امتداداً لحياته الطبيعية التي اعتاد فيها ـ كعادة غالبية الأطفال الأميركيين ـ أن يجلس لساعات طويلة أمام شاشة الكمبيوتر ليقاتل بن لادن في لعبة، ويهزم صدام حسين في أخرى، وفي كل الأحوال يكون قد خلص العالم من الأشرار الذين صورتهم له "الميديا "الأميركية، ويكون مستعداً للتصويت لصالح المشروعات الاستراتيجية الأميركية التي تغرسها في أدمغة الأطفال صغاراً، وتستمر بدعمهم لها فيما بعد، وتمولها من الضرائب التي يدفعونها عندما يكبرون.

أشرف شتيوي

ashrafshetiwy@hotmail.com