First Published 2009-11-07


القصيدة حلم عابر

شاعر عراقي يهرب نحو حافات الجنون

 
صباح العزاوي: أفكك الرموز والصور والأشياء وأحلها لأعثر على انعكاساتها داخل النفس وما تسببه من حالات.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: يوسف محسن

تعرفت على صباح العزاوي في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي في مقهى أبو سعد، هذه المقهى الصغيرة الرطبة التي تقع في منحدر الحيدرخانه من جهة ساحة الميدان، يوم كانت تعج بالحركة وكذلك الأفكار الصغيرة والكبيرة، وأتصور أن الدولة كانت في غفلة عنها لا أدري ربما لا ولكن المقهى كان فسحة من الأمل الكبير، والأحلام الصغيرة أحلامنا نحن.

كانت ساحة الميدان مترعة بالحركة كمحطة نقل رئيسة، سكارى، مشردين، جنود. كنت أجد صباح العزاوي في منطقة الباصات الذاهبة إلى المنصور يغازل الفتيات الصغيرات الجميلات أو يرثي ذاته، كان شخصا مثير للارتباك في مقهى أبو سعد وجدته يقرأ قصيدة لمحسن فيها لوعة الحرب والعوق والحب وشظايا الرأس والقدم المبتورة والتي أدت به إلى أن يختار الطريق الطويل لكي يغازل جنون العراق:

لم تطل أكداس ثلجك ناري

أنت غزالة غيري في كثبان موحشة

لذا سميتك طريدة وحوش جائعة

كما بلدي الذي يذبح بلدي

بصقيع لا يلسع عدوي المطارد

هل يسعني أن أعلن الحداد عليه

أيتها الواقفة أسفل تل تطرد

رماله العاصفة والصفير

من لي حين الغيوم تطغى وتخرج من

جسد كتائب المعتزلة حرى النشيد

هل أقول للغزالي إن ابن رشد

يهدم ناطحات سحابك قبل أن تمطر

شكا ذا أطراف مبتورة!؟

طف أيها الكامن اللا مرئي ضوءا

في ظلام هدت الجسد كي يوصف بالقمر

فما أفعل به وقد تحول للعالم جغرافيا

شرايين أحد هو أنا الشموس

فيا للكون وثلجك أيتها الطريدة

رقبتي تدلت

زحل أسفل قدمي أنه جميل وأزرق

لكنه بعيد جدا عنهما

ولا هبوط في ضغوطات المضطر

إذا تضخمت الأجنحة

الجنان والجنائن لي

لكي افند ادعاء العقل لعقيلي الغائب

سافني في الشموس محض جن

ترى أسيكون جهنما أو جحيما لدار

يسكنه وأكون سالبه المسلوب

اليوم أجد صباح العزاوي نفسه أيضا في كل مكان، ساحة الميدان، شارع المتنبي مقهى فقراء لا حدود، مقهى الشاهبندر، قد يكون باب المعظم الرحم الحقيقي لصباح العزاوي الشاعر الهارب من حافات البحر نحو تخوم الهذيانات والصعلكة أو الانهيار.

لم يكن العزاوي الوحيد الذي وقع في هذا المفترق الكبير، فهو ضحية قبل كل شيء لتصميم نظام سياسي حاول أن يجرف الكائنات البشرية نحو الهاوية.

يقول العزاوي في حوار معه (ولد هذا الحيوان الناطق الذي تم تسميته بـ "صباح العام 1959" في قرية الداركية في عام 1982 وتم تجنيده في حروب صدام الفاشية العام 1983 أصبت بعوق بدني اكتشفت أني سوف أصبح شاعرا، في العام 1984 نشرت أول قصيدة في مجلة اليوم السابع العام 1987 احتفظ بسبعة مخطوطات شعرية).

* كيف تنظر إلى القصيدة هل هي أرض مشاعية مفتوحة للشاعر أم أرض مغلقة؟

ـ القصيدة حلم عابر، كائن أثيري ماء خضره صحراء، بلابل، قبرات، عاقول، شوك رمال متحركة صحراء تتخذ أشكالا وكتلا متعددة غالبا ما أجد أني متدفق بالشعر كالينبوع ولكن أرى عسرة في الكتابة، خصوصا حينما أشعر بأني امتلات بحياة صورية بحته أول الأمر، ومن ثم يحدث أن أفسر أفكك هذه الرموز والصور والأشياء وأحلها لأعثر على انعكاساتها داخل النفس وما تسببه من حالات. هنا أكتب القصيدة، تولد كأنها طفل صغير أنثى مصنوعة من طين البحر.

أعتقد أن الشاعر كلما قرأ كثيرا ازداد وعيه أولا، ويتم زيادة قاموسه اللغوي لذلك الشعر وفق هذا المعنى منطقة مشاعة، لأن الشاعر والحال هكذا سوف يستطيع اصطياد الرؤى الحقيقية والأحلام ممزوجة بخيالات تصل إلى مناطق الجنون لذلك هي مفتوحة.

* أنت شاعر مجنون ام مجنون شاعر؟

ـ غالبا لا أستطيع أن أطلق على نفسي شاعر حقا لأن الشعر لدي شيء مقدس لا تقل قداسته عن قداسة الحياة، لذلك تراني مجنونا بهذا المعنى، مجنونا بالحياة والحب والناس، مجنونا بالشعر والتمرد الدائم الذي ينتابني بين فترة وأخرى.

* ما هي الخمرة؟ ماذا تمثل للشاعر صباح العزاوي؟ هل هي إدارة الهام؟ أم عائق للعملية البداعية؟

ـ لا تقل قداسة الخمرة عن قداسة الحياة والشعر في آن معا، ولكني نادرا ما أكتب الشعر تحت تأثير الخمرة، وإذا حدث أن كتب تحت هكذا تأثير سرعان ما أمزق ما كتبت، أستثني القصائد الجميلة والصور المبتكرة.

* كيف تنظر إلى الخراب؟

ـ نعمة الخراب بالنسبة لي أولا يجعلني أقف متسائلا إزاء ما يحدث لاكتشف أني عاقل تماما والآخرون محض مجانين أو لا بشر، وهل يعقل أن تهدم مستشفى أو مدرسة أو معمل أو مطبعة. إنها محض هدم للبنى، لماذا هذا الخراب. ولماذا كل هذا التدمير؟

* من أنت؟ هل تستطيع تعريف ذاتك؟

ـ ربما كنت محض غيمة، ربما أحمل الدمن الذي سوف يزيد بساتين النخيل خصوية وعذوبة، ربما أكون عاصفة أو رعدا أو بركانا أو حنان المعشوق. أكتب في كل مكان في الظلام أو الحلم أو في الحديقة أكتب كلمتي الأخيرة:

ليد قتيلة

تحت نخلة هنا

لغائبات

لعيون

لرأس مقطوع

لقتلى بلا صياح

لمدينة من الكتب

لأمة من الجنون

اكتب كلمتي الأخيرة

***

يجيء المؤرخ

تحرسها التوابيت

في شجرة ضاحكة

من مغرب الحياة

لينحني على قلوب نساء

على نساك تائهين

في بغداد

وكياقوت نادر

يؤرخ المذابح

***

المجد لي

أنا تكملة الأصدقاء

حارس شوارعنا من الفراغ

المجد لي

أنا ناشر الطمأنينة في وجوه النساء المعذبات

أنا موئل موتنا اليومي لأسرار جديدة

أنا الابن المشتت بفكرة بغداد

أنا الذي رضعت من ثدي أرض يسمونها العراق.