First Published 2009-10-17


المجاني ينافس الالكتروني

ورق الصحيفة المجانية لم يفقد رائحته

 
الصحافة الالكترونية تقرّب المستقبل وتتعامل بمعاصرة معه وتوفر المحتوى السريع بلا اي تأخير.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: كرم نعمة

عندما استعان الكاتب سايمون جينكنز بمقطع من اغنية الشاعر جوني كاش "يلعن عيونك!!" (damn your eye) في اتهام ودي للقارئ على الانترنت، بالمساهمة في خسارة الجريدة، كان يطالبه قبل اسابيع في مقال بصحيفة الغارديان أن يقبل دفع المال مقابل المرور إلى موقع الصحيفة على الانترنت.

وسايمون جينكنز نفسه يعود إليوم ليكتب مقاله في صحيفة "لندن ايفنينغ ستاندرد" بعد ان تحولت إلى صحيفة مجانية توزع مايقارب 600 ألف نسخة مساء كل يوم! فهل سقط في "المعادل الصحفي المجاني؟".

مهما يكن من أمر، فالامر برمته يبعث على السعادة بالنسبة لي كقارئ، ومن بعد كصحفي، ولا أرى ثمة خسارة للمالك الروسي الجديد الكسندر ليبديف لـ "ايفنينغ ستاندرد" في ان تصبح صحيفة يومية مسائية توزع مجانا.

وهي نفس السعادة التي يشعر بها رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون عنما يشبه توزيع الصحيفة مجاناً بالتأمين الصحي المجاني المحبوب، بينما يصف الكاتب ف اس نايبول الحائز على جائزة نوبل الامر أشبه بتحديق في فضاء حر، أما الشاعر أندرو موشن الذي اختصر فضاء لندن بالارواح والافكار الحرة، والمتاحف والمكتبات والحدائق المجانية، وحتى الملذات، وها قد أصبحت الجريدة مجانية، ياللروعة!

ويأمل الفنان التشكيلي ديفيد هوكني ان تكون الخطوة التالية في ان نحصل على الشاي مجاناً في لندن بعد ان خلت من التدخين وأصبحت الجريدة المسائية توزع فيها بلا مقابل.

ويأخذ الفيلسوف آلان دو بوتون صحيفة "ايفنينغ ستاندرد" بعد ان اصبحت مجانية إلى أقرب فندق ليشغل مقعده في الردهة المطلة على مساحات لندن الخريفية، ويرى أين تكمن الحكمة في المال أم المجان؟

لا يمكن للمتابع الاعلامي ان يصنف "ايفنينغ ستاندرد" التي مضى على تأسيسها 180 عاماً ضمن الصحف المجانية التقليدية مثل "لندن لايت" أو "ذي لندن بيبير" التي توقفت بعد 3 سنوات من الصدور، لانهما جرائد (فلاشات) سريعة تهتم باخبار النجوم وتقدم الخدمات الصحفية.

العمر المهني لهذه الصحيفة يكاد يكون تاريخياً، كما انها تستقطب محترفي الكتابة، مثلما تحرص على قيّم الاخبار فيها.

في إليوم الاول للتوزيع المجاني لصحيفة "لندن ايفنينغ ستاندرد" فقدت انحيازي للصحافة الالكترونية، وشعرت وانا اطالعها في القطار مساء براحة ذهنية ابعدتني عن قسوة الكمبيوتر ومتعته في آن واحد! الورق لم يفقد رائحته بعد أن اصبح مجانياً، كما انني مثل غيري لا أطالع "الهراء أو الرابش" الذي يصف فيه قارئ التايمز او الغارديان محتوى الصحف الشعبية.

العلاقة مع الصحيفة الورقية لا تفقد صلتها بالقارئ المسترخي تحديدا بلا التزامات عمل مجهدة ومواعيد مضغوطة، انها ستبقى لفراغ اليوم، اما الصحافة الالكترونية فهي تقرّب المستقبل وتتعامل بمعاصرة معه وتوفر المحتوى السريع بلا اي تأخير، سنحتاج لمسة الحنان الورقية في لحظة الاسترخاء، من دون ان نتراجع حيال التكنولوجيا المتصاعدة يوماً بعد آخر.

لكن من يحلل خطوة الملياردير الروسي الكسندر ليبديف في جعل صحيفة رائدة مجانية؟ هل هي اعتراف أولي بالهزيمة أمام الصحافة الالكترونية، فلا أحد يدفع مالا لشراء الورق فيما المحتوى نفسه متوفر مجاناً على الانترنت، أم ثمة ذهنية تجارية توصل الاعلان مجانا لتستحوذ على ارباحه.

الوقت كفيل بالاجابة! فيما نحن نتمتع بالمحتوى الصحفي المجاني.