| First Published 2002-11-25 هل حقاً أن المواطن العربي لا يملك بديلاً عن المقاطعة؟
هل الخيار الوحيد ناشئ من نقص في عالم أشياء المواطن العربي؟ أم هو سحر يصنعه عالم أفكاره المتخلف؟
ميدل ايست اونلاين
وقد لفت هذا نظري بصفتي مواطناً عربياً، إذ لماذا تكون خياراتي محدودة إلى هذه الدرجة؟ ومن الذي حددها؟ وما سبب هذا الفقر في عالمي؟ وما مصدره؟ ولماذا تُسد الطرق أمامي؟ وهل مسلمة الخيار الوحيد وهم يأسرنا؟ أم حقيقة ليس لنا منها منجى أو مهرب؟ هل الخيار الوحيد ناشئ من نقص في عالم أشياء المواطن العربي؟ أم هو سحر يصنعه عالم أفكاره المتخلف؟
ربما يعتقد البعض أن كلمة عابرة في مقال لا يبحث هذا الموضوع أصلاً، لا تحتاج إلى هذا السيل من الاستفهامات، وليس مبرراً الوقوف الطويل عندها.
لكن عندما نعرف أن هذه العبارة العابرة في هذا المقال تشكل الأرضية لكثير من المسلمات الفكرية في عالمنا، وهي تعكس حقيقة حال المواطن العربي، الذي استسلم لجبرية مميتة، بحيث أنه في الأعم الأغلب، ينتظر أن يتغير العالم حتى يتحسن حاله، ويشعر بالعجز التام عن أي فعل تغييري إيجابي، وهذا بتصوري هو المبرر الفلسفي لقبول قطاع من المعارضة العراقية التغيير ولو عن طريق أمريكا.
إذاً فالموضوع ليس فلتة لسان، أو زلة عارضة، إنما هو فلسفة تعبر عن واقع ممارسة القطاع الأكبر، من المثقفين والمتعلمين، الذين هم كالمعارضة التي تعول على الخارج في التغيير إذ يعولون بدورهم على الحكومات في إحداث التغيير، إما بالتوسل والاستجداء أو بالضغط والإكراه.
وربما يفكر فريق باقتناص السلطة وفرض التغيير الذي يراه، وإن كان هذا الصوت قد خفت في السنوات الأخيرة، ويغيب عن أذهان الجميع أن التغيير المنشود حتى يكون تغييراً حقيقياً يجب أن يتوفر له التالي من الشروط:
اولا: يجب أن يكون دعاة التغيير هم جنوده وأدواته، يصنعونه بأيديهم، ويوجهونه الوجهة التي يريدون، ويحددون سلم أولوياته وسرعة حركته.
فالذي يُحدث التغيير يجب أن يكون صاحب المصلحة فيه، فالتغيير لا يعول فيه على الحكومات الأجنبية الغاشمة، ولا يستجدى من السلطات المحلية الحاكمة، إنما هو عمل في الجذور حتى يتحول دعاة التغيير إلى أغلبية كما حدث في تركيا والجزائر سابقاً.
ثانيا: يجب اعتبار العنف خياراً غير وارد ولا يمكن التفكير فيه، مهما تكن الصعوبات التي يتعرض لها دعاة التغيير، وذلك للأسباب التالية:
أن التاريخ يعلمنا أن الاستيلاء على السلطة بالقوة لا ينتج تغييراً حقيقياً إنما يبدل مستبداً بآخر، وعندنا تجربة أربعة عشر قرناً، آخرها ما حدث في السودان ولم تشفع كل النوايا الحسنة والشعارات الرنانة العذبة.
أن القوة هي خيار السلطة المفضل، ومعركتها المضمونة، والأدلة تفقأ العين، والشواهد وافرة في التاريخ الغابر والحاضر.
أن التغيير العنيف أو الحرب الأهلية هو بيع القضية الوطنية لتجار الأسلحة وأعداء الأمة وهي إهلاك للحرث والنسل، وهي تدمير وليست تغييراً، ولا يمكن أن تكون عملاً مقصوداً لوطني عاقل.
