First Published 2009-11-06![]() دبابات الغزو تدور أندلسيات لجروح العراق: وثيقة شعرية ضد الحرب
ميدل ايست اونلاين
وآخر ما بين أيدينا في هذا الاتجاه، كتاب "الشعر العراقي المعاصر في العراق ـ بشرى البستاني"، قامت بترجمته الباحثتان الأكاديميتان العراقيتان الدكتورة وفاء عبداللطيف عبدالعالي زين العابدين والدكتورة سناء ظاهر.
يقع الكتاب في 109 صفحات من القطع المتوسط، وصدر عن دار ميلن للنشر في الولايات المتحدة الأميركية. وقدمت للكتاب الشاعرة والصحفية الأميركية من أصل فلسطيني ديمة الشهابي ومما جاء في هذه المقدمة:
"إن عنوان القصيدة (أندلسيات لجروح العراق) الكولايدسكوبي (نسبة إلى الكولايدسكوب وهي آلة المشكال التي تظهر فيها الألوان بشكل متداخل وجميل)، هو عنوان يختزن التراث ويتبنى بنية الموشحات والتي تصفها المترجمتان على أنها نوع من الشعر المقطعيStrophic الذي ازدهر في الأندلس مملكة العرب الإسلامية التي دامت قرابة 800 عام في أوروبا.
إن قصيدة بشرى البستاني مكتوبة من 30 مقطعا رثائيا، وتتشابه في بنيتها الظاهرية مع شكل الموشحات الأصلية، ولكنها تخالفها تماما في الموضوع فالأولى قوامها البهجة والسعادة والمديح، والثانية ـ أي قصائد البستاني ـ موضوعها الحزن والفواجع المزمنة والمتعددة الوجوه للحرب".
تلك المقاطع الثلاثون تنطلق من لازمة واحدة تستهل به الشاعرة كل مقطع من مقاطع القصيدة مع اختلافات طفيفة وهي (دبابات الحرب تدور) وهو نفسه الذي تفتتح الشاعرة قصيدتها الطويلة به لتؤسس عليه هذه الاسئلة:
دبابات الغزو تدور
تسائلني الأسلحة العزلاء عن السر
وأسألها عن نبض الفجر
وأجثو عند خزائن بغداد وأشور
أمسك قلبي من وجع التفاح
عناقيد النخل على الأعواد
الكابوس يعاودني
أشهق في قاع الجب
وأبحث عن سيارة أهلي
أسأل غصنين ينامان على صدري
عن سر الجبل الصامت في قلب الصحراء
الشاعرة تؤرخ قصيدتها الطويلة بـ 30/4/2003 أي في تلك الأيام التي كانت فيها الدبابات تدور في الشوارع، والحملة الهمجية للحرب تدشن دخوها إلى بغداد والموصل وباقي مدن العراق بإحراق المكتبات وتدمير المتاحف العراقية ودك أبواب البنوك وفتحها للصوص لكي يعيثوا بها ويحولوها إلى خراب:
دبابات القتل تدور
بغداد
سمرقند
غرناطة تنهد
ثانية يوغل هولاكو في قمصان المدن التعبى
ثانية يقطع هولاكو
شريان الحبر الأسود
بعد تلك الأيام العصيبة التي استيقظ فيها الناس على بلد بلا ساعات ولا أيام ولا قوانين، أصبحت التواريخ تجاور بعضها بعضا في تناقض صارخ وفريد من نوعه في التاريخ:
دبابات الحقد تدور
غرناطة تعدو في قمصان الليل
يلاحقها الذئب التتري
تصل البصرة
يوقفها الأميركي على السلك الشائك
تزحف غلى ذي قار
بين جذور النخل الممتد من أوتار الحزن بسومر، حتى قلب النار.
ولكن الكلمات والأسئلة قد تبقى خرساء أمام العاصفة الهوجاء التي انطلقت من صندوق الدنيا لتنشر الموت فهل من مكان للحلم الجميل وسط الخراب:
تداهمني عيناك
بريق أخضر يغزوني في عز الليل
أفتح بابي
يدخل عطرك
يكبر
ينشر أجنحة التفاح
تهوي الألواح على مائدة ظمأى
يشتعل الورد برمل الحزن
وأردان النخل
ويغادرني المحتل.
وتتواصل القصيدة في ترديد لازمة دبابات الحرب تدور، ومع كل مقطع من مقاطع القصيدة تتساقط شظايا الحرب وتتحول الصدمة إلى صدمات، وتتجول الشاعرة بين مفردات العواصف والدم والدموع والصهوات والخيول الميتة ثم تعرج على أسلافها الشعراء كالمتنبي والمعري والسياب وتقول:
أبو تمام ينشر بائيته فوق ضفاف الكرخ،
الدبابات صدقت في كتب العرافات
انكسرت مقل العذراوات،
الخلجان
أما السياب الخالد بأغنية المطر فهو يتأمل أحذية الجند الأميركية وكيف يصير "عراق الأبنوس" خرائط في كف تطويه وتنشره فيغادر تمثاله شط العرب:
دبابات الغزو تدور
السياب يشكل رأسا ينزف منه الحلم
ويخطط حوريات تعدو بين النخل
وتشتعل في أذيال النهر النار
تسعى في شط العرب الأفعى
في فمها تحمل مفتاحا
تحمل ابليس الى ادم ..
***
البصرة تجرح معصمها
كي لا تغفو في زاوية الخندق
والسياب
يرفع فوق شناشيل الحزن
جراح وفيقة
تتبعه الأشجار
إن الشاعرة وهي تكتب قصيدتها الطويلة (أندلسيات لجروح العراق) غفلت عن قصد أو دون قصد عن فتح كوة للأمل في مكان تدمى فيه القلوب وتبكي بصمت وتنزف بصمت ولعل ذلك عائد إلى تاريخ كتابة القصيدة بعد الحرب مباشرة إذ:
دبابات الحرب تدور
الليلة أكتب حزني
فوق جذوع الجوز
وأبصر صخر القدس
يتدحرج فوق مآذن بغداد
أخبئ جرحي في قلب ضمير الخيمة
دمع التفاح دم يتخثر في كأس عطشى
نهران يدوران على جيد البستان
يصلان بغداد بعكا
مرهقة بغداد ومجروح معصمها
سر الرمان على وجنتها يذبل في الأصفاد
ومما يؤخذ على الكتاب باعتباره أول كتاب مترجم يصدر عن الشاعرة، هو تناوله لقصيدة واحدة طويلة بثيمة واحدة هي الحرب، وكان يمكن لهذه الفرصة النادرة تقديم مختارت لمجمل أعمال الكاتبة وأهم النصوص في تجربتها الشعرية المديدة والمتنوعة. وقد حاولت المترجمتان وفاء زين العابدين وسناء ظاهر تعديل هذا الميل في المقدمة الوافية التي كتبتاها للكتاب والتي تقدم بجهد بيوغرافي طيب نبذة وافية عن مسيرة الشاعرة وأهم محطاتها الأدبية، فهي بالإضافة إلى كونها شاعرة كتبت الشعر الحر والعمودي، ناثرة وناقدة وأستاذة جامعية وقاصة أحيانا (لديها مجموعة عنوانها هواتف الليل) ومهتمة بأغاني الطفل ولديها عدة قصائد للأطفال معدة للنشر تحت عنوان (النخلة العراقية).
وعن أسباب أختيار تلك القصيدة الطويلة لكتاب مترجم بالذات نقرأ ماجاء في المقدمة بقلم المترجمتين:
"لقد شعرنا بقوة بأن قصيدة بهذا المستوى تعاملت مع موضوع مباشر هو الحرب التي شنتها أميركا على العراق، ستنقل رسالة إلى العالم الغربي حيث الحاجة ماسة والرغبة كذلك، لمعرفة الحرب بقلم عراقية مطلعة عاشت الحرب من داخل العراق، ودفعتها تلك المعايشة لتقول كلمتها بصوت شعري".
|