ثالثا: يجب أن يكون التغيير في عالم الأفكار قبل أن يحدث في عالم الأشخاص، وانطلاقاً من هذه الحقيقة نرى أن علينا أن ننتظر وقتاً طويلاً قبل أن يولد تغيير حقيقي في عالمنا العربي، إنما الذي يتطلع إليه الجميع حتى الآن هو تبديل، أي تغيير الأشخاص دون أن تتغير الأفكار، أو بعبارة أخرى نقل السلطة من شخص إلى آخر دون إحداث تغيير حقيقي في آليات وأساليب نقل السلطة وممارستها، أو إحداث أي تغيير حقيقي في الحياة العامة للمجتمع.
رابعا: حتى لا يكون هذا التغيير انقلاباً يجب أن يكون معبراً عن روح الأمة، ويمثل استمراراً لها، وليس انقلاباً على قيمها ومثلها، كما حدث حتى الآن حيث تستجلب الأفكار والايدلوجيات، وتغرس في جسم الأمة رغم الإصرار الذي يبديه الجسد على رفضها.
خامسا: وحتى لا يكون اغتصاباً للسلطة يجب أن يتناغم، مع مطالب الأغلبية العظمى من الجماهير، وليس أن نغتصب ضميرها ونسرق لسانها، ونضيع مصالحها ونشرد أبنائها كما فعلنا حتى اليوم.
أما في ما يتعلق بمسألة الخيارات، والتي هي نقطة البدء في حديثنا، فأعتقد أن المسلمات المعرفية الخاطئة هي التي تكبلنا، وإذا أمكننا التخلص منها يمكن مقاربة موضوع الخيارات بذهن منفتح، وروح مشرقة، وعمل إيجابي فعال ومن هذه المسلمات:
أولى هذه المسلمات أن تحرير المغتصب من الأرض أولوية أولى، وينسى الجميع أن التحرير الحقيقي هو تحرير الإنسان وليس تحرير الأوطان (كما هو سائد ومُعاش في عالمنا حيث الأوطان أهم من الإنسان) لأن الإنسان الحر لا يمكن أن يُستعبَد، ولو لم يتحرر وطنه، وهذا ما فعله الألمان واليابان، فمع وجود قوات احتلال (قواعد أمريكية) في بلدانهم، فألمانيا هي البلد الأكثر معارضة للسياسات الأيمريكة، ووزيرتها هي التي تجرأت وكفرت بفرعون هذا العصر. والإنسان الذي لم يتحرر يبيع وطنه حتى عندما يكون "مستقلاً" مثلما فعل بعض الأخوة العرب باستجدائهم أمريكا.
ثاني هذه المسلمات أن الاستعمار هو سبب كل مصيبة ورأس كل خطيئة (وهذا اللحن لم يزل يُعزَف منذ بداية هذا القرن دون أن نفكر بجديد)، وينسى الجميع في غمرة الحماسة التفكير بالقابلية للاستعمار، كما بيّن ذلك المرحوم مالك بن نبي.
وقلب الموضوع بهذه الطريقة ينطوي على أهمية كبرى، فعندما يكون الآخر سبب المشكلة، فالحل في يده والمفتاح في جيبه، وليس لي من الأمر شيء (وهذا يفسر حالة السلبية في عالمنا العربي إزاء قضايانا).
وعندما تكون المشكلة عندي، فالحل في يدي والخلاص منوط بحركتي، وإذا كنا لا ننكر أن للاستعمار دوره ، فإننا نبصر أنه لم يمنع تحرر المانيا واليابان ولم يقف أمام حزب الله في لبنان، وقد تمكنت كل الدول العربية من طرده والتخلص منه، لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ لقد سرنا كما يقول مالك بن نبي أيضاً أربعين عاماً مبتعدين عن أهدافنا وآمالنا.
ثالث هذه المسلمات أن اسرائيل هي المرض الرئيسي في جسد الأمة العربية والإسلامية، والحقيقة أن اسرائيل إنما هي خَرَاج في جسد يعاني من الإصابة بالداء السكري - على حد تشبيه الدكتور خالص جلبي - فيجب أن يتوجه اهتمام الخبراء والمختصين إلى العناية بالداء الأساسي الذي يفتك بالجسد، والذي يستحيل التغلب عليه مهما بذل من جهد، ومهما وصف من علاج إن لم تتم السيطرة على الداء الأساسي.(أخبار الشرق)
د. محمد العمّار، باحث في الفكر الإسلامي - دمشق
|